28‏/06‏/2008

هل تعلم أن فرنسا كانت تلعب في بطولة اوروبا بنصف فريق من المسلمين ؟؟ وان سيدو كيتا احسن لاعب في العالم ترك اشهر وأغنى نادي في العالم بسبب الخمور ؟؟؟

هادي يحمد و محمد خيري
اسلام اون لاين
لم يعد الأمر خافيا على جماهير كرة القدم بفرنسا، فقد أصبحت الظاهرة لافتة للنظر بالنسبة للمراقبين للمشهد الرياضي الفرنسي هذه الأيام؛ حيث شاركت "الديوك الزرقاء" (الفريق الوطني الفرنسي) في كأس الأمم الأوربية بفريق يدين حوالي نصف لاعبيه بالإسلام الذي يعتبر ثاني ديانة بفرنسا بعد المسيحية.
ومن جملة 23 لاعبا يمثلون القائمة الرسمية للاعبين الفرنسيين الذين خاضوا دوري كأس أمم أوروبا، هناك على الأقل تسعة لاعبين من أصول إسلامية أو فرنسيين معتنقين للإسلام، وهو عدد غير مسبوق بالنسبة لمنتخب "الديوك".
ففضلا عن الثلاثي ذوي الأصول المغاربية المسلمة (كريم بن زيمة، وسامي النصري، وحاتم بن عرفة) -والذين يمثلون الدماء الجديدة للفريق الوطني الفرنسي- فإن الفريق أصبح يضم عدة معتنقين للإسلام، ومن أبرزهم النجم الصاعد أو كما تلقبه الصحافة الفرنسية بالطفل المدلل للجماهير الفرنسية "فرانك ريبري" (25 عاما).
النجمان "ريبري" و"أبيدال"

سيدو كيتا

في غمرة الفرحة التي يعيشها الإسبان نتيجة صعود منتخب بلادهم للمباراة النهائية في بطولة أمم أوروبا لكرة القدم المقررة غدا الأحد، كشفت الصحافة الإسبانية عن سر رفض اللاعب المالي المسلم "سيدو كيتا" الانتقال لفريق العاصمة الإسبانية ريال مدريد، أحد أشهر أندية الكرة بالعالم، وتفضيل غريمه اللدود فريق برشلونة عليه.
فقد ذكرت صحيفتا "ماركا" و"آس" الرياضيتين الإسبانيتين أن النجم المالي لاعب فريق إشبيلية الإسباني تلقى قبل شهرين عرضا خياليا من ريال مدريد للانضمام إلى صفوفه في الموسم الجديد، إلا أن رد اللاعب بالرفض بعد أسبوعين من تلقيه العرض كان مفاجأة للجميع.
وأكدت صحيفة "ماركا" أن كيتا (28 عاما) رفض ريال مدريد الذي يعتبر ارتداء ألوانه حلما لأي لاعب في العالم بعد دراسته لكل شيء يتعلق بالنادي الملكي، ومنها الإعلانات المطبوعة على فانلات اللاعبين.
فقد اكتشف النجم المالي، المعروف بالتزامه بتعاليم الدين الإسلامي مع رفيقه في نادي إشبيلية الإسباني فريدريك كانوتيه، أن عقده يُحتم عليه مثل كل اللاعبين الدعاية، والتصوير لشركة ألمانية تسمى (بواين Bwin)، فقام بالاستقصاء عن نشاط الشركة، فعرف أن لها استثمارات كبرى مع العديد من شركات الخمور في أوروبا، الذي اعتبره مخالفا لشرع الله ولدينه الحنيف.
وعلى الفور رفض كيتا - واسمه يعني بالعربية سيد كيتا، لكنه يُنطق في مالي حسب اللهجة المحلية سيدو كيتا ـ عرض أكبر فريق كرة قدم في العالم، وليس في أوروبا وحدها تجنبا للوقوع في أخطاء شرعية.
هدية السماء
وإذا كانت الصحيفتان الإسبانيتان لم تذكرا في تقريرهما نهاية الأسبوع الماضي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من ترك شيئا لله أبدله الله خيرا منه"، فإن ما حدث لسيدو كيتا بعد رفضه لريال مدريد ينطبق عليه هذا الحديث الشريف!
ففي تدريباته العادية مع إشبيلية فوجئ كيتا بعدها بأيام باتصال أحد المسئولين في إدارة نادي برشلونة الإسباني يطلب منه التفاوض لانتقاله لصفوف الفريق الغريم لريال مدريد، عقب علمهم برفض اللاعب الانضمام للنادي الملكي، كما يطلق عليه في إسبانيا.
وكما فعل كيتا مع ريال مدريد فعل مع برشلونة، فدرس العقد كاملا، ووجد أن الإعلان الوحيد على فانلته لمنظمة اليونسيف المعنية بحقوق الطفل في العالم، ويبلغ قيمة عرض انتقال كيتا من إشبيلية لبرشلونة 14 مليون يورو لمدة أربع سنوات.
وعُرف عن اللاعب حرصه الشديد على أداء الصلوات في وقتها، وكان له مع كانوتييه دور كبير في إقناع إدارة إشبيلية بتخصيص جزء من النادي ليكون مصلى لهما خلال أوقات التدريبات ووجودهما بالنادي.
وانضم كيتا - الفائز بجائزة أفضل لاعب في كأس العالم للشباب عام 1999 في نيجيريا - إلى برشلونة مقابل 14 مليون يورو، حيث كان أول الصفقات التي أعلنت عنها إدارة النادي للموسم الجديد.
وسيلعب كيتا في مركز صانع اللعب مكان البرتغالي ديكو الذي أعلن مؤخرا اعتزامه الرحيل عن برشلونة الذي يسعى لتجديد دمائه بعدما فشل في الفوز بأي لقب في الموسمين الماضيين. وسبق لكيتا أن لعب في فرنسا مع أندية مرسيليا (1999-2000) ولوريان (2000-2002) ولنس (2002-2007) قبل الانتقال إلى إشبيلية عام 2007 حيث لعب معه 45 مباراة سجل خلالها 7 أهداف.
وعلى صعيد آخر يواجه المنتخب الإسباني نظيره الألماني غدا الأحد على ملعب العاصمة النمساوية فيينا في نهائي مثير على كأس أمم أوروبا لكرة القدم الـ13 (يورو 2008) وسط لفيف من ساسة البلدين، ومتابعة جماهير الكرة في أوروبا والعالم.
