04‏/03‏/2009

انزع عنك رداء الكهنوت يا جناب القمص !!!

هذه رسالة أوجهها لجناب القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير أستاذ اللاهوت الدفاعي وراعي كنيسة السيدة العذراء الأثرية بمسطرد . ومفادها أنني أطلب منه أن يتقدم باستقالته كقمص في الكنيسة المصرية ، وأن يخلع عنه هذا الرداء الأسود أو الرداء الكهنوتي ، وبعدها يقوم بالانضمام لصفوف العلمانيين أو يحاول الانضمام لصفوف الحزب الوطني مدافعاً عن حقوق الشعب أو حتى يقوم بإنشاء حزب سياسي ويطلق تصريحاته السياسية وقتها كيفما أراد . والسبب من مطالبتي له هذا المطلب هو أني قرأت له ذاك الحديث الذي أدلى به لجريدة صوت الأمة الأسبوع الماضي ، والذي قال فيه كلاماً في منتهى العجب والتناقض .في صدر صفحتها التاسعة نشرت جريدة صوت الأمة في العدد الصادر يوم الاثنين 23/2/2009 مانشيتا عريضا يقول : ( فيلسوف الكنيسة عبد المسيح بسيط يفجر قنبلة :أؤيد جمال مبارك لحكم مصر وأيمن نور خان حزبه وتحالف مع الأخوان) ، بسيط في تصريحاته الصحفية صال وجال في السياسة وكأنه رجل سياسي لا يشق له غبار في شارع السياسة ، ويمارس السياسة من عشرات السنين لا رجل دين مسيحي ومدرس اللاهوت الدفاعي وقمص يعمل في الكنيسة المصرية راعياً لأحد كنائسها وليته تكلم كلاماً مقبولاً . أولا من حق جناب القمص أن يؤيد من يريد أن يؤيده صالحاً لحكم مصر من وجهة نظره فهذا شئ لا يعنينا ونحن لا نتدخل في اختياره ولكن يا جناب القمص من العيب أن تتهم كل أحزاب المعارضة بأنها مجموعة من المغمورين تريد إحراق مصر !!!لقد قال بالحرف أن جميع الأحزاب تريد أن تحرق البلد وأنهم مجموعة مغامرين وأنا بدوري أسأله أين دليلك على هذا الكلام وهذه الاتهامات البشعة في حق كل أحزاب المعارضة المصرية ؟؟؟ وأيضاً اتهم أيمن نور بأنه خائن لحزبه ولم يتهمه بالخيانة فحسب بل أنه قال أن أيمن نور اتبع مبدأ تشرشل وهو أن يتحالف مع الشيطان في سبيل النصر . لماذا يريد جناب القمص تهييج الشعب المسيحي على كل طوائف المعارضة بجميع أشكالها في البلد ، الغريب أن بسيط قال لن يترك المسيحيون مصر مهما اشتد الهجوم عليهم وكأن المسيحيين في مصر يتعرضون للقتل والإبادة ليل نهار من الإرهابيين المسلمين ، استحلفكم بالله هل البلاد تحديداً في هذا التوقيت في حاجة لمثل هذه التصريحات التي تزيد الفتن بين المسلمين والمسيحين ؟ ليس هذا الذي أثار استغرابي الشديد من أستاذ اللاهوت الدفاعي عبد المسيح بسيط فحسب ولكنه فضلاً عن ذلك اتهم على حد زعمه أحد الشيوخ الكبار في محافظة البحيرة بأنه يحرض المسيحيات على الأسلمة ومنهن الأخت وفاء قسطنطين وهذا بعلم الدولة يعني يقصد أنه تحت سمع وبصر المسئولين . جناب القمص يحاول إقناع الناس أن هناك أحد الشيوخ الكبار يقوم بخطف الفتيات وأسلمتهن ليس بمفرده طبعاً فهذا الأمر يحتاج لإمكانيات عالية وترتيبات وحركات لابد من مساعدة الأمن والمسئولين له أو على الأقل أن يغضوا السمع والبصر عن تصرفاته ، والعجيب أن جناب القمص لم يذكر اسم الشيخ المعروف في البحيرة الذي يقوم بأسلمة الفتيات ، كما لم يوضح أو يعرض لنا حالة واحدة من هذه الحالات ويقدمها للصحافة وللرأي العام كواحدة من ضحايا الإرهاب الإسلامي . على مدار تاريخها كله لا تترك الكنيسة المصرية فرصةً تتملك فيه فرداً خلع عن كاهله رداء المسيحية واعتنق الإسلام ، فإنها لو تملكت منه واستحوذت عليه فمصيره معروف واسألوا جدران الأديرة .عملية خطف البنات المسيحيات أو أسلمتهن من قبل الشيخ بعلم المسئولين الذي ذكره بسيط في تصريحه كلام ليس له أي أساس من الصحة .معقولة هل فات القمص بسيط وهو من المقربين من السلطة العليا للكنيسة الأرثوذكسية ومن المجمع المقدس مؤتمرات تثبيت العقيدة التي تعقدها الكنيسة المصرية بصفة دورية تحت إشراف المجمع المقدس وبرئاسة الأنبا بيشوي ولا سيما الذي عقد العام قبل الماضي في محافظة الفيوم والذي خرج بتوصيات في منتهى الخطورة أجملها ولخصها الأنبا بخوميوس في نهاية المؤتمر في التصريح الأخطر على مستوى هذه المؤتمرات من أول نشأتها ، وهو الذي قال فيه بالحرف الواحد : ( مفيش حاجه اسمها المسلمين بيخطفوا بناتنا محدش يعرف يخطف قطة دلوقت ) وقال أنه ( من 80 إلى 200 حالة بيدخلوا الإسلام يومياً وبيشهروا إسلامهم بكامل إرادتهم ) وقال بخوميوس ( إنه وعلى نفس هذه المتوالية الحسابية سيكون خلال مائتين أو ثلاثمائة سنة لا وجود لنا !! ) وهو نفسه التسجيل المشهور الذي أراد القس المعارض مكسيموس عرضه في قناة الجزيرة وقت استضافة أحمد منصور له في برنامج بلا حدود ولكنهم رفضوا إذاعة التسجيل وعلى الرغم من ذلك أكد مكسيموس في البرنامج أن مليون و 800 ألف قبطي إعتنقوا الإسلام في عهد البابا شنودة . وهذا التسجيل مشهور جدا على الإنترنت باسم تسجيل الانقراض تستطيع البحث عنه إن كنت لا تعرفه . جناب القمص عبد المسيح بسيط يقول أنه لا توجد حالة واحدة من حالات الفتيات التي أسلمن موجودة في الدير وحالة وفاء قسطنطين هي حالة خاصة وقال أن الموضوع أنها لم تسلم بل كانت على خلافات شديدة بينها وبين زوجها الكاهن الذي كان مريضاً ، ووجدت ضالتها في الإسلام وذهبت لهذا الشيخ الكبير الذي يأخذ الفتيات النصرانيات عنده ويؤثر عليهن والمحافظ يعلم هذا جيداً . بالله عليكم من يريد أن يخدع جناب القمص ، هل يخدع نفسه ، أم يخدع شعب الكنيسة بهذه التصريحات ، أم يخدع المسلمين ، وهل السيدة المهندسة وفاء قسطنطين طفلة مراهقة حتى يقنعها أي شخص بترك دينها فتتركه ؟؟ من العيب على أستاذ اللاهوت الدفاعي أن يسئ لرجل دين وقس مثله وزميل له تابع أيضاً للكنيسة المصرية ويتهمه هذه الاتهامات بالمرض وما إلى ذلك ليبرر على حد زعمه طفشان السيدة وفاء قسطنطين منه والذهاب إلى الإسلام هروباً من مشاكلها العائلية . وقال جناب القمص أنها ذهبت بعد ذلك إلى نيابة عين شمس وقالت بحضور اثنين من الآباء الكهنة أنها ولدت مسيحية وستعيش مسيحية وستموت مسيحية ، وبعدها برر بسيط وجود وفاء قسطنطين في الدير أن ذلك لحمايتها من الاغتيال من الجماعات الإرهابية . يبدو أن جناب القمص لا يعلم أن الأخت وفاء قسطنطين قبل أسرها في الدير كانت قد أتمت حفظ سبعة عشر جزءً من كتاب الله تبارك وتعالى ، وكانت وقت الكذب عليها وتضليلها وإفهامها أنهم ذاهبين بها لجلسة النصح والإرشاد صائمة فضلاً عن أنها كانت تتقرب إلى الله كثيراً بالنوافل فكيف يا جناب القمص امرأة وصلت لهذه الدرجة العالية من الإيمان والفهم والثقافة الإسلامية تقول مثل هذا الكلام لمجرد فقط أنها رأت اثنين من الآباء الكهنة . وقال عبد المسيح بسيط ما يجعل الفرد منا ينفجر من الضحك قال هذه هي الحالة الوحيدة التي تدعون أنها أسلمت وقد بينا فيها الحقائق ، لا يا جناب القمص وأقسم لك أنها ليست الحالة الأولى ولا الأخيرة بل كان قبلها الكثير وبعدها كان الكثير ولو كنت لا تعرف أنا أقول لك . سجل عندك يا جناب القمص1 – السيدة وفاء قسطنطين زوجة كاهن كنيسة السيدة العذراء بأبو المطامير في محافظة البحيرة ، قام الآلاف من النصارى بالتظاهر أمام الكاتدرائية المرقصية بالعباسية وتم الاعتداء على رجال الأمن ورشقهم بالحجارة وقام شنودة بالاعتصام في أحد الأديرة حتى يتم تسليم وفاء للكنيسة وفور تسلمها تم إيداعها دير وادي النطرون ومن ثم قتلها ورغم نفي الكنيسة وتصريح شنودة أنها سوف تظهر في أحد الفضائيات المسيحية ولكن هذا لم يحدث .2 – السيدة ماري عبد الله زكي زوجة كاهن كنيسة الزاوية الحمراء في القاهرة والتي طلبت إشهار إسلامها أمام شيخ الأزهر ، ولكن يبدوا أن شيخ الأزهر الرجل الحبوب المسالم الذي يكره موت المشاكل قد سلمها للكنيسة لأنها اختفت بعد ذلك وعلم أنها نقلت إلى الدير نفسه ، ولا يعرف أحد طريقها. 3- الأخت تريزا إبراهيم 26 سنة خريجة كلية الطب أشهرت إسلامها رسمياً في الأول من مارس من العام 2005 وقامت المظاهرات أمام مديرية أمن الفيوم حتى الصباح وتسلمتها الكنيسة وأودعتها أحد الأديرة بعد حلق رأسها تماماً ولا يعرف طريقها حتى الآن.4- الأخت ماريان عياد 27 سنة خريجة كلية الطب وهي زميلة الأولى وأعلنت إسلامها معها في نفس التوقيت وتسلمتها الكنيسة مع صاحبتها وحالها كحالها .5- عبير ناجح إبراهيم من ملوي المنيا وقامت المظاهرات وطالبت إما قتلها أو تسليمها للكنيسة واقتحم عشرات النصارى قسم شرطة ملوي وقام الأمن بتسليم عبير للكنيسة التي بدورها سلمتها لأحد الأديرة ومصيرها سيكون كسابقيهاأقسم بالله العلي العظيم أن هذه النماذج الخمسة قليلة جدا قياساً بالواقع الفعلي وبالأعداد الحقيقية داخل جدران الأديرة المحصنة ولا يستطيع مخلوق اختراق هذه الحصون ، ليس هذا فقط يا جناب القمص ولكن هناك عشرات النماذج من مسلمات تم تنصيرهن من قبل الكنيسة وتسفيرهن خارج مصر بعد إغراءهن بالمال بل منهن من كن يقمن في الأديرة بعد تنصره ومنهن الأخت زينب عصام التي أقامت في أحد الأديرة التابعة للكنيسة المصرية ثمانية أشهر كاملةً وعادت إلى الإسلام بفضل الله عليها ، ومنهن من يتم تهريبهن خارج الوطن مثل أسماء الخولي التي تم تسفيرها إلى كندا وتزويجها من شاب مسيحي طبعاً أسماء لديها القدرات الخارقة التي بموجبه تستطيع الحصول على التأشيرة الكندية ، وهناك أيضاً زينب عبد العزيز التي قبض عليها في مطار القاهرة وهي في طريقها إلى استراليا بجواز سفر مزور باسم ميرثا ميخائيل ، طبعاً السادة الآباء الكهنة ليس لهم أي علاقة بكل هذه الأمور ولا بجرائم التزوير ولا لهم علاقة بكل هذه الأمور والقس المزور متاؤوس المحبوس على ذمة قضية تزوير شهيرة لمتنصرة مظلوم وليس له علاقة بأي شيء ، أرجوووووك يا جناب القمص انزع هناك هذا الرداء الذي تلبسه وارحم مصر من الفتن يكفي ما هي فيه .....

هناك 43 تعليقًا:

غير معرف يقول...

.?????????????=================================================================(((((((((((((((الأُسقف والمُطلّقة))))))))))))))))))

( قصة قصيرة )

بقلم / محمود القاعود

اليوم هو الثالث من شهر أمشير ، الجو شديد البرودة ، الشوارع خالية من المارة ، السماء ملبدة بالغيوم ، السحب تكاد تنفجر من شدة ما تحمله من أمطار ، تمشى تريزا بخطوات سريعة ، صوت حذاءها يرج الشارع العتيق ، الرياح تطير خصلات شعرها الذهبية ، ترتدى جاكت فرو أزرق ، تحاول قفل أزراره من شدة الرياح ، تسرع فى الخطوات وتمسك بسلسلتها الذهبية التى يتدلى منها صليب ذهبى وتتوسط صدرها ، تحاول أن تضع السلسلة على الجاكت بعدما قفلت الأزرار ، بُخار كثيف يتصاعد من فمها كأنها تدخن .. ترتدى قفازاً رمادياً اضطرت لخلعه قبل أن تفتح حقيبة يدها .. أمسكت بالموبايل .. ووضعته على أذنها :

- أيوة يا سيدنا أنا لسه شايفة الرنة دلوقتى .. خلا ص يا سيدنا دقيقتين وهكون عندك .. معلهش عشان خاطرى مش قادرة أستحمل تأخير .. سلام رب المجد .. باى باى .

كان الأسقف الوقور يلقى عظته فى مقر الكاتدرائية ، الحضور ينصت باهتمام .. أوشك الأسقف على الانتهاء .. الجمهور يرسل أوراقا هائلة بها أسئلة عديدة .. يعتذر الأسقف بأن صحته اليوم على غير ما يُرام وأنه شاكر لهم تفهمهم .. يُقابل الأسقف بعاصفة من التصفيق كتعبير عن تضامن الجمهور مع صحته التى يسألون يسوع أن يدميها عليه وأن يحفظه لهم من كل سوء ..

يُهرول الحراس خلف الأسقف ليمنعوا الجمهور عنه وليركب سيارته بسلام .. كان الأسقف يُحاول التلكؤ قدر الإمكان حتى تحضر تريزا .. فجأة التفت الأسقف على صراخ : أبونا .. أبونا .. سيدنا .. أنا تريزا ..
الحراس يمنعون تريزا من الاقتراب من الأسقف وهى تصرخ فيهم .. وبإشارة واحدة – كان فيها شئ من التوبيخ للحراس - من الأسقف .. ابتعد عنها الحراس ، بل وزاد أحدهم أن أخذ بيدها لتصعد السلم الذى يؤدى إلى المسرح الذى يلقى الأسقف من عليه الوعظة ، وليهمس فى أذنها : آسف جداً يا مدام .. آسف !

انطلقت تريزا لتصافح الأسقف .. ينظر لها الأسقف بإشفاق : هى الدنيا بتشتى ؟؟

- أيوة يا ابونا .. لولا خوفى على زعل قُدسك كنت قعدت فى البيت ..

يبتسم الأسقف فى خبث : خوفك على زعلى ولا مشكلتك ؟؟

تضحك تريزا بمرارة : الاتنين يا ابونا !

يصل الأسقف إلى غرفته الخاصة بالكاتدرائية .. الحضور ينصرف .. لم يبق إلا الحراس الذين ذهبوا إلى أماكنهم حول الكاتدرائية وفى الشوارع المحيطة بها .. يضيئ الأسقف الغرفة تدخل تريزا .. يجلس الأسقف على كرسيه الذهبى .. يضع عصاه التى يتوكأ عليها خلف الباب .. يغلق الباب .. ويجلس على المكتب ويوقد شموع عديدة .. يخلع عمامته الكبيرة السوداء ..

تجلس تريزا أمامه وكأنها فى مكتب التحقيقات الفيدرالية .. تخشى أن تتحدث لئلا تغضبه .. فهى فى انتظار أن يبدأ هو بالكلام ثم ترد هى .. يطرق الأسقف رأسه فى الأرض ويصمت لعدة دقائق .. ثم يتنهد بصوت مرتفع ..

ويقول :

- خير يابنتى ؟ كلمنى المستشار جرجس عشر مرات بخصوصك وقاللى إن عندك مشكلة كبيرة .. وأصر إنى أسجل رقمك عندى عشان أعرفك لما تتصلى .. فى إيه ..

تشعر تريزا برهبة وترد بسرعة :

- خير يا أبونا .. أنا مشكلتى فى الدنيا كلها إنى كرهت حياتى بسبب جوزى ومش طايقة أعيش معاه .. كأننا اتنين مطلقين بس عايشين فى بيت واحد ..

- وعايزانى أعمل إيه ؟؟

- عاوزة أطلق منه يا أبونا !

- إنتى بتستهبلى يابنتى .. إنتى عارفة إنو لا طلاق إلا لعلة الزنا .. وما يجمعه الله لا يفرقه الإنسان .. ثم حتى لو اتطلقتى مش هينفع تجوزى .. ومن يتزوج مطلقة فإنه يزنى !

- آسفة يا أبونا .. بس أنا جاية عند قدسك عشان تحل المشكلة ، ولكنى لا يمكن أعيش بالطريقة دى مع واحد مش بحبه …

- قوليلى بصراحة يابنتى إنتى فى حد فى حياتك ؟؟

تطرق تريزا رأسها فى الأرض .. تتنهد .. يحمر وجهها .. تدخل فى حالة من الصمت ..

يبدو على الأسقف الضيق والغضب : ردى عليا يابنتى أنا مش طبيب نفسانى .. مش فاضى للكلام ده ..

تمر دقائق وتريزا ما زالت فى صمتها الرهيب .. تضع وجهها بين كفيها ..

يخبط الأسقف بيده على المكتب بشدة ويقول لها : إنتى محتاجة تروحى مصحة نفسية .. يللا يا مدام اتفضلى واما تروحى حاولى تصلحى علاقتك بجوزك .. اللى بتطلبيه مستحيل .. مستحيل .. مستحيل .
فجأة .. أفاقت تريزا على كلمة ” مستحيل ” رفعت رأسها .. نظرت للأسقف بغضب شديد وحدة أكثر شدة .. عيناها تلمعان من ضوء الشموع .. تصرخ بأعلى صوتها .. لا تتوقف عن الصراخ .. الأسقف يُصاب بحالة دهشة كبيرة .. تلطم تريزا خديها .. وتمزق شعر رأسها بيديها .. تخلع قفازها وكذا الجاكت الفرو .. ينهض الأسقف مسرعاً نحوها .. يمسك بها .. وما زالت تصرخ .. يلطمها الأسقف على وجهها .. ولكنها تصرخ بصوت يرج الكاتدرائية كلها .. فينهال الأسقف صفعاً على وجهها .. حتى تخور قواها وتسقط على الأرض .. شعر الأسقف بأنه تحول من رجل دين كبير إلى مجرد بلطجى لا يستطع حل مشاكل رعاياه .. بل حتى أن يصبح مثل الطبيب النفسى الذى يسمع مرضاه بجميع جرائمهم وفضائحهم ومشاكلهم دون أن يوبخهم أو يمد يده على أى فرد منهم .

يصب الأسقف بعض الماء فوق وجه تريزا .. تفتح عينيها بضعف شديد .. تنظر بحذر .. فتجد الأسقف يبتسم لها ، ولحيته الطويلة تحك فى صدرها .. يضع الأسقف يده اليمنى تحت ظهرها ، واليسرى تحت رأسها .. يحاول أن يرفعها من الأرض .. لكن صحته لم تساعده .. يرتطم الصليب الذهبى الكبير الذى يعلقه فى صدره بوجه تريزا .. تصرخ تريزا .. يتحسس الأسقف مكان الارتطام بوجهها :

باسم الصليب .. آسف .. معلهش ..

يخلع القمص الصليب من عنقه ويقذفه بعيداً .. يقترب بوجهه من تريزا يضع رأسها على حجره .. يمسح لها وجهها بمنديل .. يسوى شعر رأسها بيده .. يتأمل فى وجهها ينظر إلى ثديها .. تبدو رائعة الجمال .. يضمها الأسقف إلى صدره .. يحاول أن يسبغ على هذا العمل شئ من الشرعية ، فيقول لها وهو يحتضنها :

سامحينى يابنتى ! إنت أعصابك كانت تعبانة جداًً .. وبعدين مينفعش أسيبك تصرخى حد يسمع يفتكر إنى بعمل شئ بطال !

ترد تريزا بدلال وصوت خفيض :

- ولا يهمك يا أبونا .. خلاص سامحت قُدسك !

- الرب يبارك حياتك .. يا بنتى .. يا حبيبتى !

ينظر الأسقف إلى عيون تريزا .. تتأمل هى فى وجهه ولحيته الطويلة غير المهذبة تضع يدها على رأس الأسقف .. يقول لها :

- أول مرة فى حياتى واحدة تحط إيديها على شعرى يا تريزا ..

تبتسم تريزا .. وتتحس رأس الأسقف ..

يقترب الأسقف من وجهها .. عيناه فوق عينيها .. تكاد شفتاه تلامسان شفتيها .. يسألها الأسقف :

- مُصرة على الطلاق ؟!

ترد تريزا بغنج :

طبعا يا أبونا ..

فجأة .. تلتقى العيون بقوة .. ثم الشفاه .... تتبادل معه القبلات..
تريزا تقول للأسقف بدلع :

اهدى شوية يا أبونا ..

لا يُجيبها الأسقف .. يرفع رأسه قليلاً .. تصطدم عيناه بصورة يسوع وأمه .. يبعد نظره عن الصورة على الفور.. يبدو مضحكاً بلحيته المقززة الطويلة جدا وهو عارى تماماً..

علمت تريزا أن الأسقف مريض..فقالت بتهكم

- إنت طلعت منهم يا أبونا ..؟!

بدا الأسقف محرجاً للغاية ، وبدا عليه الإرهاق .. وإمعاناً فى إذلاله قالت له تريزا :

أبونا .. فى الكتاب بيقول : وهناك خصيان خصوا أنفسهم من أجل ملكوت السماوات .. ليه قدسك معملتش كده

الأسقف فى أسى ومرارة :

يا ريت يابنتى يا حبيبتى .. الرب يبارك حياتك ..

تبتسم تريزا ويرتدى الأسقف جلبابه الأسود .

غير معرف يقول...