فريبري الذي يرتدي القميص رقم 22، أصبح في الموسم الكروي المنصرم نجم فريق بايرن ميونيخ الألماني، وعرف ريبري بقراءته لسورة الفاتحة قبيل المباريات التي يلعبها، الأمر الذي تابعته وسائل الإعلام الفرنسية في بداية مباراة في تصفيات كأس العالم عام 2006 في ألمانيا، وهو ما أكدته أيضا الصحافة الألمانية مؤخرا.
وكان خبر إسلام "فرانك ريبري" تسرب حينما أشارت إليه بصورة ضمنية مجلة "الإكسبراس" الفرنسية سنة 2005. وفي ملف أعدته الصحيفة حول المعتنقين الجدد للإسلام الذين قدرتهم وقتها بحوالي 50 ألف فرنسي، تحدثت دون أن تذكر الاسم عن "لاعب بالمنتخب يتردد على أحد مساجد مدينة مرسيليا جنوب فرنسا". وفي ذلك التوقيت كان "فرانك ريبري" منضما إلى فريق "أولمبيك مارسيليا" الذي التحق به في بداية عام 2005.
ومن المرات القلائل التي تحدث فيها "ريبري" عن إسلامه لوسائل الإعلام الفرنسية ما نقلته عنه مجلة "باري ماتش" الفرنسية الأسبوع الماضي ضمن ملف خصصته عن زوجات لاعبي المنتخب الفرنسي.
وتطرقت المجلة إلى زوجة ريبري المغربية الأصل والتي أعرب عن تمسكه بها باعتبارها حافزا له للنجاح في حياته، وعن ديانته قال: "إن الإسلام هو الذي يمنحني القوة فوق الميدان وخارجه... حياتي كانت صعبة وكان عليَّ أن أجد شيئا يعبر عن وصولي إلى بر الأمان بعد حياة شاقة فوجدت الإسلام".
وتعرض "ريبري" في طفولته لحادث سيارة كادت تودي بحياته وتركت آثارها على وجهه إلى اليوم.
ومن الذين تحدثوا كذلك للمجلة عن اعتناقهم للإسلام في المنتخب الوطني الفرنسي، الظهير الأيسر "إريك أبيدال" (29 سنة) الذي ولد في مدينة ليون وسط فرنسا، وهو متزوج من فتاة جزائرية تدعى "حياة الكبير" وأنجب منها بنتين.
وأبيدال فرنسي ترجع أصوله لجزر المارتينيك النائية، واعتنق الإسلام منذ حوالي خمس سنوات وأطلق على نفسه اسم "بلال" ويلعب حاليا بفريق برشلونة الإسباني الشهير.
وحول اعتناقه للإسلام يقول أبديال: "كان نتيجة تفكير عميق، وأفضل أن أعيش ديانتي بدون إظهار، وأحمل القران في نفسي، ولم أعتنق الإسلام لأن حياة (زوجته) مسلمة، ولكن عن قناعة".
وأثار الإعلام الاسباني العام الماضي قضية حرص بعض اللاعبين المسلمين وعلى رأسهم "إريك أبيدال" على صيام شهر رمضان على الرغم من اشتراكهم في المباريات.
هنرى وأنيلكا وتوران
وفضلا عن المايسترو "فرانك ريبري" و"إريك أبيدال "، لم يعد يخفى على أحد في فرنسا أن ثلاثة لاعبين أساسيين آخرين في الفريق الأزرق اعتنقوا الإسلام، وهم " تيري هنري" الذي لم يتردد في أن يقوم في إحدى المباريات بسجدة الشكر، و"ليليان توران" و"نيكولا أنيلكا". غير أنه من بين هؤلاء الثلاثة، يتحدث "أنيلكا" صراحة عن اعتناقه الإسلام.
فـ"أنيلكا" الحامل للقميص رقم 8 في المنتخب الفرنسي، والذي ولد بمدينة فرساي جنوب باريس سنة 1979، استقر بفرنسا سنة 1984 قادمان من جزر المارتينيك الفرنسية.
واعتنق الإسلام باكرا في سن الـ16، حيث انتقل وقتها ليعيش في مدينة "ترابس" في ضواحي العاصمة باريس، وهي مدينة ذات غالبية مهاجرة مسلمة؛ حيث بدا أنه كان هناك تأثير لرفاقه وجيرانه المسلمين على تحوله للإسلام آنذاك.
وتحدث أنيلكا عن إسلامه عندما سئل في 2005 من قبل صحفي من مجلة "ليكيب ماجازين" الرياضية الفرنسية، فقال: "أعيش حياتي الروحية باطمئنان كمسلم".
وبالإضافة إلى المعتنقين للإسلام والذين يضمهم الفريق الوطني الفرنسي والذين يمثلون ركيزة الفريق دفاعا وهجوما، فإن كريم بن زيمة (20 سنة) والذي ولد لأبوين جزائريين يعتبر بلا منازع أمل كرة القدم الفرنسية؛ حيث احتل هذه السنة المرتبة الأولى في ترتيب الهدافين في بطولة الدوري الفرنسي بـ(20 هدفا).
ويحمل بن زيمة الرقم 10، وهو نفس الرقم الذي حمله نجم كرة القدم الفرنسية السابق "زين الدين زيدان"؛ مما حدا بوسائل الإعلام الفرنسية والمراقبين إلى اعتبار أن بن زيمة يخطو خطوات حثيثة لكي يكون خليفة زيدان.
وفضلا عن بن زيمة سطع حديثا في الفريق الأزرق "سمير نصري" لاعب فريق "أوليمبيك مارسيليا" الذي يحمل الرقم 22 كأحد الركائز المستقبلية للمنتخب الوطني الفرنسي. ونصري الذي شارك هذه السنة في أول لقاء له مع المنتخب الفرنسي لم يتجاوز عمره الـ19 سنة بعد، وبدأ مشواره الكروي مع "أولمبيك مرسيليا" سنة 2004.
ويعتبر نصري ابن ضواحي المدن الفرنسية مثله مثل بن زيمة، فالشاب الذي ولد لأبوين جزائريين في إحدى ضواحي مدينة مرسيليا سريعا ما انضم إلى فريقها المحترف، وحينما كان زين الدين زيدان في أوج شهرته ومثار فخر الفرنسيين كان نصري -وكما يقول في موقعه على الإنترنت- يتابع زيدان ويمني نفسه أن يسير على خطاه.
وفي الحقيقة.. ليس "بن زيمة" و"نصري" و"بن عرفة" فقط من أصول مسلمة بالفريق الأزرق؛ فهناك أيضا -بجانب هؤلاء المغاربيين الثلاثة- اللاعب لحسن ديارا (23 سنة) الذي ينحدر من أصول مالية مسلمة. ولقب "لحسن ديارا" بالجوهرة السوداء في فريق أرسنال الإنجليزي سابقا. وانضم السنة الماضية إلى فريق "بورت سموث" الإنجليزي أيضا.