النّصرانيّة وإلغاء العقل
منذ سنوات طويلة وأنا عاكف على قراءة بعض كتب النّصارى، وما يتعلّق بالدّيانة النّصرانيّة من أناجيل وما كُتب عنها، مدحًا أو قدحًا، وخلال تلك الفترة اتّصلت بعشرات القساوسة ورجال الدّين والأشخاص العاديّين من الذين يدينون بهذا الدّين، فخرجت من تلك التّجربة بعدّة إشكاليات وتساؤلات محيّرة ومربكة، بحثت لها عن أجوبة في الكتب فلم أعثر لها على جواب فتوجّهت إلى الكنائس لعلّي أجد ما يشفي غليلي، ويزيل عن عقلي تلك الغشاوات الكثيفة من التّساؤلات المحيّرة، حول كلّ آية أو إصحاح أو سفر من أسفار الكتاب المقدّس، لكنّني ككلّ مرّة كنت أعود بخفي حنين، فلم يزدني رجال الدّين وأجوبتهم إلاّ حيرة وغشاوة على غشاوة، ومن الطّريف أنّ تلك الأجوبة التي تلقّيتها من بعضهم كانت تعقد المسائل أكثر فأكثر، فأضحت بذلك قواعد لتساؤلات أكثر وأشدّ خطورة وحيرة، لأنّها كانت أجوبة دفاعيّة متعصّبة، لا تستند إلى الحقّ بقدر ما هي محاولات فاشلة وهزيلة للدّفاع العشوائيّ المتخبّط.
في تلك الفترة دخل عقلي معركة محتدمة مع نفسه فكلّما بدأ يستخدم آليّات الفهم في تفكيك ألغاز الكتاب المقدّس وأسراره تعطّلت تلك الآليّات عند أوّل وهلة، وأصابها الشّلل في بداية الطّريق، إذ لا يمكن لأيّ عقل مهما أُوتي من علم وذكاء إدراك كنه وجوهر النّصوص "المقدّسة" التي يتعاطاها.
لم يكن عقلي قادرًا على السّباحة في بحر الألغاز والأسرار الكنسيّة المقدّسة، فقد كانت أمواج التثّليث والكفارة والخطيئة وألوهيّة المسيح وبنوّته وصلب الله وغيرها تقذف بعقلي مدًّا وجزرًا هنا وهناك دون الوصول إلى الشّاطئ.
كنت كلّما عثرت على رجل دين نصرانيّ (من جميع الطّوائف والرّتب العالية من الأكليريوس) أطلب منه تفسيرًا أو إيضاحًا أو بيانًا لما لا أفهمه أو أدركه امتنع عن مخاطبة عقلي وهرع إلى إثارة عاطفتي، كان كلّ واحد منهم يقول ويكرّر حين يواجه بسؤال عن تلك العقائد: »لكن الله مات من أجلك، الله نزل بنفسه ليصلب عن خطاياك، الله محبّة، الله بذل ابنه الوحيد لتعيش أنت، الله سفك دم ابنه لتدخل الملكوت...« وغير ذلك من الكلام العاطفي الذي يلفظه العقل ( ).
وثمّة وصفة سحريّة تقدّمها الكنيسة لكلّ من يريد الالتحاق بالنّصرانيّة أو التمسّك بأهدابها أو البقاء عليها، وتتضمّن تلك الوصفة خطوات بسيطة لا تكلّف المريد أكثر من تنفيذها بحرفيّة ليدخل ملكوت الله وينال الخلاص وتتلخّص في البنود التّالية:
ألغ عقلك وانس أنّك تملك أداة للفهم والإدراك.
آمن بكلّ ما يأمرك به القسّ في الكنيسة.
لا تناقش، لا تجادل، لا تعترض، لا تبحث.
لا تسأل غير القسّ ولا تأخذ الجواب من سواه.
كلّ ما لا تفهمه أو تدركه أو يستسيغه عقلك فهو سرّ إلهيّ
ولغز كنسيّ مقدّس.
وإذا ما طبّقت هذه البنود الخمسة، فقد انضممت إلى سلك النصارى، وأصبحت في شركة المسيح، وخروفًا من خرفانه التي ترعاها الكنيسة وتسوقها إلى الحياة الأبديّة، وكلّ من يخلّ بأحد هذه البنود فهو زنديق، مهرطق، ملعون، ابن الشّيطان، تحت سلطة الخطيّة، لن ينال الكفّارة من الذّبيحة الإلهيّة التي سفكت على الصّليب من أجله !
بل أكثر من ذلك فإنّ الذي يخلص لتلك "الوصايا الخمس" سوف ينال الجهالة التي تقوده إلى القداسة، ألم يكن القدّيس أوغسطين يقول »إنّ الجهلاء هم الذين يحظون بملكوت السّماء « !
يقول محمّد قطب في كتابه ( مذاهب فكريّة معاصرة ) منتقدًا هذا الأسلوب الذي تمارسه الكنيسة: »إنّ ادّعاء الكنيسة أنّ العقل لا ينبغي له أن يسأل وأن يناقش في أمر العقيدة، وإنّما عليه أن يسلم تسليمًا أعمى، ويترك الأمر للوجدان، هو ادّعاء ليس من طبيعة الدّين كما أنزله الله، إنّما كان هذا من مستلزمات الأديان الوثنيّة التي تحوي أوهامًا لا يمكن أن يستسيغها العقل لو فكّر فيها، فتُسكت صوت العقل وتمنعه من التّفكير بالسّحر تارة وبالتّهديد بغضب الآلهة المدعاة تارات !
وإذا كان هذا الأمر، وهو إسكات صوت العقل ومنعه من التّفكير، غير مستساغ حتّى في بداوة الإنسان أو ضلالة البشريّة، فهو من باب أولى غير مستساغ في دين تزعم الكنيسة أنّه الدّين المنزّل من عند الله، وأنّه يمثّل مرحلة راشدة في تاريخ البشريّة، ولو كانت هذه الأسرار من الدّين حقًّا، ومن أمور العقيدة التي يلزم الإيمان بها، ما منع الله النّاس أن يناقشوها بعقولهم ليتبيّنوا ما فيها من الحقّ ويؤمنوا به !فإنّ الله لا يقول للنّاس – في وحيه المنزّل – آمنوا بي دون أن تفكّروا وتعقلوا، ولا يقول لهم: إنّي سأضع لكم الألغاز التي لا تستسيغها عقولكم ثمّ أطالبكم أن تخرّوا عليها صمًّا وعميانًا لا تتفكّروا وإلاّ طردتكم من رحمتي «.
ولا يتحرّج النّصارى وقساوستهم أبدًا من عدم فهم هذه الأفكار والعقائد فهم يعتقدون ببساطة – فرارًا من تفسيرها– أنّها أسرار إلهيّة مقدّسة !!
نعم، يجب على كلّ نصرانيّ أن يؤمن بكلّ شيء تقرّره الكنيسة، وإذا لم يفهم شيئًا وطلب توضيحًا أو بيانًا قيل له: ألغ عقلك فهذا سرّ من الأسرار الإلهيّة التي لا يليق ولا يجوز السّؤال عنها أو البحث فيها !
ولمّا كانت كلّ تلك العقائد مناقضة للمنطق ومصادمة له، كانت كلّ تلك العقائد والأفكار أسرارا مقدّسة، فهناك قائمة طويلة منها سرّ المعموديّة، سرّ التّثبيت، سرّ القربان المقدّس، سرّ التّوبة والاعتراف للكاهن، سرّ المسحة، سرّ الزّواج، سرّ الكهنوت، سرّ حقائق الإيمان، سرّ الصلب، سرّ التّثليث، سرّ العشاء الربّاني، سرّ القيامة، سرّ الكفارة، سرّ الخطيئة، سرّ اللاّهوت، سرّ الناسوت، سرّ التجسّد، والحبل على الجرار !
وإذا كانت كلّ هذه أسرارًا - وغيرها كثير - فليت شعري ماذا بقي للنصراني ليعرفه ويطّلع على حقيقته وهو ليس بسرّ، وهكذا فكلّ سؤال لا يجد له رجال الكنيسة جوابًا يُحال إلى قائمة الأسرار السماويّة، ويعترف القساوسة بعجزهم عن فهم هذه الأسرار وحلّ إشكالاتها، ويدعون المتديّن السّاذج إلى التّسليم بتلك المستحيلات العقليّة والإيمان بها، دون اعتراض وإلاّ ناله العقاب والطرد من ملكوت الله تماشيًا مع قاعدة الصّوفيّة: » من اعترض انطرد « .
يقول زكيّ شنودة صاحب كتاب (تاريخ الأقباط) عن هذه الأسرار: »وهذه حقيقة تفوق الإدراك البشريّ « .
ويقول القسّ توفيق جِيد في كتابه (سرّ الأزل) عن سرّ الثّالوث: »إنّ الثّالوث سرّ يصعب فهمه وإدراكه، وإن من يحاول إدراك سرّ الثّالوث تمام الإدراك كمن يحاول وضع مياه المحيط كلّها في كفّه« .
ولئن كان ما قاله القسّ توفيق خاصًّا بسرّ الثّالوث لكنّه ينطبق على الأسرار الأخرى كافّة، إلاّ أنّ سرّ الثّالوث هو أكثر الأسرار غرابة وإثارة للعجب، يقول بازيليوس إسحاق في كتابه (الحقّ):» إنّ هذا التّعليم عن التّثليث فوق إدراكنا ولكن عدم إدراكه لا يبطله«، فيا له من فهم غريب!
ولم يتوقّف الأمر – كما قلنا سابقًا – عند اعتبار الأمر سرًّا، بل تجاوزه إلى حجر العقول عن التّفكير فيها ومحاولة تبسيطها، وإلاّ فكيف نفهم قول القسّ توفيق حين يقول في كتابه (سرّ الأزل):» إنّ تسمية الثّالوث باسم الأب والابن وروح القدس تعتبر أعماقًا إلهيّة وأسرارًا سماويّة لا يجوز لنا أن نتفلسف في تفكيكها وتحليلها ونلصق بها أفكارًا من عنديّاتنا«، وهـذا ما يدعى في الأدب المعاصر: بـ" الإرهاب الفكريّ "، ثمّ إنّ الذين ضربوا بكلام هذا القسّ عرض الحائط، وحاولوا التفلسف في فهم تلك العقائد أخفقوا ولم تغنهم فلسفتهم شيئًا.
ويقرّر ذلك الأستاذ النّصرانيّ عوض سمعان في كتابه (الله ذاته ونوع وحدانيّته): » إنّنا لا ننكر أنّ التّثليث فوق العقل والإدراك، ولقد حاول كثيرون من رجال الفلسفة توضيح إعلانات الكتاب المقدّس عن ذات الله، أو بالأحرى عن ثالوثه ووحدانيّته فلم يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً « ، ويعلّق الأستاذ محمّد مجدي مرجان – وهو رجل دين نصرانيّ أسلم – وقد نقل بعض هذه الاعترافات في كتابه البديع (الله واحد أم ثالوث) فيقول: » تُرى إذا كان الفلاسفة والعلماء قد عجزوا عن فهم الثّالوث، فمن يا ترى يستطيع فهمه؟ وما موقف البسطاء والعامّة إذا ما حاولوا الفهم، وإذا لم نستطع إدراك عقائدنا الدّينيّة بعقولنا وأفهامنا فبماذا يمكن إدراكها؟ وإذا كنّا نحن وهم لا ندرك هذا الثّالوث فكيف يمكن لكلٍّ منّا أن يتّبعه أو يسير عليه !؟ «( ).
ويقول أحد القسس لرعاياه عندما يكثرون من الأسئلة حول ما لا يستطيع الإجابة عنه، وذلك في إذاعة مونت كارلو: » علينا ألاّ نناقش، ولكن علينا أن نؤمن فقط بكلّ ما في الكتاب المقدّس وإلاّ فإيماننا باطل«.
أمّا القدّيس سانت أغسطين، أكبر منظّر عرفته النّصرانيّة، فقد كان يعلن قائلاً بصراحة متناهيّة عندما يريد قطع مناقشة المشكّكين في النّصرانيّة: » أنا مؤمن لأنّ ذلك لا يتّفق مع العقل !«.
وفي مناظرة بين باحثة يابانيّة ورجل دين من الكنيسة الإنجليزيّة يُدعى الأب جيمس، سألت الباحثة القسّ أن يفسّر لها بعض العقائد التي لم تتمكّن من الإحاطة بها، أو حتّى فهم ظاهرها، فردّ الأب جيمس:» إنّ هذا سرّ لاهوتي فوق عقول البشر، وليس من الممكن تفسيره حسب تفسير وتصوّر هؤلاء البشر! «
فردّت الباحثة اليابانيّة: » كيف تدعون النّاس إلى عقيدة لا يفهمها هؤلاء البشر؟ وما مهمّة الرّسل والأنبياء.. إن لم يبيّنوا ما أمروا بتبليغه من قبل الخالق إلى هؤلاء البشر؟
.. لقد كنت بوذيّة من قبل .. غير أنّ السّلبيّة، التي تتّسم بها هذه العقيدة جعلتني أبحث عن غيرها بين الدّيانات والملل، وقد اخترت في دراستي التخصّص في مقارنة الأديان، وقد جئت إلى بريطانيا من أجل هذا الهدف، ويبدو أنّني لن أصل إلى غايتي وسط هذه الظّلمات المتراكم بعضها فوق بعض، فإذا حاولت التعرّف على الحقيقة وقف "الأكليريوس" أو "الكهنوت" في وجهي بقوانين الحظر والادّعاء بأنّ هذه القضايا أسرار لاهوتيّة فوق العقل،. أنا لن أسألك عن هذه الأسرار التي أرفضها كلّها...! ذلك لأنّ الدّين .. أي دين يجب أن يكون واضحًا، وألاّ ينطوي على أسرار وخفايا، وإلاّ فلماذا جاء الدّين أصلاً إن لم يكن واضحًا في عقول كلّ الرّعايا !؟ «
وبعد احتدام المناظرة قال الدّكتور عبد الودود شلبي( ) ، وهو أحد المشاركين في ذلك النّقـاش، موجّهًا تعليقًا لاذعًا للقسّ جيمــس: » لو أتينا بكلّ علماء الرّياضيات وبُعث " آينشتاين " مرّة ثانية إلى الحياة، وعقدنا له امتحانًا في حلّ هذه الطّلاسم والألغاز لما حصل هذا العلاّمة إلاّ على صفر في هذا الامتحان، ولكن لحسن الحظّ أنّ "آينشتاين" لم يكن مسيحيًّا وإلاّ ما سمع أحد بنظريّته النّسبيّة التي تفوّق بها على علماء الرّياضيّات«.
وهنا قال الأب جيمس: » إنّ مفهوم البساطة ليس له مجال في فهم العقيدة المسيحيّة، كما لا يجب أن توزن به هذه العقيدة، لأنّ العقيدة المسيحيّة تعلو على فهم العقل« !!.
فردّ عبد الودود شلبي بقوله: » إذا كانت المسيحيّة ليست بهذه البساطة فمعنى هذا أنّها دين خاصّ للفلاسفة، وبالتّالي فلا شأن لهذا الدّين بالبسطاء من النّاس وهم الأغلبيّة السّاحقة، وإذا كان كما تقول بأنّها عقيدة تعلو على فهم العقل، فذلك يعني أيضًا إخراج كلّ عاقل ومفكّر عن دائرة الإيمان الذي لا يقبله العقل ولا الفكر، فإذا كان البسطاء وعامّة النّاس، وإذا كان العقلاء والمفكّرون لا يفهمون هذه العقيدة فإنّي استحلفك بالله ربّي وربّك لم جاءت هذه العقيدة إذن، ولمن جاءت !؟«.
جاء في المانيفستو " البيان " الكاثوليكي لاتّباع الكنيسة: إنّنا لا نستطيع فهم هذه العقيدة لأنّها سرّ غيبيّ، وفي الآخرة سيكون هناك فهم أكثر لهذه الأسرار، ولكن لن يكون فهمًا تامًّا وأبديًّا !
ولذلك فلا يطمع أحد أن يطّلع على تلك الأسرار، لأنّ عقله قاصر في الدّنيا وسيبقى كذلك في الآخرة، وهكذا يكون البشر قد خُلقوا وهم جاهلون بربّهم ودينهم وسيموتون على ذلك الجهل، وسيولدون لحياة أخرويّة لا تختلف كثيرًا عن حياتهم الأولى، إذ سيكون الجهل بالعقيدة سمة رئيسة للعباد في ملكوت الله !! أليس من حقّنا أن نتساءل هل بلغ بالله – جلّ شأنه – الضّعف العلميّ والمعرفيّ حتّى إنّه عجز عن التّعريف بنفسه ومخاطبة النّاس على قدر عقولهم وأفهامهم ومداركهم !؟ وإذا كان الله على كلّ شيء قدير، ألم يكن من الواجب عليه تزويدنا بعقول أكثر نضجًا وقدرة على استقبال رسالاته السّماويّة دون كلّ هذا العناء في فهم آية واحدة فضلاً عن الكتاب المقدّس كلّه !؟
وإذا كانت كلّ هذه الأسرار صعبة الإدراك فلماذا يخاطبنا الله بها؟ وإذا كانت سرًّا فما الحكمة من تكليفنا بالعمل بالأسرار والألغاز، كأنّنا دمى صغيرة يتسلّى الله بنا عندما يشاهدنا نكابد من أجل حلّها والتّفكير فيها !، وإذا كانت تلك الأسرار فوق عقولنا فالتّبليغ بها ضرب من العبث وتضييع للوقت والجهد، لأنّ الألغاز والأسرار التي لا حلّ لها لا تعود على البشر بفائدة عمليّة وظيفيّة، دينيّة كانت أو دنيويّة، أم إنّ الله يحبّ أن يرانا منشغلين بها، يتلذّذ ونحن نتألّم في البحث فيها، و يستمتع حين نتعذّب نفسيًّا وعقليًّا في محاولاتنا المتكرّرة والمريرة عبر القرون الطّويلة للوصول إلى الحقيقة السّهلة والبسيطة والواضحة، أليس هذا نوعًا من "السادية " التي يوصف بها الله - شئنا أم أبينا – تعالى الله عن ذلك( ).
وإنّ إلهًا مثل هذا الإله الذي تؤمن به النّصارى هو إله لا يستحقّ العبادة ولا التّقديس، طالما لم يتمكّن من إثبات ألوهيّته وقدسيّته بتوضيح ما يريده في كتابه المنزّل: " الكتاب المقدّس "، وهنا أذكر أنّي منذ بدأت البحث في مقارنة الأديان وبالتّحديد دراسة إيمان النّصارى واعتقادهم وأنا أشفق، لا على النّصارى الذين يعانون الأمرّين في فهم اعتقادهم، وإنّما على هذا الإله الذي عجز عن التّعريف بنفسه، فقد أعوزته البلاغة في التّعبير عن ذاته، إنّني أشفق على هذا الإله الذي لم يجد الكلمات السّهلة والتّعبيرات الواضحة للإفصاح عن ماهيته وطبيعته.
والذي أراه أنّ عدم القدرة على الإفصاح عن تلك الطّبيعة وبيان تلك العقائد كان سببها بولس الذي تولّى صناعتها و ترويجها، وقد كان النّاس في زمانه يجدون استحالة في فهمها، مثل ما نجد نحن، فخاطبهم في رسالة كورنثوس زاعمًا بقوله (كلامي وتبشيري لا يعتمدان على أساليب الحكمة البشريّة في الإقناع، بل على ما يظهره روح الله وقوّته، حتّى يستند إيمانكم إلى قدرة الله، لا حكمة البشر)( ).
لقد جمعت عقيدة النّصارى من المتناقضات و المستحيلات العقليّة ما جعل الأمم تسخر من تلك العقائد وتنتقدها، وعلى الرّغم من انحرافات مثيلة في بعض الأديان الوثنيّة، كالبوذيّة والبراهميّة والمتراسية واليهودية .. إلاّ أنّ عقيدة النّصارى فاقتها بكثير، وفي هذا يقول شيخ الإسلام بن تيميّة – رحمه الله – في كتابه (الجواب الصّحيح لمن بدّل دين المسيح ): » قالت طائفة من العقلاء في وصف عقيدة النّصارى: إنّ عامّة مقالات النّاس في عقائدهم يمكن تصوّرها إلاّ مقالة النّصارى، وذلك أنّ الذين وضعوها لم يتصوّروا ما قالوا، بل تكلّموا بجهل وجمعوا في كلامهم بين النّقيضين، ولهذا قال بعضهم لو اجتمع عشرة نصارى لتفرّقوا عن أحد عشر قولاً وقال آخر: لو سألت بعض النّصارى وامرأته وابنه وخادمه عن توحيدهم لقال الرّجل قولاً، وامرأته قولاً آخر وابنه قولاً ثالثًا وخادمه قولاً مخالفًا لسابقيه«.
أمّا ابن القيّم – رحمه الله – فيذكر في كتابه ( إغاثة اللّهفان ) عن ملك من ملوك الهند أنّه قال عندما ذُكرت له الأديان الثّلاثة المشهورة "اليهوديّة والنّصرانيّة والإسلام" :» أمّا النّصارى فإن كان محاربوهم من أهل الملل يحاربونهم بحكم شرعيّ، فإنّي أرى ذلك بحكم عقليّ، وإن كنّا لا نرى بحكم عقولنا قتالاً ولكن أستثني هؤلاء القـوم – النّصارى – من بين جميع العوالم، لأنّهم قصدوا، بعقيدتهم و إيمانهم مضادة العقل وناصبوه العداوة وحلّوا ببيت الاستحالات، وحادوا عن المسلك الذي انتهجه غيرهم من أهل الشّرائع، فشذّوا عن جميع مناهج العالم الصّالحة العقليّة والشّرعيّة، واعتقدوا كلّ مستحيل ممكنًا، وبنوا على ذلك شريعة لا تؤدّي البتّة إلى صلاح نوع من أنواع العالم، إلاّ أنّها تُصَيِّر العاقل إذا تشرّع بها أخرق والرّشيد سفيهًا والمحسن مسيئًا«.
ربّ قائل: إنّ أكثر الأمم تقدّمًا وازدهارًا اليوم هي تلك التي تعتنق النّصرانيّة، أي أوروبا الغربيّة وأمريكا الشّماليّة .. وهذه مغالطة صريحة والشّواهد على ذلك متوافرة؛ فالتّاريخ يحدّثنا أنّ النصارى لم يعرفوا طريق الحضارة والتقدّم إلاّ عندما تخلّوا عن نصرانيّتهم المحرّفة ونبذوا أحكام الكنيسة وراء ظهورهم، فلقد عاش الغرب في ظلمات حالكة إبّان سيطرة البابوات على مصائرهم في القرون الوسطى، حتى قامت حركات النهضة والتنوير والثورة ضدّ مؤسّسات الكنيسة والإنجيل، فقام الغرب من رقدته ونهض من سُباته العميق فاستحالت إلى ما هي عليه اليوم – على الرّغم من السّلبيّات والعورات الكثيرة التي يعاني منها الغرب الآن – ذلك أنّ طغيان الكنيسة وتعاليمها دفعه إلى طغيان الإلحاد واللاّدينيّة، وتطرّف رجال الدّين قاد الغرب إلى التطرّف ضدّ الله وضدّ فطرة التديّن.
إنّ نصارى الغرب اليوم لا يعرفون من النّصرانيّة إلاّ خرافاتها وألغازها وبعض طقوسها، ولا يتعدّى من يذهبون إلى الكنيسة يوم الأحد إلاّ القليل لأسباب كثيرة، ليست بالضّرورة دينيّة، أمّا خارج جدران الكنيسة فمفاهيم الدّين النّصرانيّ ملغاة ولا يكاد يوجد لها ذكر، وهذا يعود بنا إلى موضوعنا؛ إذ إنّ الغرب بعد ظهور عصر العقلانيّة والتّنوير لم يعد يصدّق بخرافات الكنيسة وعقائدها الباطلة المضادة للعقل، وزاد نفور الغرب من الدّين تصرّف رجال الكنيسة المشين، وقد سجّل لنا التّاريخ الأحداث المرعبة للعصور المظلمة في أوروبا Dark Ages وكيف سامت الكنيسة العلماء أشدّ العذاب، فحرقت المفكّرين والمخترعين والمبدعين بحجّة الخروج عن الدّين، وحرّمت قراءة أو اقتناء كتب العلم، لأنّها زندقة وهرطقة.
تقول زيغريد هونكه في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب): » … والضّلال عند الكنيسة هو البحث عن الحقيقة في غير الكتاب المقدّس«، وكانت الكنيسة ترى أنّ الكتب المقدّسة تحتوي على كلّ أنواع العلوم، وأنّها المصدر الوحيد للمعرفة، وأنّ أيّ قول أو نتيجة تأتي خلافًا لما جاءت به تلك النّصوص المقدّسة يعتبر كفرًا وإلحادًا، وفي هذا يقول القدّيس ترتوليان: » إنّ أساس كلّ علم هو الكتاب المقدّس وتقاليد الكنيسة، وإنّ الله لم يقصر تعليمنا بالوحي على الهداية إلى الدّين فقط، بل علمنا بالوحي كلّ ما أراد أن نعلمه من الكون؛ فالكتاب المقدّس يحتوي من العرفان على المقدار الذي قدّر للبشر أن ينالوه فجميع ما جاء في الكتب السّماويّة من وصف السّماء والأرض وما فيهما، وتاريخ الأمم ممّا يجب التّسليم به مهما عارض العقل، أو خالف الحسّ، فعلى النّاس أن يؤمنوا به أوّلاً ثمّ يجتهدوا ثانيًا في حمل أنفسهم على فهمه أي على التّسليم به «.
ولمّا بلغ الاضطهاد الذي مارسته الكنيسة ضدّ العقل والعلم ذروته بدأت بوادر التذمّر والاحتجاج تظهر هنا وهناك؛ فظهرت حركة الإصلاح البروتستانتيّة، التي قامت ضدّ الكنيسة الكاثوليكيّة، لكنّها اقتصرت على نقد تصرّفات البابا وبعض التّفسيرات الخاطئة للكتب المقدّسة، ولم يختلف البروتستانت عن غيرهم في محاربتهم للعقل والعلم وتعصّبهم للعقائد الموروثة غير المعقولة، بل يذكر المؤرّخون أنّ البروتستانت عادوا العقل والعلم أكثر من الكاثوليك والأرثودكس، يقول مثلاً وول ديورانت في كتابه (قصّة الحضارة): » إنّ موقف البروتستانت من العقل كان في غاية الاستخفاف، ويذكر عن مارثن لوثر قوله: أنت لا تستطيع أن تقبل كلاًّ من الإنجيل والعقل فأحدهما يجب أن يفسح الطّريق للآخر«، وقد اختار لوثر إفساح الطّريق أمام الإنجيل بإلغاء عقله ودفنه حيًّا حتّى لا يزاحم قداسة الكتب لذلك نراه يقول: » إنّ العقل هو أكبر عدوٍّ للدّين … وإنّه كلّما دقّ العقل واحتدّ كان حيوانًا سامًّا برؤوس سعلاة، وكان ضدّ الله وضدّ ما خلق«.
ولمّا كان موقف البروتستانت وزعماء الإصلاح الديني كمن سبقهم في محاربة العلم والعقل لم يشفع لهم " إصلاحهم " في بعض الميادين أمام زحف العقليّين والملاحدة والعلمانيّين الذين هبّوا في كلّ مكان يطالبون بإقصاء الدّين عن الحياة وإغلاق المؤسّسة الدّينيّة وطبعها بالشّمع الأحمر، بل وصل بعضهم إلى الاستهزاء والسّخريّة من الله وجميع مظاهر وجوده.
ولقد كانت عقائد النّصرانيّة المحرّفة، والمضادّة للعقل سببًا رئيسًا في ظهور الإلحاد بجميع أنواعه كالشّيوعيّة والعلمانيّة والبرجماتيّة والوجوديّة .. إلخ.
يقول ابن القيّم – رحمه الله – وقد عاش قبل ظهور هذه المذاهب في كتابه (إغاثة اللّهفان): » وهؤلاء النّصارى هم الذين أوجبوا لأعداء الرّسل من الفلاسفة والملاحدة أن يتمسّكوا بما هم عليه، فإنّهم شرحوا لهم دينهم الذي جاء به المسيح على هذا الوجه المحرّف، ولا ريب أنّ هذا دين لا يقبله عاقل فتواصى أولئك بينهم أن يتمسّكوا بما هم عليه وساءت ظنونهم بالرّسل والكتب، ورأوا ما هم عليه من الآراء أقرب إلى المعقول من هذا الدّين، وقال لهم هؤلاء النّصارى الضُّلال إنّ هذا هو الحقّ الذي جاء به المسيح فترتّب من هذين الظّنّين الفاسدين إساءة الظنّ بالرّسل، وإحسان الظنّ بما هم عليه«.
وفي نهاية هذا المدخل أقول: إنّ هذا الكتاب قد يثير اندفاع بعض الدّوائر النّصرانيّة للردّ علينا بأنواع شتّى من الرّدود، التي لا يعلمها إلاّ الله، ولا سيّما الرّدود العاطفيّة التي ذكرتها آنفًا كقولهم حين قراءة بعض حقائق هذا الكتاب " لكن الله مات من أجلك، الله بذل ابنه الوحيد لخلاصك، الله سفك دمه على الصّليب لفدائك " وغير ذلك من تلك الرّدود التي تسمع عند كلّ مناظرة لا يقدر النّصارى الإجابة فيها بما يقنع العقول، والرّدود العاطفيّة لا تملك قدرة على الإقناع بإيمان خرافيّ واعتقاد باطل وفاسد، خصوصـًا إذا علمنا أنّها صادرة من أناس لا يفهمونها، وغير مقتنعين بها، وصدق أبيلار Abelard أحد رجالات الكنيسة ومنظريها في القرون الوسطى حين يقول » إنّ من المضحك أن نعظ الآخرين بما لا نستطيع أن نُفهِمهم إيّاه ولا نفهمه نحن «.