هناك 4 تعليقات:

غير معرف يقول...

الاخوةالنصاري العرب ؟؟ما عذركم في عدم دراسة الاسلام بتفهم وانقدوه واقرأوه من الجلدة للجلدة ولا تسمعوا كلام القسس وانتم اطفال ان المسلمين وثنيين وشياطين ؟؟ووالله نحن في نعمة التوحيد ونتمناها لكم وهل يفكر عاقل بتثليث الله او تربيعه اذا اعتبرنا مريم اله عندما حل فيها الروح القدس؟؟نحن في القرن21 والقنوات الاسلامية امامكم فتابعوها وانظروا كيف نسأل علي الهواء العلماء عن اي شيء ونجد الاجابة فورا وليس مثل عندكم لو سألت رجل دين عن الثالوث او الفداء او الخطيئة يبهت وجهه ويقول لك ان شيطان مسلم اثر عليك

مصري يقول...

=================
هل الإسلام مسئول عن تخلف المسلمين ؟
الرد على الشبهة:
1 ـ حقائق التاريخ تبين بما لا يدع مجالاً للشك أن الإسلام قد استطاع بعد فترة زمنية قصيرة من ظهوه أن يقيم حضارة رائعة كانت من أطول الحضارات عمرًا فى التاريخ. ولا تزال الشواهد على ذلك ماثلة للعيان فيما خلفه المسلمون من علم غزيز فى شتى مجالات العلوم والفنون ، وتضم مكتبات العالم آلافًا مؤلفة من المخطوطات العربية الإسلامية تبرهن على مدى ما وصل إليه المسلمون من حضارة عريقة. يضاف إلى ذلك الآثار الإسلامية المنتشرة فى كل العالم الإسلامى والتى تشهد على عظمة ما وصلت إليه الفنون الإسلامية.
وحضارة المسلمين فى الأندلس وما تبقى من معالمها حتى يومنا هذا شاهد على ذلك فى أوروبا نفسها. وقد قامت أوروبا بحركة ترجمة نشطة فى القرنين الثانى عشر والثالث عشر لعلوم المسلمين. وكان ذلك هو الأساس الذى بنت عليه أوروبا حضارتها الحديثة.
2 ـ يشتمل القرآن الكريم على تقدير كبير للعلم والعلماء وحث على النظر فى الكون ودراسته وعمارة الأرض. والآيات الخمس الأولى التى نزلت من الوحى الإلهى تنبه إلى أهمية العلم والقراءة والتأمل (1). وهذا أمر كانت له دلالة هامة انتبه إليها المسلمون منذ البداية. وهكذا فإن انفتاح الإسلام على التطور الحضارى بمفهومه الشامل للناحيتين المادية والمعنوية لا يحتاج إلى دليل.
3 ـ أما تخلف المسلمين اليوم فإن الإسلام لا يتحمل وزره ، لأن الإسلام ضد كل أشكال التخلف. وعندما تخلف المسلمون عن إدراك المعانى الحقيقية للإسلام تخلفوا فى ميدان الحياة. ويعبر مالك بن نبى ـ المفكر الجزائرى الراحل ـ عن ذلك تعبيرًا صادقًا حين يقول: " إن التخلف الذى يعانى منه المسلمون اليوم ليس سببه الإسلام ، وإنما هو عقوبة مستحقة من الإسلام على المسلمين لتخليهم عنه لا لتمسكهم به كما يظن بعض الجاهلين ". فليست هناك صلة بين الإسلام وتخلف المسلمين.
4 ـ لا يزال الإسلام وسيظل منفتحًا على كل تطور حضارى يشتمل على خير الإنسان. وعندما يفتش المسلمون عن الأسباب الحقيقية لتخلفهم فلن يجدوا الإسلام من بين هذه الأسباب ، فهناك أسباب خارجية ترجع فى جانب كبير منها إلى مخلفات عهود الاستعمار التى أعاقت البلاد الإسلامية عن الحركة الإيجابية ، وهذا بدوره ـ بالإضافة إلى بعض الأسباب الداخلية ـ أدى أيضًا إلى نسيان المسلمين للعناصر الإيجابية الدافعة لحركة الحياة فى الإسلام.
5 ـ لا يجوز الخلط بين الإسلام والواقع المتدنى للعالم الإسلامى المعاصر. فالتخلف الذى يعانى منه المسلمون يُعد مرحلة فى تاريخهم ، ولا يعنى ذلك بأى حال من الأحوال أنهم سيظلون كذلك إلى نهاية التاريخ. ولا يجوز اتهام الإسلام بأنه وراء هذا التخلف ، كما لا يجوز اتهام المسيحية بأنها وراء تخلف دول أمريكا اللاتينية.
إن الأمانة العلمية تقتضى أن يكون الحكم على موقف الإسلام من الحضارة مبنيًّا على دراسة موضوعية منصفة لأصول الإسلام وليس على أساس إشاعات واتهامات وأحكام مسبقة لا صلة لها بالحقيقة.
================
هل صحيح أن الصوم يقلل حركة الإنتاج ؟
الرد على الشبهة:
1 ـ الصوم من العبادات التى لم ينفرد بها الإسلام. فقد أخبر القرآن الكريم أن الصوم كان مفروضًا أيضًا على الأمم السابقة: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ) (1). ولا تزال هناك ديانات أخرى حتى يومنا هذا تَعرِف شعيرة الصوم. ولكن هناك فرقًا واضحًا بين الصوم فى الإسلام والصوم فى غيره من الديانات. ويتمثل هذا الفرق فى أن الصوم فى الإسلام يأتى فى شهر معين من العام طبقًا للتقويم الهجرى ، ويبدأ صيام كل يوم بالامتناع التام عن الطعام والشراب وعن كل الشهوات من طلوع الفجر حتى غروب الشمس. وهذا يعنى أن المسلم يقضى نهار يومه كله ـ وهو وقت العمل المعتاد ـ وهو صائم على النحو المشار إليه. ولعل هذا هو السبب الذى من أجله يتوهم البعض أن الصوم الإسلامى بهذه الطريقة يقلل حركة الإنتاج لدى الفرد والمجتمع.