الخطيــئـة الأصـليّـــة

يمكننا اعتبار مفهوم الخطيئة المفهوم الرّئيس والأساس في الإيمان النّصرانيّ كلّه، إذ إنّ هذا المفهوم يرتبط بجميع العقائد الأخرى: كالكفارة والصّلب والتّثليث والقيامة … وبدون الخطيئة لن يعود للنّصرانيّة مسوغ وجود أصلاً، ويُجمِع الباحثون الموضوعيّون قديمًا وحديثًا، النّصارى والمسلمون واللاّدينيّون، على أنّ مفهوم الخطيئة الأصليّة من الأمور التي لا يقبلها العقل، ولا يُسلّم بها المنطق، وذلك لأسباب عدّة يأتي بيانها بعد حين.
في البداية نتساءل ما هي الخطيئة التي يتحدّث كلّ نصرانيّ وتُروِّج لها كلّ كنيسة؟ إنّ الخطيئة الأصليّة التي لُعن من أجلها جنس البشريّة هي تلك " الغلطة " التي اقترفها آدم، أبو البشريّة قبل آلاف السّنين، عندما كان في الجنّة ومدّ يده إلى شجرة، فقطف ثمرة وأكلها هو و زوجته حوّاء، وكان من المطلوب ألاّ يفعل ذلك، لأنّ الله أباح له الأكل من جميع ثمار الجنّة إلاّ من تلك الشّجرة بعينها، لكن آدم خالف أمر الله فوقع في المحظور وجلب على نفسه وأبنائه اللّعنة والخسارة الأبديّة - على حدّ تعبيرهم - ! !
جاء في العهد القديم: ( وأوصى الربّ الإله آدم قائلاً: من جميع شجر الجنّة تأكل أكلاً، وأمّا شجرة معرفة الخير والشرّ فلا تأكل منها، لأنّك يوم تأكل منها موتًا تموت )( )، هذه هي البداية؛ فالله تعالى خلق آدم، ولم يعطه الحقّ في الأكل من شجرة المعرفة، فكأنما يريد أن يبقيه جاهلاً، وماذا يضرّ الله لو عرف آدم الخير والشرّ ! !؟ والرّواية القرآنيّة لهذه الأحداث لم تذكر نوع الشّجرة وسبب المنع، الذي هو امتحان وليس حسدًا من الله لجنس البشر، كما يُفهم من الرّواية التّوراتيّة !
ورد في الكتاب المقدَّس قصة التهام التفاحة ونيل اللعنة كما يلي (وكانت الحيّة أحْيلَ جميع حيوانات البرّيّة التي عملها الربّ الإله، فقالت للمرأة أحقًّا قال الله لا تأكل من كلّ شجر الجنّة؟، فقالت المرأة للحيّة من ثمر الجنّة نأكل، وأمّا ثمر الشّجرة التي في وسط الجنّة فقال الله لا تأكلا منه، ولا تمسّاه لئلاّ تموتا، فقالت الحيّة للمرأة لن تموتا، بل الله عالم أنّه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما، وتكونان كالله عارفين الخير والشرّ، فرأت المرأة أنّ الشّجرة جيّدة للأكل، وأنّها بهجة للعيون، وأنّ الشّجرة شهيّة للنّظر فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضًا معها فأكل، فانفتحت أعينهما وعلما أنّهما عريانان، فخاطا أوراق تين ووضعا لأنفسهما مآزر، وسمعا صوت الربّ الإله ماشيًا في الجنّة عند هبوب ريح النّهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الربّ الإله في وسط شجر الجنّة، فنادى الإله آدم، وقال له أين أنت! ؟ فقال سمعت صوتك في الجنّة، فخشيت لأنّي عريان فاختبأت، فقال من أعلمك أنّك عريان، هل أكلت من الشّجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها! ؟)( ).
إنّ كاتب هذا السّفر يصوّر الله كأنّه رجل يتجوّل في حديقته، ويحدّث صوتًا بأقدامه التي تدوس التّراب والحشيش، ثمّ ينادي الربّ آدم (آدم .. آدم .. أين أنت ! ؟) و هو سؤال الجاهل بمكان مخلوقه .. ثمّ يسأله مَن أعلمك أنّك عريان، هل أكلت من الشّجرة …؟ أسئلة وأسئلة تدلّ على أنّ الكاتب لهذه الرّواية لا يستطيع أن يتصوّر الله إلاّ بتصوّر البشر الذي يعتريه الجهل والغفلة والحيرة والعي، فلذلك حاك هذه المسرحيّة بأبطالها، لكنّها مسرحيّة فاشلة بجميع مقاييس البشر فضلاً عن مقاييس الإله، ثمّ يستمرّ سفر التّكوين في هذه المشاهد المسرحيّة ! ( فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشّجرة فأكلت، فقال الربّ للمرأة: ما هذا الذي فعلت، فقالت المرأة: الحيّة غرّتني فأكلت)( )، والحمد للّه أنّ القصّة كما جاءت في القرآن لم تذكر البادئ بالأكل أهو المرأة أم الرّجل بعكس الرّوايتين التّوراتيّة والإنجيليّة، فقد ذهبتا إلى حدّ الحطّ من المرأة وجعلها منشأ شقاء البشريّة وسبب غواية آدم.
جاء في الإنجيل في رسالة بولس الأولى لتيموثاوس ( وعلى المرأة أن تتعلّم بصمت وخضوع تامّ، ولا أجيز للمرأة أن تُعلِّم ولا أن تتسلّط على الرّجل، بل عليها أن تلزم الهدوء، لأنّ آدم خلقه الله أوّلاً ثمّ حوّاء وما أغوى الشّريرُ آدمَ، بل أغوى المرأة فوقعت في المعصية …)( )، والذي يقرأ عن مكانة المرأة في الكتاب المقدّس، وفي كتابات قساوسة النّصارى يرى مدى الاحتقار والحيف الذي تعرّضت له المرأة بسبب تلك التّهمة؛ فقد وصف العهد القديم المرأة [ بأنّها أمَرُّ من الموت ]، ويقول قدّيس النّصارى ترتوليان: » إنّ المرأة مدخل الشّيطان إلى نفس الإنسان، ناقِضة لنواميس الله، مشوّهة لصورة الله«، وقال القدّيس سوستام: » إنّها شرّ لا بدّ منه، آفة مرغوب فيها، وخطر على الأسرة والبيت، ومحبوبة فتّاكة، ومصيبة مطلية مسموم«، وأعلن البابا أينوسنتوس الثّامن » إنّ الكائن البشريّ والمرأة يبدوان نقيضين عـنيدين «.
وأكبر دليل على تخبّط النّصارى في تقييم المرأة هو عقد مؤتمر ماكون في القرن الخامس الميلادي، الذي بحث موضوع "هل المرأة مجرّد جسم لا روح فيه أم لها روح ! ؟ "، ومؤتمر فرنسا في القرن السّادس الذي بحث موضوع " هل المرأة إنسان أم غير إنسان !؟ "، وقد سبق جميع القدّيسين في احتقار المرأة القدّيس بولس صاحب الرّسائل التي أُدخلت في الإنجيل، والذي أزرى بالمرأة أيّما زراية، فجعلها بسبب الخطيئة مخلوقًا من الدّرجة الثّانية أو الثّالثة!
ونعود إلى الخطيئة، فإذا كان النبيّ محمّد  يقول: » إنّ العلماء ورثة الأنبياء وإنّ الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنّما ورٌثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر « وإذا كان النّاس يرون أنّهم يرثون عن آبائهم وأجدادهم الأموال والثّروات والعقارات … فإنّ النّصارى ترى أنّ آدم أورث أبناءه وأحفاده ذنوبه وآثامه التي اقترفها في الجنّة، ولا سيّما الخطيئة العظيمة، عندما أكل من الشّجرة الممنوعة ! !.
إنّ منطق الكنيسة يقول: إنّ البشريّة كلّها تلوّثت بدنس الخطيئة، وبفعل ناموس العدل استحقّت الهلاك الأبديّ والطّرد من الرّحمة الإلهيّة، وانتُزعت منها إرادة فعل الخير ! فقد جاء في العهد الجديد (بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت، وهكذا اجتاز الموتُ إلى جميع النّاس إذ أخطأ الجميع)( ).
أيّها القارئ لو كان أبي سارقًا فهل من العدل أن تحكم عليّ محكمة أرضيّة بأنّي مذنب لمجرّد كوني ابنا لأب سارق!؟ ويبدو أنّ المحكمة الإلهيّة عند النّصارى لها معايير قضائيّة أخرى، فهي تجعل بلايين البشر مذنبين بسبب ذنب لم يقترفوه ولم يعلموا عنه شيئًا، فهل المحاكم الأرضيّة أرحم و ألطف من المحاكم السّماويّة !؟
ويصرّ رجال الكنيسة على هذا المنطق المقلوب، ويستميتون دفاعًا عنه، وفي هذا الصّدد يقول جان كالفين، زعيم البروتستانتيّة: » حينما يقال إنّنا استحققنا العقاب الإلهيّ من أجل خطيئة آدم، فليس يعني ذلك أنّنا بدورنا كنّا معصومين أبرياء، وقد حملنا – ظلمًا – ذنب آدم .. الحقيقة أنّنا لم نتوارث من آدم " العقاب " فقط، بل الحقّ أنّ وباء الخطيئة مستقرّ في أعماقنا، تلك الخطيئة التي تعدت إلينا من آدم، والتي من أجلها قد استحققنا العقاب على سبيل الإنصاف الكامل، وكذلك الطّفل الرّضيع تضعه أمّه مستحقًّا للعقاب، وهذا العقاب يرجع إلى ذنبه هو، وليس من ذنب أحدٍ غيره«.
ويقول سانت أغسطين: » وكان الواقع أنّ جميع أفراد الإنسان الذين تلوّثوا بالخطيئة الأصليّة، إنّما وُلدوا من آدم و تلك المرأة التي أوقعت آدم في الخطيئة والتي شاركت آدم نيْل العقاب«، ويصرّح الإنجيل في عدّة آيات (بالخطيئة حَملت بنا أمّهاتنا)، وتنتقل الخطيئة عبر الرّوح من الأجداد إلى الأحفاد، كما يقرّر ذلك القدّيس توماس الإكويني حين يقول: » ومثل ذلك أنّ الذنب في الواقع تقترفه الرّوح، ولكنّه بالتّالي ينتقل إلى أعضاء وجوارح في الجسم «.
وكأنّ كاتب الآيات التي تحمِّل الإنسانيّة ذنب أبيها آدم نسي الفصول التي كتبها من مسرحيّته، والتي تناقض تمامًا العقاب الجماعيّ للمذنبين وغير المذنبين، وكذلك يتناسى قساوسة النّصرانيّة تلك الآيات العديدة في العهدين القديم والجديد، التي تحكم على عقيدة وراثة الخطيئة بالبطلان والفساد .. وتعالوا ننظر سويًّا في بعض تلك الآيات التي وردت في أسفار العهد القديم ومنها: ( لا يُقتل الأباء عن الأولاد، ولا يُقتل الأولاد عن الآباء، كلّ إنسان بخطيئته يُقتل )( )، فهل هذه الآية من سفر التّثنية منسوخة أم ملغاة!؟ وماذا يقول رجال الكنيسة في قول العهد القديم (.. وأنتم تقولون لماذا لا يحمل الابن من إثم الأب، أمّا الابن فقد فعل حقًّا وعدلاً وحفظ جميع فرائضي وعمل بها فحياة يحيا، النّفس التي تخطئ هي تموت، الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحـمل من إثم الابن، بـرُّ البار عليه يكون وشرُّ الشرّير عليه يـكون )( ).
وهذه الآية من سفر حزقيال هل هي من الأسفار غير القانونيّة "الأبوكريفا " أم من الأناجيل التي لا تعترف بها المجاميع المسكونيّة!؟ فلماذا تتجاهلونها !؟ ثمّ هل من العدل أن يعاقب البريء بجريرة المذنب، كيف يعاقب من لم يرتكب ذنبًا؟ إنّ قوانين العقل والمنطق وجميع الأديان السّماويّة والوضعيّة تأخذ بمبدأ [ كلّ فرد بريء حتّى تثبت إدانته ]، فلماذا خالفت النّصرانيّة هذا المبدأ وضربت به عرض الحائط، وجعلت البشريّة كلّها مذنبة حتّى تُثبِت براءتها !!؟ وأين قول الكتاب المقدّس (فتقدّم إبراهيم وقال: أفتُهلك البارّ مع الأثيم؟، عسى أن يكون خمسون بارًّا في المدينة، أفتُهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين بارًّا الذين فيه؟، حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر، أن تميت البارّ مع الأثيم فيكون البارّ كالأثيم، حاشا لك، أديّان كلّ الأرض لا يصنع عدلاً !؟ فقال الربّ: إن وجدتُ في سدوم خمسين بارًّا في المدينة فإنّي أصفح عن المكان كلّه من أجلهم)( )، وأين قوله (في تلك الأيّام لا يقولون بعدُ الآباء أكلوا حصرمًا وأسنان الأبناء ضرست، بل كلّ واحد يموت بذنبه، كلّ إنسان يأكل الحصرم تضرّس أسنانه)( )، وقوله (سيجازي كلّ واحد حسب أعماله)( ).
وبعد صفحات سنرى أنّ الله نفسه – في زعم النّصارى – أضاف إلى هذه المحاكمة الجائرة ظلمًا آخر حين أراد التخلّص من الخطيئة بصلب إنسان بريء، وتعذيبه أشدّ العذاب على يد اليهود والرّومان، إنّ منهج القرآن الكريم يختلف جذريًّا عن هذا الظّلم الشّديد الذي وقع على الإنسان واقرأوا إن شئتم آيات الله تعالى في القرآن:  لا يجزي والدٌ عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا  لقمان 33.
من عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربّك بظلاّم للعبيد  فصّلت 46.
 ألاّ تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى  النّجم 38.
فأيّ هذه الآيات هي أقرب إلى العقل، والمنطق، أهذه التي تحمِّل الفرد وحده مسؤوليّة أفعاله الخيّرة والشرّيرة، أم تلك الآيات الإنجيليّة المقدّسة، التي تجعل الجنين والرّضيع مجرمين ملعونين هالكين مطرودين من ملكوت السّموات … !
وثمّة مسألة أخرى هامّة تعصف بمفهوم الخطيئة، وهي أنّ الله عاقب البشريّة عقوبات عديدة شديدة لم يكن من العدل بعدها لعن الجنس البشريّ، ونزع إرادته على فعل الخير، ولم تكن هناك حاجة للتّكفير عن الخطيئة الأصليّة بصلب المسيح..
جاء في سفر التّكوين (وقال الربُّ الإله للحيّة لأنّك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرّيّة، على بطنك تسعين وترابًا تأكلين كلّ أيّام حياتك، وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلها، هو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه، وقال للمرأة تكثيرًا أُكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادًا( ) وإلى رجُلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك، وقال لآدم لأنّك سمعت لقول امرأتك وأكلت من الشّجرة التي أوصيتك قائلاً لا تأكل منها، ملعونة الأرض بسببك، بالتّعب تأكل منها كلّ أيّام حياتك، وشوكًا وحَسَكًا تُنبت لك وتأكل عشب الحقل، بعرق وجهك تأكل خبزًا حتّى تعود إلى الأرض التي أخذت منها، لأنّك من تراب وإلى تراب تعود)( ).
فسبحان الله من هذا الإله !كيف يعاقب بكلّ هذه العقوبات القاسية المتتالية؛ عقوبات خاصّة بالحيّة وبالمرأة وبالرّجل، ثمّ لم يكتف بذلك فلعن الأرض كذلك، ولا أدري ما ذنبها! ثمّ واصل سلسلة العقوبات بطرد الإنسان من الجنّة خوفًا من أن يأكل من شجرة الخلد فيبقى هنالك في ملكوته ! يقول سفر التّكوين: (وقال الربّ الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحدٍ منّا عارفًا الخير والشرّ، والآن لعلّه يمدّ يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضًا، ويأكل ويحيا إلى الأبد، فأخرجه الربّ الإله من جنّة عدن ليعمل الأرض التي أُخذ منها، فطرد الإنسان وأقام شرقي جنّة عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلّب لحراسة طريق شجرة الحياة)( ).
أليست كلّ هذه العقوبات كافية لتحقيق ناموس العدل!؟ فهل من العدل أن يُضيف إلى تلك القائمة الطّويلة عقوبة الخطيئة المميتة !؟
إنّ هذا المنطق الغريب الذي يصوّر الله بهذا الحقد والجبروت هو الذي دفع أحد الغربيّين إلى السّخريّة بقوله: » إنّ الله أنانيّ وقاس جدًّا، فلقد لعن البشريّة كلّها وطردها من رحمته، وحكم عليها بالشّقاء المؤبّد لمجرّد أنّ فردًا واحدًا منها تجرّأ على أكل تُفّاحة من حديقته ! «.
وثمّة ملاحظات أخرى وأخرى فقوله: ( لعلّه يمدّ يده ..) دليل على عدم تأكّد الله من أنّ آدم سيفعل ذلك أصلاً، لكنّه هذه المرّة لم يشأ أن يراهن كما فعل مع شجرة المعرفة؛ لذلك أخذ التّدابير والاحتياطات اللاّزمة لقطع الطّريق على آدم حتّى لا يصل إلى شجرة الخلد !، إنّ الله تعلّم درسًا في السّابق فلا يريد أن يُلدغ من جحر مرّتين، فطرد آدم من الجنّة حماية لمكتسباته لئلاّ يتطلّع إلى الأكل من شجرة الخلد في غفلة من الله – ! جلّ شأنه وتعالى عمّا يقولون – فيصبح آدم كالله تمامًا !
إنّ هذه الاستنتاجات نوردها إلزامًا فقط، وليس اعتقادًا منّا بها، والقارئ العاديّ لهذه الأسفار يشمّ رائحة كاتب يهوديّ عاجز عن تصوّر الذّات الإلهيّة بصفاتها العليا المنزّهة عن مشابهة الخلق، فتراه يصف ويصوّر الله كأنّه إنسان يحسد آدم، ويتحرّك بموجب غريزة التملّك والبقاء والسّيطرة ليحيك المؤامرات خشية على ذهاب عرشه ومصالحه الشّخصيّة المهدّدة بظهور منافس محتمل، وأتساءل: ما هي الحكمة من خلق شجرة الحياة هذه! هل لمجرّد استمتاع الله برؤيتها عند تجوّله في حديقته!؟
إنّ أهمّ أساس في الإيمان النّصرانيّ هو الخطيئة الأصليّة، وإنّ اعتقادًا كهذا يجرّنا إلى سلسلة طويلة من التّساؤلات، يقول سفر التّكوين: إنّ الحيّة هي التي أغوت المرأة والرّجل، فلماذا لم يكتف الله بمعاقبة الحيّة وقد كانت الرّأس المدبّر للجريمة والسّبب في جميع ذنوب بني آدم !؟
لماذا لم يتكلّم الأنبياء والرّسل الذين ذُكروا في التّوراة والعهد القديم عن هذه العقيدة "الخطيئة " !؟ لماذا لم يُشر إليها نوح، إبراهيم، إسحاق، يعقوب، داود .. بل حتّى موسى أعظم نبيّ في بني إسرائيل لم يُلمِّح إلى الخطيئة من قريب ولا من بعيد، كيف يمكن لأنبياء عظماء مثل هؤلاء أن يتجاهلوا هذه العقيدة؟ هل كانوا جاهلين بها؟ وهي أخطر عقيدة في الملكوت، هل كتموا خبرها عن النّاس وأبقوها سرًّا بينهم؟ لماذا لم يرفعوا أيديهم إلى السّماء ليدعوا ويتوسّلوا إلى الله ليرفعها عن الإنسانيّة؟ أتعرف لماذا لم يفعلوا ذلك؟ لأنّهم ببساطة لم يكونوا يؤمنون بوجود خطيئة ما، بل كانوا يؤمنون بقول الكتاب المقدّس (برُّ البارّ عليه يكون وشرّ الشرّير عليه يكون)( ).
ثمّ هل كان هؤلاء الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وداود وسليمان .. أجداد المسيح خطاة ومدنّسين بالخطيئة الأصليّة التي ارتكبها أبوهم آدم؟ فإذا كانوا كذلك لماذا اختارهم الله لهداية البشر، وهم لا يختلفون عن غيرهم لكونهم منغمسين في الخطيئة كباقي أفراد جنسهم؟، لماذا كان "يهو" jeovah وهو الله في العهد القديم – راضيًا عن أنبيائه؛ فكان يدعو بعضهم بالرّجل البارّ، ورجل الله، والصّالح، يقول الكتاب المقدّس (كان نوح رجلاً بارًّا كاملاً في أجياله وسار نوح مع الله)( )، (وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأنّ الله أخذه)( )، بل إنّ العهد الجديد يجزم بأنّ أولئك الأنبياء الذين سبقوا المسيح كانوا كاملين في إيمانهم، ولم يكونوا خطاة، ولم تكن تنقصهم عقائد التّثليث والفداء والكفّارة، جاء في رسالة يعقوب في العهد الجديد (أنظر إلى أبينا إبراهيم أما برره الله بالأعمال، حين قدّم ابنه إسحاق على المذبح، فأنت ترى أنّ إيمانه وافق أعماله فصار إيمانه كاملاً بالأعمال، فتمّ قول الكتاب آمن إبراهيم بالله فبرّره الله لإيمانه ودُعي خليل الله)( ).
كيف وُفّق الأنبياء إلى فعل الخير وجميع الطّوائف النّصرانيّة ترى بموجب الخطيئة أنّ الله نزع من بني الإنسان إرادة فعل الخير، وإنّ ما يعمله الإنسان هو شرّ، وذلك رغم اعتراف المسيح بوجود أبرار على الأرض، فعندما لام أناس المسيح على دعوته الأشرار والخطاة، ردّ المسيح عليهم قائلاً: (لأنّي لم آت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التّوبة)( ).
وأخيرًا لماذا كتم الله سرّ الخطيئة فلم يبده لعباده إلاّ بعد قصّة صلب المسيح، إنّ المدّة الزّمنيّة التي تفصل بين آدم والمسيح ليست بالقصيرة، فأين كان مفهوم الخطيئة خلال تلك القرون الطّويلة؟.
يقول عبد الأحد داود – رأس الكنيسة الكلدانية وقد أسلم – في كتابه (الإنجيل والصّليب): » إنّ من العجب أن يعتقد المسيحيّون أنّ هذا السرّ اللاّهوتيّ، وهو خطيئة آدم وغضب الله على الجنس البشريّ بسببها ظلّ مكتومًا عن كلّ الأنبياء السّابقين، ولم تكتشفه إلاّ الكنيسة بعد حادثة الصّلب« ويقرّر الكاتب أنّ هذه المسألة هي من المسائل التي حملته على ترك النّصرانيّة واعتناق الإسلام لأنّها أمرته بما لا يستسيغه عقله.
ومن أغرب العجائب أنّ أسفار العهد القديم لم تدع جزئيّة من الجزئيّات التّافهة كأعداد قبائل بني إسرائيل وأسمائهم، وطول وعرض ووزن الأشياء في أسفار اللاوين والتثنية والعدد، وأكاذيب زنا داود بحليلة جاره، وزواج سليمان بـ 1000 امرأة، وزنا لوط بابنتيه !.. كلّ هذه التّفاصيل سُردت في أكثر من 1200 صفحة بتفصيل مملّ، ومقزز يدعو للغثيان؛ في حين أنّ الخطيئة التي هي أهمّ عقائد النّصرانيّة على الإطلاق لا تجد لها مكانًا بين ذلك الرّكام لا تلميحًا ولا تصريحًا!
أليس هذا الأمر محيّرًا ؟ بلى.
أليس هذا الأمر غير معقول ؟، بلى.
إنّ أكثر التّحليلات العلميّة للدّيانة النّصرانيّة تُرجع منبت هذه العقائد المنحرفة عن العقل والدّين "كالخطيئة " إلى الجهود المشبوهة التي قام بها أعداء التّوحيد في تدمير الدّين وتحريفه، وعلى رأس أولئك جميعًا بولس "شاؤول " الذي يعتقد النّصارى أنّه رسول المسيح، لقد لعب بولس دورًا خطيرًا في الهدم من الدّاخل، كان يصعب – إنّ لم يكن من المستحيل – فعله من الخارج، ولقد كان ذكيًّا – بل خبيثًا – عندما لم يخترع ديانة جديدة من عنده، إنّما عمد إلى عقائد فاسدة كانت موجودة في أديان الوثنيّين " البوذيّة، البراهميّة، المتراسيّة، المصريّة القديمة، وفلسفة الإغريق والرّومان ..الخ " فأخذ من هنا وهناك أشياء كانت شائعة في ذلك الزّمان، ثمّ ألصقها بالدّيانة النّصرانيّة الجديدة في غفلة من أهل العلم، وقد تزامن ذلك مع حملة اليهود والرّومان الشّرسة على الحواريّين وتلاميذ المسيح، فضاع الحقّ وأخذ مكانه الباطل المزخرف، الذي دعّمته فيما بعد سلطة الدّولة الرّومانيّة لما تنصرت.
وبخصوص الخطيئة يذكر علماء تاريخ الأديان وجود فكرة الخطيئة في أكثر الأديان الوثنيّة التي سبقت النّصرانيّة، يقول م. ويليام في كتابه (الهندوسيّة): »يعتقد الهنود الوثنيّون بالخطيئة الأصليّة، وممّا يدلّ على ذلك ما جاء في تضرّعاتهم التي يتوسّلون بها بعد "الكياتري" وهي: إنّي مذنب، ومرتكب للخطيئة، وطبيعتي شرّيرة، وحملتني أمّي بالإثم، فخلّصني يا ذا العين الحندقوقيّة، يا مخلّص الخاطئين يا مزيل الآثام والذّنوب«، ويقول هوك في كتابه (رحلة هوك): »يعتقد الهنود الوثنيّون بتجسّد أحد الآلهة وتقديم نفسه ذبيحة فداء عن النّاس والخطيئة« ويقول »ومن الألقاب التي يُدعى بها كرشنا: الغافر من الخطايا، والمخلص من أفعى الموت«.
وختامًا فإنّ الإيمان بالخطيئة ولّد عند الإنسانيّة كثيرًا من الآلام، والعقد النّفسيّة، يحدّثنا عن بعضها، كاتب نصرانيّ ما يزال على نصرانيّته ألّف كتابًا بعنوان (محمّد الرّسالة والرّسول) أنصف فيه الإسلام ونبيّه  وانتقد بشدّة فكرة الخطيئة والعقائد النّصرانيّة.
يقول الدّكتور نظمي لوقا: » وإنّ أنسى لا أنسى ما ركبني صغيرًا من الفزع والهول من جرّاء تلك الخطيئة الأولى، وما سيقت فيه من سياق مروّع، يقترن بوصف جهنّم، ذلك الوصف المثير لمخيّلة الأطفال، وكيف تتجدّد فيها الجلود كلّما أكلتها النّيران، جزاء وفاقًا على خطيئة آدم بإيعاز من حوّاء، وأنّه لولا النّجاة على يد المسيح الذي فدى البشر بدمه الطّهور، لكان مصير البشريّة كلّها الهلاك المبين، وإن أنسى لا أنسى القلق الذي ساورني وشغل خاطري عن ملايين البشر قبل المسيح أين هم؟ وما ذنبهم حتّى يهلكوا بغير فرصة للنّجاة ؟ فكان لا بدّ من عقيدة ترفع عن كاهل البشر هذه اللّعنة، وتطمئنهم إلى العدالة التي لا تأخذ البريء بالمجرم، أو تزر الولد بوزر الوالد، وتجعل للبشريّة كرامة مصونة، ويحسم القرآن( ) هذا الأمر، حيث يتعرّض لقصّة آدم، وما يُروى فيها من أكل الثّمرة؛ فيقول  وعصى آدم ربَّه فغوى، ثمّ اجتباه ربُّه فتاب عليه وهدى  طه 121 – 122… والحقُّ أنّه لا يمكن أن يقدِّر قيمة عقيدة خالية من الخطيئة الأولى الموروثة إلاّ من نشأ في ظلّ تلك الفكرة القاتمة التي تصبغ بصبغة الخجل والتأثّم كلّ أفعال المرء، فيمضي في حياته مضيّ المريب المتردّد، ولا يُقبِل عليها إقبال الواثق بسبب ما أنقض ظهره من الوزر الموروث.
إنّ تلك الفكرة القاسية – الخطيئة الأولى وفداءها – تُسمّم ينابيع الحياة كلّها، ورفعُها عن كاهل الإنسان منّة عظمى، بمثابة نفخ نسمة حياة جديدة فيه، بل هو ولادة جديدة حقًّا، وردٌّ اعتبار لا شكّ فيه، إنّه تمزيق صحيفة السّوابق، ووضع زمام كلّ إنسان بيد نفسه«.
قطعت جهيزة قول كلّ خطيب، يعجبني الإنصاف من أمثال الدّكتور نظمي لوقا، وهو المتبحّر في دراسة الإنجيل والكتب السّماويّة، وأين هو ممّن ادّعوا اعتناق النّصرانيّة في بعض البلاد الإسلاميّة – كبعض البربر مثلاً عندنا في الجزائر – الذين ناقشت بعضهم فوجدتهم لم يقرأوا شيئًا عن الإنجيل ولا يعرفون نصوص الكتاب المقدّس، وعند التّحقيق اكتشفت أنّ اعتناق النّصرانيّة عند أكثرهم – إن لم أقل كلّهم – كان مطيّة للحصول على تأشيرات سفر إلى أوروبا وأموال وامتيازات أخرى من جمعيّات وهيئات وسفارات غربيّة مشبوهة !!

الفــــداء والكفّــــارة

ترتبط عقيدة الكفارة بعقيدة الخطيئة ارتباط اليد بالمعصم، فالمقصود بالكفارة هو رفع الخطيئة الأصليّة وتكفيرها عن كاهل البشريّة لإنقاذها من الموت الأبديّ، الذي أصابها جرّاء أكل آدم من الشّجرة.. ويُعتبر علماء الأديان قاطبة أنّ الكفّارة أُسّ الدّين النّصرانيّ، ومركز الدّائرة ونقطة التقاء جميع العقائد النّصرانيّة الأخرى، فهي ذات علاقة بالخطيئة من حيث إنّ هذه الأخيرة سبب لها وذات علاقة بالتجسّد والصّلب والقيامة .. من حيث كون هذه العقائد نتيجة حتميّة للكفّارة، وهي في الواقع أكثر تعقيدًا والتواءً، الأمر الذي أضنى الدّارسين والباحثين في أعماقها، وأحرج الكنيسة ورجالها، وأعجزهم عن الإجابة عن التّساؤلات العديدة حولها، لذا تراهم يأمرون أتباعهم بالإيمان بها دون البحث في جوهرها و ماهيّتها.

كيف نشأت فكرة الكفّارة ؟
نشأت هذه الفكرة بعد نزاع مرير بين صفتين من صفات الله تعالى، وهما صفة العدل وصفة الرّحمة، فإذا عدنا إلى الوراء قليلاً نجد أنّ الله حذّر آدم من الأكل من الشّجرة بقوله: (يوم تأكل منها موتًا تموت)( )، فهذا الحكم بالإعدام – على آدم وذرّيته – نافذ وغير قابل للاستئناف أو الطّعن أو التّخفيف؛ لأنّ مقتضى العدل عند الله أن ينفّذ وعده بمعاقبة المسيء بالموت، وقانون العدل الإلهيّ يُلزم الله بعدم التّساهل والتّراخي في تطبيق العقوبة.
وحتّى لا يوصف الله بالجور وعدم الإنصاف أو بالإخلال بقانون العدل بدأ بتنفيذ سلسلة العقوبات التي ذكرناها سابقًا، وكان آخرها طرد الإنسان من الجنّة والحكم عليه باللّعنة وإلصاق الخطــيئة برقبته إلى الأبد – وفي زعم النّصارى – يكون الله قد حقّق العدل بهذه الخطوات !!
واستمرّ الوضع على ما هو عليه دهرًا، وفجأة ظهرت صفة أخرى من صفات الله، وهي الرّحمة، فراودت الله على غفران خطيئة الإنسان؛ لأنّ من رحمة الله بالنّاس ومحبّته لهم ألاّ يتركهم على هذه الحالة التّعيسة؛ فكان على الله بمقتضى هذه الصّفة أن يعفو عن البشر ويغفر لهم ويرفع عنهم اللّعنة والشّقاء !
إنّ هذا المنطق الكنسيّ يبرز الله حائرًا بين صفتين من صفاته، أيّهما يغلب على الأخرى؟، فكلّما أراد الإماتة واللّعنة بمقتضى العدل عاقته الرّحمة، وكلّما أراد رحمة خلقه والمغفرة لهم وقفت صفة العدل بالمرصاد !إنّه خيار صعب بين طرفين أحلاهما مرّ، فإلى ماذا سيؤول نزاع الصّفتين وكيف يوفّق الله بينهما لحلّ المشكلة التي أوقع نفسه فيها وتورّط في براثنها ؟!( ) ولا ندري كيف يمتلك رجال الكنيسة الجرأة بمنطقهم هذا ليلزموا الله بإلزامات كهذه !فكان لزامًا – إذن – على الله أن يصل إلى حلّ وسط ينال بموجبه العدل حقّه وتأخذ الرّحمة مكانها، فما السّبيل لذلك الحلّ السّحريّ ؟
وبما أنّنا، الآن، نكتب بمنطق النّصارى فلنترك أكبر ممثّل للفكر النّصرانيّ بولس "شاؤول" يبيّن لنا السّبيل لحلّ أزمة "العدل والرّحمة"، ولا سيّما أنّ بولس أكبر مدافع عن عقيدة الكفّارة، إن لم يكن هو مخترعها، يقول في العهد الجديد: (لا يوجد مغفرة بدون سفك دم)( )، ويبدو أنّ بولس ما يزال متأثّرًا بيهوديّته؛ إذ إنّ الإله "يهو" في العهد القديم كان مغرمًا بدم القرابين، فلم يكن يرضى عن بني إسرائيل إلاّ حين يشمّ رائحة مشاوي ودم الذّبائح التي يقدّمها كهنة اليهود، حين يسترضون ربّهم عند غضبه بذبيحة ليغفر لهم موبقاتهم.
كذلك كانت عقيدة سفك الدّم من أجل المغفرة والخلاص سائدة في العديد من الدّيانات الوثنيّة القديمة، لدى المصريّين والبوذيّين والإغريق والهنود.. فقد كانت تلك الأقوام تدفع للمذابح الرّجال والنّساء والأطفال والحيوانات بل والآلهة وأبناء الآلهة قربانًا إلى الله، فركِب بولس الموجة وسار مع التيار فاستعار الفكرة، أو قل سرقها وطبّقها على النّصرانيّة، ونسبها إلى تعاليم المسيح فأضلّ بها خلقًا عظيمًا إلى أيّامنا هذه، وسنعود بعد صفحات إلى شهادات علماء الأديان لنطّلع على عقيدة الكفّارة والفداء في الوثنيّة التي سبقت مولد المسيح بآلاف السّنين.
لا بدّ من سفك دم!! ولكن ما هو حجم الذّبائح التي يقبلها الله لفداء البشر، كم مترًا مكعّبًا من الدّماء تكفي لغسل خطيئة الأكل من تفّاحة الجنّة، من يتبرّع ليكون فاديًا، وما نوع الذّبيحة المناسبة !؟، أيكون حيوانًا؟( )؛ لا يقدر حيوان على فداء إنسان لفرق القيمة، أو ملَكًا؟؛ الملائكة لم تشارك في الخطيئة وربّما لا تملك دمًا، أو إنسانًا؟، كلّ النّاس تدنّسوا بالخطيئة، ولا يصلح أن يكون فاديًا إلاّ طاهرٌ، أو إلها؟؛ أغلق بولس جميع منافذ الفداء إلاّ هذا المنفذ، فالفادي يجب أن يكون طاهرًا ولا طاهر إلاّ الله، إذن الفادي هو الله لا غيره ! !وكيف يكون الله فدية، هل ينتحر أو يزهق روحه أو يتركها تقتل على أيدٍ، أيًّا كانت، فيبقى العالم بدون إله!؟
دبّر الله حيلة التجسّد – وهو اختراع آخر لبولس – والتجسّد متاهة لا يُعرف لها مدخل من مخرج، سنحاول إلقاء بعض الضّوء عليها بعد قليل، وإن كان كلّ ضوء الدّنيا لا يقدر على إنارة ظلمتها، فقد خرج بولس بلازمة أنّ حلّ أزمة الخطيئة لا يتحقّق إلاّ أن يفدي اللّه بنفسه البشريّة، لأنّه طاهر من الخطيئة الأصليّة، و ذلك قادر على التجسّد، بأخذ جسم إنسان، حتّى ينوب عن الإنسان المخطئ، ومفاد "حيلة" التجسّد أنّ الله نزل من عليائه حاملاً معه صفات الألوهيّة، ثمّ دخل رحم العذراء مريم ومكث هناك تسعة أشهر كما يمكث أيّ جنين في بطن أمّه، ثمّ خرج إلى الوجود بالولادة عن الطّريق المعهود، فاختلط الإله المولود بدم الحيض والنّفاس، واستقبلته الأيدي ووضعته في القماط، وناولته أمّه ثديها ترضعه وتعطف عليه عطف الأمّ على ولدها.
لقد أصبح الإله إنسانًا وصار واحدًا منّا، فهو إله كامل وإنسان كامل، وتتّفق جميع الطّوائف النّصرانيّة على هذه العقيدة، وقد وردت في قانون الإيمان كالآتي: [.. الذي لأجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السّماء وتجسّد من الرّوح القدس ومن مريم العذراء، وتأنّس وصُلِب عنّا على عهد بيلاطس البنطي..].
وسنشفق على القارئ فلا ندخله في صراعات الطّوائف النّصرانيّة التي دارت حول طبيعة المولود، هل هو الأب أم ابنه أم الثّالوث؟، هل ولدت مريم الله أم المسيح؟ هل المولود هو اللاّهوت أم النّاسوت.. إلخ !؟
وسنشير إلى بعض ذلك فيما بعد، ولا ننصح أحدًا بالبحث فيها؛ لأنّه حينها تفنى الأعمار ولا يخرج المرء بنتيجة تذكر، اللهمّ إلاّ الشكّ والحيرة وربّما الإعاقة النّفسيّة والعقليّة والوقاية خير من العلاج فتنبّه !
كبُر المولود الذي دعي المسيح، وتقدّم في السنّ، وبدأ بدعوته بين اليهود في فلسطين، وكانت دعوته كلّها تنصبّ على عبادة الله وحده لا شريك له، والاستمساك بالتّوراة الموسويّة ، ولم يذكر المسيح في حياته نصًّا عن الخطيئة أو الكفّارة أو الصّلب أو الثّالوث، فتلك عقائد طبخها بولس والقساوسة بعد رفع المسيح .. واستمرّ المسيح يدعو إلى تطبيق شريعة العهد القديم، وكان هو نفسه يعمل بمقتضاها ويسير على هداها؛ قال المسيح: (لا تظنّوا أنّي جئت لأبطل الشّريعة وتعاليم الأنبياء، ما جئت لأبطل بل لأكمل)( )، لكن اليهود خافوا على مصالحهم ومكتسباتهم بعد أن هدّدهم المسيح وفضحهم على رؤوس الأشهاد، فتآمروا وخطّطوا فأُلقي القبض عليه، فحاكموه وأهانوه، ثمّ قدّموه إلى الصّليب فصلبوه – حسب الأناجيل – وبعدما صُلب زعم النّصارى أنّ صلبه كان تكفيرًا وفداء لخطيئة آدم و تخليصًا للبشريّة من اللّعنة التي أصابتها منذ فجر التّاريخ، ويجمــع النّصارى – على اختلاف مللهم ونحلهم – على أنّ المسيح صلب من أجل خطايا البشر بإرادته وطواعيته، وبموته رُفعت الخطيئة الأبديّة واسترجع الإنسان حرّيته، وغفرت لبني آدم جميع زلاّتهم وسيّئاتهم، واستحقّ المسيح أن يلقّب بالمخلّص لأنّه خلّص البشر من عبوديّة الشّيطان.
وأكثر الآيات الإنجيليّة التي تقرّر عقيدة الكفّارة والفداء توجد في الرّسائل الأربع عشرة لبولس، الذي كان متحمّسًا تحمّسًا مريبًا لهذه الفكرة، حتّى إنّه لم يكن مستعدًّا لقبول فكرة أخرى غيرها إلاّ تلك، يقول بولس (إنّي لم أعزم أن أعرف شيئًا بينكم إلاّ يسوع المسيح وإيّاه مصلوبًا)( )، ويقول بولس مروّجًا سلعة الفداء (المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب)( )، ولا أدري ما هي الكتب التي يقصدها بولس !؟، وللملاحظة فكثيرًا ما نجد في العهد الجديد إحالات مبهمة كهذه دون ذكر الكتب بأسمائها وأسفارها، لتعويم القارئ وإيهامه بصدق الإحالة دون إعطائه فرصة الاطّلاع عليها، وقد اكتشف العديد من الباحثين عدم صدق الكثير من تلك الإحالات فتنبّه، ويقول بولس: (الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا)( )، وجاء في رؤيا يوحنا (الذي أحبّنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه)( ).
أمّا أشهر آية إنجيليّة في هذا الباب والتي يفتخر رعاة الكنائس بترديدها في كلّ صلاة وقدّاس فهي (هكذا أحبّ الله العالم حتّى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة)( )، إنّ الكنيسة برجالها وأناجيلها تقرّر أنّ المسيح وُلد ليموت ونزل من السّماء ليُقتل، إنّه عطيّة الله للنّاس، لم يأت المسيح ليعيش بل جاء ليموت عن آخرين، أرسل الله المسيح ليغسل بدمه خطيئة آدم، وبذلك يمحو جميع الخطايا التي ورثناها بفعل الخطيئة الأصليّة، ويفهم من عقيدة النّصارى أنّ المسيح حضر إلى الأرض لأداء مهمّة "الانتحار" على يد اليهود والرّومان !
وقد يُصدّق بعض من لا يقرأ الأناجيل بتلك المسرحيّة المحبوكة، لكن من يتمعّن قليلاً في نصوص العهد الجديد يستغرب أشدّ الاستغراب من استماتة المسيح في الدّفاع عن نفسه، ورفضه للموت وحرصه على البقاء حيًّا، وليس من العجب أن نراه يقوم بجميع المحاولات للنّجاة بنفسه من أعدائه، لقد كان المسيح إنسانًا يحبّ الحياة، لقد جاء ليعيش، وهذا حقّه الطّبيعيّ، على الرّغم من المحاولات الفاشلة للأناجيل وشرّاحها الذين أرادوا إجبار المسيح على الموت رغم أنفه، ونرى أنّ رجال الكنيسة إذا أرادوا إقناع النّاس بقصّة الفداء يستدلّون بأقوال المسيح في التّنبّؤ بآلامه ومنها قوله (.. كيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أن يتألّم كثيرًا ويُرذل)( ).
وقوله: (كذلك ابن الإنسان أيضًا سوف يتألّم منهم)( ) فهل هذه أدلّة يُركن إليها وأين الفداء و الخلاص و الصّلب من هذه الأقوال…؟، إنّ ما فعله المسيح بأقواله هذه هو تحضير أصحابه إلى الآلام التي يعانيها كلّ صاحب دعوة، فالطّريق وعرة ومحفوفة بالمخاطر، ومنهج الأنبياء مليء بالعقبات والأشواك، وقد أصابت تلك الاضطهادات المؤلمة الدّعاة إلى الله منذ فجر التّاريخ وما تزال، قال محمّد رسول الله : "الأنبياء أشدّ بلاء ثمّ الأمثل فالأمثل".
لكن البوْن شاسع بين أن يتعرّض الدّاعية لاضطهاد الكفّار والمجرمين وأن يستسلم للموت كالنّعجة طواعية وعن اختيار !وقد استبعد المسيح فكرة الموت الاختياري والفداء بلسان حاله ومقاله، ونستشفّ ذلك من عدّة آيات إنجيليّة: (أجابهم يسوع وقال تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني .. أليس موسى قد أعطاكم النّاموس، وليس أحدٌ منكم يعمل بالنّاموس، لماذا تطلبون أن تقتلوني؟)( )، (أنا عالم أنّكم ذريّة إبراهيم، لكنّكم تطلبون أن تقتلوني، لأنّ كلامي لا موضع له فيكم.. لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم، ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد حدّثكم بالحقّ الذي سمعه من الله، هذا لم يفعله إبراهيم)( )، حاول المسيح بهذه الكلمات العاطفيّة إقناع اليهود بأنّه نبيّ مرسل يتكلّم بالحقّ من عند الله، وأعلّمهم بأنّ أيّ مؤامرة لقتله ستكون ظلمًا وعدوانًا على الكتب السّماويّة وتعاليم الأنبياء، ثمّ عزف المسيح على وتر العاطفة حين ذكّرهم بإبراهيم، فقد كان اليهود يفتخرون به ويحبّون الانتساب إليه، محاولة منه لحماية نفسه من شرّهم، وجاء في الإنجيل: (.. وجاءوا إلى حافّة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه حتّى يطرحوه أسفل، أمّا هو "المسيح" فجاز في وسطهم ومضى)( )، وفي مرّة أخرى (فلمّا خرج الفريسيّون تشاوروا عليه لكي يهلكوه، فعلم يسوع وانصرف من هناك)( )، ومرة ثالثة (فرفعوا حجارة ليرجموه أمّا يسوع فاختفى وخرج من الهيكل مجتازًا في وسطهم ومضى)( )، (كان يسوع يتردّد بعد هذا في الجليل؛ لأنّه لم يرد أن يتردّد في اليهوديّة لأنّ اليهود كانوا يطلبون أن يقتلوه)( )، (فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه، فلم يكن يسوع أيضًا يمشي بين اليهود علانية بل مضى من هناك إلى الكورة القريبة من البرّيّة)( ).
هل هذه تصرّفات من يريد الموت أو من جاء ليصلب لخلاص البشريّة!؟، لماذا المماطلة، لماذا التخفّي عن أعين اليهود والهرب من وجه الأعداء خوفًا من أذيّتهم، لقد حاولوا قتله كما نرى عدّة مرّات، وطلبوا إزهاق روحه في عدّة مناسبات، فلماذا لم يُسلّم نفسه لهم منذ البداية !؟ لماذا هذا التّأخير الذي يكلّف الإنسانيّة العناء الشّديد، لماذا أصرّ المسيح على إطالة معاناة البشريّة التي تنتظر فداءها بفارغ الصّبر، فهلاّ أسرع في إنقاذها بقوله لليهود: "من فضلكم خذوني وارجموني واصلبوني من أجلكم أيّها الخاطئون ثقيلو الأحمال !" لكن نرى المسيح في الإنجيل، من خلال تلك الآيات كأنّه يريد ترك الفداء البطوليّ إلى آخر الفيلم، وما فائدة فيلم يموت البطل في أوّله !، لقد أصرّ المسيح على اللّعب مع اليهود لعبة 'السّارق و الشّرطيّ' وتقاعس عن أداء واجبه الذي كلّف به !؟
سيجيب أيّ قسّ عن هذا المنطق بأنّ ساعة المسيح لم تكن قد حانت بعد، فعندما تأتي ساعته يسلّم نفسه لليهود والرّومان بكلّ هدوء وبرودة أعصاب وبلا خوف ولا وجل من رعب الصّلب وأفعى الموت !.. فهل حدث هذا، وهل جاءت تلك السّاعة!؟
رغم أنّ النّصارى يقولون بحدوث ذلك ومجيء تلك السّاعة، إلاّ أنّ روايات الأناجيل عن آخر ساعات المسيح على هذه الأرض تعصف بفكرة الفداء وتجعلها قاعًا صفصفًا، وتحكم على الكفّارة بالخرافة المحضة، وتعال – أيّها القارئ الموضوعيّ – نتابع سلوك رجل يريد أن يموت بكلّ قواه من أجل الآخرين في آخر لحظات حياته كما ترويها الأناجيل الأربعة.
عندما اقتربت ساعة القبض على المسيح قال لتلاميذه: (عندما أرسلتكم بلا مال ولا كيس ولا حذاء هل احتجتم إلى شيء؟ قالوا: لا، فقال لهم: أمّا الآن فمن عنده مال فليأخذه، أو كيس فليحمله، ومن لا سيف عنده فليبع ثوبه ويشتر سيفًا… فقالوا: يا ربّ معنا هنا سيفان، فأجابهم يكفي)( ).
يأمر المسيح تلاميذه بالتزوّد بالمال، وبيع ثيابهم لشراء السّيوف، فالمال قد يساعدهم في التسلّح والدّعم اللّوجيستي، وفعلاً امتلك التّلاميذ سيفين، ولو كان باستطاعتهم اقتناء أكثر من ذلك لفعلوا، ولو كان المسيح في عصرنا لأمر أتباعه بشراء القنابل والبنادق الرشّاشة… وما فائدة السّيوف يا ترى التي يأمر المسيح باقتنائها، هل هي سيوف للزّينة والدّيكور، أم كما يقول أحمد ديدات لنزع قشر الموز والبرتقال!!
السّيوف لم تصنع لذلك، فقد كانت الدّعوة لاقتنائها استنفارًا عامًّا قبل أن يداهم اليهود التّلاميذ، وقد ظنّ المسيح أنّ التّلاميذ الأحد عشر الأقوياء الأشاوس – مزوّدين بالسّيفين والعصيّ – قادرون على ردّ عدوان شرذمة من حرس اليهود، فلم يكن المسيح عالمًا بأنّ اليهود سيستعينون بجنود الرّومان.
وما يزال السّؤال مطروحًا، الذي يأتي حقًّا لتسليم نفسه للموت كالنّعجة المسالمة والخروف الوديع ماذا عساه أن يفعل بالسّيوف، أجيبوا أيّها القساوسة !؟.
(ثمّ جاء يسوع مع تلاميذه إلى موضع اسمه جتسماني فقال لهم: اقعدوا هنا حتّى أذهب وأصلّي هناك وأخذ معه بطرس وابني زبدي.. ثمّ قال لهم: انتظروا هنا واسهروا معي)( ).
يقول أحمد ديدات في تعليقه على هذه الآيات في كتابه (مسألة صلب المسيح بين الحقيقة والخيال): » ولستَ بحاجة إلى عبقريّة عسكريّة، لكي تدرك أنّ المسيح يوزّع قوّاته كأستاذ في فنّ التّكتيك… والسّؤال الذي يفرض نفسه على أيّ مفكّر هو لماذا ذهبوا جميعًا إلى ذلك البستان؟ ألكي يصلّوا؟ ألم يكونوا يستطيعون الصّلاة في تلك الحجرة( )؟ ألم يكونوا يستطيعون الذّهاب إلى هيكل سليمان، ولقد كان على مرمى حجر منهم وذلك لو كانت الصّلاة هي هدفهم؟ كلاّ ! لقد ذهبوا إلى البستان ليكونوا في موقف أفضل بالنّسبة لموضوع الدّفاع عن أنفسهم!. ولاحظ أيضًا أنّ المسيح لم يأخذ الثّمانية لكي يصلّوا معه إنّه يضعهم بطريقة استراتيجيّة في مدخل البستان، مدجّجين بالسّلاح كما يقتضي موقف الدّفاع والكفاح.. لقد وزّع ثمانية لدى مدخل البستان، والآن على أولئك الشّجعان الأشاوس الثّلاثة – مسلّحين بالسّيفين – أن يتربّصوا ويراقبوا ويقوموا بالحراسة!، الصّورة هكذا مفعمة بالحيويّة، إنّ يسوع لا يدع شيئًا نُعمل فيه خيالنا«.
ويستمرّ الإنجيل في سرده آخر تفاصيل حياة المسيح فيذكر عن ملابسات اعتقاله (وأخذ معه بطرس ويعقوب ويوحنّا، وبدأ يشعر بالرّهبة والكآبة، فقال لهم: نفسي حزينة حتّى الموت انتظروا هنا واسهروا! وابتعد قليلاً ووقع إلى الأرض يصلّي حتّى تعبر عنه ساعة الألم إن كان ممكنًا فقال أبي، يا أبي ! أنت قادر على كلّ شيء، فابعد عنّي هذه الكأس، ولكن لا كما أنا أريد بل كما أنت تريد)( )، ويقول متّى إنّ المسيح صلّى تلك الصّلاة المفعمة بالعواطف ثلاث مرّات، في حين يضيف لوقا بعض التّفاصيل الدراميّة في هذا المشهد؛ فيقول: (وابتعد عنهم مسافة رمية حجر ووقع على ركبتيه وصلّى فقال: يا أبي، إن شئت، فأبعد عنّي هذه الكأس !، ولكن لتكن إرادتك لا إرادتي، وظهر له ملاك من السّماء يقوّيه، ووقع في ضيق فأجهد نفسه في الصّلاة، وكان عرقه مثل قطرات دم تتساقط على الأرض)( ).
يا له من موقف تتقطّع له الأكباد حزنًا وضحكًا، لم أعد أفهم شيئًا، أين سيصنف نقّاد أفلام السّينما هذا المشهد، مع المشاهد الدّراميّة أم الكوميديّة!؟ فإنّ من المفترض أنّ المسيح ُقدّر له بقضاء الله قبل ميلاد آدم صاحب الخطيئة أن يموت من أجل البشريّة طواعية، وكان من المتّفق أن يتأنّس الله وينزل إلينا ويصبح واحدًا منّا ليُسلّم نفسه فيموت عنّا، لكنّ المسيح يفاجئ الجميع في هذه الآيات عندما يدعو الله أن يجيز عنه تلك الكأس، ويطمع أن يعفيه الله من تلك الآلام ومن تلك المهمّة، إن كان ممكنًا، لقد وقّع المسيح على صفقة إعدامه قبل آلاف السّنين، فلماذا يراوغ الآن ويحاول التهرّب من تنفيذ الصّفقة – طبعًا إن كان ممكنًا – هل أدرك المسيح أنّ هذه الصّفقة كانت خاسرة، أم أنّ الله جعله يوقّع على بياض ثمّ …؟ أم أنّ المسيح الذي وظّفه الله لتلك المهمّة الفدائيّة لم يكن مطّلعًا على تعليمات الوظيفة التي تقلّدها؟ فبماذا يمكن تفسير الحزن والكآبة والرهبة، وقطرات عرق كالدم، والبكاء، والصّلاة، والدّعاء بالنّجاة…؟
إنّ الأقنوم( ) الثّاني "المسيح" كان له رأي آخر مخالف لرأي الأقنوم الأوّل "الأب" في معالجة قضيّة الخطيئة، لكن يبدو أنّ الأقنوم الأوّل فرض رأيه ونفذ إرادته بلا مشاورة الأقنوم الثّاني، وأتساءل لماذا يكفِّر الله خطيئة البشر بتقديم غيره كفداء؟
إنّ المسيح كغيره من الأنبياء لم يكن يؤمن بعقيدة الخطيئة، ولا بحاجة البشريّة لتكفيرها، فقد رفض بتصرّفاته الفداء، فلماذا يجبره الله على فعل شيء لا يريده؟ لماذا لم يقدّم الأب حينها نفسه للفداء بدل ابنه؟ فما ذنب المسيح حتّى يقاسي كلّ تلك الآلام وهو يصرخ ويصيح ويتألّم؟ في حين أنّ آدم الذي أكل من الشّجرة يتنعّم في الجنّة بعد رفع الخطيئة عنه.
نعود مرّة أخرى للسّاعات الأخيرة للمسيح على الأرض، لقد صوّرت الأناجيل المسيح المخلّص بصفات مزرية، وهي لا تشرّفه، بل هي عارٌ وعيب في حقّ المجاهدين والأبطال، الذين يصلّون ويدعون الله أن ينالوا الشّهادة في سبيله، وكم من مسلم يتمنّى الشّهادة، وعندما يلقاها يحسده عليها المخلصون من أصحابه ويتمنّون لو كانوا مكانه، أمّا المسيح هنا فهو يبكي كالمرأة الضّعيفة، ويدعو ويصلّي حتّى ينقذه الله من أيدي اليهود، أي منطق هذا؟ لماذا يصرّ الله على تعذيب المسيح بتخويفه وإرهابه، ألا يقدر الله على إرسال رجل !؟ ألم يكن قادرًا على فداء النّاس بفاد أكثر عزيمة وأقوى شكيمة بدل هذا الجبان البكّاء( ).
ويعلّق أحمد ديدات على هذا الوضع المؤسف للمسيح إزاء الكفّارة في الكتاب السّابق تحت عنوان "مضحٍّ على الرّغم منه ": » لو كانت تلك هي خطّة الله في التّكفير عن خطايا البشر "موت المسيح" فإنّ الله – وحاشا لله – يكون – وفق النّصارى – قد تنكب الصّواب، إنّ الممثّل الشّخصيّ للّه كان حريصًا على ألاّ يموت، فهو يصرخ ! يتباكى ! يعرق !يجأر بالشّكوى !على النّقيض من أشخاص مثل القائد الإنجليزيّ لورد نلسون، بطل الحرب الذي قال لشبح الموت – فيما يروي -: "شكرًا لله، لقد أديّت واجبي" .. لقد كان يسوع – كما يصوّره النّصارى – ضحيّة راغبة عن التّضحية، ولو كانت تلك هي خطة الله أو مشيئته من أجل الخلاص، فإنّها إذن خطّة أو مشيئة لا قلب لها، كانت عمليّة اغتيال بالدّرجة الأولى، ولم تكن خلاصًا قائمًا على أساس من تضحية تطوّعيّة«.
ومن محاولات المسيح كذلك للنّجاة من الموت أنّه حاول الهرب من أيدي أعدائه، ومغادرة المكان الذي حاصره فيه اليهود ليلة القبض عليه إذ يذكر عن المسيح قوله: ( قوموا ننصرف اقترب الذي يسلّمني)( ).
ولمّا رأى المسيح أنّ قوى اليهود كانت أكبر ممّا توقّع أعرض عن فكرة المقاومة، وطلب من تلاميذه مغادرة المكان، لكنّ اليهود باغتوهم في آخر لحظة، وحدثت مناوشات (وكان سمعان بطرس يحمل سيفًا، فاستلّه وضرب خادم رئيس الكهنة فقطع أذنه اليمنى …)( )، والسّؤال المطروح لماذا أحضر المسيح معه تلاميذه الأحد عشر إلى البستان فلقد كان عازمًا على الاستسلام، فلماذا لم يذهب وحده !! ؟
نعود إلى صراخ المسيح في تلك اللّيلة الرّهيبة، وإلى تضرّعاته وصلواته حتّى يصرف الله عنه تلك السّاعة العصيبة، يقول لوقا على لسان المسيح: (قال يا أبي، إن شئت فأبعد عنّي هذه الكأس! ولكن لتكن إرادتك لا إرادتي، وظهر له ملاك من السّماء يقوّيه)( )، فما هو دور هذا الملاك الذي ظهر فجأة ليقوّي المسيح، وبماذا يقوّيه ولماذا؟، هل يحتاج الإله المتجسّد إلى دعم من ملاك مخلوق، أم أنّ هذا الملاك جاء لإقناع المسيح بنبل عمله البطوليّ، وتذكيره بواجبه!؟
نحن لا نفهم هذه الآية بهذه الطّريقة، لقد كان المسيح نبيًّا من الأنبياء، دعا الله في حالة الشدّة، فأرسل الله إليه ملاكًا يرشده إلى الصّبر ويعدّه بالنّصر، ويبشّره بالنّجاة من الموت، وقد نجّاه لتقواه ولكونه من عباد الله الصّالحين؛ قال تعالى:  كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي إنّ الله قويّ عزيز  المجادلة 21، وجاء هذا المعنى بشكل واضح في رسالة بولس للعبرانيّين، الذي ذكر أنّ الله سمع للمسيح دعاءه وأنقذه في ساعة المحنة لتقواه، قال بولس: (وهو الذي في أيّام حياته البشريّة رفع الصّلوات والتضرّعات بصراخ شديد، ودموع إلى الله القادر أن يخلّصه من الموت، فاستجاب له لتقواه)( )، وهذا دليل آخر على نجاة المسيح من الصّلب، وأنّه لم يأت للانتحار بسبب تفّاحة أكلت قبل آلاف السّنين، قال الله تعالى  وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم، وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شكّ منه، ما لهم به من علم إلاّ إتباع الظنّ وما قتلوه يقينًا، بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزًا حكيمًا  النّساء 157 – 158.
ورنّم داود في المزامير: ( الآن عرفت أنّ الربّ مخلص مسيحه يستجيب له من سماء قدسه بجبروته خلاص يمينه )( ).
وبعد اعتقال المسيح، قُدّم للمحاكمة في عدّة مجالس عند اليهود والرّومان، ويتناقض روّاة الأناجيل الأربعة تناقضًا خطيرًا في وصف المحاكمات، فبينما يعمل متّى على إبراز المسيح في تلك المحاكمات كنعجة مستسلمة، وخروف وديع، لا يدافع عن نفسه، ولا يُعارض أعداءه اليهود فيما ينسبونه إليه من زوّر و بهتان، ولا ينبس ببنت شفة، حين يُضرب ويُجلد، ويصدر عليه حكم الإعدام، استنادًا لبشارة إشعياء (و لم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذّبح وكنعجة صامتة أمام جازريها فلم يفتح فاه)( )، قال متّى: (وكان رؤساء الكهنة والشّيوخ يتّهمونه، فلا يجيب بشيء، فقال بيلاطس أما تسمع ما يشهدون به عليك؟ فما أجابه يسوع عن شيء، حتّى تعجّب الحاكم كثيرًا)( ).
ويفاجئنا مرقس ولوقا ويوحنّا برواية تفاصيل أخرى، مخالفة لرواية متّى، فجعلوا المسيح يدافع عن نفسه ببراعة فائقة؛ قال مرقس: (فقام رئيس الكهنة في وسط المجلس وسأل يسوع: أما تجيب بشيء؟ ما هذا الذي يشهدون به عليك؟ فظلّ ساكتًا لا يقول كلمة، فسأله رئيس الكهنة أيضًا، وقال له أأنت المسيح ابن المبارك؟، فقال يسوع أنا هو، وسوف تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوّة وآتيا في سحاب السّماء)( )، وقال لوقا عن أحداث المحاكمة: (وقالوا له إن كنت المسيح، فقل لنا، فأجابهم إن قلت لكم لا تصدّقون، وإن سألتكم لا تجيبون ولا تخلون سبيلي، لكنّ ابن الإنسان سيجلس بعد اليوم عن يمين الله، فقالوا كلّهم أأنت ابن الله !؟ فأجابهم: أنتم تقولون إنّي أنا هو، فقالوا أنحتاج بعد إلى شهود؟ ونحن بأنفسنا سمعنا كلامه من فمه)( ).
فاليهود يرفضون الحقّ مهما كان جواب المسيح، لذا لا فائدة من أن يجيب المسيح الذي يعرف موقف اليهود منه مسبقًا، ولم يخف اعتقاده بتعصّبهم ضدّه وحرصهم على إيذائه، أمّا يوحنّا فهو يقدّم تفاصيل أكثر إثارة في دفاع المسيح عن نفسه في أثناء المحاكمات، ويستحقّ المسيح أن يصنّف في سلك المحامين البارزين لو كان في عصرنا.
وتأمّل معي هذا النصّ بكامله: (وسأل رئيس الكهنة يسوع عن تلاميذه وتعليمه، فأجابه يسوع: كلمتُ الناس علانية وعلّمت دائمًا في المجامع وفي الهيكل حيث يجتمع اليهود كلّهم، وما قلت شيئًا واحدًا في الخفية، فلماذا تسألني؟ إسأل الذين سمعوني عمّا كلّمتهم به، فهم يعرفون ما قلت، فلما قال يسوع هذا الكلام، لطمه واحدٌ من الحرس كان بجانبه وقال له: أهكذا تجيب رئيس الكهنة؟ فأجابه يسوع: إن كنتُ أخطأت في الكلام، فقل لي أين الخطأ؟ وإن كنت أصبت، فلماذا تضربني ؟)( ).
لقد فتح المسيح فاه مرات ومرات ودافع عن نفسه بجدارة فبطلت نبوة اشعياء وبطل استشهاد متى بها.
إنّ دفاع المسيح عن نفسه في هذا النصّ يعصف بادّعاءات متّى وإشعياء، فيما إذا كان المسيح فتح فاه أو لا، ودافع عن نفسه أم بقي ساكتًا !، ألم يطّلع متّى على تلك الكلمات، أم أنّها وردت من المسيح كتابيًّا، وليس شفهيًّا ليقال إنّه لم يفتح فاه !؟
ولنتأمّل حجج المسيح في دفاعه عن نفسه، إنّه يخبر رئيس الكهنة بأنّه ليس عنده ما يخيفه، لأنّ دعوته واضحة ومعلنة، فهو يدعو النّاس للعمل بالنّاموس وعبادة الله لا شريك له، فأيّ محاولة لإيذائه ستكون بلا ريب محاربة للدّين وعدوانًا على الله، وعندما لطمه ذلك الجنديّ دافع المسيح عن ذاته ورفض أن يُضرب من غير ذنب، وإذا كان المسيح يعلم أنّه سيموت ويعدم، فما فائدة العناء في الردّ على لطمة جنديّ؟.
إنّ المسيح رجل يحبّ الحياة، كما نحبّها، وتأخذه الغيرة على نفسه ويتأثّر نفسيًّا ووجدانيًّا للطمة فضلاً عن صلب وإعدام، ولا غرابة في ذلك لمن علم أنّ المسيح رجل أرسله الله لهداية البشريّة يصيبه ما يصيب النّاس، ويتألّم كما يتألّم النّاس، وليس إلهًا يتلقّى اللكلمات واللّطمات من جنديّ حقير.
وفي مشهد آخر داخل محكمة أخرى لدى بيلاطس، فتح المسيح فاه مرّات ومرّات مدافعًا عن حقّه في الحياة، واعتبر نفسه بريئًا من كلّ تهمة ألصقت به (فعاد بيلاطس إلى قصر الحاكم ودعا يسوع وقال له: أأنت ملك اليهود؟ فأجابه يسوع: هذا من عندك، أم قاله لك آخرون، فقال بيلاطس: أيهوديّ أنا !؟ شعبك ورؤساء الكهنة أسلموك إليّ فماذا فعلت؟ أجابه يسوع ما مملكتي من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم، لدافع عنّي أتباعي حتّى لا أسلَّم إلى اليهود، لا، ما مملكتي من هنا، فقال بيلاطس: أملِك أنت، إذن؟ أجابه يسوع: أنت تقول إنّي ملك، أنا وُلدت وجئت إلى العالم حتّى أشهد للحقّ، فمن كان من أبناء الحقّ يستمع إلى صوتي، فقال له بيلاطس: ما هو الحقّ؟، قال هذا وخرج ثانية إلى اليهود وقال لهم: لا أجد سببًا للحكم عليه)( ).
وعلى الرّغم أنّ اليهود ورؤساءهم اتّهموا المسيح بتهم سياسيّة باطلة وأحضروا شهود زور، وأوغروا صدر بيلاطس عليه، وورّطوه بتهم تتعلّق بأمن الدّولة، مثل ادّعائه الملك على اليهود، ومحاولته التمرّد على السّلطة الرّومانيّة، والثّورة على الأوضاع في فلسطين، وهي تُهم يعاقب بها السّلاطين والملوك عادة بالإعدام أو السّجن المؤبّد على الأقلّ، إلاّ أنّنا نرى بيلاطس ينصت إلى دفاع المتّهم، وينظر في حججه فيقتنع مرّة بعد مرّة ببراءته، حتّى إنّه رفض بشدّة صلب المسيح (ها أنا أخرجه إليكم لتعرفوا أنّي ما وجدت شيئًا للحكم عليه)( )، وإضافة إلى تلك التّهم الخطيرة زادوا عليها تهمًا دينيّة كادّعاء المسيح الألوهيّة أو بنوّة الله، أو التّجديف على الله .. إلخ، ولكنّ المسيح أقنع بيلاطس مرّة تلو أخرى ببراءته من تلك الاتّهامات الملفّقة، فقال بيلاطس: (أي شرّ فعل هذا الرّجل لا أجد عليه ما يستوجب الموت فسأجلده وأخلي سبيله)( )، لكنّ اليهود رفضوا، وأبوا إلاّ أن يصلب (فلمّا رأى بيلاطس أنّه ما استفاد شيئًا، بل اشتدّ الاضطراب أخذ ماءً و غسل يديه أمام الجموع وقال: أنا بريء من دم هذا الرّجل الصّالح !دبّروا أنتم أمره)( ).
لو كان المسيح ساكنًا صامتًا مغلق الفم، فهل تراه يقنع سكوته بيلاطس! لقد دافع المسيح عن نفسه وردّ التّهم جميعها، ممّا جعل بيلاطس يقتنع تمام الاقتناع بصلاحه، وكونه ضحيّة لليهود، فحاول إنقاذه عدّة مرّات، ولو كان المسيح يريد حقيقة الموت على يد بيلاطس بإيعاز من اليهود، فلماذا لم يسكت في تلك المحاكمات، ولماذا يدافع ويتكلّم، ولماذا لم يقرّ بالتّهم فيريح ويستريح!؟
لماذا لم يقلها مدويّة لبيلاطس، 'نعم أنا ملك اليهود جئت لأخلّص الشّعب الإسرائيليّ من اضطهاد الرّومان، نحن لا نريدكم في بلادنا، عودوا من حيث جئتم أيّها الرّومان الكفّار المستعمرون'، فحينها سيأمر بيلاطس بإحضار المقصلة ليرى رأس المسيح يطير في الهواء بلا انتظار ولا تضييع وقت، لكنّ المسيح أخفى تلك التّهم، التي كان بعضها صحيحًا – في زعم الأناجيل –( ) ويستمرّ في إصراره على لعب لعبة "السّارق والشّرطيّ ".
لقد بدأت أشعر أنّ الحديث عن الكفّارة طال عمّا توقّعته وما يزال في جعبتي الكثير، لكن سأعمل على اختصار ما تبقّى، وأنتقل مباشرة إلى يوم "الجمعة الحزين"، وإلى المسيح وهو على الصّليب، في تلك اللّحظات المثيرة، في آخر السّاعات بل الدّقائق بل الثّواني يتلفّظ المسيح بكلمات قليلة أثبت فيها أنّه ضحيّة مؤامرة شارك فيها الثّالوث 'الله واليهود والرّومان' وليس للمسيح فيها ناقة ولا جمل.
كلمات عصفت بالخطيئة والكفّارة والفداء والتجسّد.
كلمات كشفت أدران القساوسة.
كلمات فضحت تعاليم الإنجيل والكنيسة.
فما هي تلك الكلمات؟
قال متّى: (وعند الظّهر خيّم على الأرض كلّها ظلام حتّى السّاعة الثّالثة، ونحو السّاعة الثّالثة صرخ يسوع بصوت عظيم: إيلي، إيلي لماذا شبقتني؟ أي إلهي، إلهي لماذا تركتني؟)( )، في حزن وكآبة وضجر يصرخ المسيح بصوت عظيم قائلاً لماذا تركتني !؟
إلهي لماذا تركتني أموت !؟
لماذا تركتني أقتل على يد اليهود، أنا الذي لم أعمل خطيئة !؟
لماذا تركتني لهذا المصير، وتلك النّهاية!؟
لماذا تركتني وحدي أتعذّب وأتألّم، أنا الذي مجّدتك !؟
لماذا تركتني، أنا ابنك الوحيد، فأين رحمتك بابنك !؟
لماذا تركتني أصلب بغير ذنب ارتكبته !؟
لماذا تركتني أُقتل، لا أريد أن أموت من أجل أحد ولا كفّارةً
عن أحد.
أريد أن أعيش، أريد أن أعيش …
"إلهي لماذا تركتني" كلمات تتحدّث بنفسها عن نفسها لتخبرنا بأنّ "صلب المسيح كفّارة عن خطيئة البشريّة" أكبر أكذوبة في التّاريخ، وأخطر خرافة أضلّت الملايين من البشر بدل إنقاذهم من الشرّ.
(وعند الظّهر خيّم على الأرض كلّها ظلام حتّى السّاعة الثّالثة)( )، ثمّ (انشق حجاب الهيكل شطرين من أعلى إلى أسفل، وتزلزلت الأرض وتشقّقت الصّخور وانفتحت القبور، فقامت أجساد كثير من القدّيسين الرّاقدين، وبعد قيامة يسوع، خرجوا من القبور ودخلوا إلى المدينة المقدّسة وظهروا لكثير من النّاس)( )، لقد ختمت الظّلمة وانشقاق الهيكل والزّلزال… مشهد الصّلب وكأنّ هذه الأحداث المريعة جاءت لتعبّر عن فرحة وسرور ورضى الله بموت ابنه الوحيد، وتُعدّ الفرحة الغامرة بالزّلازل والظّلمة وانشقاق الصّخور، بدل تفتح الورود وزقزقة العصافير، ونسيم فجر جديد .. سابقة في عالم السّرور والرّضى! و راح التّلاميذ والنّساء يعبّرون عن فرحتهم بإنقاذ البشريّة بتلك السّابقة على غرار فرحة ربّهم ! يقول الكتاب المقدّس: (وتبعه جمهور كبير من الشّعب ومن نساء كنّ يلطمن صدورهنّ وينحن عليه)( )، (وبعدما قام يسوع في صباح الأحد، ظهر أوّلاً لمريم المجدليّة( ) التي أخرج منها سبعة شياطين، فذهبت وأخبرت تلاميذه وكانوا ينوحون ويبكون)( )، ويبدو أنّ النّساء والتّلاميذ لم يكونوا قد علموا بضرورة موت المسيح، وقتل المسيح على يد الرّومان بإيعاز من اليهود، هؤلاء الذين يحار المرء أين يضعهم، في زمرة القتلة والمجرمين والكفّار الطّالحين، لصلبهم المسيح ظلمًا وعدوانًا أم في زمرة المتّقين الصّالحين لتنفيذهم أمر الله ومراده !
لقد يسّر اليهود خلاص العالم ونفّذوا خطّة الله الأزليّة في صلب المسيح، فهل يا ترى كان الله راضيًا عنهم أم ناقمًا؟ لا شكّ أنّه لا بدّ من تقديم الشّكر لهم على هذه الخدمة الجليلة التي أسدوها للإنسانيّة، لكنّ النّصارى ينسون هذا الجميل ويُصرّون على لعن اليهود وتحميلهم جريمة اغتيال المسيح !؟
عجبًا للمسيح بين النّصارى
أسلموه إلى اليهود وقالوا
فإذا كان ما يقولون حقًّا
حين خلى ابنه رهين الأعادي
فلئن كان راضيًا بأذاهم
وإذا كان ساخطًا فاتركوه
وإلى أيّ والد نسبوه
إنّهم بعد قتله صلبوه
فسلوهم أين كان أبوه ؟
أتراهم أرضوه، أم أغضبوه !
فاشكروهم لأجل ما فعلوه
واعبدوهم لأنّهم غلبوه

أمّا نصوص الإنجيل فهي تنطق بالحقد والضّغينة واللّعنة على أولئك الذين أسلموا المسيح للموت؛ يقول المسيح: (ويل لذلك الرّجل الذي به يُسلم ابن الإنسان، كان خيرًا له لو لم يولد)( ).
أيّها المسيح أتدري أنّه لو لم يولد يهوذا الإسخريوطي الذي أسلمك لليهود من أجل ثلاثين من الفضّة، فمن يسلمك إذن للموت عنّا وعن خطايانا؟، أيّها المسيح أتدري ما معنى قولك عن يهوذا "الويل له"؟، لقد سهّل وصولك للصّليب لفدائنا، ألم يكن من المناسب شكره لفضله علينا؟ فإذا كان الخير ليهوذا ألاّ يولد، أليس من الخير أن يسلمك من أجلنا، فأيّ خير أفضل من الثّاني ! !؟، لماذا تحمل – أيّها المسيح – يهوذا الإسخريوطي كلّ هذا الوزر وهو "أداة خلاصنا"، هل يعقل أن يلعن المريض الدّواء المرّ، ويقول خيرًا له لو لم يخترع !؟، ثمّ ما معنى قولك لبيلاطس: (أمّا الذي أسلمني إليك فخطيئته أعظم من خطيئتك) ؟( ).
لم أعد – أيّها المسيح – أفهمك، فمرّة تريد أن تموت من أجلنا ثمّ تخطئ من يعين على موتك لأجلنا، كيف أوفّق بين الأمرين، رويدًا ارفق بعقلي، الذي يلهث وراء تساؤلاتي العديدة ولا يكاد يدركها.
أيّها المسيح، ألم يكن الله قادرًا على صلبك دون توريط اليهود والرّومان ويهوذا الإسخريوطي، الذي تلقّى العقاب بدل الإحسان من جانبك؛ إذ (إنّه وقع على رأسه وانشقّ من وسطه واندلقت أمعاؤه كلّها…)( )*.
لقد كلَّ عقلي عن مجاراة البحث في متاهات الكفّارة والفداء، وبدأت أشعر أنّ الموضوع يحتاج إلى مجلّد أو أكثر، وأعمل على اختصار بعض ما تبقّى من الملاحظات وليس كلّها.
إنّ الله تجسّد في المسيح، فأصبح المسيح أقنومًا من الأقانيم الثّلاثة التي تُدعى الثّالوث، وإن المسيح إله كامل وإنسان كامل… فعلى أيّ أقنوم من الثّالوث وقع الصّلب: على الأب، أم الابن أم الرّوح القدس!؟ سيقول النّصارى: إنّ الصّلب وقع على الأقنوم الثّاني وهو المسيح ابن الله، لكن الابن "المسيح" جزء من الثّالوث الذي لا ينفصل عن الأقنومين الآخرين، وبموت الأقنوم الثّاني يموت الجميع، أي يموت الثّالوث كلّه، وسيقول بعض النّصارى أنّ للمسيح طبيعتين لاهوتيّة وناسوتيّة، والصّلب وقع على الجانب النّاسوتيّ، وهذا الذي أريد الوصول إليه.
ما معنى الجانب النّاسوتيّ؟ فالمسيح كان إلهًا تامًّا وإنسانًا تامًّا، والصّلب وقع على المسيح باعتباره إنسانًا تامًّا، وكان من المفترض، حتّى لا ننسى، أن يكون الفادي إلهًا طاهرًا من الخطيئة الأصليّة، لكنّ الله فشل عندما صلب ناسوت المسيح "الإنسان التّامّ والكامل "، ويكمن وجه الفشل في كون هذا الإنسان مدنّسًا بالخطيئة؛ لأنّها انتقلت إليه من أمّه مريم، فيكون بذلك قد مات إنسان من أجل إنسان وهذا مرفوض، ولم يكن هناك داع للتجسّد فقتلت المسألة نفسها بنفسها، ونستنتج أنّ خطايانا للأسف لم ترفع، واللعنة باقية في أعناقنا، لأنّ الذي مات من أجلنا كان مخطئًا حسب الجسد مثلنا، وكنّا نأمل بموت الله الطّاهر، وليس الجسد، ناموس الله، الإنسان التّامّ المدنّس بالخطيئة كبقيّة أبناء جنسه، مما يعني أن المسيح مات عبثا.
ويقول بعضهم إنّ الله طهّر مريم من الخطيئة الأصليّة قبل إرسال المسيح إلى رحمها ! ولا دليل على هذا التّطهير، ثمّ لو كان الله قادرًا على تطهير بعض خلقه كما فعل مع مريم، بلا كفّارة ولا صلب ولا دم، فلماذا لم يفعل ذلك مع بقيّة البشريّة!؟
ونصيحتي لقساوسة النّصارى أن يعترفوا بأخطائهم، ويُذعنوا للحقّ بدل أن يتخبّطوا في الدّفاع والردّ بأيّ كلام، ممّا يجعل دفاعاتهم وردودهم تنقلب عليهم، وتكون حجّة أخرى على ضلالهم وتهرّبهم من سلطان العقل وقانون المنطق.
- أين ذهب المسيح بعدما صُلب؟
يجيبنا الإنجيل بجواب مذهل ومحيّر يدلّ على خبث بولس والمحرّفين لكلمة الله، يقول بولس: (المسيح افتدانا من لعنة النّاموس، إذ صار لعنة لأجلنا لأنّه مكتوب ملعون كلّ من عُلّق على خشبة)( ).
قال القسّ جواد بن ساباط: »كما أنّ المسيح مات لأجلنا ودفن، فلا بدّ أن يعتقد أنّه دخل جهنّم«، وزاد الرّاهب فيلبس كودانوس: »يسوع الذي تألّم لخلاصنا و هبط إلى الجحيم ثمّ في اليوم الثّالث قام من بين الأموات«.
ويذكر القساوسة استنادًا لرسالة بطرس في قوله: (الذي فيه أيضًا ذهب ليكرّز للأرواح التي في السّجن)( )، أنّ المسيح مكث في جهنّم ثلاثة أيّام، استغلّ فيها فرصة وجوده هناك ليدعو الذين ماتوا ودخلوا جهنّم ولم يكونوا قد آمنوا به ! !
ويقول القدّيس كريستوم: »لا ينكر نزول المسيح إلى الجحيم إلاّ الكافر«، فهل وصلت الجرأة بالنّصارى أن يؤمنوا بلعن المسيح "ربّهم ومخلصهم"، وإدخاله جهنّم إلى جوار فرعون والكفّار الآخرين!؟ نحن لا نؤمن بذلك، لأنّ المسيح من الصّالحين الذين وعدهم الله بالجنّة، وإذا كان الفادي المخلص ملعونًا فليت شعري كيف يقدر ملعون أن يفدي غيره من الملاعين !؟، وببساطة فإن بولس في هذه الآية يقول صراحة إنّ الله ملعون.
- من العادة أنّنا نقول عن الكريم إنّه كريم إذا قدّم أمواله وخدماته وضيافته للنّاس بمحض إرادته وعن طواعية، أمّا إذا أُخذ المال منه بالقوّة فهل يقال عنه كريم!؟ كذلك حتّى يقال عن صلب المسيح إنّه كان تضحية فلا بدّ أن يكون في موضع قوّة، لا أن يُجبر على التّضحيّة وهو راغب عنها؛ جاء في الإنجيل (لأنّه وإن كان صلب المسيح عن ضعف …)( )، فالذي يصلب عن ضعف أيحقّ أن يقال عنه بذل، وأعطى، وضحّى، لقد صلب المسيح وفق هذا النصّ الإنجيليّ حين ضعفه، رغم أنفه، فكيف يمكن التّوفيق بين الصّلب فداء والصّلب قسرًا !؟
- إذا كان الله يريد أن يخلّص البشريّة بكفّارة، فلماذا لم يبذل نفسه فدية، بتقديم الأقنوم الأوّل "الأب" إلى الصّلب بدلاً من إجبار الأقنوم الثّاني "الابن" على تلك الكفّارة التي رفضها، لقد كانت قضيّة الكفّارة محلّ اختلاف بين الأقنوم الأوّل والثاني، ممّا جعل الثّالوث في حيرة من أمره، فالأقنوم الأوّل "الأب" قاتل والأقنوم الثّاني "الابن" ضحيّة والأقنوم الثّالث "الرّوح القدس" أطرش في الزفّة !( ).
- إنّ المدّة الزّمنيّة بين آدم والمسيح ليست بالقصيرة، وقد عاش خلالها ملايين البشر على أقلّ تقدير، فأين كانت رحمة الله خلال تلك المرحلة الطّويلة، لماذا تركهم بلا فداء ولا خلاص، هل كانت هذه الفترة فترة حيرة بين العدل والرّحمة عند الله أم فترة تفكير في إيجاد مخرج للأزمة بينه وبين الإنسان!؟
- لقد رفع المسيح الخطيئة الحقيرة "الأكل من الشّجرة" فكيف بالأخطاء الأخطر والأعظم: كالإلحاد وسبّ الإله، والإشراك به وعدم التّصديق بوجوده، وقتل ابن الله… كيف تكفّر خطايا الزّندقة والهرطقة، وهي كما ترى أعظم بكثير من أكل ثمرة من شجرة ممنوعة، كيف تكفّر خطايا الزنا، والشّذوذ والاغتصاب والقتل والاختلاس والاستعمار والإمبريالية والعنصريّة، التي يضرب نصارى الغرب بها الرّقم القياسيّ !؟
- إذا كانت هذه الخطايا كلّها قد غفرت بموت المسيح على الصّليب فما فائدة المعموديّة، وسرّ الاعتراف للقسّ بالآثام والأخطاء، وما فائدة صلاة النّصارى إلى اليوم في كلّ مجلس " أبانا الذي في السّماء … اغفر لنا ذنوبنا " ؟.
- ألم يكن من الأفضل والأعقل والأقرب إلى الأفهام أن يقول الله – والله محبّة – إلى عباده: اذهبوا فقد غفرت لكم على نحو ما جاء في القرآن:  قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذّنوب جميعًا إنّه هو الغفور الرّحيم  الزّمر 53.
لقد رفع الله – بزعم النّصارى – الخطيئة عن البشريّة بصلب المسيح، والحقّ أنّه أوقعها في خطيئة أعظم، فالدّعوة للإيمان بالخطيئة الأصليّة، خطيئة في حدّ ذاتها لا تقلّ ضررًا عن سابقتها، وجعل الإيمان بموت المسيح أو الله أو أحد أجزائه، كفّارة عن تلك الخطيئة الأسطوريّة، خطيئة أخرى تحتاج إلى كفّارة أعظم!!.