2 ـ والصوم فى حقيقة الأمر برئ من هذه التهمة. فالصوم يفترض فيه أنه يعمل على تصفية النفوس والتسامى بالأرواح. وهذا من شأنه أن يمد الفرد بطاقة روحية تجعله أقدر على الإنتاج والعمل أكثر مما لو لم يكن صائمًا. وهذه الطاقة الروحية قوة لا يستهان بها. وقد حارب المسلمون فى غزوة بدر أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وهم صائمون وانتصروا ، وحارب الجنود المصريون عام 1973م وهم صائمون حيث كان ذلك فى شهر رمضان وانتصروا. ولم يقلل الصوم من نشاطهم ، بل كان العكس هو الصحيح تمامًا.
3 ـ ما نراه فى بعض البلاد الإسلامية من قلة الإنتاج فى شهر الصوم يرجع إلى أسباب أخرى غير الصوم. فمن عادة الكثيرين أن يظلوا متيقظين فى شهر الصوم معظم الليل. ولا يأخذون قسطًا كافيًا من النوم ، فنجدهم ـ نظرًا لذلك ـ متعبين أثناء النهار. ومن هنا يقل إنتاجهم ، ويقبلون على أعمالهم ببطء وفى تثاقل. ويعتذرون عن ذلك بأنهم صائمون. وقد يكون اعتذارهم هذا فى أول النهار. فلو كان للصوم أى تأثير على النشاط ـ كما يزعمون ـ فإن ذلك لا يكون فى أول النهار ، بل يكون فى فترة متأخرة منه.
4 ـ لقد ثبت أن للصوم فوائد كثيرة صحية وروحية واجتماعية وتربوية. فالمفروض أنه فرصة سنوية للمراجعة والتأمل والتقييم والنقد الذاتى على المستويين الفردى والاجتماعى بهدف القضاء على السلبيات والتخلص من الكثير من الأمراض الاجتماعية ، وهذا من شأنه أن يدفع حركة المجتمع بخطى أسرع ، وبإخلاص أكثر ، وبوعى أفضل.
================
لماذا حرّم الإسلام الحرير والذهب على الرجال ؟
الرد على الشبهة:
1 ـ يعتمد القول بتحريم لبس الحرير والتختم بالذهب للرجال فى الإسلام على العديد من المرويات عن النبى صلى الله عليه وسلم ـ كما ذهب إلى ذلك جمهور العلماء ـ وتتلخص وجهة نظرهم فى أن من طبيعة الرجل الصلابة والقوة. والإسلام يريد أن يتربى الرجال بعيدًا عن مظاهر الضعف ، وبعيدًا أيضًا عن مظاهر الترف الذى يحاربه الإسلام ويعده مظهرًا من مظاهر الظلم الاجتماعى ، وذلك حتى يكون الرجل قادرًا على الكفاح والانتصار فى معارك الحياة وميادين القتال أيضًا إذا اقتضى الأمر. ولما كان التزين بالذهب وارتداء الحرير يُعدان من مظاهر الترف فقد حرمهما الإسلام على الرجال. ولكنه أباحهما للمرأة مراعاة لمقتضى أنوثتها وما فطرت عليه من حب للزينة (1).
2 ـ وعلى الرغم من هذا التحريم فإنه إذا كانت هناك ضرورة صحية تقضى بلبس الرجل للحرير فإن الإسلام يبيح له ذلك ولا يمنعه. فقد أذن النبى صلى الله عليه وسلم لكل من عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام فى لبس الحرير لأنهما كانا يشكوان من حكة فى جسمهما (2).
3 ـ وقد ذهب الإمام الشوكانى (توفى حوالى عام 1840م) فى كتابه الشهير " نيل الأوطار " إلى القول بأن أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم فى النهى عن لبس الحرير تدل على الكراهية فقط وليس على التحريم. والكراهية هنا درجة أخف من التحريم. ويقوى الشوكانى رأيه هذا بأن هناك ما لا يقل عن عشرين صحابيًّا منهم أنس والبراء بن عازب قد لبسوا الحرير. ومن غير المعقول أن يقدم هؤلاء الصحابة على ما هو محرّم ، كما يبعد أيضًا أن يسكت عنهم سائر الصحابة وهم يعلمون تحريمه (3).
4 ـ أما التختم بالذهب أى اتخاذه كخاتم ونحوه للرجال فقد ذهب جمهور العلماء إلى تحريمه أيضًا اعتمادًا على بعض الأحاديث النبوية. ولكن هناك جماعة من العلماء ذهبوا إلى القول بكراهة التختم بالذهب للرجال كراهة تنزيه فقط. وكراهة التنزيه بعيدة عن التحريم وقريبة من الإباحة أو الجواز ، واعتمدوا فى ذلك أيضًا على أن هناك عددًا من الصحابة قد تختموا بالذهب منهم سعد بن أبى وقاص ، وطلحة بن عبيد الله ، وصهيب ، وحذيفة ، وجابر بن سمرة ، والبراء بن عازب. الذين فهموا أن النهى للتنزيه وليس للتحريم (4).
-------------
(1) راجع: الحلال والحرام فى الإسلام للدكتور القرضاوى ص 80 وما بعدها ـ الدوحة ـ قطر 1978م.
(2) راجع: نيل الأوطار للشوكانى ج2 ص81 ـ دار الجيل ، بيروت 1973م.
(3) نيل الأوطار ج2 ص73 وما بعدها. راجع أيضًا: فقه السنة للشيخ سيد سابق ج3 ص 481 وما بعدها. بيروت 1971م.
(4) راجع: فقه السنة للشيخ سيد سابق ـ المجلد الثالث ص 482 وما بعدها ، 488 وما بعدها.