التّثـليــــــث

رغبة في الاختصار ونفورًا من التّطويل لم أشأ الدّخول في متاهات شديدة الوعورة والظّلمة ترتبط بموضوع التّثليث، ومن تلك المتاهات ألوهيّة المسيح وبنوّته، وطبيعة الله اللاّهوتيّة والنّاسوتيّة .. إلخ، رغم أهمّيّة تلك المواضيع وعلاقتها الوطيدة بعقيدة التّثليث، وعدم رغبتي في دخول تلك المتاهات هو لشعوري أنّ البحث حينها سيطول جدًّا، وسيتشعّب ممّا يخرجه عن الهدف من وضعه؛ ذلك أنّ الهدف من كتابي ليس أن يصنّف ضمن الدّراسات العلميّة المتقدّمة، فيكون في متناول الباحثين المتخصّصين فقط، وإنّما الغاية منه أن يكون رسالة إعلاميّة سريعة يصل إليها النّصرانيّ العاديّ، ورجل الشّارع، دون أن يثقل كاهله كتابي إضافة إلى مشاغله اليوميّة، ومن ثمّ فضّلت التّعبير عن مناقضة التّثليث للعقل ومصادمته لكلّ منطق وعلم وتفكير بشريّ ببعض هذه الخواطر، وأعترف للقارئ أنّي وجدت صعوبة بالغة في اختياري النّقطة التي أنطلق منها في حديثي عن التّثليث، فمن أين أبدأ؟
التّثليث أهمّ اعتقاد يؤمن به النّصارى، فلا خلاص ولا غفران ولا دخول للجنّة إلاّ بالإيمان بأنّ الله هو ثلاثة أقانيم: الأب، الابن، الرّوح القدس، وهؤلاء الثّلاثة – في نظر النّصارى – ليسوا ثلاثة بل هم واحد، فالأب إله تامّ، والابن إله تامّ، و الرّوح القدس إله تامّ، لكنّ هؤلاء الآلهة التّامين ليسوا ثلاثة آلهة بل هم إله واحد تامّ!!
أنا أعلم أنّك – أيّها القارئ – لا تفهم شيئًا ممّا أقوله، لكن اعذرني فهذا قول القساوسة، هم ثلاثة آلهة… لكن يستدركون فيقولون لكنّهم واحد، وهو إله واحد، لكن يستدركون فيقولون لكنّهم ثلاثة آلهة، ثلاثة في الواحد وواحد في الثّلاثة!
وإذا كان من واجبي كباحث في هذا الموضوع أن أشرح لك هذا الكلام، فأعتذر إليك مسبقًا بقولي: "إنّ فاقد الشّيء لا يعطيه"؛ لأنّي كسائر علماء اللاّهوت ورجال الدّين والفلاسفة والمفكّرين لم أصل لغاية السّاعة لشرح أو فهم لذلك الكلام !
والتّثليث عند المسلمين كفر بالله  لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة وما من إله إلاّ إله واحد وإن لم ينتهوا عمّا يقولون ليمسّنّ الذين كفروا منهم عذاب أليم  المائدة 73.
وهي عند الفلاسفة والمفكّرين أكبر خرافة في هذا الكون، جاء في مجلّة التّايم عدد 4 سنة 1966، ص 57، "إنّ الكتاب المقدّس – بما فيه من خطيئة وكفّارة وتثليث – هو أكبر مجموعة من الخرافات في تاريخ الحضارة الغربيّة ".
وهي عند المؤرّخين وعلماء مقارنة الأديان حلقة من حلقات الوثنيّة التي بدأت منذ فجر التّاريخ.
أمّا عند القساوسة والكنيسة فهي سرّ ولغز مقدّس! لا يمكن فهمه في هذه الدّنيا ولا تصوّره على حقيقته، جاء في أحد المجامع الكنسيّة، وهو مجمّع لاتيران، الذي عقد سنة 1315 م [ إنّنا نؤمن إيمانًا جازمًا من أعماق قلوبنا بأنّ هناك إلهًا واحدًا خالدًا لا نهائيًّا لا يحول ولا يزول، إلهًا لا نفهمه، عظيمًا لا يمكن التّعبير عنه: الأب والابن وروح القدس ..] ويقول القسّ بوطر بعد استعراضه عقــيدة التّثليث: » قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا ونرجو أن نفهمه فهمًا أكثر جلاء في المستقبل، حيث ينكشف لنا الحجاب عن كلّ ما في السماوات والأرض، وأمّا في الوقت الحاضر ففي القدر الذي فهمناه الكفاية«.
ولننتقل الآن إلى تعريفات النّصارى للثّالوث وما هو المفهوم الذي يولونه لهذا المصطلح؛ يقول القسّ سامي حنا غابريال في كتابه (الله واحد أم ثالوث؟): » المسيحيّة تعلم أنّ الله الذي لا شريك له هو واحد في الجوهر موجود بذاته، ناطق بكلمته، حيّ بروحه، و يمكن أن نقول إنّ الله واحد في ثلاثة أقانيم والثّلاثة هم واحد، هم الله، دون انفصال أو تركيب، متساوون، إنّهم جميعًا الله، وكلّ أقنوم منهم هو الله، وهو ما تعلنه المسيحيّة بوضوح، الله موجود بذاته "الأب"، الله ناطق بكلمته "الابن" الله حيّ بروحه "الرّوح القدس"… والأقانيم الثّلاثة: الأب والابن والرّوح القدس واحد في الجوهر متساوون في كل شيء، في السرمدية ( الأزلية والأبدية ) وفي القدرة وفي كل ما يخص الله الواحد«.
يقول الأب بولس إلياس اليسوعي في كتابه ( يسوع المسيح ): من الناس من يقولون لماذا يا ترى إله واحد في ثلاثة أقانيم؟ أليس من الأفضل أن يقال إله واحد وحسب؟ لكننا إذا اطلعنا على كنه الله لا يسعنا إلا القول بالتثليث، وكنه الله محبة، ولا يمكن إلا أن يكون محبة، ليكون الله سعيدا، فالمحبة هي مصدر سعادة الله، ومن طبع المحبة أن تفيض وتنتشر على شخص آخر فيضان الماء وانتشار النور، فهي إذن تفترض وجود شخصين على الأقل يتحابان، وتفترض مع ذلك وحدة تامة بينهما، وليكون الله سعيدا، ولا معنى لإله غير سعيد، وإلا انتفت عنه الألوهية، كان عليه أن يهب ذاته شخصا آخر يجد فيه سعادته ومنتهى رغباته، ويكون بالتالي صورة ناطقة له.
ولهذا ولد اللهُ الابن منذ الأزل نتيجة لحبه إياه ووهبه ذاته، ووجد فيه سعادته ومنتهى رغباته وبادل الابنُ الأب هذه المحبة ووجد فيه هو أيضا سعادته ومنتهى رغباته، وثمرة هذه المحبة المتبادلة بين الأب والابن كانت الروح القدس، هو الحب إذن يجعل الله ثالوثا وواحدا معا…ولا يصح أن يكون هذا الكائن الذي حبس اللهُ الأبُ محبته عليه إلا الابن، ولو كان غير الابن، ولو كان خليقة غير محدودة، بشرا أو ملاكا، لكان الله بحاجة إلى من دونه كمالاً، وعُدّ ذلك نقصًا في الله والله منزّه عن النّقص، فتحتّم إذًا على الله والحالة هذه أن يحبس محبّته على ذاته فيجد فيها سعادته؛ لهذا يقول بولس الرّسول: إنّ الابن هو صورة الله غير المنظور… ليس الله إذًا كائنًا تائهًا في الفضاء، منعزلاً في السّماء، لكنّه أسرة مؤلّفة من أقانيم ثلاثة تسودها المحبّة، وتفيض منها على كلّ الكون براءته، وهكذا يمكننا أن نقول إنّ كنه الله يفرض هذا التّثليث «.
إنّ هذا التّفكير وإن كان يثير السّخريّة إلاّ أنّه منتشر جدًّا بين رجال الكنيسة، فهم يرون أنّ الله يجب أن يكون كائنًا مركّبًا حتّى يستطيع ممارسة صفاته الأزليّة كالسّمع والبصر والمحبّة وغيرها؛ أي أنّ الله قبل خلق العالم لم تكن صفاته معطّلة، لأنّه كان يمارس تلك الصّفات مع نفسه أو مع ابنه، لذلك وُجد الثّالوث كضرورة، لأنّه لو قلنا إنّ الله لم يكن يمارس صفاته وأفعاله قبل خلق العالم ثمّ مارسها بعد خلق العالم لحكمنا على صفات الله وأفعاله بأنّها كانت معطّلة، وعلى الله بالتغيّر من حالة إلى حالة، وهذا مستحيل لأنّ الله لا يتغيّر.
يقول القسّ سامي غابريال: » إذا كان الله محبًّا، سميعًا، عليمًا.. ناطقًا.. وأنّه غير متغيّر فماذا عن قبل الخلق؟ هل كانت صفات الله موجودة؟ نعم فهو غير متغيّر … وإن كان الله ناطقًا محبًّا، قبل أن يخلق.. فمع من كان يمارس صفاته وأعماله؟ هل كانت عاطلة… قبل خلق العالم… ثمّ صارت عاملة بعد الخلق؟ كلاّ و لو أنّ الله مطلق الوحدانيّة في الجوهر؛ فقبل أن يخلق ما معنى إذا سميع.. ناطق.. محبّ.. إذًا لا يمكن أن تكون وحدانيّة الله وحدانيّة مطلقة، مجرّدة، بل لا بدّ أن يكون الله الواحد في الجوهر جامعًا في وحدانيته، وبذلك يمارس صفاته بينه وبين نفسه لا بالوحدانيّة المجرّدة بل بوحدانيّته الجامعة الشّاملة الواحدة، وحيث أنّ صفات الله لا يمكن أن تكون قائمة في ممارستها إلاّ بين كائنين، أو أكثر أو بين عاقلين أو أكثر… وبما أنّ الله مع وحدانيّته وتفرّده بالأزليّة وعدم وجود تركيب فيه… كان يمارس الصّفات الإلهيّة بينه وبين ذاته… إذًا فوحدانيّة الله مع عدم وجود تركيب فيها هي وحدانيّة ليست مجرّدة، بل وحدانيّة من نوع لا مثيل لها في الوجود يمكن أن نسمّيها الوحدانيّة الشّاملة أو الجامعة «. وهي ما دعاها هذا القسّ وسمّتها الكنيسة وحدانيّة الثّالوث.
لقد أوردت كلام القساوسة السّابقين على طوله ليعرف النّصارى وغيرهم مقدار تفكير القسس والحجج التي يستندون إليها لتجويز الاعتقاد بالثّالوث، وإنّ هذا الاحتجاج السّخيف جدًّا ينقلب ضدّ القسس وضدّ الكنيسة وضدّ عقيدة التّثليث؛ إذ لو اعتقدنا أنّ صفات الله وأفعاله يجب أن تكون موجودة قبل خلق العالم وأنّ تلك الصّفات تمارس بين الأقانيم الثّلاثة وجب علينا إذًا أن لا نقتصر على الأمثلة التي يضربها القساوسة عن الصّفات الإلهيّة بل وجب التّعميم على جميع الصّفات والأفعال الإلهيّة، وهنا أتساءل أليست من صفات وأفعال الله الخلق وأنّ الله خالق؟ ستقولون بلى، وأقول هل كانت صفة الخلق معطّلة قبل خلق العالم ؟، ستقولون كلاّ.
وسأقول فإذن مع من كان يمارس صفة الخلق؟
لا شكّ وفق تفكيركم السّابق أنّ الله كان يمارسها مع نفسه أو ابنه أو مع الثّالوث 'الوحدانيّة الشّاملة كما يسمّيها القسّ غابريال'، فهل يمكن أن تشرحوا لنا كيف كان يمارس الله صفة وفعل الخلق مع نفسه أو ابنه أو ثالوثه، هل كان الله يخلق ذاته؟ فإذًا الله مخلوق ! هل خلق الله الابن؟!، لكنّ الكتاب المقدّس يقول عن الابن مولود غير مخلوق !، ماذا كان الله يخلق قبل خلق العالم حتّى يقال عنه خالق، وإنّه يملك صفة الخلق العاملة المعطّلة! ؟ أرأيتم أنّكم أيّها القساوسة تتورّطون في دفاعات متخبّطة عشوائيّة توقعكم في ورطات لا مخرج منها؟ وهذا مثال واحد عن صفة واحدة ضربته لكم فكيف بعشرات، بل بمئات الصّفات والأفعال التي تُنسب إلى الله؟
نعود الآن إلى الأقانيم الثّلاثة، ما معنى كلمة أقنوم؟
يقول النّصارى إنّ "الأقنوم" كلمة سريانيّة تعني كلّ ما تميّز عن سواه دون استقلال، وفي موضوع الثّالوث تعني وجود ثلاثة أشخاص متّحدين دون امتزاج ومتميّزين دون انفصال.
نسأل النّصارى هل لكم أن تضربوا لنا مثالاً واحدًا في هذا الكون "غير الثّالوث" يصدق عليه مصطلح الأقنوم،… لن تستطيعوا ذلك لأنّ المعنى 'المفبرك' الذي أضفيتموه على مصطلح الأقنوم لا تقبله العقول؛ لذا لا يصدق على أيّ مثال واقعيّ مادّيّ أو معنويّ، ثمّ لماذا يرد هذا المصطلح الفريد من نوعه بالسّريانيّة دون اللّغات الأخرى كالعبريّة مثلاً وقد كانت لغة العهد القديم؟ ألم يكن لذلك المصطلح وجود حينها؟ ثمّ لماذا لم يرد هذا المصطلح في العهد الجديد؟!
وأخاطب الآن نصارى العرب، ما هي ترجمة مصطلح أقنوم إلى العربيّة؟ ستقولون عجزت اللّغة عن إيجاد مصطلح مطابق للمعنى الذي ورد بالسّريانيّة، فيا سبحان الله ! اللغة العربيّة الغنيّة بمصطلحاتها والثّريّة بمترادفتها تعجز أمام السّريانيّة !، اللغة العربيّة التي تحتوي على عشرات المفردات المترادفة لمعنى واحد عاجزة أن تجد كلمة تعبّر بها عن أهمّ شيء في هذا الكون وهو الله أو أحد أجزائه !
مع ذلك نرى في بعض كتب النّصارى محاولات لترجمة قريبة، مع كونها منتقدة من النّصارى أنفسهم لإيحائها بالشّرك؛ فممّا قيل عن الأقانيم أنّها: خواصّ، صفات، أجزاء، أشخاص، أعضاء، أطراف، أقسام، أشياء، عناصر، تعينات … إلخ.
ولمّا استعصى فهم مصطلح الأقانيم راح رجال الكنيسة يضربون للثّالوث الأمثال ليقربوا معناه للأفهام، فقال بعضهم إنّ الثّالوث كالشّمس متكوّنة من ثلاثة أجزاء: القرص، الحرارة، الشعاع، لكن هل القرص هو الشعاع؟ وهل القرص هو الحرارة ؟ و هل الشّعاع هو الحرارة؟ فالمثال لا ينطبق على الثّالوث لأنّ الأب هو الابن، والابن هو ذاته الرّوح القدس، والأب هو عينه روح القدس، وبعضهم يمثّل الثّالوث بالتفّاحة، لأنّها متكوّنة من شكل وطعم ورائحة، وهل الرّائحة هي التفّاحة كاملة، وهل الشّكل هو التفّاحة كاملة، وهل الطّعم هو التفّاحة كاملة؟ ولا شكّ أنّ هذا المثال يلحق بسابقه.
ويضرب سانت أغسطين مثالاً معقّدًا، وهو 'أنّ الثّالوث يشبه الدّماغ، فالدّماغ يعلم بوجود ذاته، وأداة العلم هي الدّماغ نفسه، فالعلم هو الدّماغ، والمعلوم هي الدّماغ، وأداة العلم هي الدّماغ فهي إذن ثلاث صفات لشيء واحد، لكن لا يقال إنّ الدّماغ ثلاثة'، وهذا المثال لا يستقيم؛ لأنّ الدّماغ المذكور واحد في الحقيقة وتثليثه اعتباريّ ليس حقيقيًّا، في حين أنّ النّصارى يؤمنون في الإله بالتّوحيد الحقيقيّ والتّثليث الحقيقيّ، والدّماغ كعالم ليس كائنًا متميّزًا ولا منفصلاً ولا مستقلاً عن الدّماغ كمعلوم، ولا عن الدّماغ كأداة علم؛ في حين أن أقانيم الثّالوث منفصلة عن بعضها، فالأب كائن متميّز ومستقلّ عن الابن، والابن كائن متميّز ومستقلّ عن الرّوح القدس، وروح القدس كائن متميّز ومستقلّ عن سابقيه.
وقد انتقد بعض رجال الكنيسة كلّ هذه التّمثيلات والتّشبيهات، وقالوا بعدم جواز ضرب الأمثال مهما كانت، لأنّ تلك الأمثال مخلوقة يمكن إدراكها بالعقل، أمّا الثّالوث فهو كائن غير مخلوق لذا لا يمكن إدراكه بالعقل، وأيّ تمثيل أو تشبيه هو تمثيل وتشبيه مع الفارق.
قال البوصيريّ في فضح التّثليث:
ليت شعري هل الثّلاثة في الوا
أإله مركّب!، وما سمعنا
أتراهم لحاجة واضطرار
أهو الرّاكب الحمار فيا عجز
أم جميع على الحمار لقد جلّ
أم سواهم هو الإله فما نسبة
أم أردتم بها الصّفات فلمّا
أم هو ابن الإله ما شاركته
قتلته اليهود فيما زعمتم
حدّ نقص في عدّكم أم نماء؟
بإله، لذاته أجزاء
خلطوها وما بغى الخلطاء
إله يمسّه الإعياء
حمار يجمعهم مشّاء
عيسى إليه والانتماء؟
خُصّت ثلاث بوصفه وثناء؟
في معاني النبوّة الأنبياء
ولأمواتكم به إحياء

هل ورد ذكر الثّالوث والأقانيم الثّلاثة في العهد القديم، أو على لسان الأنبياء و الرّسل الذين سبقوا المسيح؟
لم يحدث ذلك إطلاقًا ! فأسفار العهد القديم خالية من أيّ تثليث ولم تشر إلى أنّ الله مكوّن من ثلاثة أقانيم أو أجزاء، ولم يُعلم أو يُسمع أنّ الله أخبر نوحًا أو إبراهيم أو موسى أو داود أنّه إله واحد في ثلاثة آلهة؛ وإذا تصفّحت بإمعان أسفار العهد القديم فلا يمكن أبدًا أن تقع عينك على كلمة ثالوث أو على صيغة الأب والابن والرّوح القدس، كما يعتقد بها النّصارى اليوم، أليس غريبًا حقًّا ! أنّ عقيدة مثل هذه، وبهذه الأهمّيّة والخطورة، يتوقّف عليها هلاك النّاس أو نجاتهم لا نرى لها أيّ إشارة في التّوراة وكتب الأنبياء لا تصريحًا ولا تلميحًا، فلماذا؟
ألم يكن الله قد قرّرّ بعد إخبار البشر بها، أم أنّ البشر لم يكونوا في ذلك الوقت قادرين على استيعابها وإدراكها مثلما لم يستوعبها أحد حتّى الآن !؟
وإنّ الإنسان ليزداد حيرة وتعجّبًا إذا وقعت عيناه في أسفار العهد القديم المقدّسة على تفاصيل زنى داود بزوجة قائد جيشه، وتفاصيل زنى لوط بابنتيه، وتفاصيل جسد المرأة في نشيد الإنشاد لسليمان، وزنى يهوذا بكنته، وإنّ الإنسان ليملّ من تفاصيل الأعداد والأرقام والأحجام والأوزان والمسافات التي تقدّمها أسفار العهد القديم عن قبائل اليهود وأنسابهم وأملاكهم وأحصنتهم وحميرهم، ثمّ تفاصيل أبعاد هيكل سليمان.. حتّى إنّك إذا اطّلعت على بعض الأسفار وجدتها أقرب إلى دفتر الحسابات منها إلى كتاب هداية، كلّ هذه التّفاصيل ذكرت حسب النّسخة الموجودة عندي الآن في 1358 صفحة، وضاق العهد القديم فلم يفسح مجالاً لجملة واحدة عن الثّالوث يقول فيها الله مثلاً: 'أنا ثالوث مكوّن من ثلاثة أقانيم: أب وابن و روح قدس'، أليس هذا غريبًا حقًّا !؟
وفي مقابل ذلك نعثر على مئات الآيات في العهد القديم التي تصف الله بالوحدانيّة وتقرّر تفرّده بالألوهيّة والرّبوبيّة.
(اسمع يا إسرائيل الربّ إلهنا ربّ واحد)( ).
(فاعلم اليوم وردّد في قلبك أنّ الربّ هو الإله في السّماء من فوق وعلى الأرض من أسفل ليس سواه)( ).
(انظروا الآن أنا أنا هو وليس إله معي)( ).
(أنا الربّ وليس آخر، لا إله سواي)( ).
(أليس أنا الربّ ولا إله آخر غيري، إله بارّ ومخلص ليس سواي التفتوا إلي وأخلصوا يا جميع أقاصي الأرض لأنّي أنا الله وليس آخر)( ).
والآيات كثيرة وكلّها تتّفق على وحدانيّة الله، بلا ثالوثيّة أو أقنوميّة، أمّا ما يذهب إليه بعض رجال الدّين بأنّ العهد القديم لمّح إلى التّثليث في بعض الآيات فهو غير صحيح، وما يفعلونه هو لَيُّ أعناق الآيات لتطابق هواهم، لكن هيهات هيهات، وأكبر دليل على غياب التّثليث في العهد القديم هو موقف اليهود – أصحاب العهد القديم- من المسيح إذ اعتبروا أقوال المسيح الغامضة حول البنوّة والألوهيّة تجديفًا وكفرا ولذلك عارضوه أشدّ المعارضة فصلبوه في زعم الإنجيل.
أمّا في العهد الجديد فالآيات التي ذكرت عن الثّالوث قليلة جدًّا جدًّا خاصّة في الأناجيل الأربعة، ولعلّ أكثر الآيات المصرّحة بالتّثليث، والتي يعتمدها القساوسة كأساس لذلك الاعتقاد هو ما جاء في رسالة يوحنّا الأولى (فإنّ الذين يشهدون في السّماء هم ثلاثة الأب والكلمة والرّوح القدس، وهؤلاء الثّلاثة هم واحد، والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة الرّوح والماء والدم والثّلاثة هم في الواحد)( ).
إنّ هذه الآية لغز غامض! هل تعلم أيّها القارئ النّصرانيّ أنّ هذه الآية مزيّفة 'مفبركة' ملحقة بالنصّ الإنجيليّ، الأصلي وليست منه، فقد حكم كبار علماء النّصارى على هذه الآية بأنّها إلحاقيّة منهم هورن وجامعو تفسير هنري وسكات وآدم كلارك في تفسيره وغيرهم، والأسباب هي:
- أنّها لا توجد في نسخة من النّسخ اليونانيّة التي كُتبت قبل القرن
السّادس عشر للميلاد.
- أنّها لا توجد في أيّ ترجمة من التّراجم القديمة غير اللاّتينيّة.
- أنّها لا توجد في معظم النّسخ القديمة اللاّتينيّة.
- لم يتمسّك بها أحد من القدماء ومؤرّخي الكنيسة.
- إنّ البروتستانت أسقطوا الآية من كتبهم ووضعوا عليها علامة
الشكّ.
- إنّ الكاثوليك والأرثودكس بدأوا ينزعونها من الإنجيل شيئًا فشيئًا.
ولذلك اختلفت طبعات الكتاب المقدّس حول إثبات أو حذف هذه الآية فبعضها يثبتها والبعض الآخر يحذفها، نجد الآية مثلاً في الكتاب المقدّس، طبعة دار الكتاب المقدّس بالقاهرة سنة 1970: (فإنّ الذين يشهدون في السّماء هم ثلاثة: الأب والكلمة والرّوح القدس وهؤلاء الثّلاثة هم واحد)، وجاء في الكتاب المقدّس، طبعة دار الكتاب المقدّس في الشّرق الأوسط سنة 1988، (فإنّ الذين يشهدون في السّماء هم ثلاثة: الأب والكلمة والرّوح القدس وهؤلاء الثّلاثة هم واحد).
والآية ذكرت في طبعة العهد الجديد الثّانية 1980 والثّالثة 1984، وعلى طاولتي الآن ثلاث طبعات أخرى للعهد الجديد حُذفت منها الآية المذكورة منها الطّبعة الرّابعة للعهد الجديد إصدار اتّحاد جمعيّات الكتاب المقدّس سنة 1993، وكذلك طبعة 1994، للنّاشر نفسه حيث جاء في الآية: (والذين يشهدون هم ثلاثة الرّوح والماء والدم وهؤلاء الثّلاثة هم في واحد)، ونلاحظ هنا – أخي القارئ – أنّ اتّحاد جمعيّات الكتاب المقدّس الذي أشرف على طباعة العهد الجديد، وحذف الآية الدّالّة على التّثليث هو نفسه الذي أشرف على الطّبعات السّابقة التي وردت فيها الآية !.
جاء في الكتاب المقدّس العهد الجديد، منشورات دار المشرق، بيروت، الطّبعة الحادية عشرة: وهي نسخة كاثوليكيّة (والذين يشهدون ثلاثة: الرّوح والماء والدم وهؤلاء متّفقون)، وورد تعليقً على ذلك في هامش الصّفحة في بعض الأصول ما يلي: "الأب والكلمة والرّوح القدس، وهؤلاء الثّلاثة هم واحد، لم يرد ذلك في الأصول اليونانيّة المعوّل عليها، والأرجح أنّه شرح أُدخل إلى المتن في بعض النّسخ، والرّوح: الرّوح القدس، والماء: المعموديّة، الدم: دم المسيح ".
وجاء في طبعة الإنجيل كتاب الحياة ترجمة تفسيريّة للعهد الجديد، صدرت سنة 1973، (فإنّ هنالك ثلاثة شهود: الرّوح والماء والدم وهؤلاء الثّلاثة هم في الواحد)، وهناك طبعات عديدة للبروتستانت تضع الآية المذكورة بين هلالين موضّحة أنّ ما داخل الهلالين غير موجود في الأصل.
وبين يديّ الآن نسخة للكتاب المقدّس باللّغة الفرنسيّة من منشورات الاتّحاد العالميّ للكتاب المقدّس، 1982 ورد في الصّفحة الأولى لهذه الطّبعة ما يلي: Traduction oecumenique de la bible.
وفي مقدّمة هذه النّسخة جاء فيها شرح كلمة oecumenique بأنّها تعني نسخة متّفق عليها من قبل الكاثوليك والأرثودكس والبروتستانت، وقد اطّلع على النّسخة قبل طبعها عشرات المتخصّصين من الطّوائف الثّلاثة وأقرّوا جميع ما فيها، وعند بحثنا عن الآية التي نحن بصددها في رسالة يوحنّا الأولى 5: 7 نجدها قد حُذفت، وباتّفاق الطّوائف الثّلاثة وحُذفت كذلك في النّسخة الأخيرة باللّغة الإنجليزيّة!
وإن تعجب فعجبك من طبعة جديدة للإنجيل باللّغتين العربيّة والفرنسيّة، نُشرت سنة 1995، وطُبعت بحيث تكون كلّ آية باللّغة العربيّة تقابل أختها بالفرنسيّة، إلاّ أنّني ذهلت عندما وجدت الآية "المشكلة" أُثبتت بالعربيّة بين هلالين [ ] في حين لم أجد ما يقابلها بالفرنسيّة، أي حُذفت بالمرّة، فلو كان القارئ لا يفهم اللّغتين المذكورتين لما تنبّه لذلك، ولتتأكّد بنفسك أضع لك صورة عن تلك الآية المحيّرة!



وضعت الآية بين هلالين دلالة على عدم وجودها في الأصول، و الغريب أنّها في التّرجمة المقابلة بالفرنسيّة محذوفة نهائيا.