lمصري يقول...

فن السرور( )للأستاذ أحمد أمين( )

نعمة كبرى أن يمنح الإنسان القدرة على السرور، يستمتع به إن كانت أسبابه، ويخلقها إن لم تكن.
يعجبني القمر في تقلده هالةً تشع فنَّاً وسروراً، وبهاءاً ونوراً، ويعجبني الرجل أو المرأة يَخلُقُ حوله جوَّاً مشبعاً بالغبطة والسرور، ثم يَتَشَرَّبُه فيشرق في محياه، ويلمع في عينيه، ويتألق في جبينه، ويتدفق من وجهه.
يخطئ من يظن أن أسباب السرور كلها في الظروف الخارجية، فيشترط لِيُسَرَّ مالاً وبنين وصحة؛ فالسرور يعتمد على النفس أكثر مما يعتمد على الظروف، وفي الناس من يشقى في النعيم، ومنهم من ينعم في الشقاء؛ وفي الناس من لا يستطيع أن يشتري ضَحَكةً عميقةً بكل ماله وهو كثير، وفيهم من يستطيع أن يشتري ضحكات عالية عميقة واسعة بأتفه الأثمان، وبلا ثمن.
مع الأسف أُلاحظ أن كمية السرور في مصر والشرق قليلة، كما لاحظت من قبل أن كمية الحب في مصر والشرق قليلة.
وليست تنقصنا الوسائل، فجوُّنا جميل، وخيراتنا كثيرة، وتكاليف الحياة هينة، ووسائل العيش يسيرة، ومصائب الشرق من الحرب أقل منها في الغرب ومع هذا كله لا تزال كمية السرور في الشرق أقل.
أكبر سبب لذلك في نظري أن الحياة فَنٌّ، والسرور كسائر شئون الحياة فن؛ فمن عرف كيف ينتفع بالفن استغله واستفاد منه وحظِي به، ومن لم يعرفه لم يعرف أن يستغله وشقي به.
أول درس يجب أن يتعلم في فن السرور =قوة الاحتمال+ فأكبر أسباب الشقاء رخاوة النفس وانزعاجها العظيم للشيء الحقير؛ فما أن يصاب المرء بالتافه من الأمر حتى تراه حَرِجَ الصدر، لهيف القلب، كاسف الوجه، ناكس البصر، تتناجى الهموم في صدره، وتقض مضجعه، وتؤرق جفنه.
وهي وأكثر منها إذا حدثت لمن هو أقوى احتمالاً، لم يلق لها بالاً، ولم تُحَرِك منه نَفسَاً، ونام ملء جفونه رضِيَّ البال فارغ الصدر.
ومن أهم الأسباب في أنَّ أمم الغرب أقدر على السرور من أمم الشرق أنَّ تاريخ الغرب الحربي متسلسل متتابع، ومن مزايا الحروب أنها تصهر الأمم، وترخص الحياة، وتهوِّن الموت، وإذا رخصت الحياة وهان الموت رأيت المرء لا يعبأ بالكوارث إلا بقدر محدود؛ وإذا كان لا يهاب الموت فأولى ألا يهاب ما عداه؛ لأن كل شيء غير الموت أهون من الموت؛ فكل أسرة أوربية لها رجال فقدوا في الحرب؛ أو أصيبوا في الحرب أو ابتلوا بنوع من كوارث الحرب؛ فعلمتهم أن يتقبلوا هذه الرزايا بقوة احتمال، ونشأ عن هذا أنهم لا ينغصون حياتهم بذكرى الرزايا؛ فالأولى ألاَّ ينغصوها بتوافه الأمور.
أما أمم الشرق فقد مرَّ عليهم دهرٌ طويل لم يكونوا فيه أمماً حربية؛ بل كانوا مستسلمين وادعين، يتولى غيرهم الدفاع عنهم، وإن حاربوا فحرب الضرورة، وحرب الأفراد لا حرب الشعوب، فاستفظعوا الموت، وغَلوا في الحرص على الحياة، ولم يصابوا بكوارث شعبية يستعذبون معها الموت والتضحية، وتبع ذلك رخاوة العيش، وعدم القدرة على الاحتمال، وتهويل الصغائر، والجزع من توافه الأمور، ولا دواء لهذا إلا التربية القوية، وبث الأخلاق الحربية.
وسبب آخر لقلة السرور في الشرق، وهو سوء النظم الاجتماعية؛ ففي كل بيت محزنة من سوء العلاقات الزوجية والعلاقات الأبوية، وفي كل مصلحة أهلية أو حكومية مأساة من سوء العلاقات المصلحية، وأحاديث الدرجات والعلاوات، وعدم التعاون في حمل الأعباء، وبناء المعاملات على الفوضى والمصادفات .
ثم عدم القدرة على خلق أسباب السرور الاجتماعية؛ فاجتماعات المنازل التي تبعث السرور محدودة ضيقة نادرة، وفي كثير من الأحيان تنتهي بمنغصات والملاهي العامة إما داعرة لا ترضي الذوق السليم، ولا ترمي إلى غرض شريف، وإما تافهة لا يرقيها ذوق؛ ومن أجل ذلك كان أشد الناس بؤساً في الأمم الشرقية الطبقة المثقفة المهذبة التي رقى ذوقُها؛ فهي لا تكاد تجد لها ما يتفق وذوقها .
ومع هذا كله ففي استطاعة الإنسان أن يتغلب على كل هذه المصاعب، ويخلق السرور حوله، وجزء كبير من الإخفاق في خلق السرور يرجع إلى الفرد نفسه، بدليل أنا نرى في الظروف الواحدة والأسرة الواحدة والأمة الواحدة من يستطيع أن يخلق من كل شيء سروراً، وبجانبه أخوه الذي يخلق من كل شيء حزناً؛ فالعامل الشخصي _ لاشك _ له دخل كبير في خلق نوع من الجو الذي يتنفس منه؛ ففي الدنيا عاملان اثنان: عامل خارجي وهو كل العالم، وعامل داخلي وهو نفسك؛ فنفسك نصف العوامل؛ فاجتهد أن تكسب النصف على الأقل؛ و إذاً فرجحان كفتها قريب الاحتمال، بل إن النصف الآخر_وهو العالم _ لا قيمة له بالنسبة إليك إلا بمروره بمشاعرك؛ فهي التي تلونه، و تجمِّله أو تقبحه؛ فإذا جلوت عينيك, وأرهفت سمعك، وأعددت مشاعرك للسرور _ فالعالم الخارجي ينفعل مع نفسك فيكون سروراً.
إنا لنرى الناس يختلفون في القدرة على خلق السرور اختلاف مصابيح الكهرباء في القدرة على الضياء؛ فمنهم المظلم كالمصباح المحترق، ومنهم المضيء بقدر كمصباح النوم، ومنهم ذو القدرة الهائلة كمصباح الحفلات؛ فغيِّرْ مصباحك إن ضعف، واستعض عنه بمصباح قوي ينير لنفسك وللناس.
ولكن ما الوسيلة إلى ذلك؟
مما لا شَكَّ فيه أن غلبة الحزن مرض قد ينشأ من عوامل كثيرة مختلفة؛ فمن الخطأ رجوعها كلها إلى علة واحدة؛ وإذاً فمن الخطأ وضع علاج واحد للعلل كلها، ولكن فَحْصُ كل نفس وأسباب حزنها، ووضع العلاج الخاص بها لا يستطيعه إلا طبيب نفسي ماهر، أما الكاتب فلا يستطيع إلا قولاً عاماً، ووصفاً مشتركاً، وتعرضاً للمسائل العامة.
ولعل من أهم أسباب الحزن ضيقَ الأفق، وكثرة تفكير الإنسان في نفسه، حتى كأنها مركز العالم، وكأن الشمس والقمر والنجوم والبحار والأنهار والأمة والحكومة والميزانية والسعادة والرخاء كلها خلقت لشخصه؛ فهو يقيس كل المسائل بمقياس نفسه، ويديم التفكير في نفسه وعلاقة العالم بها، و هذا _ من غير ريب _ يوجد البؤس والحزن؛ فمحال أن يجري العالم وفق نفسه؛ لأن نفسه ليست المركز، وإنما هي نقطة حقيرة على المحيط العظيم، فإن هو وسَّع أفقه، ونظر إلى العالم الفسيح، ونسي نفسه أحياناً، ونسي نفسه كثيراً _ شعر بأن الأعباء التي ترزح تحتها نفسه، والقيود الثقيلة التي تثقل بها نفسه قد خفت شيئاً فشيئاً، وتحللت شيئاً فشيئاً.
وهذا هو السبب في أن أكثر الناس فراغاً أشدهم ضيقاً بنفسه، لأنه يجد من زمنه ما يطيل التفكير فيها إلى درجة أن يجن بنفسه؛ فإن هو استغرق في عمله، وفكر في أمته وفكَّر في عالمه، كان له من ذلك لذة مزدوجة: ذة الفكر والعمل، ولذة نسيان النفس.
ولعل من أول دروس فن السرور أن يقبض على زمام تفكيره؛ فيصرِّفه كما يشاء؛ فإن هو تعرض لموضوع مُقْبِضٍ _ كأن يناقش أسرته في أمر من الأمور المحزنة، أو يجادل شريكه، أو صديقه فيما يؤدي إلى الغضب _ حوَّل ناحية تفكيره، وأثار مسألة أخرى سارَّةً ينسى بها مسألته الأولى المحزنة؛ فإن تضايقْت من حديث ميزانية البيت فتكلم في السياسة، وإن آلمك حديث =الكادر+فتكلم في الجو، وانقل تفكيرك كما تنقل بيادق الشطرنج.
ثاني الدروس أو ثالثه _ لا أدري _ ألاَّ تقدر الحياة فوق قيمتها؛ فالحياة هينة، وكل ما فيها زائل؛ فاعمل الخير ما استطعت، وافرح ما استطعت ولا تجمع على نفسك الألم بتوقع الشر ثم الألم بوقوعه؛ فيكفي في هذه الحياة ألم واحد للشر الواحد.
وأخيراً، افعل ما يفعله الفنانون، فالرجل لا يزال يتشاعر حتى يكون شاعراً، ويتخاطب حتى يصير خطيباً، ويتكاتب حتى يصير كاتباً؛ فتصنَّع الفرح والسرور والابتسام للحياة؛ حتى يكون التطبع طبعاً.

lمصري يقول...

يخطئ من يظن أن أسباب السرور كلها في الظروف الخارجية، فيشترط لِيُسَرَّ مالاً وبنين وصحة؛ فالسرور يعتمد على النفس أكثر مما يعتمد على الظروف، وفي الناس من يشقى في النعيم، ومنهم من ينعم في الشقاء؛ وفي الناس من لا يستطيع أن يشتري ضَحَكةً عميقةً بكل ماله وهو كثير، وفيهم من يستطيع أن يشتري ضحكات عالية عميقة واسعة بأتفه الأثمان، وبلا ثمن.
مع الأسف أُلاحظ أن كمية السرور في مصر والشرق قليلة، كما لاحظت من قبل أن كمية الحب في مصر والشرق قليلة.
وليست تنقصنا الوسائل، فجوُّنا جميل، وخيراتنا كثيرة، وتكاليف الحياة هينة، ووسائل العيش يسيرة، ومصائب الشرق من الحرب أقل منها في الغرب ومع هذا كله لا تزال كمية السرور في الشرق أقل.
أكبر سبب لذلك في نظري أن الحياة فَنٌّ، والسرور كسائر شئون الحياة فن؛ فمن عرف كيف ينتفع بالفن استغله واستفاد منه وحظِي به، ومن لم يعرفه لم يعرف أن يستغله وشقي به.
أول درس يجب أن يتعلم في فن السرور =قوة الاحتمال+ فأكبر أسباب الشقاء رخاوة النفس وانزعاجها العظيم للشيء الحقير؛ فما أن يصاب المرء بالتافه من الأمر حتى تراه حَرِجَ الصدر، لهيف القلب، كاسف الوجه، ناكس البصر، تتناجى الهموم في صدره، وتقض مضجعه، وتؤرق جفنه.
وهي وأكثر منها إذا حدثت لمن هو أقوى احتمالاً، لم يلق لها بالاً، ولم تُحَرِك منه نَفسَاً، ونام ملء جفونه رضِيَّ البال فارغ الصدر.
ومن أهم الأسباب في أنَّ أمم الغرب أقدر على السرور من أمم الشرق أنَّ تاريخ الغرب الحربي متسلسل متتابع، ومن مزايا الحروب أنها تصهر الأمم، وترخص الحياة، وتهوِّن الموت، وإذا رخصت الحياة وهان الموت رأيت المرء لا يعبأ بالكوارث إلا بقدر محدود؛ وإذا كان لا يهاب الموت فأولى ألا يهاب ما عداه؛ لأن كل شيء غير الموت أهون من الموت؛ فكل أسرة أوربية لها رجال فقدوا في الحرب؛ أو أصيبوا في الحرب أو ابتلوا بنوع من كوارث الحرب؛ فعلمتهم أن يتقبلوا هذه الرزايا بقوة احتمال، ونشأ عن هذا أنهم لا ينغصون حياتهم بذكرى الرزايا؛ فالأولى ألاَّ ينغصوها بتوافه الأمور.
أما أمم الشرق فقد مرَّ عليهم دهرٌ طويل لم يكونوا فيه أمماً حربية؛ بل كانوا مستسلمين وادعين، يتولى غيرهم الدفاع عنهم، وإن حاربوا فحرب الضرورة، وحرب الأفراد لا حرب الشعوب، فاستفظعوا الموت، وغَلوا في الحرص على الحياة، ولم يصابوا بكوارث شعبية يستعذبون معها الموت والتضحية، وتبع ذلك رخاوة العيش، وعدم القدرة على الاحتمال، وتهويل الصغائر، والجزع من توافه الأمور، ولا دواء لهذا إلا التربية القوية، وبث الأخلاق الحربية.
وسبب آخر لقلة السرور في الشرق، وهو سوء النظم الاجتماعية؛ ففي كل بيت محزنة من سوء العلاقات الزوجية والعلاقات الأبوية، وفي كل مصلحة أهلية أو حكومية مأساة من سوء العلاقات المصلحية، وأحاديث الدرجات والعلاوات، وعدم التعاون في حمل الأعباء، وبناء المعاملات على الفوضى والمصادفات .
ثم عدم القدرة على خلق أسباب السرور الاجتماعية؛ فاجتماعات المنازل التي تبعث السرور محدودة ضيقة نادرة، وفي كثير من الأحيان تنتهي بمنغصات والملاهي العامة إما داعرة لا ترضي الذوق السليم، ولا ترمي إلى غرض شريف، وإما تافهة لا يرقيها ذوق؛ ومن أجل ذلك كان أشد الناس بؤساً في الأمم الشرقية الطبقة المثقفة المهذبة التي رقى ذوقُها؛ فهي لا تكاد تجد لها ما يتفق وذوقها .
ومع هذا كله ففي استطاعة الإنسان أن يتغلب على كل هذه المصاعب، ويخلق السرور حوله، وجزء كبير من الإخفاق في خلق السرور يرجع إلى الفرد نفسه، بدليل أنا نرى في الظروف الواحدة والأسرة الواحدة والأمة الواحدة من يستطيع أن يخلق من كل شيء سروراً، وبجانبه أخوه الذي يخلق من كل شيء حزناً؛ فالعامل الشخصي _ لاشك _ له دخل كبير في خلق نوع من الجو الذي يتنفس منه؛ ففي الدنيا عاملان اثنان: عامل خارجي وهو كل العالم، وعامل داخلي وهو نفسك؛ فنفسك نصف العوامل؛ فاجتهد أن تكسب النصف على الأقل؛ و إذاً فرجحان كفتها قريب الاحتمال، بل إن النصف الآخر_وهو العالم _ لا قيمة له بالنسبة إليك إلا بمروره بمشاعرك؛ فهي التي تلونه، و تجمِّله أو تقبحه؛ فإذا جلوت عينيك, وأرهفت سمعك، وأعددت مشاعرك للسرور _ فالعالم الخارجي ينفعل مع نفسك فيكون سروراً.
إنا لنرى الناس يختلفون في القدرة على خلق السرور اختلاف مصابيح الكهرباء في القدرة على الضياء؛ فمنهم المظلم كالمصباح المحترق، ومنهم المضيء بقدر كمصباح النوم، ومنهم ذو القدرة الهائلة كمصباح الحفلات؛ فغيِّرْ مصباحك إن ضعف، واستعض عنه بمصباح قوي ينير لنفسك وللناس.
ولكن ما الوسيلة إلى ذلك؟
مما لا شَكَّ فيه أن غلبة الحزن مرض قد ينشأ من عوامل كثيرة مختلفة؛ فمن الخطأ رجوعها كلها إلى علة واحدة؛ وإذاً فمن الخطأ وضع علاج واحد للعلل كلها، ولكن فَحْصُ كل نفس وأسباب حزنها، ووضع العلاج الخاص بها لا يستطيعه إلا طبيب نفسي ماهر، أما الكاتب فلا يستطيع إلا قولاً عاماً، ووصفاً مشتركاً، وتعرضاً للمسائل العامة.
ولعل من أهم أسباب الحزن ضيقَ الأفق، وكثرة تفكير الإنسان في نفسه، حتى كأنها مركز العالم، وكأن الشمس والقمر والنجوم والبحار والأنهار والأمة والحكومة والميزانية والسعادة والرخاء كلها خلقت لشخصه؛ فهو يقيس كل المسائل بمقياس نفسه، ويديم التفكير في نفسه وعلاقة العالم بها، و هذا _ من غير ريب _ يوجد البؤس والحزن؛ فمحال أن يجري العالم وفق نفسه؛ لأن نفسه ليست المركز، وإنما هي نقطة حقيرة على المحيط العظيم، فإن هو وسَّع أفقه، ونظر إلى العالم الفسيح، ونسي نفسه أحياناً، ونسي نفسه كثيراً _ شعر بأن الأعباء التي ترزح تحتها نفسه، والقيود الثقيلة التي تثقل بها نفسه قد خفت شيئاً فشيئاً، وتحللت شيئاً فشيئاً.
وهذا هو السبب في أن أكثر الناس فراغاً أشدهم ضيقاً بنفسه، لأنه يجد من زمنه ما يطيل التفكير فيها إلى درجة أن يجن بنفسه؛ فإن هو استغرق في عمله، وفكر في أمته وفكَّر في عالمه، كان له من ذلك لذة مزدوجة: ذة الفكر والعمل، ولذة نسيان النفس.
ولعل من أول دروس فن السرور أن يقبض على زمام تفكيره؛ فيصرِّفه كما يشاء؛ فإن هو تعرض لموضوع مُقْبِضٍ _ كأن يناقش أسرته في أمر من الأمور المحزنة، أو يجادل شريكه، أو صديقه فيما يؤدي إلى الغضب _ حوَّل ناحية تفكيره، وأثار مسألة أخرى سارَّةً ينسى بها مسألته الأولى المحزنة؛ فإن تضايقْت من حديث ميزانية البيت فتكلم في السياسة، وإن آلمك حديث =الكادر+فتكلم في الجو، وانقل تفكيرك كما تنقل بيادق الشطرنج.
ثاني الدروس أو ثالثه _ لا أدري _ ألاَّ تقدر الحياة فوق قيمتها؛ فالحياة هينة، وكل ما فيها زائل؛ فاعمل الخير ما استطعت، وافرح ما استطعت ولا تجمع على نفسك الألم بتوقع الشر ثم الألم بوقوعه؛ فيكفي في هذه الحياة ألم واحد للشر الواحد.
وأخيراً، افعل ما يفعله الفنانون، فالرجل لا يزال يتشاعر حتى يكون شاعراً، ويتخاطب حتى يصير خطيباً، ويتكاتب حتى يصير كاتباً؛ فتصنَّع الفرح والسرور والابتسام للحياة؛ حتى يكون التطبع طبعاً.