هكذا بعد قرون طويلة، بعدما كانت هذه الآية تُقرأ كجزء مُوحي به من الله يتّفق رجال الكنيسة على حذفها من الكتاب المقدّس!، إنّها أهمّ آية في التّثليث، ومع ذلك فقد توصّل الجميع إلى الاتّفاق على حذفها، ألم يقل بولس في رسالته إلى تيموثاوس (كلّ الكتاب موحى به من الله)( )، لقد تبين لكل ذي عقل أنه ليس كل الكتاب موحى به من الله، والآن بعد حذفها، هل الله هو الذي أمر بذلك! ؟.
هل الله هو الذي أمر بوضعها بين قوسين أو هلالين !؟.
هل الله هو الذي أمر بوضع الحواشي والهوامش التي تشير إلى إلحاقيّتها و"فبركتها " !؟.
ويتساءل أستاذنا أحمد عبد الوهّاب البهيدي عن المسؤول عن مصائر الملايين من النّصارى الذين هلكوا، وهم يعتقدون أنّ عقيدة التّثليث التي تعلموها تقوم على نصّ صريح في كتابهم المقدّس، بينما هو نصّ زائف دخيل؟!.
وإذا طالعنا أسفار العهد الجديد نجد عوض التّثليث عدّة آيات صريحة واضحة تقرّر وحدانيّة الله في ذاته وصفاته وأفعاله منها: (لا تدعوا لكم أبًا على الأرض لأنّ أباكم واحد الذي في السّماوات)( ).
(اذهب يا شيطان لأنّه مكتوب للربّ إلهك تسجد وإيّاه وحده تعبد)( )، وفي آية تُصرح بدخول المسيح تحت مسمى الرسالة والعبودية قول الكتاب المقدس (وهذه هي الحياة الأبديّة أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته)( )، ومعنى هذه الآية لا إله إلاّ الله والمسيح رسول الله، وورد كذلك (نعلم أنّه ليس وثن في العالم وأن ليس إله آخر إلاّ واحد)( )، (لكنّ الله واحد)( )، (أنت تؤمن أنّ الله واحد حسنًا تفعل)( ).
وغيرها من الآيات المتواترة، وكما نرى فإنّ آيات التّوحيد كثيرة وصريحة الدّلالة وجليّة المعنى، بينما شبهات التّثليث تكاد تكون معدومة، والموجود منها إمّا غير صريح أو أنّه 'مفبرك' لا أصل له. ودعونا الآن ننتقل إلى نقاط تالية مختصرين.
يرى النّصارى أنّ المسيح "ابن الله" أحد الأقانيم الثّلاثة المكوّنة لله، لذلك فهم يثبتون للمسيح الألوهيّة، مع أنّ أسفار العهد الجديد تتحدّث عن المسيح بأنّه وُلد من بطن مريم، اختتن، جاع، بكى، خاف، لُطم، صلّى، تألّم، صُلب، وأخيرًا مات… وغيرها ممّا لا يحدث لإله، فهل يُعقل أن يختتن الإله أو يُبصق في وجهه أو يموت ويُدفن ؟!

أعبّاد عيسى لنا عندكم
إذا كان بزعمكم إلهًا
فكيف اعتقدتم أنّ اليهود
وكيف اعتقدتم أنّ الإله
سؤال عجيب فهل من جواب؟
قديرًا عزيزًا يُهاب
أذاقوه بالصّلب مُرّ العذاب؟
يموت ويُدفن تحت التّراب؟

ولله درّ من قال:
أعبّاد المسيح لنا سؤال
إذا مات الإله بصنع قوم
وهل أرضاه ما نالوه منه؟
وإن سخط بالذي فعلوه فيه
وهل بقي الوجود بلا إله
وهل خلت الطّباق السّبع لما
وهل خلت العوالم من إله
وكيف تخلّت الأفلاك عنه
وكيف أطاقت الخشبات حمل
وكيف دنا الحديد إليه حتّى
وكيف تمكّنت أيدي عداه
وهل عاد المسيح إلى حياة
ويا عجبًا لقبرٍ ضمّ ربًّا
أقام هناك تسعًا من شهور
وشقّ الفرج مولودًا صغيرًا
ويأكل، ثمّ يشرب، ثمّ يأتي
تعالى الله عن إفك النّصارى
أعبّاد الصّليب، لأيّ معنى
وهل تقضي العقول بغير كسر
إذا ركب الإله عليه كرهًا
فذاك المركب الملعون حقًّا
يُهان عليه ربُّ الخلق طُرا
فإن عظمته من أجل أن قد
وقد فُقد الصّليب، فإن رأينا
فهلاّ للقبور سجدت طُرا
فيا عبد المسيح أفِق، فهذا
نريد جوابه ممّن وعاه
أماتوه فما هذا الإله؟
فبشراهم إذا نالوا رضاه
فقوّتهم إذا أوهت قواه
سميع يستجيب لمن دعاه؟
ثوى تحت التّراب وقد علاه؟
يدّبرها، وقد سُمرت يداه؟
بنصرهم، وقد سمعوا بكاه؟
الإله الحقّ مشدودًا قفاه؟
يخالطه، ويلحقه أذاه؟
وطالت حيث قد صفعوا قفاه؟
أم المحيي له ربّ سواه؟
وأعجب منه بطن قد حواه
لدى الظّلمات من حيض غذّاه
ضعيفًا، فاتحًا للثّدي فاه
بلازمِ ذلك، هل هذا إله؟
سيسأل كلّهم عمّا افتراه
يعظم أو يقبح من رماه؟
وإحراق له، ولمن بغاه؟
وقد شدّت لتسمير يداه
فدسّه، لا تبسّه إذ تراه
وتعبُدُه ! فإنّك من عداه
حوى ربّ العباد وقد علاه
له شكلاً تذكرنا سناه
لضمّ القبر ربّك في حشاه؟
بدايته وهذا منتهاهُ

لكنّ المشكلة أنّ النّصارى يلعبون على حبلي اللاّهوت والنّاسوت فإذا قيل لهم: المسيح إنسان، قالوا كيف يكون إنسانًا؟ ألا ترون ميلاده العجيب ومعجزاته الباهرة…؟ لا يمكن لإنسان أن يفعل ذلك إنّه إله، وإذا قيل لهم: ألا ترون كيف إختتن وضًرب وقُتل، هل يحدث ذلك لإله !؟ قالوا: إنّ ذلك وقع على النّاسوت لا اللاّهوت! وهكذا فالمسيح يظهر كمهرّج سرك بقبّعتين يضع الواحدة فيصبح إلهًا جليلاً، ثمّ يضع الأخرى فيصير في الحال إنسانًا ذليلاً !.
وإذا كان النّصارى يؤمنون بألوهيّة المسيح فإنّ الإنجيل يطفح بالآيات التي ترفض هذه الفكرة فلا تكاد تقرأ في آيات إنجيليّة إلاّ وجدتها تجعل من المسيح ابنا للإنسان، ونبيًّا مرسلاً وعبدًا لله، ولنتأمّل بعض هذه الآيات، (صعد يسوع إلى الهيكل وكان يُعلم فتعجب اليهود قائلين كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلّم أجابهم يسوع وقال: تعليمي ليس لي، بل للذي أرسلني، إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف هل هو من الله أم أتكلّم أنا من نفسي)( ).
(لم أتكلّم من نفسي لكنّ الذي أرسلني هو أعطاني وصيّة ماذا أقول وبماذا أتكلّم، وأنا أعلم أنّ وصاياه هي حياة أبديّة فما أتكلّم أنا به، فكما قال لي الأب هكذا أتكلّم)( )، لو كان المسيح هو الله أو أحد الأقانيم الثّلاثة فلماذا يعزو رسالته إذن للذي أرسله ولم يعزها لنفسه!؟ (لو كنتم تحبّونني لكنتم تفرحون لأنّي قلت أمضي إلى الأب لأنّ الأب أعظم منّي)( ).
إنّ هذه الآية ظاهرة في أنّ المسيح الابن 'الأقنوم الثّاني' أضعف من الأب، والأب أعظم من الابن بصريح العبارة، فكيف تقول الكنيسة إنّ الابن هو الأب، وإنّ أقنوم الابن يساوي أقنوم الأب؟، وهذا غير صحيح بشهادة المسيح نفسه، ألاّ ترون أنّ الأقنوم الثّاني يخبركم أنّ الأقنوم الأوّل أعظم منه، والأعظم هو دائمًا الله وما دونه في العظمة لا يستحقّ أن يًعبد أو يؤلّه.
(وسأله رئيس قائلاً: أيّها المعلّم الصّالح ما أعمل لأرث الحياة الأبديّة، فقال له يسوع: لماذا تدعوني صالحًا ؟ ليس أحد صالحًا إلاّ واحد وهو الله) ( )، قبل أن يجيب المسيح السّائل صحح له معتقدًا هامًّا وهو أنّ الصّلاح الكامل صفة للّه لا يشاركه فيها النّاس حتّى المسيح نفسه، ولو كان المسيح هو الله أو أحد الأقانيم الثّلاثة لما كان هناك مسوّغ لإنكار صلاحه.
(أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا، كما أسمع أدين ودينونتي عادلة، لأنّي لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الأب الذي أرسلني)( )، فالمسيح ينفي قدرته على فعل شيء من تلقاء نفسه، فهل تختلف مشيئة الأقنوم الأوّل عن الثّاني، ولماذا مشيئة الأقنوم الثّاني تابعة لمشيئة الأقنوم الأوّل وليس العكس ؟!.
(لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئًا إلاّ ما ينظر الأب يعمل؛ لأنّ الأب يحبّ الابن ويريه جميع ما هو يعمل)( ).
(من قبلني فليس يقبلني أنا بل الذي أرسلني)( )، فالله هو مصدر الرّسالة وليس المسيح وما المسيح، إلاّ رسول من عند الله.
(ذلك اليوم وتلك السّاعة فلا يعلم بها أحد ولا الملائكة الذين في السّماء ولا الابن إلاّ الأب)( )، الآية واضحة جدًّا في أنّ المسيح ابن الله الأقنوم الثّاني للثّالوث يجهل، ويجهل شيئًا هامًّا جدًّا، وهو ساعة انتهاء العالم أو يوم القيامة، وهذه معلومة لا يجوز بحال من الأحوال أن يجهلها الله أو أحد أقانيمه الثّلاثة، والجاهل بالشّيء لا يمكن أن يرتقي إلى مصاف الآلهة! أيّها النّصارى!.
جاء في العهد الجديد (الله لم يره أحد قطّ)( )، فلماذا يُصرّ النّصارى على أنّ الله تأنّس وعاش بين النّاس، والعهد القديم يصرّ في عدّة آيات على أنّ الله لا يُرى وغير منظور؟، فكيف نؤمن بإله عاش بين النّاس أزيد من ثلاثين سنة يرونه صباح مساء!؟
(في تلك الأيّام خرج إلى الجبل ليصلّي وقضى اللّيل كلّه للصّلاة للّه)( )، هل كان الله يصلّي لنفسه، وهل كان الأقنوم الثّاني يصلّي للأقنوم الأوّل، والعجيب أنّ الأقنوم الثّالث لا دور له في اللّعبة، فهو دائمًا ذو الدّور الهامشيّ مقارنة بالأوّل والثّاني !!
وثمة آيات كثيرة تُظهر المسيح بمظهر العابد الخاضع لله وحده لا شريك له، من استعانة واستغاثة ورجاء، ممّا لم نذكره في هذه العجالة، حتّى المعجزات التي كان يفعلها المسيح لم تكن بحوله وقوّته، بل بقدرة الله الذي منحنه إيّاها، وقد سبق للأنبياء والصّالحين أن أظهروا معجزات أعظم في العهد القديم، فلا داعي لتأليه كلّ من يظهر معجزة وإلاّ للزمنا تأليه العشرات من الأنبياء أصحاب المعجزات، والمسيح الذي جرت المعجزات على يده لم يدّع أنّها من فعله فنراه قبل كلّ معجزة يرفع رأسه إلى السّماء فيدعو الله ويستعين به، وبعد حدوث المعجزة يرفع رأسه مرّة أخرى فيحمد الله على إجابة دعوته، جاء في الإنجيل على سبيل المثال: (ورفع يسوع عينيه إلى فوق وقال: أيّها الأب، أشكرك لأنّك سمعتني وأنا علمت أنّك في كلّ حين تسمعني ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ليؤمنوا أنّك أرسلتني)( ).
إنّ بشريّة المسيح ودخوله في عبوديّة الله لم يعد يشكّ فيها أحد ممّن يحترم عقله ودينه، وأيّ إخراج للمسيح من زمرة الأنبياء الصّالحين إلى أعلى من ذلك فهو تعدٍّ سافرٍ على المسيح وتعاليمه.
وأذكر هنا أنّ الأناجيل ذكرت من معجزات المسيح في صباه وفي حياته ما لذّ وطاب: كإحياء الموتى وشفاء المرضى وإطعام آلاف النّاس بقليل الخبز و السّمك… خلا معجزة واحدة أشار إليها القرآن، وعزفت الكتب المقدّسة عن الإشارة إليها وتجاهلتها، ألا وهي تكليم المسيح للنّاس في المهد صبيًّا، فلماذا؟
يقول الله سبحانه و تعالى في القرآن على لسان المسيح ابن مريم وهو في المهد:  فأشارت إليه قالوا كيف نكلّم من كان في المهد صبيّا قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيًّا وجعلني مباركًا أينما كنت وأوصاني بالصّلاة والزّكاة ما دمت حيًّا وبَرًّا بوالدتي ولم يجعلني جبّارًا شقيّا والسّلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيّا، ذلك عيسى ابن مريم قول الحقّ الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتّخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرًا فإنّما يقول له كن فيكون، وإنّ الله ربّي وربّكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم  مريم 29 – 36.
ولا يمكن لأنصار التّثليث المؤلّهين للمسيح قبول معجزة يعترف المسيح فيها بأنّه عبد الله ونبيّه، مأمور بالصّلاة والزّكاة كغيره من البشر، وأنّه ليس الله ولا ابنه ولا أحد الأقانيم الثّلاثة للإله المثلّث.
لقد جنت الكنيسة على نفسها أعظم جناية عندما آمنت بالثّالوث؛ فعندما تؤمن الكنيسة بذلك الاعتقاد فإنّها تكفر بكلّ آيات الكتاب المقدّس بعهديه التي ترفض الثّالوث، ولمّا لم يسع رجال الدّين العمل بنصوص كتابهم الصّريحة الثّابتة في دخول المسيح في العبوديّة، ووحدانيّة الله بلا أقانيم ولا شريك، عاقبهم الله بالعيِّ والحيرة والتخبّط، ووصفهم القرآن بالضّالّين، لأنّهم يعبدون الله على جهل وفق عقيدة مستحيلة التّصديق، عديمة المعنى، تجعل المؤمن أهوج، فاقد العقل، بليدًا، عديم الوعي، وهذا جزاء من كفر بالعقل السّليم والنّقل الصّحيح وآمن بعقل الشّيطان وردّ وحي الله وقبل بوحي بولس وإبليس.
وثـنيّــة التّـثـليـث

لو يعلم نصارى الغرب اليوم أنّهم لم يعرفوا دين المسيح قطّ لأصابتهم الصدّمة، وإنّما كانوا وثنيّين وبقوا على وثنيّتهم إلى ساعتنا هذه، يقول شارل جان بيير: » إنّ الغربيّين لم يكونوا مسيحيّين قطّ في يوم من الأيّام«
نعم، لم يعرف الغــــرب النّصرانيّة؛ لأنّ أسلافهم الرّومان – الممثّلون للغرب آنذاك – لم يتنصروا ولم يسلكوا النّصرانيّة الحقيقيّة، بل العكس هو الذي حدث فالثلّة القليلة التي كانت على دين المسيح هي التي تروّمت واعتنقت وثنيّة الرّومان، وتركت دينها بسبب الاضطهاد السّياسيّ، والهدم من الدّاخل الذي باشره بولس وتابعه المنافقون من بعده، وكذلك بفعل قرارات المجاميع المسكونيّة التي كانت تصنع الآلهة كما تُصنع علب 'الكوكا كولا'.
إنّ النّصرانيّة الحقيقيّة جاءت بدين خال من الفلسفة اليونانيّة والغنوصيّة والأفلاطونيّة وخرافات الوثنيّين، لقد جاءت بالتّوحيد الخالص لله وبعبوديّة المسيح له، وكلّ ما عدا ذلك من خرافات الصّلب والفداء والكفّارة والتجسّد والتّثليث وغيرها من الأسرار الكنسيّة المقدّسة هي امتداد تاريخيّ للوثنيّة، التي وقع فيها الإنسان منذ مئات القرون.
يقول أرنست رينان: »إنّ الدّراسات التّاريخيّة للمسيحيّة وأصولها تثبت أنّ كلّ ما ليس له أصل في الإنجيل مقتبس من أسرار الوثنيّة«.
ويقول مؤرّخ الأديان أندريه نايتن في كتابه (المفاتيح الوثنيّة للمسيحيّة): » إنّنا لا نستطيع أن نفهم مسيحيّتنا حقّ الفهم إذا لم نعرف جذورها الوثنيّة، فقد كان للوثنيّة قسط وافر في تطوّر الدّين المسيحيّ… ونحن لا نبالغ إذا قلنا إنّ ما ُيعرف بالأسرار الدّينيّة في المسيحيّة مستوحى من الأديان الوثنيّة القديمة… ودراسة المسيحيّة تُثبت أنّ الآلهة الوثنيّة لم تمت بعد، ولا شكّ في أنّ الكاتب "كومون " قد عنى ذلك حين عنون كتابه الشّهير حول تاريخ المسيحيّة بعنوان: (لا جديد تحت الشّمس).
وينبغي لنا الآن توضيح السّبل التي سلكتها المسيحيّة والتي أتاحت للوثنيّة بأن تسهم هذه المساهمة الكبيرة في تأسيس أركانها، إنّ أصحاب النّقل المباشر وغير المباشر عن الوثنيّة معروفون، ويجب علينا أن نتذكّر دائمًا أنّ معظم الذين آمنوا بالمسيحيّة في بدايتها لم يكونوا يهودًا بل كانوا عبدة أصنام، ولا بدّ من الإشارة أيضًا إلى أنّ هؤلاء المؤمنين شهدوا فترة عصيبة محتدمة تساعد على تلفيقات كثيرة، وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه المسيحيّة وضعت المؤمنين بها على دروب الوثنيّة القديمة… إنّ الكنيسة ابتلعت بعض العناصر الوثنيّة، لكنّها أضفت عليها طابعها الخاصّ، لاستقطاب ما يمكن استقطابه من عبدة الأصنام، وكذلك أرادت تعزيز نفسها وابتلاع العقائد القديمة المترسّخة، وهذا ما أدّى إلى دخول عناصر وثنيّة جديدة على المسيحيّة«.
وممّا يؤكّد هذه الحقيقة أنّ بولس قبِل كثيرًا من العقائد الوثنيّة ليقرّب بين أتباع هذه العقائد والدّيانة النّصرانيّة فيقول في كورنثوس الأولى: (استعبدت نفسي للجميع لكي أربح الكثيرين فصرت لليهود كيهوديّ، لكي أربح اليهوديّ، وللذين تحت النّاموس كأنّي تحت النّاموس، لأربح الذين تحت النّاموس، وللذين بلا ناموس كأنّي بلا ناموس، لأربح الذين بلا ناموس، صرت للكلّ كلّ شيء لأخلّص على كلّ حال قومًا)( ).
إنّه بدلاً من أن يغيّرهم فهو يتغيّر من أجلهم، بل و يغيّر التّعاليم وفق أديانهم وأهوائهم ليربحهم كما يزعم، ولا شكّ أنّ هذه الطّريقة تسبّبت في خلط التّعاليم الصّحيحة بالتّعاليم السّقيمة وهذا منشأ الخلل.
يقول العالم الألمانيّ جاكوبسون في كتابه: (دراسة العقائد الدّينيّة عند ملوك مصر) وذلك بعد إظهاره أوجه الشّبه بين عقائد النّصارى وعقائد المصريّين القدماء: »لا بدّ من القول إنّه لا صحّة لما يقول اللاّهوتيّون المسيحيّون المعاصرون حين يزعمون أنّ مصر القديمة لم يكن لها أثر في قيام الأفكار والعقائد المسيحيّة… وإنّني لا أفهم كيف أنّ البروتستانت يعملون المستحيل لإقناعنا بأنّ الأفكار المسيحيّة الحاليّة هبطت من السّماء ولم تتأثّر بشيء قبلها«.
ويقول غوستاف كارل يونغ عالم النّفس المشهور في كتابه (علم النّفس والدّيانة الغربيّة): » من الواضح أنّ كلّ اللاّهوت الذي سبق المسيحيّة وكلّ لاهوت الغنوصيّة في منطقة الشّرق الأوسط، بل اللاّهوت الذي تضرب جذوره في أعمق أعماق التّاريخ قد حجب المسيح الحقّ عنّا، وجعله مجرّد شكل عقائديّ لا يحتاج معه إلى أساس تاريخيّ، ففي مرحلة مبكّرة جدًّا يختفي الحقّ وراء المشاعر والإسقاطات التي حامت حوله وانهالت من القريب والبعيد، وهكذا سرعان ما تمّ ابتلاعه من قبل الأنظمة الدّينيّة المجاورة "الوثنيّة"، كما تمّت صياغته من جديد وفقًا لأساطيرهم الأساسيّة، بذلك صار المسيح الصّورة الجماعيّة الملفّقة التي كان ينتظرها لاوعي المعاصرين له، وبذلك صار السّؤال عن حقيقته سؤالاً بدون جواب«.
وفيما يخصّ موضوع التّثليث الذي نحن بصدده فلم يعد يخفى على المنصفين من العلماء والباحثين أنّه، بالإضافة إلى الأساطير الأخرى، التي ذكرناها آنفًا، عقيدة وثنيّة محضة ابتكرها الإنسان المنحرف عن دين "التّوحيد"، وبقيت منتشرة في العديد من الأقوام الوثنيّة، وقد كشف الله تلك الحقيقة بقوله تعالى في القرآن مخبرًا عن النّصارى:
 يضاهئون قول الذين كفروا من قبل  التّوبة 30، ومعنى ذلك أنّهم يقولون بقول الوثنيّين الكفّار، الذين افتروا تلك العقائد الباطلة وتديّنوا بها، ثمّ جاء علماء الغرب في هذا القرن ليقيموا دراساتهم المعمّقة على هذا الأساس وليتوصّلوا إلى ما أقرّه القرآن قبل أربعة عشر قرنًا.
يقول يونغ: » إنّ عقيدة التّثليث أو الآلهة المثلّثة ظهرت مبكّرًا وعلى مستوى بدائيّ، إنّ التّثليث في الأديان القديمة، وفي الشّرق بشكل خاصّ مسألة منتشرة وشائعة إلى الحدود التي لا نستطيع أن نحصيها أو نذكرها جميعًا، ولعلّ تنظيم الآلهة المثلّثة من أبرز الظّواهر في تاريخ الأديان، ولا شكّ أنّ هذا النّموذج الدّينيّ القديم قد كان وراء عقيدة التّثليث في الدّيانة المسيحيّة… لقد ثبت أنّ الآلهة المثلّثة كانت عقيدة لاهوتيّة أكثر ممّا كانت قوّة حيّة، والواقع أنّ التّثليث أقدم المعتقدات الدّينيّة الوثنيّة وأعرقها… ولقد رافقت عقيدة التّثليث الفكر الإنسانيّ وصارت جزءًا منه، صحيح أنّها تختفي فترة لكنّها ما تلبث أن تظهر هنا حينًا وهنالك أحيانًا بأشكال مختلفة«.
ونشير إلى أنّ الدّراسات الأركيولوجيّة والأنثروبولوجيّة والتّاريخيّة كلّها تجزم بوجود أسطورة الثّالوث، ليس في منطقة الشّرق الأوسط فحسب بل حتّى في آسيا وأمريكا، ولقد بلغت الآلهة المثلّثة من الكثرة ما لا يمكن عدّها أو حصرها.
يقول إدغار ويند، أستاذ التّاريخ الفنّيّ في جامعة أكسفورد في كتابه (الأسرار الوثنيّة في عصر النّهضة): »تنتمي عقيدة التّثليث إلى الأسرار التّأويليّة الخفيّة، وهي الأسرار التي يتشاطرها المسيحيّون وعبدة الأصنام… وقد أقرّ المسيحيّون في عصر النّهضة ما جاء في كتب القدّيس أوغسطين وبركلوس عن أنّ التّثليث المقدّس كان معروفًا لدى الوثنيّين… وانطلاقًا من هذه القناعة تمّ الكشف عن عدد هائل من الآلهة المثلّثة "بالمئات" في الكتب الوثنيّة القديمة وكان الباحث الألمانيّ المعاصر أوزينير قد جرّد أكثر من 120 إلهًا مثلّثًا في الأديان الوثنيّة القديمة«.
يقول بريتشارد في كتابه (خرافات المصريّين الوثنيّين):» لا تخلو كافّة الأبحاث الدّينيّة المأخوذة عن مصادر شرقيّة من ذكر أحد أنواع التّثليث أو التولّد الثّلاثيّ، أيّ الأب والابن والرّوح القدس«.
ويقول موريس في كتابه (Indian antiquites): » كان عند أكثر الأمم البائدة الوثنيّة تعاليم دينيّة جاء فيها القول باللاّهوت الثّالوثيّ أي أنّ الإله ذو ثلاثة أقانيم«.
ويقول دوان في كتابه: (Bible myths and their parallels religions) » إذا نظرنا نحو الهند نرى أنّ أعظم وأشهر عباداتهم اللاّهوتيّة هو التّثليث… ويدعون هذا التّثليث "ترمورتي" وهي جملة مركّبة من 'تري' ومعناها ثلاثة و'مورتي' ومعناها هيئات أو أقانيم«.
ويذكر ألن في كتابه: (India : ancient and modern) قصّة عن ظهور الآلهة الثّلاثة البراهميّة ومخاطبتها أحد العبّاد بقولها: اعلم أيّها العابد أنّه لا يوجد فرق حقيقيّ بيننا وبين ما تراه من ثلاثة، فما هو إلاّ بالشّبه أو بالشّكل، والكائن الواحد الظّاهر بالأقانيم الثّلاثة واحد بالذّات.
ويقــول فابر في كتابه: ( Idolatry origin of heathen): » وكما نجد عند الهنود ثالوثًا مؤلّفًا من براهما وفشنو وسيفا، نجد ذلك عند البوذيّين، فإنّهم يقولون: إنّ بوذا إله ويقولون بأقانيمه الثّلاثة«.
ويقول هليسلي في كتابه: (Development of religion and thought in ancient egypt) » يعتقد الهنود بإله مثلّث الأقانيم… ويقولون إنّ هذا الثّالوث المقدّس حاضر في كلّ مكان بالرّوح والقدرة«.
ويقول فسك في كتابه (Myth and myth makers): » كان الرّومانيّون الوثنيّون القدماء يعتقدون بالتّثليث، هو أوّلاً الله، ثمّ الكلمة، ثمّ الرّوح«.
ويقول نيت في كتابه: (The symbolical language of ancient art and mythology) » إنّ سكّان الجزر في المحيط عبدوا إلهًا مثلّث الأقانيم فيقولون: الإله الأب، والإله الابن، والإله روح القدس، ويصوّرون روح القدس بهيئة الطّير– مثلما صُوّر في الإنجـيل «.
و قال كينغسبورو في كتابه (Antiquities of Mexico): » المكسيكيّون يعبدون إلهًا مثلّث الأقانيم يسمونه تزكتليبوكا«.
ويقول سكير في كتابه: (The serpent symbol) » الهندوس الكنديّون يعبدون إلهًا مثلّث الأقانيم ويصوّرونه بشكل صنم له ثلاثة رؤوس على جسد واحد، ويقولون إنّه ذو ثلاثة أشخاص بقلب واحد وإرادة واحدة«.
في الختام نذكر شهادة أندريه نايتن في كتابه (المفاتيح الوثنيّة للمسيحيّة) إذ يقول: » إنّنا نعثر على هذه المجموعات "الآلهة المثلّثة" في مختلف البلدان الوثنيّة القديمة، ففي مصر: بتاح، توت، حورس، وفي الهند: ميترا، فارونا، أريامان، وفي إيران: أهورا مازدة، أناهيتا، ميترا، وفي بابل: سين، شمس، عشتار، وفي اليونان: زيوس، هيرا، ديوفيزوس، وعند الرّومان: جوبيتر، جنون، مينرفا… وهي لائحة طويلة جدًّا من الآلهة المثلّثة عند الشّعوب القديمة، وهذا يعني أنّ التّثليث المسيحيّ لم يولد من عدم، وأنّه لا بدّ قد استوحى ما ذكرناه«.
إنّ هذه النّقولات التي ذكرتها باختصار ليست صادرة من مسلمين أو يهود أو وثنيّين، بل هي من علماء غربيّين، بعضهم ملتزم بالنّصرانيّة، كما أنّهم ليسوا كتّابًا عاديّين، بل هم من كبار الباحثين والمتخصّصين في تاريخ الأديان والأنثروبولوجيّة والأركيولوجيّة وغيرها من التخصّصات الدّقيقة ذات العلاقة، والتي تستند إلى الدّراسة المتفحّصة الميدانيّة، وهذا غيض من فيض ومن أراد المزيد فما عليه إلاّ الاطّلاع على المؤلّفات التي ذكرناها آنفًا.
وبعد هذا العرض الوجيز لعقيدة التّثليث وبيان بطلانها من المنقول عنهم، وفسادها على ضوء التّوراة والإنجيل، ننتقل إلى نقد عقليّ للتّثليث في هذه النّقط المختصرة والمركّزة:
- يؤمن النّصارى بثلاثة أقانيم متّحدة في إله واحد، ونعلم أنّ الأقنوم الثّاني مات على الصّليب فيلزم من ذلك موت الثّالوث كلّه، وإلاّ فأخبرونا على من وقع الصّلب، هل وقع على الأقنوم الثّاني كإله أم على ابن الله أم على الكلمة أم على الثّالوث أم على الله أم على ماذا؟
وهنا تحضرني قصّة طريفة رواها علماؤنا قديمًا حيث تنصّر ثلاثة أشخاص وعلّمهم أحد القسس العقائد الضّروريّة، ولا سيّما عقيدة التّثليث أيضًا وكانوا في خدمته، فجاء محبّ من أحبّاء هذا القسّيس، وسأله عمّن تنصّر فقال: ثلاثة أشخاص تنصّروا، فقال هذا المحبّ: وهل تعلموا شيئًا من العقائد الضّروريّة؟، قال: نعم، وطلب واحدًا منهم فسأله عن عقيدة التّثليث، فقال: إنّك علّمتني أنّ الآلهة ثلاثة أحدهم الذي هو في السّماء، والثّاني تولد من بطن مريم العذراء، والثّالث الذي نزل في صورة الحمام على الإله الثّاني بعدما صار ابن ثلاثين سنة، فغضب القسّ وطرده وقال: هذا مجهول، ثمّ طلب الثّاني منهم وسأله، فقال: إنّك علّمتني أنّ الآلهة كانوا ثلاثة وصُلب واحد منهم فالباقي إلهان، فغضب عليه القسّ أيضًا وطرده، ثمّ طلب الثّالث وكان ذكيًّا بالنّسبة للأوّلين وحريصًا في حفظ العقائد فسأله فأجاب: يا مولاي حفظت ممّا علّمتني حفظًا جيّدًا وفهمت فهمًا كاملاً بفضل الربّ المسيح أنّ الواحد ثلاثة والثّلاثة واحد، وصُلب واحد منهم ومات، فمات الكلّ لأجل الاتّحاد ولا إله الآن وإلاّ يلزم نفي الاتّحاد.
- عندما مات الإله على الصّليب، كيف بقيت الحياة والكون دون مدبّر !؟، ولمّا قام المسيح بعد ثلاثة أيّام هل أحياه الأب أم الثّالوث أم هو أحيا نفسه، كما تقول الكنيسة، والحقيقة أنّ الميّت لا يستطيع إقامة نفسه إلاّ إّذا كان ميّتًا ميتة سرّيّة مقدّسة!
- إذا كان النّصارى يؤمنون بالثّالوث على أساس مساواة الأب بالابن وبالرّوح القدس، فهذا يعني الاتّحاد الكامل الذي يسمح بتغيير الأدوار والوظائف والصّفات بين الأقانيم الثّلاثة، فيلزم من ذلك جواز قولنا إنّ الأب مولود غير مخلوق والرّوح القدس ابن الله الوحيد، والمسيح نزل على هيئة حمامة، لأنّه لا فرق بين الثّلاثة وكلّهم واحد، أليس كذلك؟ ! ونستطيع أن نقول: الأب هو المخلّص والمسيح هو معطي الحياة والرّوح القدس هو مكوّن الكائنات، ونستطيع أن نقول للمساواة المطلقة إنّ الرّوح القدس ولدَ الأب، والابن انبثق من الرّوح القدس على أساس التّساوي !، ثمّ إذا نظرنا لصيغة التّثليث نجدها مقيّدة بترتيب معيّن وهو الأب والابن والرّوح القدس، فلا أخال إلاّ أنّ هناك سببًا في تقديم الأب على الابن ثمّ الرّوح القدس، فتقديم الأب ليس عبثًا أو صدفة إنّما لفضل لا يملكه الأقنوم الثّاني والثّالث، وإذا كان للأب فضل لا يملكه الآخران فيعني ذلك أنّهم أقلّ مرتبة منه، وإلاّ لماذا لا يبدأ رجال الدّين الموعظة أو القُداس بصيغ مثل "باسم الابن والرّوح القدس والأب" أو "باسم الرّوح القدس والأب والابن"،؟ أعلم يقينًا أنّ من يفعل ذلك ربّما يتّهم بالهرطقة، وهذا دليل آخر على فساد فكرة الأقانيم المتساوية مساواة تامّة.
- تحكي الأناجيل أنّ المسيح 'الأقنوم الثّاني' بعد قيامته صعد إلى السّماء وجلس عن يمين الأب 'الأقنوم الأوّل'، فدعونا نحلّق بخيالنا بعيدًا في السّماء لنتخيّل الابن جالسًا عن يمين الأب، فما معنى الجلوس عن اليمين، فهل إذا جلس زيد عن يمين عمرو نستطيع أن نقول إنّ زيدًا هو عمرو!؟ كيف نقول ثلاثة آلهة لكنّهم إله واحد، ثلاثة أقانيم غير منفصلة ولا مستقلّة ولا متميّزة عن بعضها بعض، ثمّ يجلس أقنوم عن يمين الثّاني وبينهما مسافة سّنتيمترات أو أمتار !…؟ وإلاّ ما معنى اليمين في جميع لغات العالم ؟ وبأيّ لغة يتحدّث الإنجيل؟
إنّ جميع لغات العالم تفهم اليمين كما نفهمه نحن، وإنّ اللّغة كما يُعرّفها علماء الاتّصال هي جملة من الرّموز المتعارف عليها، والتي تعبّر عن معان مشتركة بين المرسل والمستقبل، لكنّ الدّارس لكلمات الإنجيل لا يمكنه فهم شيء، لأنّ الرّموز موجودة، لكنّها لا تدلّ على المعاني المتعارف عليها، فما العمل !؟ وما فائدة مخاطبة الله للبشر برموز يعرفونها تحمل معان لا يعرفونها ولا يفهمونها، لأنّها غير مشتركة !؟ فالمستقبل الذي يتلقّى الرّسالة الإنجيليّة ويجد أنّ أقنوم الأب هو نفسه أقنوم الابن ثمّ يقرأ في الإنجيل أنّ الابن جلس عن يمين الأب يقع في حيرة من أمره، هل يرفض هذه الرّسالة الإنجيليّة أم يقبلها بعد إلغاء عقله؟ ولا عذر للنّصارى في الاحتجاج بقصّة اللاّهوت والنّاسوت، لأنّه لا يمكن أن يجلس ناسوت المسيح عن يمين الله ولاهوته داخل الله ! ! خاصّة إذا عرفنا أنّ ناسوت المسيح صُلب ومات وانتهى دوره على الأرض.
- إذا تحدّثنا عن النّاحية الزّمنيّة فمن الأسبق الأب أو الابن أو الرّوح القدس!؟ فإذا لم يكن الأب هو السابق للابن فما معنى قولكم عن المسيح مولود غير مخلوق؟ ما معنى مولود أخبرونا؟، وإذا كان الرّوح القدس موجودًا غير مسبوق بالأب والابن فما معنى قولكم عنه إنّه منبثق من الأب فقط حسب الكاثوليك؟ ومنبثق من الأب فقط حسب قول الأرثودكس؟ ما معنى قولكم منبثق أخبرونا؟، هل مضى زمن لم يكن ثمّة ولادة ولا انبثاق؟ ستقولون لم يمض، فسنقول إذن هاتان الكلمتان عبث لا فائدة منهما، وسفسطة لا جدوى منها، ثمّ إنّكم تقولون عن الابن مولود غير مخلوق وعن الرّوح القدس منبثق غير مخلوق فهل شرحتم لنا ما الفرق بين الولادة والانبثاق هنا ؟
والغريب كذلك أنّ الأرثودكس يؤمنون بالثّالوث المقدّس المتساوي الأقانيم، إلاّ أنّهم انشقّوا عن الكنيسة الكاثوليكيّة لقولهم إنّ الرّوح القدس منبثق من الأب دون الابن وهذا يعني أنّ الأب ليس الابن، ومع ذلك فما يزالون يؤمنون بالثّالوث والجنون فنون!
- يعتقد النّصارى أنّ الله تجسّد ونزل إلى الأرض في شكل الأقنوم الثّاني وهو الله، ويلزم من ذلك أنّ النّاس رأوا الله على الأرض، وهذا مخالف للكتب حيث جاء في سفر الخروج (لا تقدر أن ترى وجهي لأنّ الإنسان لا يراني ويعيش)( ).
ويقول يوحنّا (الله لم يره أحد)( )، وفي تيموثاوس (الله لم يره أحد من النّاس ولا يقدر أن يراه)( ).
يقول الأستاذ عوض سمعان في كتابه (الله طرق إعلانه عن ذاته): »إنّ المتفحّص لعلاقة الرّسل والحواريّين بالمسيح يجد أنّهم لم ينظروا إليه إلاّ على أنّه إنسان، ولم يتصوّروا على الإطلاق أنّه إله، ولكن لماذا، لأنّهم – أي الرّسل والحواريّين – كيهود كانوا يعلمون تمام العلم أنّ الاعتراف بأنّ إنسانًا هو الله يعتبر تجديفًا يستحقّ الرّجم في الحال، ولأنّهم كيهود أيضًا كانوا يستبعدون أن يظهر الله في هيئة إنسان، نعم، كانوا ينتظرون المسيا لكنّ المسيا بالنّسبة إلى أفكارهم التي توارثوها عن أجدادهم لم يكن سوى رسول ممتاز يأتي من عند الله، وليس هو ذات الله«.
ومع أنّ الثّالوث ومنه التجسّد قصّة خرافيّة إلاّ أنّ التعصّب النّصرانيّ للباطل لا يكاد ينقضي، فهذا القسّ وهيب عطا الله يصرّح في كتابه (طبيعة السيّد المسيح): »إنّ التجسّد قضيّة فيها تناقض مع العقل والمنطق والحسّ والمادّة والمصطلحات الفلسفيّة، ولكنّنا نصدّق ونؤمن أنّ هذا ممكن حتّى ولو لم يكن معقولاً«.ويقول الدّكتور الخوري جورجس فرج: »لا تقل في قلبك كيف يمكن أن يتجسّد الله ويصير إنسانًا، فدع ذلك لأنّه من شأنه الخاصّ«.
هناك دليل صريح على أنّ الابن ليس الأب، ونستنتج ذلك من قول المسيح للفريسيّين (في ناموسكم مكتوب أنّ شهادة رجلين حقّ، أنا هو الشّاهد لنفسي ويشهد لي الأب الذي أرسلني)( )، ومعنى ذلك أنّ المسيح ذات، وأنّ الأب ذات أخرى، فهما اثنان متغايران وشهادة المسيح حقّ لشهادة اثنين عليها "الله والمسيح "، ولو كان المسيح هو الله؛ أي أنّ المسيح والله ذات واحدة، لمّا كانت شهادته كافية؛ لأنّها ستصبح بمثابة شهادة واحدة.
- نعلم جميعًا أنّ عقيدة الثّالوث لم تكن معلومة ولا منتشرة بين النّصارى في القرون الأربعة الأولى، وإنّما فُرض جزء منها في مجمّع نيقية بقوّة الإمبراطور قسطنطين، فعندما نطّلع عـلى قرارات مجمّع نيقيّة في سنة 325 م نجد أنّ المجمّع قرّر تأليه الأب والابن فقط؛ أي أنّ الإله كان حينها ثنائيًّا، وبعد عشرات السّنين وبالضّبط في مجمّع القسطنطينيّة سنة 381 م تمّ إعلان عن صنع إله ثالث وهو الرّوح القدس، فاكتمل الثّالوث، وهذا دليل تاريخيّ على أنّ الثّالوث كما هو معروف، الآن، لم يكن معروفًا ولا مكتملاً قبل سنة 381 م، فهل كان السّابقون لهذا التّاريخ يعبدون إلهًا ثنائيًا ناقصًا، أو جزءًا من إله!؟
وفي نهاية المطاف نخلص إلى القول: لم يعد من المقبول لدى الجميع الزّعم بوجود طلسم التّثليث، أو الإيمان بأنّه حقيقة فوق العقول، وأنّه سرّ إلهيّ مقدّس، ولن يجدي نفعًا كلّ هذا التهرّب من مواجهة الحقيقة، وسيكشف العلم والتّاريخ، والله تعالى، أنّ الكنيسة كانت تحمل أكبر عقيدة منافية لكلّ وحي سماويّ وتفكير أرضيّ، أمّا النّصارى البسطاء فما عليهم إلاّ الإذعان للحقّ، فهو سبيل النّجاة بدل القبول باغتيال العقول من أجل كذبة ابتكرها بولس وروّجتها الكنيسة فيما بعد تحت غطاء الأسرار المقدّسة !.
يقول يونغ: »وكان لزامًا عليّ أن أُسائل نفسي مساءلة جادّة عمّا إذا لم يكن أضرّ وأخطر أن تقضي الأسرار المسيحيّة عن حيّز التّفكير الجادّ، وأن نكتفي بنبذها إلى حيّز الألغاز المقدّسة المحرّمة، إنّ هذه الأسرار المسيحيّة قد تشتط في شطحاتها ممّا يحيل لاعقلانيّتها إلى هراء وتخريف، إنّ الإيمان المسيحي ليس مشاعًا لكلّ النّاس غير أنّ كلّ النّاس يملكون موهبة التّفكير التي تجهد للوصول إلى أعمق الأمور…
إنّ الذين يؤمنون ولا يفكّرون، إنّما يتناسون أنّهم يعرّضون أنفسهم لأخطر أعدائهم وأعني الشكّ، أمّا الذين يفكّرون فيرحّبون بالشكّ لأنّه أداتهم إلى معرفة أفضل، وعلى المسيحيّين أن يكونوا أكثر تسامحًا ممّا هم عليه تجاه التّفكير«.
وعلى الرّغم من كلّ ما قيل عن عقيدة الثّالوث والإيمان النّصرانيّ فإنّ القساوسة يستميتون في الدّفاع لآخر رمق؛ يقول القسّ حبيب سعيد: »إنّ الإنسان لن يبلغ هذا الإيمان عن طريق المطارحات النّظريّة، بل بإلهام من الله وإعلان منه«، أمّا القسّ ناشد حنا فيقول في كتابه (الإيمان المسيحيّ هل هو معقول؟): » إنّنا نعرف الله بموجب الإعلان الإلهيّ، ونؤمن به بالقلب، أمّا العقل فينحني خاشعًا للإعلان الإلهي ولا يستطيع أن يعترض عليه، لأنّه ليس ضدّ العقل بل هو أكبر منه ويسمو فوقه«.
ويضيف: »ليس الإيمان الحقيقيّ اقتناعًا عقليًّا بمبادئ صحيحة، والاعتراف بها، والدّفاع عنها، بل هو الثّقة التامّة بإعلان الله عن ذاته وطبيعته في كلمته«، وأمّا عن الثّالوث فيزعم ناشد حنا أنّ لامعقوليّته وعدم موافقته للمنطق والفهم البشريّ هو الدّليل على صحّته!!
وإليك زعمه: »تبدو هذه الحقيقة "الثّالوث" معقّدة فعلاً وصعبة الاستيعاب، ولكن أليس هذا دليلاً واضحًا على صحّتها وعلى أنّ الله نفسه هو الذي أعلن ذاته بها؟ لأنّ الإنسان إذا أراد أن يزيّف إيمانًا أو يصنعه فإنّه يصنعه وفق الفطرة البشريّة وفي مستوى العقل ليسهّل قبوله واستيعابه، أمّا إذا كان الأمر خاصًّا بحقيقة الله غير المحدود فلا بدّ أن يكون الإعلان كبيرًا فوق الفهم الطّبيعيّ وأسمى من العقل..« !!!
فهل يمكننا الموافقة على هذا المنطق !؟ لا والله، لأنّه إذا كان الإيمان النّصرانيّ صحيحًا لكونه فوق الإدراك ومخالفًا للعقل والمنطق، للزمنا الإيمان بعشرات الأديان والعقائد التي لا تستند لأيّ ذرّة من عقل بشريّ، كعبادة البقر أو تلك العبادة الشّهوانيّة لفرج المرأة والرّجل مثلما هو واقع في بعض البلدان الآسيويّة .. !؟
يقول يونغ في كتابه (علم النّفس والدّيانة الغربيّة): »لقد ظلّ الإنسان على مدى القرون الطّويلة محيرًا بالتّثليث، مضطرًّا إلى أن يعمل فكره بحماسة شديدة جدًّا ليهتمّ بقضايا ومسائل غريبة تبدو لنا الآن غامضة مبهمة إن لم تكن عبثيّة، ولا بدّ لنا من القول أوّل كلّ شيء أنّه يصعب علينا أن نفهم ما يعنيه التّثليث لنا، سواء على المستوى العمليّ أو المستوى الأخلاقيّ أو الرّمزيّ، إنّ اللاّهوتيّين أنفسهم يشعرون أحيانًا بأنّ المناقشات حول هذه القضيّة تظهر وكأنّها نوع من أنواع الشّعوذة الفارغة وغير المجدية، وكان الباحث الألمانيّ د. ف ستراوس قد كتب يقول:"الحقيقة أنّ كلّ من يعلن إيمانه بهذه العقيدة إنما يعلن تخليه عن قوانين التّفكير البشريّ "، ولا شكّ في أنّ الإنسان الوحيد القادر على مثل هذا القول هو الإنسان الذي نزع القداسة عن هذه الأفكار واستعاد نشاطه الذّهنيّ … ولا شكّ أنّ كلّ من يحاول التعرّض لمسألة التّثليث من وجهة نظر فكريّة أو عقلانيّة سيضطرّ إلى الجدل والخصام والتعرّض لغوغائيّة آباء الكنيسة الفارغة المعنى«.
ويضيف »إنّ عودة الإنسان، وخصوصًا رجل اللاّهوت إلى العقل والمنطق وأشباههما يدلّ على أنّ كلّ الجهود التي بذلتها المجامع المسيحيّة واللاّهوت قد فشلت، ولم تستطع أن تقدّم للأجيال تصوّرًا فكريًّا لهذه العقيدة يجعلهم يدعمونها أو يتعاطفون معها على الأقلّ، وهنا لا يبقى إلاّ الإذعان للإيمان والإقلاع عن الفهم، فالإيمان هنا كما دلّت التّجربة يفوز، لكنّه يخلي مكانه للنّقد الذي قد لا يكون جديرًا بالتعرّض لموضوع الإيمان، وهذا النّقد غالبًا ما ينشر مناخًا تنويريًّا عقليًّا، ولكن لم يخطر ببال أحد من هؤلاء النقّاد أنّ طريقة معالجة هذا الموضوع خاطئة وأنّها لا تتناسب معه أبدًا، إنّهم يعتقدون أنّهم يعالجون حقائق عقليّة ويتناسون أنّ هذه المسألة كانت دائمًا ظاهرة نفسيّة لاعقلانيّة«.
هذه خلاصة بعض تلك العقائد العليلة الهزيلة، ولم يكن هدفي التعمّق في غياهبها، والولوج في مجاهلها، إنّما حسبي أنّني أثرت تساؤلات عدّة تضع رجال الدّين في زاوية ضيّقة، لا يخرجون منها إلاّ بالاعتراف ببطلان تلك العقائد ممّا سيكون تمهيدًا لاعتناقهم الحقّ، فإن أبوا إلاّ المكابرة، فنقول لهم: قد علمتم الحقّ وعرفتم الصّواب، فلا حجّة لكم عند الله يوم القيامة،  ولكن ليقضي الله أمرًا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بيّنة ويحي من حي عن بيّنة وإنّ الله لـــسميع عليم  الأنفال 42.