الابتهاج بالحياة ( ) للأستاذ أحمد أمين

لقد أكثرت في أحاديثي الماضية عن متاعب الحياة فلأحدثكم اليوم عن الابتهاج بالحياة.
والحق أنَّا لو قارنا بين الغربيين والشرقيين لوجدنا أن الشرقيين تغلب عليهم طبيعة الحزن والاكتئاب.
وهذا ما يلاحظه الغربيون على الطلبة الشرقيين الذين يتعلمون عندهم، وهذا _أيضاً_ ما نلاحظه نحن على أنفسنا، فنحن إذا حدث ما يستوجب الحزن أفرطنا فيه كما يحدث في الوفيات؛ نبالغ في البكاء على الميت، وننغص حياتنا لفقده مدة طويلة، ونقيم التقاليد الكثيرة من مآتم وأخمسة وأربعين، وحفلات تأبين ونحو ذلك.
وكذلك نبالغ في الحزن في النكبات كالحزن عند الأمراض، والحزن عند خسارة مالية، ونحو ذلك.
وكثير منا إذا لم يجد سبباً من أسباب الحزن أوجده؛ فهو وأهله في صحة، وعندهم من المال ما يكفيهم، ودنياهم سائرة على ما يرام، ولكنهم مع ذلك يخلقون أسباب الحزن خَلْقاً؛ فيحملون همَّ المستقبل، وماذا سيكون فيه؟ أو يتنازعون على شيء تافه؛ فيحزنون من أجله.
وعلى كل حال فطبيعتنا يغلب عليها الحزن، ومن فرح بالحياة وابتهج بها فابتهاج قليل يعقبه حزن طويل، أو إفراط في مباهج الحياة يسبب تنغيصاً، وحزناً، وألماً يعقبه أضعاف ما ناله من فرح وابتهاج.
ولعل السبب في انتشار طابع الحزن علينا يرجع إلى أمور كثيرة، أهمها ما مضى على الشرق من عصور كان فيها ظلم الحكام شديداً قاسياً أمات روح الناس، وقلل من ابتهاجهم.
وتلا هذا الاستعمار وما فيه من ظلم، واستغلال، وضغط على الحرية جعل الناس يألمون ويكتمون ألمهم، والألم المكتوم أفعل في النفس من الألم الظاهر.
وهناك سبب آخر وهو أن الحياة في الشرق تسودها الفوضى، وعدم النظام، والفوضى في الحياة تسبب المتاعب والألم؛ فإذا كان البيت فوضى تعب أفراد الأسرة، وإذا كانت الوظائف فوضى تعب الموظفون، وإذا كان الترام والسيارات فوضى تعب الراكبون، وإذا كان الطباخون وقائدوا السيارات والخدم لا يسيرون في حياتهم على نمط معقول تعب من يعاملهم، وهكذا...
فالإنسان في استمرار يعامل طائفة كبيرة من أفراد المجتمع، فإذا لم تنتظم الحياة معهم سببت الألم والمتاعب، وهيجت الأعصاب، وأورثت الحزن، وهكذا...
والحياة فن من الفنون فإذا ضاع فن الحياة ضاع السرور بها، بل إن السرور بالحياة نفسه فن من الفنون، ويخطئ من يظن أن أسباب السرور كلها في الظروف الخارجية، فيشترط لأجل أن يكون مسروراً مالاً وبنين وصحة ونحو ذلك.
فالسرور يعتمد على النفس أكثر مما يعتمد على الظروف، وفي الناس من يشقى في النعيم ومنهم من ينعم في الشقاء، ومن الناس من لا يستطيع أن يشتري ساعة سعيدة ضاحكة مستبشرة بأغلى الأثمان، ومنهم من يستطيع أن يشتريها بأتفه الأثمان، وذلك لاختلافهم في الطبع والمزاج.
إننا نحتاج للابتهاج بالحياة إلى شيئين هامين: أولهما تنظيم الحياة في أنفسنا وفي مَنْ حولنا؛ فالبيت إذا نُظِّم _ أعني نُظِّمت ميزانيتُه، ونظمت حياةُ صغاره وكباره، ونظمت العلاقة بين الزوجين، وبينهما وبين الأولاد_ كان أهله أقربَ إلى الابتهاج بالحياة.
والموظف إذا نظمت مصلحته، أعني حسنت علاقته بينه وبين رؤسائه ومرؤوسيه كان أهدأَ بالاً، وأسعدَ حالاً.
وكذلك كل ما يتعلق بالإنسان من شؤون إذا نظمت كانت مبعث سعادة وابتهاج.
والأمر الثاني الشجاعة؛ فكثيراً ما يكون سبب الحزن فقدان الشجاعة، يخاف الإنسان من الموت، ويخاف من الفقر، ويخاف أن تنزل به كارثة، ويخاف من المستقبل، ويخاف أن يفشل في عمله؛ فهذا الخوف كله ينغص عليه حياته، ويجعله منقبضاً غير مبتهج.
وسبب آخر وهو عدم تنظيم أسباب السرور، وهذا أمر يحتاج إلى مهارة، فالزوج أو الزوجة في البيت إذا مَهَرا في خلق أسباب السرور جعلا البيت جنة، ونحن تنقصنا هذه المهارة في خلق السرور مع مهارتنا الكبرى في خلق المنغصات؛ فاجتماعات المنزل كثيراً ما تنتهي بنزاع، حتى الملاهي العامة كثيراً منها لا يرضي الذوق السليم ولا الفن الرفيع، وكثيراً ما تكون تافهة لا يجملها فن، ولا يرقيها ذوق، ومن أجل هذا كان أشد الناس بؤساً في الحياة هنا من رقي ذوقه، ونبلت نفسه.
إن الناس يختلفون في قدرتهم على الابتهاج بالحياة اختلاف المصابيح الكهربائية، فمنها مصباح محترق لا ضوء فيه، ومنها مصباح يضيء بقوة عشر شمعات، أو خمس عشرة، أو عشرين أو مائة أو مائتين، وهكذا الناس طبيعة منيرة مضيئة مشرقة، وطبيعية حزينة أسيفة مكتئبة مظلمة.
وجزء من هذا الاختلاف طبيعي في خِلْقَةِ بعض الأفراد، ولكن الجزء الكبير يرجع إلى العادة؛ فمن السهل تعويد النفس النظر إلى الحياة نظراً بهيجاً مفرحاً.
ومن الملاحظ أن الذين يغلب عليهم الحزن هم الذين يكثرون التفكير في أنفسهم، والتفكير في مستقبلهم؛ فإذا اعتدل الإنسان في التفكير في نفسه، ووسع أفقه، وفكَّر في غيره، وفكَّر في العالم كان أقل حزناً، وأكثر ابتهاجاً.
وهذا الفن _ فن الابتهاج بالحياة _ يتطلب أن يقبض الإنسان على زمام تفكيره فيصرفه كما يشاء، فإن رأى نفسه قد تعرض لموضوع مُقْبض كميزانية بيته، أو سوء مصلحته، أو متاعبه في وظيفته_ فليحول تفكيره إلى مسألة أخرى، ويثير مسألة من المسائل التي تجلب السرور عليه.
ومن الحكمة والعقل ألا يجمع الإنسان على نفسه بين الألم بتوقع الشر، والألم بحصول الشر؛ فليسعد ما دامت أسباب الحزن بعيدة عنه، فإذا حدثت _ لا قدر الله _ فليقابلها بشجاعة واعتدال.
إن الرجل المبتهج بالحياة يزيده الابتهاج بالحياة قوة؛ فيكون أقدر على الجد، وحسن الإنتاج، ومقابلة الصعاب من الرجل المنقبض الصدر الممتلئ بالهم والغم.
وكما أن كل عادة تكتسب بالتمرين، فالصانع يكتسب صناعته من التمرين، والموظف يتقن عمله بالتمرين، والنظافة والقذارة حسب الاعتياد، والأخلاق الفاضلة أو الرذيلة حسب الاستعداد _ فكذلك الشأن في مقابلة الحياة بالحزن والألم، أو بالابتهاج والسرور.
وما الحياة؟ مرحلة عابرة لا تستحق أن ينغص الإنسان نفسه فيها بكثرة الألم، وكل ما يطلب من الإنسان فيها أن يقضيها على أحسن وجه مبتهجاً مسروراً فعالاً للخير، يشعر بالفرح لفرح الناس، وبالخير يَصِلون إليه، ويبتهج بجمال الطبيعة وجمال ما فيها، فإن صادفه ما يؤلم نَحّاه جانباً إن أمكنه، ورضي مطمئناً بما لم يمكن تغييره، وبهذا يعيش عيشة راضيةً، عيشة سعيدة موفقه.
إن أردت أن تعرف شيئاً صحيح هو أو فاسد؟ سواء كان هذا الشيء عادة من العادات، أو خلقاً من الأخلاق _ فانظر هل هو مما يزيد الحياة، قوة ويكسب الحياة صحة فاحكم عليه _ إذن _ بأنه عمل نافع .
وإن كان يضعف الحياة ويجعلها مريضة فاحكم عليه _ إذن _ بأنه عمل ضار .
ولا شك أن الهم والاستسلام للحزن، والخوف من توقع المكروه، والإفراط في تقدير الآلام _ مما يضعف الحياة، ويضعف الإنتاج، ويزيد الآلام والبؤس والشقاء؛ فحارب الكآبة في نفسك وابتسم للحياة، وابتهج بها في غير إسراف تزد حياتك، قوة وتشعر بالسعادة، وتُشعر بها من حولك.
إن الابتهاج بالحياة فن من الفنون جهلناه، فأصبحت حياتنا كالماكينة التي وضع جزء منها في غير موضعه، فسبب ذلك خراب الماكينةَ كلَّها، وضوضاءها في سيرها، وعدم انتظامها، والذَّنْبُ ذنبُنا لا ذنب أي شيء آخر.
خذ مثلاً الأسرة؛ فكل أسرة غالباً لها أوقات فراغ تقضيه في البيت مجتمعة، وهذا الوقت عند الأمم الراقية من أسعد الأوقات يقضونه إما في حديث ممتع، أو في لعب فنية، أو نوادر طريفة، أو (فوازير) جميلة، فتنتعش بذلك النفس، وتبتهج الحياة، وينسى كل فرد ما لقيه من متاعب عمله خارج البيت؛ فماذا نصنع نحن في مثل هذا الوقت؟ لَمْ نتقِنْ فن اللعب الظريف، ولا النوادر اللطيفة، وإنما أتقنا فن المشادة والغضب لأتفه الأسباب، وتنغمس الحياة بما لا يُحصى ولا يعد من أسباب.
إن أهم ما في الحياة معرفة طرق المعيشة، وكان من الطبيعي _ وقد كانت حياتنا أعز شيء علينا _ أن نبذل جهداً كبيراً في البحث عن أسباب سعادتها، والابتهاج بها.
فإذا خرجنا عن الأسرة إلى الحياة خارج البيت وجدنا الرجل يضيع أكثر أوقاته في الجلوس على مقهى ولعب شطرنج أو نرد أو نحو ذلك، أو جلس مع أصدقاء يتحدثون حديثاً سخيفاً في العلاوات والدرجات، وتركوا أسرتهم تضيع الوقت _أيضاً_ في توافه الأمور؛ فلا الرجل يفكر كيف يسعد أهله، ولا المرأة تفكر في كيف تسعد أسرتها، وقل من استفاد من الحياة كما ينبغي، فلا المناظر الطبيعية الجميلة تجذب انتباههم، ولا القراءة اللذيذة الممتعة تسترعي انتباههم، ولا تخصيص وقت للخدمة الاجتماعية العامة تنال حظاً من أوقاتهم؛ فمن أين يفرحون؟ وبأي شيء يبتهجون؟
فالحق أن الحياة رواية في استطاعة الإنسان أن يجعلها رواية ضاحكة مبتهجة، وأن يجعلها مأساة حزينة مكتئبة.
إن أهم سبب في الابتهاج بالحياة هو أن يكون للإنسان ذوق سليم مهذب يعرف كيف يستمتع بالحياة، وكيف يحترم شعور الناس ولا ينغص عليهم، بل ويدخل السرور على أنفسهم؛ فالذوق السليم قادر على استجلاب القلوب، وإدخال السرور على نفس صاحبه ونفس من حوله، وكما قال القائل: =ما تريد نيله بالتخويف والإرهاب يمكنك أن تناله بالابتسام+.
تصور أسرة ساد فيها الذوق السليم نرى كل فرد فيها يتجنب جرح إحساس غيره بأي لفظ أو أي عمل يأباه الذوق، بل إن ذوقه يرفعه إلى حد أنه يتخير الكلمة اللطيفة والعمل الظريف الذي يدخل السرور على أفراد أسرته.
إن الذوق السليم في البيت يأبى النزاع، ويأبى حدة الغضب، ويتطلب النظام، وحسن الترتيب، والاستمتاع بجمال الزهور، وجمال النظافة، وجمال كل شيء في البيت، فلسنا مبالغين إذا قلنا: إن رقي الذوق أكثر أثراً في السعادة من رقي العقل؛ إن الذوق إذا رقي أنف من الأعمال الخسيسة، ومن الأقوال النابية ومن الأفعال السخيفة.
ولو استطعت لجعلت جزءاً كبيراً من مناهج التعليم في المدارس لتربية الذوق بجانب المناهج المكتظة بتربية العقل.
كل إنسان في الدنيا يضع على عينيه منظاراً حقيقياً أو مجازياً، وأكثرنا مع الأسف يلبس منظاراً أسود يريه كلَّ شيء أسود؛ فإذا نظروا إلى الأشياء نظروا إلى معايبها، ولم ينظروا إلى محاسنها، ولم يعجبهم حاضرهم، ورأوا السعادة في غير ما هم فيه ولذلك يكثرون من إذا... ولو... ولعل... وعسى...
ولو حصل كل ما يتمنون ما زادوا شيئاً وما تغيرت حالتهم ما دامت على أعينهم هذه النظارات، ولم يغيروها بنظارات بيضاء ترى الحياة على حقيقتها، وترى الدنيا مملوءةً بالمسرات مع قليل من الأحزان، وكثيراً من النعم مشوبة بقليل من النقم.
وهذه الأحزان، وهذه النقم قليلة القيمة إذا تسلح الإنسان بالشجاعة في مقاومتها، وفي استطاعة الإنسان أن ينصب في نفسه سرادقاً كبيراً، إما لمأتم كبير، أو لفرح كبير.
ويخطئ كثير من الناس فيظن أن الابتهاج بالحياة معناه اللذة الحادة الجامحة، ويظنون السعادة في الإفراط في الملاهي على اختلاف ألوانها، إما في سكر مفرط، أو غشيان دار من دور اللهو الخليعة أو نحو ذلك.
وليس هذا ابتهاجاً بالحياة وإنما هو إبادة للحياة، وهذه اللذات الحادة كنار القش تلتهب سريعاً، وتخمد سريعاً، وقد يكون من أضرار التهابها وآلامها ما يساوي أضعاف لحظات لذتها.
إنما نعني بالابتهاج بالحياة موقف النفس إزاء الحياة، والاستمتاع بها استمتاعاً معتدلاً لاإفراط فيه ولا تفريط، نريد بها حالة من أحوال النفس، تهيئ ذوقاً للاستمتاع بمحيطنا استمتاعاً أطول ما يمكن، وأقوى ما يمكن، استمتاعاً يقوِّينا على الجد في الحياة، ويجعلنا أقدر على إسعاد أنفسنا وإسعاد من حولنا.
أما اللذات الحادة الوقتية فلذاتٌ وهميةٌ يتبعها من الألم أكثر مما تستوجب من اللذة.
إن راحة الضمير، ولذة العقل، ولذة الروح، ولذة النفس واللذة التي يشعر لها المرء إنه مصدر للخير يشعه على الناس كما تشع الشمس ضوءها.
كل ذلك ابتهاج بالحياة لا يعادله التمرغ في اللذات الدنيئة الوقتية التي تسبب لذة عارضة تعقبها حسرات دائمة.