فشل الإقناع بالبيان واللّجوء إلى الحيلة
والاستهواء

في تحقيق إذاعيّ عن النّصرانيّة قبل سنوات وصفت إذاعة فرنسا الدّوليّة RFI الكنائس "الخالية" في إسبانيا بأنّها صحراويّة désertique، رغم ما عرف الإسبانيون به من التديّن، أكثر من الشّعوب الأوروبيّة الأخرى … وفي سنة 2002 ذكرت دراسة سويديّة أنّ الكنائس السّويديّة أصبحت خاوية على عروشها، خصوصًا من الذين يدفعون اشتراكات للكنيسة، لذلك بدأت الكنائس السّويديّة تبحث عن مصادر تمويل أخرى، لقد هجر النّصارى دينهم وكنيستهم منذ زمن بعيد لكنّهم لم يكونوا قادرين على التّعبير عن ذلك؛ لما كانت تتمتّع به الكنيسة من نفوذ وإرهاب دينيّ وسلطة مطلقة.
وقـد جاءت الثّورة الفرنسيّة لتقضي على التّحــالف 'الكنسيّ – الملكيّ'، فأَمِنَ النّاس من الخوف، وخرجت جحافل الثّائرين إلى شوارع باريس تصيح وراء ميرابو "لنشنق آخر ملك بأمعاء آخر قسّيس"، وكان ذلك إعلانًا صريحًا – ليس في فرنسا فحسب بل في أوروبا كلّها – عن المفاصلة بين الكنيسة والمجتمع، فبرزت عشرات المذاهب الإلحاديّة التي وقفت في وجه رجال الكنيسة وأفكارها، بل ذهبت إلى حدّ الكفر بالدّين والاستهزاء به ونقده بعلم وبغير علم، والسّؤال لماذا حدث كلّ هذا؟ والجواب طويل سنحاول اختصاره.
قد يقول قائل: إنّ الفرار الجماعيّ من الكنيسة كان نتيجة الطّغيان الرّوحيّ والعقليّ والسّياسيّ والماليّ … الذي مارسه رجال الكنيسة طيلة قرون على الشّعب، ولن نخالف من يقول ذلك، بل نجزم به، ولكن لم يكن ذلك الطّغيان هو السّبب الوحيد، إنّما السّبب الأساسيّ لذلك النّزوح عن النّصرانيّة هو عدم اقتناع الأفراد بها والتّصديق بفلسفتها، وقد عاش معتنقو هذه الدّيانة في حيرة وارتباك وصراع بين العقيدة والعقل، ولم تكن عقيدة غامضة ومستحيلة ومضطربة كتلك لتشبع غريزتهم الدّينيّة وحاجاتهم الرّوحيّة وتوائم فطرتهم البشريّة.
وهناك بعض النّظريّات في علم النّفس مفادها أنّ الإنسان بطبعه يبحث عن التّوازن النّفسيّ والدّاخليّ في حياته ولا يهدأ حتّى يبلغ حالة يقضي فيها على التوتّر الذي يكتنفه ويُخلّ بتوازنه، فلهذا يحاول الفرد أن يزيل هذا التّأثير الخارجيّ أو الدّاخليّ ليجد الرّاحة النّفسيّة التي يرجوها، وانطلاقًا من هذا المبدأ فإنّ كثيرًا من النّصارى لجأوا إلى إزالة هذا التوتّر، الذي أقحمتهم فيه الكنيسة وورثوه عن آبائهم وأجدادهم؛ فمنهم من ترك النّصرانيّة إلى الإلحاد واللاّدينيّة وتبنى مناهج شتّى في التّعبير عن سخطه على الدّين، ومنهم من ذهب يتلمّس الحقيقة في أديان الهند والصّين الشاذّة، وبعضهم انغمس في المسكّرات والمخدّرات والشّهوات الماليّة والجنسيّة وفي كلّ الملهيّات التي تنسيه معاناته الرّوحيّة، وأمّا أسعد النّاس منهم فهم أولئك الذين اعتنقوا الإسلام فوجدوا ضالّتهم، ولله الحمد والمنّة.
حاول رجال الكنيسة استرجاع النّصارى المتفلتين إلى حظيرة الكنيسة، لا حرصًا منهم على هدايتهم ولكن طمعًا في عودة نفوذهم الضّائع، ولقد فشلوا فشلاً ذريعًا في ترويج عقيدتهم والدّعاية للإيمان بأسرارها والتّبشير بألغازها؛ إذ لم تعد الخطب الرنّانة والعظات في يوم الأحد تجدي نفعًا، الأمر الذي دفع الكنيسة وسدنتها إلى ابتكار طرق عديدة واختراع أساليب أعظم إثارة وأكثر جاذبيّة؛ ففتحوا بابًا واسعًا من التّلاعب بالعقول والخداع باستخدام الحيل المختلفة.
وليست بوادر تلك التّلاعبات حديثة؛ فقد وجدت منذ البداية عندما حوّل القساوسة النّصرانيّة إلى مجموعة من المعجزات والخوارق، التي أجراها الله تعالى على يد المسيح فأضحت بذلك تلك الخوارق غاية، وليست وسيلة لإحقاق الحقّ، وفي غمار ذلك تناسى الجميع الأصل، وهو التّعليمات والتّوجيهات في العقيدة والشّريعة والأخلاق المسطرة في الإنجيل، فلا تكاد تسمع الآن تلك النّصوص الهادية، بينما كلّ حين وكلّ وقت تكرّر عليك قائمة كاملة من الخوارق كإحياء الموتى، شفاء المرضى، المشي على الماء، إطعام الآلاف بقليل السّمك والخبز… فأصبحت هذه الطّريقة الدّعائيّة رائجة، مع أنّ الله تعالى أجراها على أيدي أنبيائه للحاجة ولإقامة الحجّة، ومساندة شريعة وعقيدة واضحة سهلة خالية من التّعقيد، تتفيّأ ظلالها الربّانيّة والهداية الإلهيّة، لذلك كانت أعظم المعجزات الإسلاميّة هي بلاغة القرآن، وقوّة الحجّة والبيان بدل إحياء الموتى وإبراء المرضى.. إلاّ فيما ندر.
وبعد رفع المسيح استغلّ القساوسة هذا الأسلوب وادّعوا في كلّ مكان أنّ لهم قدرات وخوارق، ونفّذوا بعضها بطرق ملتوية، ولكن هذه الأشياء يحسنها كلّ واحد حتّى البوذيّون والهندوس وسحرة "السيرك"، وهل ذلك كافٍ ليشفع لهم أمام بساط العلم والعقل والحقيقة !!؟ بل عمد رجال الكنيسة إلى الحيل الكاذبة والخداع المموّه ومن أمثلتها:
تلفيق تمثال للعذراء مريم يدرّ اللّبن، انخدع به العديد من النّاس، وتبيّن وجود شمّاس وراء الجدار يصبّ اللّبن عبر أنبوب موصول بالثّدي!!، أو تلك الكنيسة التي زعم النّاس أنّ في المواسم تنزل نار من السّماء فتضيء الشّموع، وتبيّن كذلك أنّ المسؤولين في الكنيسة ركّبوا سلكًا مطليًّا بمواد قابلة للاشتعال يقوم الشمّاس بإشعال الفتيلة خفية عند السّاعة المطلوبة!!
وتجاوزوا في عصرنا تلك الأساليب البالية إلى استغلال الاختراعات الإلكترونيّة والتكنولوجية، لإحداث بعض الظّواهر الإعجازيّة في الكنائس ثمّ نسبتها إلى روح القدس، كما حدث في بعض الكنائس بمصر، والقصص في ذلك كثيرة اكتشفت بعضها وما يزال الكثير!، وأين كلّ هذا من التّعاليم والمبادئ السّامية والأخلاق التي جاء بها المسيح ؟!
وكان من الحيل وأساليب الجذب الأكثر استخدامًا التّنصير بوسائل غير أخلاقيّة؛ كاستغلال الفقر والجوع والمرض والجهل والعوز، فانظر – رحمك الله – إلى المنصّرين كيف يصطادون في الماء العكر؛ إذ لا توجد بقعة في العالم يعاني فيها البشر من ظروف المعيشة الصّعبة "فقر، جوع، مرض، جهل" أو يصارعون الموت في الحروب والكوارث الطّبيعيّة إلاّ ووجدت "خدّام الكلمة" يحومون حولهم، يحملون في أيديهم الدّواء والقوت والمال، وفي اليد الأخرى الإنجيل والصّليب، وتحت تلك الضّغوط القاسية والمحن الشّديدة يستسلم المساكين لأولئك المنصّرين، لا طمعًا في ملكوتهم السّماويّ، ولا في حياتهم الأبديّة ولكن طمعًا في دفع المرض وسدّ الرّمق، وهنا نتساءل هل هذه طرق ووسائل تحترم الإنسان وحقوقه، وتقدر النّفس البشريّة وتعرف الضّمير والأخلاق؟ ثمّ تفتخر بعدها الكاثوليكيّة بإنجازاتها الهائلة في أدغال إفريقيا!!؛ في حين يعظم البروتستانت "إنتاجيّتهم" المكتسبة في الأمازون وللّه في خلقه شؤون!!.
ولا حيلة "لخدّام الكلمة" المتنافسين إلاّ تلك الطّريقة؛ لأنّهم حين يتبنّون الإقناع بالبرهان والدّليل يفشلون عند أوّل وهلة ويتعثّرون في أوّل الطّريق، لأنّهم في هذا المجال خواء وبلقع وفاقد الشّيء لا يعطيه.
وأذكر قصّة سمعتها من أحد كبار المنصّرين في الشّرق الأوسط، وقد أسلم وفضح أساليب المنصّرين والإرساليّات، في محاضرة له قال: »كنت أدفع "33 " ألف جنيه مصريّ لكلّ من يتنصّر في قرى السّودان، وكان أن تنصّر أحد الذين أقعدهم الفقر والجوع مقابل ذلك المبلغ، وسافر معي في الباخرة فدخلت عليه الغرفة فجأة فوجدته يصلّي صلاة المسلمين، فقلت له كيف تصلّي هذه الصّلاة، وقـد أخذت "33 " ألف جنيه لدخول النّصرانيّة؟ فقال لي: لقد بعت لك جسدي بـ "33 " ألف جنيه أمّا روحي فهي لله والإسلام ولا يمكنني بيعها لأحد«.
وتتواتر حلقات الابتكار عند المنصرين وتزداد تفنّنًا، فكان من آخرها ولوج باب التّبشير بالفنّ والموسيقى والرّقص والنّساء، وتكاد تكون هذه الوسيلة أنجحها في استقطاب الهاربين من الكنيسة؛ فقد نظر خدّام الكلمة إلى المجتمع فألفوا النّاس يقدّسون الفنّ وتنشرح صدورهم الخاوية للغناء والموسيقى واللّهو، ووجدوا عبوديّة الجنس والهيام بالأضواء والأنوار والألوان والأصوات الصّاخبة، وباختصار كلّ مظاهر الجمال والزّينة والدّيكور .. وكلّ الملهيّات والملذّات، فقالوا في أنفسهم ولماذا لا ننقل هذه الأشياء كلّها إلى ساحة الكنائس، فلن نخسر شيئًا أكثر ممّا خسرنا، بل سنعيد مجدنا التليد ونفوذنا وغفران المسيح المصلوب، وأمّا الوسيلة لذلك فلا تزعجنا، إذا كانت النّتيجة ترضي المسيح؛ فالغاية تبرّر الوسيلة والعبرة بالمقاصد !.
وشيّدت الكنائس والكاتدرائيّات بهندسة حديثة، وأبدع المعماريّون في الدّيكور والزّخارف والأشكال والألوان.. وحلّت محلّ تلك الكنائس الموحشة، المغبّرة، المخيفة، العتيقة كنائس أشبه بالمسارح وقاعات العرض واللّهو.. جدران زجاجيّة، أضواء حمراء، وخضراء، وزرقاء.. أثاث عصريّ، ورود وأزهار، صور وتماثيل… وتقلّصت المساحة الزّمنيّة للعظات المملّة والخطب الجامدة ومُلئت الأوقات ببرامج مغرية… وبأمسيات الشّاي والكعك وحفلات التّعارف والسّهرات الموسيقيّة، وكثر المرنّمون وارتفعت أصوات التّرانيم المصحوبة بالسّنفونيّات وأحيانًا بموسيقى الجاز والبلوز والروك والهيب هوب والجوسبل، وشهد نشاط الكنيسة كثافة خلال الأسبوع كلّه لا الأحد فقط، وتعدّدت أعياد القدّيسين( ) وتنوّعت المناسبات الدّينيّة والكرنفالات، فسقط كثير من هوّاة الملهيّات في شراك خدّام الكلمة فرجع بعضهم إلى أماكن العبادة، عفوًا اللّهو !!
وصدق عليهم قول ابن القيّم – رحمه الله – في كتابه (إغاثة اللّهفان من مصائد الشّيطان): »ولمّا علمت الرّهبان والمطارنة والأساقفة، أنّ مثل هذا الدّين تنفر عنه العقول أعظم نفرة، شدّوه بالحيل والصّور في الحيطان بالذّهب والأزورد والزّنجفر والأرغل "آلة موسيقيّة " وبالأعياد المحدثة، ونحو ذلك ممّا يروج على السّفهاء وضعفاء العقول والبصائر «.
هذا كلّه يحدث داخل جدران الكنيسة أمّا المهرجانات والتجمّعات والاحتفالات والرّحلات التّرفيهيّة التي تنظّمها النّوادي الكنسيّة، والتي تجري في البرّ والخلاء فالله أعلم بما فيها من أسرار تبشيريّة لاهوتيّة مقدّسة، وهكذا التّبليغ والتّبشير وإلاّ فلا!
وهذا الإنجلوكاثوليكيّ الإنجليزيّ B. Devis يقول: » إنّ كثيرًا من النّاس أخذ يفلت من قبضة المسيحيّة ولا سيّما الجيل النّاشئ، فبدت الكنيسة عاجزة عن التصرّف مع الوضع الحالي المتأزّم فحاولت استهواء أتباعها بالبخور المعطّر والأضواء، وملابس الكهنوت الملوّنة، وبالصّلوات والتّراتيل المطوّلة للقدّيسين، وبكثير من وسائل الاستهواء«.
وعلى نفس النّغمة برز توجّه قويّ لاستغلال هذه المغريات في وسائل الإعلام التّنصيريّة، كالإذاعات ومحطّات التّلفزيّون، وأكبر دليل على ذلك تلفزيون الشّرق الأوسط التّنصيريّ، الذي يبثّ يوميًّا برامج ببراعة إعلاميّة فائقة توظّف فيها أحدث التّقنيّات الاتّصاليّة، وأشهر البرامج المبثوثة برنامج 'نادي 700' '700 CLUB ' الذي يستضيف طابورا من الممثّلين والمغنّين، والمخرجين والكتّاب ولاعبي كرة السلّة، والبيزبول "Base ball " والملاكمة وغيرهم من المشاهير، وتعرض لقطات من الألعاب والسكتشات والتّمثيليّات المحبوكة بإتقان، والموسيقى والتّرانيم، ويجري البرنامج مقابلات مع أصحاب السّوابق التّائبين بعدما عرفوا طريق الكنيسة، ومرضى السّرطان والسكّريّ والعلل الغريبة الذين شفوا منها بمعجزة يسوعيّة خارقة!! أو أولئك الذين يأتون لحكاية قصصهم العائليّة والحوادث والمصائب التي تجاوزوها أو نجوا منها بأعجوبة وببركة الإنجيل طبعًا !!
هذا باختصار شديد وصف هذه الظّاهرة الإعلاميّة الفريدة، لكن لا يفوتني أن أذكر اللّسان المعسول، وبراعة الكلام التي يمتلكها مقدّمو البرنامج "باث روبرتسون" والقسّيسة خادمة الكلمة! " تيري ميوسن" هذه المبشّرة البروتستانتيّة، التي لا يقلّ دورها عن زميليها "باث" و"بن كينشو"، بل يتجاوزه إلى تزيين المجلس والشّاشة بضحكاتها وشعرها الأشقر وأحيانًا كثيرة بساقيها "الجميلتين" عندما يرتفع الثّوب القصير فوق الرّكبة، وهي من مستلزمات أسرار التّبشير، طبعًا!، وأتساءل هل كانت هذه الثّياب المغرية التي ترتديها القسّيسة!؟ وزميلاتها في برامج التّنصير تشبه تلك التي ارتدتها سارة زوجة إبراهيم أو رفقة زوجة إسحاق أو مريم أم المسيح !؟ مع العلم أنّ ثمّة ثلاث آيات في العهد القديم و ثلاث أخرى في الجديد تدعو للتستّر وتمنع الزّينة والتبرّج، لكن من يسمع !؟، فإدخال المسلمين في النّصرانيّة هو أولى الأولويّات عندهم، وقد أشغلهم هذا العمل النّبيل عن الالتفات لأنفسهم وستر عوراتهم.!
والمرأة الآن في المجتمع الكنسيّ شبكة صيد لا مثيل لها، يجلب بها الشّباب "الضالّ" إلى الكنيسة، فلا يكاد يخلو برنامج تلفزيونيّ تنصيريّ من الشّابات الجميلات والفتيات المتغنجات، وفي الكنائس من المرنّمات المراهقات الفاتنات بألبسة وأثواب مغرية تأخذ الألباب، وتنظّم حفلات مختلطة بين الجنسين في قاعات جانبيّة داخل كلّ كنيسة، يختلط فيها الحابل بالنّابل ويترك الحبل على الغارب.
وتجد الفتيات النّصرانيّات – وأكثرهنّ من الطّالبات – الكنيسة مكانًا ملائمًا للالتقاء بالزّملاء والأصدقاء، خاصّة في مجتمعنا الشّرقيّ، الذي تخشى الفتاة فيه الخروج إلى الشّوارع والملاهي مـع صديقها، خوفًا من كلام النّاس! أمّا الشّباب فلماذا لا يـذهب إلى دار "اللّهو والعبادة "! و هو يعلم أنّ ثمّة ما يثلج صدره من جلسات ووقفات وحركات… مع الأجساد الملتهبة، والأبدان المثيرة، والابتسامات، والنّظرات… إلخ.
كنت أظنّ أنّ هذه الأمور تحدث في كنائس الغرب فقط، ولكن عندما دخلت عدّة كنائس في بلدان عربيّة شرقيّة، رأيت بعيني ما يشيب الرّأس ويحيّر العقل، دخلت يومًا كنيسة معمدانيّة في الأردن، كنت وقتها طالبًا في قسم الصّحافة، وكان عندي موعد مع القسّ فواز، فوجدت حفلة مختلطة مريبة فحاول القسّ إغرائي بالحضور والمشاركة؛ فقال: "يوجد طالبات من جامعتك" واعترضني أحد المعمدانيّين داخل الكنيسة ودعاني للدّخول في الحفلة فقلت: "لكن أنا مسلم "فقال: "نعم وأنت كذلك أخونا في الربّ " !، إنّها أساليب ميكيافيليّة لست أدري ماذا يكون ردّ فعل المسيح أو أحد حواريّيه لو سمعوا بمثلها !؟
لقد بلغ حجم اختراق العلمانيّة واللاّدينيّة الكنيسة إلى أكثر من ذلك، فيقول علي جريشة في كتابه (الإعلام والدّعوة الإسلاميّة): »وامتدّت العلمانيّة داخل الكنيسة نفسها، حتّى إنّ بعض رجال الدّين لم يجدوا بدًّا للتّرويج لبضائعهم إلاّ بالتّرويج الجنسيّ للفتيان والفتيات؛ فشرّعوا حفلات رقص تعقب الصّلوات، التي تؤدّى في الكنائس تحت رعاية رجال الدّين وتشجيعهم«.
وأنقل تجربة حيّة وواقعيّة من إحدى مقالات سيّد قطب – رحمه الله – وكتبها فور رجوعه من أمريكا، وقد كان في الأربعينات من هذا القرن مقيمًا فيها، وعضوًا في عدّة نواد كنسيّة فإليك كلامه على طوله: »إذا كانت الكنيسة مكانًا للعبادة في العالم المسيحيّ كلّه، فإنّها في أمريكا مكان لكلّ شيء إلاّ العبادة، وإنّه ليـصعب عليك أن تفرّق بينها وبين أيّ مكان آخر مـعدّ للّهو والتّسلية، أو ما يسمّونه بلغـتهم الـ Fun ومعظم قصّادها إنّما يعدّونها تقليدًا اجتماعيًّا ضروريًّا، ومكانًا للّقاء والأنس، ولتمضية وقت طيّب، وليس هذا شعور الجمهور وحده، ولكنّه كذلك شعور سدنة الكنيسة ورعاتها.
ولمعظم الكنائس ناد يتألّف من الجنسين، ويجتهد راعي كلّ كنيسة أن يلتحق بالكنيسة أكبر عدد ممكن، وبخاصّة أنّ هناك تنافسًا كبيرًا بين الكنائس المختلفة المذاهب؛ ولهذا تتسابق جميعًا في الإعلان عن نفسها بالنّشرات المكتوبة وبالأنوار الملوّنة على الأبواب والجدران للفت الأنظار، وبتقديم البرامج اللّذيذة المشوّقة لجلب الجماهير، بنفس الطّريقة التي تتبعها المتاجر ودور العرض والتّمثيل، وليس هناك من بأس في استخدام أجمل فتيات المدينة وأرشقهنّ، وأبرعهنّ في الغناء والرّقص والتّرويح، وهذه مثلاً محتويات إعلان عن حفلة كنسيّة، كانت ملصقة في قاعة اجتماع الطّلبة في إحدى الكلّيّات: "يوم الأحد أوّل أكتوبر – في السّاعة السّادسة مساء – عشاء خفيف، ألعاب سحريّة، ألغاز، مسابقات، تسلية.. ".
وليس في هذا أيّة غرابة، لأنّ راعي الكنيسة لا يحسّ أنّ عمله يختلف في شيء عن عمل مدير المسرح، أو مدير المتجر، النّجاح يعود عليه بنتائجه الطيّبة: المال والجاه، فكلّما كثر عدد الملتحقين بكنيسته عظم دخله، وزاد كذلك احترامه ونفوذه في بلده؛ لأنّ الأمريكيّ بطبيعته يؤخذ بالفخامة في الحجم أو العدد، وهي مقياسه الأوّل في الشّعور والتّقدير.
كنت ليلة في إحدى الكنائس ببلدة جريلي بولاية كولورادو – فقد كنت عضوًا في ناديها، كما كنت عضوًا في عدّة نوادٍ كنسيّة في كلّ جهة عشت فيها؛ إذ كانت هذه ناحية هامّة من نواحي المجتمع تستحقّ الدّراسة عن كثب، ومن الدّاخل – وبعد أن انتهت الخدمة اللّيليّة في الكنيسة، واشترك في التّراتيل فتية وفتيات من الأعضاء، وأدّى الآخرون الصّلاة، دلفنا من باب جانبيّ إلى ساحة الرّقص، الملاصقة لقاعة الصّلاة، يصل بينهما الباب، وصعد "الأب" إلى مكتبه وأخذ كلّ فتى بيد فتاة، وبينهم وبينهنّ أولئك الذين واللّواتي كانوا وكنّ يقومون بالتّرتيل ويقمن!.
وكانت ساحة الرّقص مضاءة بالأنوار الحمراء والصّفراء والزّرقاء، وبقليل من المصابيح البيض، وحمي الرّقص على أنغام "الجراموفون" وسالت السّاحة بالأقدام والسّيقان الفاتنة، التفت الأذرع بالخصور، والتقت الشّفاه بالصّدور.. وكان الجوّ كلّه غرامًا حينما هبط "الأب" من مكتبه، وألقى نظرة فاحصة على المكان ومن في المكان، وشجّع الجالسين والجالسات ممّن لم يشتركوا في الحلبة على أن ينهضوا فيشاركوا، وكأنّما لاحظ أنّ المصابيح البيض تفسد ذلك الجوّ "الرّومانتيكيّ" الحالم، فراح في رشاقة الأمريكانيّ وخفّته يطفئها واحدًا واحدًا، وهو يتحاشى أن يعطّل حركة الرّقص، أو يصدم زوجًا من الرّاقصين في السّاحة، وبدا المكان بالفعل أكثر "رومانتيكيّة" وغرامًا، ثمّ تقدّم إلى "الجراموفون" ليختار أغنية تناسب الجوّ، وتشجّع القاعدين والقاعدات على المشاركة فيه.
واختار.. اختار أغنية أمريكيّة مشهورة اسمها: 'But baby it is cold out side '، 'ولكنّها يا صغيرتي باردة في الخارج'، و هي تتضمّن حوارًا بين فتى وفتاة عائدين من سهرتهما، وقد احتجزها الفتى في داره، وهي تدعوه أن يطلق سراحها لتعود إلى دارها فقد أمسى الوقت، وأمّها تنتظر.. وكلّما تذرّعت بحجّة أجابها بتلك اللاّزمة: "ولكنّها يا صغيرتي باردة في الخارج! " وانتظر الأب حتّى رأى خطوات بناته وبنيه، على موسيقى تلك الأغنية المثيرة، وبدا راضيًا مغتبطًا، وغادر ساحة الرّقص إلى داره، تاركًا لهم ولهنّ إتمام هذه السّهرة اللّذيذة .. البريئة!.
وأب آخر يتحدّث إلى صاحب لي عراقي، فقد توثّقت بينهما عرى الصّداقة، فسأله عن "ماري" زميلته في الجامعة: "لم لا تحـضر الآن إلى الكنيسة؟" ويبدو أنّه لا يعنيه أن تغيب الفتيات جميعًا وتحضر "ماري "، وحين يسأله الشّابّ عن سرّ هذه اللّهفة يجيب: "إنّها جذّابة، وإنّ معظم الشبّان إنّما يحضرون وراءها! ".
ويحدّثني شابّ من شياطين الشبّان العرب الذين يدرسون في أمريكا، وكنّا نطلق عليه اسم "أبو العتاهية " – وما أدري إن كان ذلك يغضب الشّاعر القديم أو يرضيه! – فيقول لي عن فتاته – ولكلّ فتى فتاة في أمريكا – إنّها كانت تنتزع نفسها من بين أحضانه أحيانًا؛ لأنّها ذاهبة للتّرتيل في الكنيسة، وكانت إذا تأخّرت لم تنج من إشارات "الأب" وتلميحاته إلى جريرة "أبي العتاهية" في تأخيرها عن حضور الصّلاة ! هذا إذا حضرت ودها من دونه، فأمّا إذا استطاعت أن تجرّه وراءها، فلا لوم عليها ولا تثريب!.
ويقول لك هؤلاء الآباء: إنّنا لا نستطيع أن نجتذب الشّباب إلاّ بهذه الوسائل!، ولكنّ أحدًا منهم لا يسأل نفسه: وما قيمة اجتذابهم إلى الكنيسة، وهم يخوضون إليها مثل هذا الطّريق، ويقضون ساعاتهم فيه؟ أهو الذّهاب إلى الكنيسة هدف في ذاته، أم آثاره التّهذيبيّة في الشّعور والسّلوك؟، ومن وجهة نظر "الآباء" التي أوضحتها فيما سلف، مجرّد الذّهاب هو الهدف، وهو وضع لمن يعيش في أمريكا مفهوم« !.
هذا غيض من فيض، ممّا لا يمكن حصره في هذه العجالة، وتسعى الكنائس الآن إلى تفادي مناقشة المواضيع المتعلّقة بالأسرار الإلهيّة، وعدم طرحها في الكنيسة، خصوصًا على الشّباب؛ لأنّها تعلم أنّ تلك القضايا "مشكلات" تنفّرهم من الكنيسة، وتجعل الكثير منهم يعتنقون الإسلام، إذ إنّ نسبة النّصارى الذين يعتنقون الإسلام في العالم يتجاوز عشرات الآلاف كلّ سنة، أغلبهم من الشّباب والمثقّفين والجامعيّين.
شهادات نصارى اعتنقوا الإسلام


يحوي هذا الفصل شهادات مثيرة ورائعة لمجموعة من النّصارى الذين اعتنقوا الإسلام، ورضوا به عقيدة وشريعة، وكلّ واحد من هؤلاء كانت له أسبابه الخاصّة لهذا التحوّل، بيد أنّهم أجمعوا على أنّ أهمّ الأسباب التي جعلتهم ينفرون من النّصرانيّة هو عدم اقتناعهم بها؛ لأنّ الإيمان النّصرانيّ يصادم الفطرة البشريّة، ويدخل في نزاع مع العقل والمنطق، الأمر الذي قلب حياة معتنقيها إلى صراع دائم بين عقولهم وعواطفهم، هذا الصّراع الدّاخليّ أزعجهم وقضّ مضاجعهم، كيف ينامون وتقر أعينهم !؟ وهم يؤمنون بعقيدة غامضة، صعبة غير مقتنعين بها ولا مصدّقين بأسرارها التي يتلقّونها كلّ يوم "أحد" من أفواه رجال الكنيسة، والأمر ليس هيّنًا بل هو عظيم يتعلّق بحياتهم الدّنيويّة، وبعدها بمصيرهم الأبديّ، فبدأوا بالتّفكير والبحث، وإعمال العقل فاهتدوا إلى دين الإسلام، الذي أقر أعينهم ومنحهم الرّاحة النّفسيّة وسينالون الفوز في الآخرة، إن شاء الله.
وكلّهم يشهدون للإسلام: لا أسرار، ولا مستحيلات عقليّة، ولا إلغاء للعقل، ولا خرافات، ولا تجديف على الله، ولا رجال دين، ولا طاعة عمياء، ولا إتباع بدون دليل، ولا إيمان بلا تدبّر وتفكّر.
فالعقيدة الإسلاميّة واضحة وضوح الشّمس، والشّريعة جليّة للعيان، فشتّان بين النّصرانيّة والإسلام وكلّ إناء بما فيه ينضح، وتأتي هذه الشّهادات للتّمثيل لا الحصر من علماء وأطبّاء وأساتذة جامعيين وباحثين وسياسيّين بل من قساوسة ورجال دين.
1



1. محمّد فؤاد الهاشميّ
أبدأ هذا الفصل بشهادة مطوّلة لأحد الشّمامسة( ) العرب، الذين عرفوا النّصرانيّة عن كثب، ثمّ تحوّلوا إلى الإسلام؛ فقد كتب الأستاذ محمّد فؤاد الهاشميّ هذه الكلمات التي نقلتها رغم طولها من كتابه (سرّ إسلاميّ) يقـــول: » أثناء دراستي للدّين المسيحيّ، وتعمّقي في جنباته صادفتني مشاكل عقليّة متعدّدة؛ كنت في البداية أطرحها جانبًا إلى حين، ثمّ أعاود الرّجوع إليها فيكون نصيبها التّأجيل كالمرّة الأولى، وكلّ يوم تزداد المشاكل عن ذي قبل، حتّى كوّنت عندي ما يشبه العقد، وولّدت عندي اليأس من فهم تلك المشاكل المعقّدة.
بعد الدّرس كنت أخلد أحيانًا إلى نفسي؛ محاولة منّي لإيجاد الحلول للمسائل المعقّدة، وكانت توجد حلول، لكنّها حلول لا ترضي العقل ولا يستريح بها الضّمير إلاّ مؤقّتًا؛ طمعًا في أنّي يومًا ما ربّما تكون قد اتّسعت مداركي واستطعت حلّها، و لكن بعد سنوات الدّراسة الثّلاث في اللاّهوت لم أجد البياض النّاصع الذي يعتبر أساسًا للدّين، ولم أعثر على الوضوح والبساطة، الذي يجب أن تتحلّى بها العقيدة، إنّما كنت أجد بقعًا عديدة من الأصباغ ظننتها بادئ ذي بدء زينة الدّين، ولكنّي كلّما تعمّقت واستعملت العقل وذهبت بالفكر؛ أي مذهب بين الكتب والمتون والشّروح، أعود إلى النّقطة التي بدأت منها دون الخروج بأيّ جواب شاف عن أسئلة العقل المتلاحقة بغير هوادة، وشككت في عقلي، واتّهمت ملَكة فهمي بالضّعف، وأيقنت أنّ ذلك تصوّر منّي وربّما وجدت المخرج عند أساتذتي الكهنة والقساوسة والدّعاة الأكليريكيّين.
كان كلّ منهم يريد أن يظهر قدرته ومدى مساهمته في هذا الدّين، فحمّلوا الدّين ما لا يُطيق من الإضافات والتّفسيرات، ووصل الحال في بعضها إلى أن أصبحت هذه الإضافات والتّعليقات هي الأصل، والدّين ذاته في المرتبة الثّانية من حيث الأهمّيّة، ويبدو أنّ أدعياء الدّين أو محترفيه لم تعجبهم بساطته وأرادوا له أن يكون معقّدًا؛ لأنّه كلّما كان معقّدًا اتّجه النّاس إليهم يسألونهم تفسيرًا لكلّ ما يحويه من ألغاز، على أن تظلّ شوكتهم قويّة ويبقى سلطانهم راسخًا، فمن جهة المتديّنين فرضوا لهم طقوسًا، ورسموا طرقًا، وابتدعوا احتفالات، وصمّموا ملابس، وألّفوا ترانيم وصلوات، وتفنّنوا في خزعبلات، واستغلّوا مجريات الأمور لأنفسهم فجعلوا مصائر النّاس في أيديهم؛ ليظلّوا المهيمنين عليهم والمرشدين لهم.
أمّا من جهة خالقهم فأرادوا أن يزيدوا في درجة احترامه سبحانه وتعالى، فابتدعوا له مؤنسًا في وحدته زوجة ثمّ ابنًا، ثمّ قالوا عن الابن: إنّه هو الإله ثمّ احتاروا فقسّموا بين الأب والابن السّلطات ورسموا لهما الأقانيم، ممّا سبق لم أجد جواب الأساتذة إلاّ كجواب الكتب أو أشدّ تعقيدًا، وعسير على العقل المتحرّر أن يقبل أجوبة على علّتها، كما قال بعضهم قولتهم المشهورة: " أدّ الطّقوس التي تعلّمتها كما تعلّمتها ولا تتعب عقلك، فقد تعب قبلك كثيرون و باءوا بالخسران المبين، وطُردوا من ملكوت السّموات".
من هنا بدأ شكّي وفقدت الثّقة واستولى علي عدم الإيمان، فيما أدرس لا فيما أدين؛ لأنّ المسيحيّة دين سماويّ أتى به المسيح، وبشّر به من سبقه من الأنبياء واعترف به من بعده، ولذا بدأت أبحث وأنقّب مصمّمًا على أن لا ألغي عقلي لأنّه عسير على العقل الواعيّ أن يأخذ الأمور على علالتها، كما أنّه من العسير على إنسان وُهب شيئًا من حرّيّة الفكر أن يصمّ أذنيه عن النّداء المنبعث من وحي العقل والضّمير، واثقًا أنّي لن أطرد من ملكوت، بل هدفي أن أدخل الملكوت ومن سار على الدّرب وصل، ومن جدّ وجد؛ لأنّه من العبث ألاّ يبحث أيّ إنسان أمر دينه حتّى يؤمن إيمانًا صحيحًا، أو يترك ما لم يستطع عقله وعقول أساتذته إلى ما يفهمه العامّة، قبل الخاصّة حتّى يستريح الضّمير، ويكون ذلك دين القيمة، وإلى القارئ أقدّم بحثي الذي انتهى بي إلى الإيمان بدين القيمة – الإسلام -«.
2. حسين رؤوف (إنجلترا) Hussain Rofe
» … دفعتني فطرتي إلى البحث عن دين يروي غليلي فلسفيًّا واجتماعيًّا، فلم يكن منّي إلاّ أن قرّرت أن أفحص بدقّة كلّ الدّيانات الرّئيسيّة المعروفة في العالم… نشأت في ظلّ تقليد الكنيسة الإنجليزيّة.. وبدأت في سنّ مبكّرة أعقد المقارنات بين العقائد والطّقوس في كلٍّ من اليهوديّة والمسيحيّة، ودفعتني فطرتي إلى رفض عقيدتيْ تجسيد الإله وتكفيره لذنوب البشر، كما أنّ عقلي لم يستطع قبول تعدّد الأناجيل ونصوصها، أو الإيمان بعقيدة لا ترتكز على منطق العقل، كما هي التّقاليد المرعية في الكنيسة الإنجليزيّة.
ورغم أنّني كنت أشهد الصّلوات المسيحيّة في الكنيسة الإنجليزيّة، كما أحضرها في الكنيس اليهوديّ، وأشارك في كليهما، إلاّ أنّني في الواقع لم أكن أدين بأيّ من الدّيانتين ورأيت في الكاثوليكيّة الرّومانيّة كثيرًا من الغموض، ومن الخضوع لسلطة البشر، وأنّها تصمّ البشريّة بالنّقص بعكس ما تنسبه إلى البابا وأتباعه من تقديس يكاد يرقى بهم إلى شبه الألوهيّة«.


3. سيسيليا محمودة كانولي (أستراليا) Cecilia Mahmuda Canoolly
»لماذا أسلمت؟ أوّلاً وقبل كلّ شيء، أودّ أن أقول إنّني أسلمت لأنّني كنت في قرارة نفسي مسلمة دون أن أعلم ذلك من حداثة سنّي؛ كنت قد فقدت الإيمان بالمسيحيّة لأسباب كثيرة أهمّها: أنّني ما سألت مسيحيًّا سواء كان ممّن يقال عنهم رجال الكهنوت والأسرار المقدّسة، أو من العامّة، عن أيّ شيء يبدو لي غامضًا في تعاليم الكنيسة، إلاّ تلقّيت الجواب التّقليديّ: "ليس لك أن تناقشي تعاليم الكنيسة، ويجب أن تؤمني بها فقط"، وفي ذلك الوقت لم تكن عندي الشّجاعة الكافية لأقول لهم: "إنّني لا أستطيع الإيمان بشيء لا أعقله".
وتعلّمت من خلال تجاربي أنّ غالبيّة الذين يسمّون أنفسهم مسيحيّين لا يجدون هذه الشّجاعة كذلك… كان كلّ ما فعلته أنّي هجرت الكنيسة "الرّومانيّة الكاثوليكيّة" وتعاليمها، وركّزت إيماني في الإله الواحد الحقّ؛ لأنّ الإيمان به أيسر على النّفس من الإيمان بثلاثة آلهة كما تقول الكنيسة، وعلى النّقيض من التّعاليم الكنسيّة الغامضة البعيدة عن الإدراك، بدأت أرى الحياة أوسع وأرحب طليقة من الطّقوس والفلسفات، فكنت حيثما وجّهت وجهي أجد آيات الله… حتّى الطفل الوليد، أصبحت أحسّ أنّه معجزة رائعة جميلة، وليس كما كانت الكنيسة تصوّره لنا، تذكّرت كيف أنّني في صغري إذا نظرت إلى طفل حديث الولادة تصوّرته "مغطّى بسواد الخطيئة الموروثة"، أمّا الآن فلم يعد للقبح مكان في خيالي، بل لقد أصبح كلّ شيء أمامي جميلاً، وهنا أيضًا تهتّكت الأستار التي كانت تحد ما بيني وبين الإسلام، فما خطر لي من سؤال إلاّ كنت أتلقّى عنه الجواب المقنع الدّقيق، على النّقيض تمامًا من ذلك الهراء، الذي كنت أسمعه حينما كنت أناقش المسيحيّة «.
4. محمّد ألكسندر راسيل (الولايات المتّحدة) Mohamed Alexander Russel
(كنت لحسن حظّي ذا عقليّة فاحصة، أميل إلى أن أتحرّى الأمور، وأن أجد لكلّ شيء علّة وسببًا، ووجدت أنّ النّاس بين علمانيّين، ورجال دين – المسيحيّ – عجزوا عن إقناعي بوسائل عقليّة ومنطقيّة بحقيقة هذه العقيدة، ولكن كلا الفريقين كانوا يقولون: إنّ هذه أمور غامضة وخفيّة، أو يقولون إنّها مسائل فوق مستوى إدراكي، وأودّ أن أقرّر هنا بأنّني عندما كنت صبيًّا كانت تنقصني الحماسة الدّينيّة، التي تبدو على كثير من الصّبيان بالفطرة، ولمّا بلغت العشرين عامًا وأصبحت حر التصرّف في نفسي، ضاق صدري بجمود الكنيسة وكآبتها فهجرتها إلى غير رجعة«.





5. عبد الله أرشبالد هاملتون (إنجلترا) Abdullah Archibal Hamilton رجل دولة و بارون
» ما كدت أبلغ سنّ الإدراك والتّمييز، حتّى راود قلبي جمال الإسلام وبساطته ونقاؤه، ورغم أنّني وُلدت ونشأت مسيحيًّا، فإنّني لم أستطع مطلقًا أن أؤمن بالعقائد التي تسلّم بها الكنيسة وتفرضها، وكنت دائمًا أجعل العقل والإدراك فوق الإيمان الأعمى، ومع مرور الزّمن أردت أن أحيا وفق مشيئة خالقي، لكنّني وجدت كلاّ من كنيسة روما والكنيسة الإنجليزيّة لا يقدّمان لي ما يروي غليلي، وما كان اعتناقي للإسلام إلاّ تلبية لنداء ضميري، ومنذ تلك اللّحظة بدأت أشعر أنّني أصبحت أقرب إلى الإنسانيّة الصّحيحة«.
6. ديفيس وارنجتون – فراي (أستراليا) Devis Warrington – Fry
» حقًّا لقد انساب الإسلام في نفسي انسياب الرّبيع المشرق إلى الأرض الباردة في أعقاب شتاء مظلم، فأشاع الدّفء في روحي، وغمرني بما في تعاليمه من روعة وجمال، وكم فيها من روعة وكم فيها من جمال، كم فيها من وضوح في بنائها المنطقيّ الرّصين: "لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله". أيمكن أن يكون هناك ما هو أسمى من ذلك وأنقى؟ أين هذا من غموض عقيدة "الأب والابن والرّوح القدس"، التي قد تشيع الرّهبة في القلوب، ولكنّها لا تكاد تقنع العقل الواعي«.
7. جلال الدّين لودر برنتون (إنجلترا) Jalaluddin Louder Brunton رجل دولة وبارون
»يقولون: إنّ العقائد المسيحيّة تستند إلى الإنجيل ولكنّني وجدتها متنافرة، متضاربة، فهل من الممكن أن يكون الإنجيل وتعاليم المسيح قد أصابها التّحريف؟ عدت ثانيًا إلى الإنجيل أوليه دراسة دقيقة، فشعرت أنّ هناك نقصًا لم أستطع تحديده«.
8. إبراهيم فو (الملايو) Ibrahim Voo
» قبل إسلامي كنت كاثوليكيًّا رومانيًّا، ومع أنّي لم أكن مقتنعًا بعقائد التّثليث والعشاء الربّانيّ المقدّس والتّكريس والتّقديس وما إلى ذلك من الأمور الغامضة، إلاّ أنّني لم أفقد إيماني بالله، ولم يكن في استطاعة أي قسّيس كاثوليكيّ أن يقنعني منطقيًّا بهذه العقائد الغامضة وكان قولهم التّقليديّ: "إنّها أسرار وستبقى أسرارًا، إنّ عيسى هو خاتم الأنبياء، وما محمّد إلاّ دجّالاً".
لقد تضاءل إيماني بذلك الدّين، إلى أن خالطت كثيرين من مسلمي الملايو، وتحدّثت معهم عن الدّين، وكان الجدل يحتدم بيننا في بعض الأحيان، وبمرور الزّمن ازداد اقتناعي بأنّ الإسلام هو دين العقل والحقّ، العبادة فيه لله دون سواه، فلا ترى في المساجد صورًا أو تماثيل أو لوحات«.
9. ت. هـ. مكباركلي (أيرلندة) T.H. Mc Barklie
نشأت على المذهب البروتستانتي، وكنت منذ حداثة سنّي غير مقتنع بالتّعاليم المسيحيّة، فلمّا انتهيت من المدرسة والتحقت بالجامعة، أضحى هذا الشكّ يقينًا، فالكنيسة المسيحيّة – كما رأيتها – لم تكن تعني عندي شيئًا مذكورًا، وكنت في حالة يأس من أن أجد عقيدة قائمة تتضمّن كلّ ما كنت أتصوّره من مقوّمات، ولقد ذهلت للوهلة الأولى عند مقارنة التّسامح الإسلاميّ بتعصّب المذاهب المسيحيّة، وعلمت أنّ البلاد الإسلاميّة في العصور الوسطى كانت مشرقة بالعلم والحضارة، في الوقت الذي كان الجهل مطبقًا والخرافات سائدة في غيرها من البلاد، كما أقنعتني نظريّة الإسلام المنطقيّة في الجزاء بعكس نظريّة الفداء في المسيحيّة«.




10. توماس ارفنج (كندا) Thomas Irving
»عندما كنت في السّنة الأولى في دراسات الآداب الشّرقيّة، قرأت عن تطوّر الفكر البشريّ في محاولاته لمعرفة الله، وقد تبلورت رسالة المسيح في تصويره بأنّه ربّ ودود، لكنّ هذا التصوّر يضيع وسط سحب من صلوات غير مفهومة وطقوس وثنيّة، وتختفي صفات الرّحمة والجود وراء تصويره في ذات الوقت ربًّا متعاليًا لا يمكن الوصول إليه إلاّ من خلال وسيط شفيع«.
11. مسعودة ستينمان (إنجلترا) Massudah Steinman
»لا أعرف دينًا آخر – غير الإسلام – يقبله العقل ويجذب النّاس إليه، وله من المؤمنين به مثل هذه الجموع الضّخمة، ويبدو لي أنّه ما من طريق أقرب منه إلى الاقتناع العقليّ والرضا في الحياة، ولا أعظم منه أملاً للنّجاة في الحياة الآخرة… والمسيحيّة تولي جلّ اهتمامها للجانب الرّوحيّ من الحياة، فتدعو إلى نوع من المحبّة يثقل كاهل المسيحيّ بالمسؤوليّات، ودعوى المحبّة مقضي عليها بالفشل، إذ كان الوصول إليها خارجًا عن حدود طبيعة البشر، وتتعارض مع إدراكه ومفاهيمه، ولا يستطيع أحد أن يداني ذلك المستوى المثاليّ للمحبّة، كما تدعو إليه المسيحيّة إلاّ أن يؤتى حظًّا موفورًا من معرفة النّوازع البشريّة المتباينة، وأن يتّصف مع هذه المعرفة بالعطف والإدراك السّليم، مع الشّعور بالمسؤوليّة، وحتّى في هذه الحالة، فإنّ على مثل هذا الإنسان أن يتخلّى عن عقله في سبيل هذه المحبّة.
ويقول س.ت. كوليردج S.T. Coleridge في كتابه (Aids reflection): "إنّ الذي يبدأ بحبّ المسيحيّة أكثر من حبّه للحقّ سيقوده ذلك إلى حبّ طائفته أو كنيسته أكثر من حبّه للمسيحيّة، ثمّ ينتهي به الأمر إلى حبّ نفسه أكثر من أيّ شيء آخر"، وفي ذات الوقت يدعونا إلى تقديس الله، وأن نخضع لشريعته، ويشجّعنا على استعمال العقل مع مراعاة عواطف الحبّ، والتّفاهم جنبًا إلى جنب..«.
12. هـ. ف. فيلوز (إنجلترا) H. F. Fellowes
»كنت دائمًا أتصوّر الربّ هاديًا للبشر، ومتّصفًا بالعفو والرّحمة والعدل، وعلى هذا يستطيع الإنسان أن يطمئنّ إلى عدالة حسابه وإلى رحمته ومراعاة ظروفه المحيطة به… أنت مسؤول في حياتك عن أعمالك وسلوكك شخصيًّا، فإذا كنت تعمل محاسبًا ودلّست في حسابات مخدومك، فإنّ مكانك إلى السّجن لا محالة، وإذا كنت تقود سيّارة بسرعة زائدة في طريق منعرج منزلق فإنّك لا شكّ معرّض للحوادث، هذه أخطاؤك أنت وأنت الذي ارتكبتها، ومن الجبن أن تلقي بالمسؤوليّة على الآخرين، ولا أعتقد أنّنا ولدنا آثمين تعساء، فهذا ينافي العاطفة النقيّة نحو الأطفال الأبرياء، لقد علّمتني الأيّام أنّ من طبيعة البشر إدخال السّرور إلى قلوب الآخرين ما لم يكن الآخرون من الأشرار، وعلى هذا القياس، نرى أنّ عقيدة تحمّل المسيح خطايا البشر، عقيدة مضطربة لا تقبلها العقول.
لقد بدأنا نقرأ في الصّحف في الآونة الأخيرة أقوالاً لفلاسفة وكتّاب، مؤدّاها أنّ الأديان الحالية أصبحت عتيقة بالية، وأعتقد أنّ هذه الأقوال تعكس على مرآتها مدى تشكّك الغربيّين وارتيابهم في المفاهيم المعقّدة والغامضة في الدّين المسيحيّ، وهؤلاء الذين ينادون – في زعمهم – إلى الإصلاح والتّجديد إنّما يقعون في الخطأ نفسه، الذي وقع فيه قبلهم مارتن لوثر لأنّ الإسلام، وهو الدّين الذي يحقّق كلّ هذه الرّغبات في الإصلاح قائم فعلاً بين أيدينا«.
13. أمينة موسلر (ألمانيا) Amina Mosler
»سمعت ولدي يتوسّل إليّ وفي عينيه دموع: "يا أمّي لا أريد أن أبقى مسيحيًّا بعد الآن، إنّني أريد أن أكون مسلمًا، وأنت أيضًا يا أمّي، يجب أن تنضمّي معي إلى هذا الدّين الجديد"، فما لبثت أن اقتنعت أنّ الإسلام هو الدّين الحقّ الذي أرتضيه، كان الإيمان بالثّالوث الذي تدعو إليه المسيحيّة أمرًا مستحيلاً بالنّسبة لي، حتّى عندما كنت شابّة في العشرين من عمري، وبعد دراسة الإسلام رأيتني أيضًا لا أقرّ بالاعتراف ولا تقديس البابا، أو الاعتراف بسلطاته العليا، ولا عمليّة التّعميد المسيحيّة وما شاكل ذلك من عقائد«.
14. إيفلين زينب كوبولد (إنجلترا) Evelyn Zeinab Cobbold
»كثيرًا ما سُئلت: متى ولماذا أسلمت؟… وقد صدق أحد علماء الغرب إذ يقول "الإسلام دين العقل والفطرة"، وكلّما زادت دراستي وقراءتي عن الإسلام، زاد يقيني في تميّزه عن الأديان الأخرى، بأنّه أكثرها ملاءمة للحياة العمليّة، وأقدرها على حلّ مشكلات العالم العديدة والمعضلة، وعلى أنّ يسلك بالبشريّة سبل السّعادة والسّلام، لهذا لم أتردّد في الإيمان بأنّ الله واحد، وبأنّ موسى وعيسى ومحمّدًا – عليهم صلوات الله – ومن سبقهم كانوا أنبياء أوحي إليهم من ربّهم، لكلّ أمّة رسول، وبأنّنا لم نولد في الخطيئة، وبأنّنا لا نحتاج إلى من يحمل عنّا خطايانا، أو يتوسّط بيننا وبين الله، وفي وسعنا أن نصل أرواحنا به في أيّ وقت نشاء، وبأنّه حتّى محمّد أو عيسى – صلوات الله عليهما – لا يملك أحدهما لنا من الله شيئًا، وبأنّ نجاتنا إنّما هي وقف على سلوكنا وأعمالنا …والإسلام يقوم على وحدانيّة الله وليس على اللاّهوتيّة المعقّدة الثّقيلة، وفي مقدّمة كلّ مميّزاته أنه عقيدة إيجابيّة دافعة«.
15. إسماعيل ويسلو زيجريسكي (بولندا) Ismail Weislaw Zejerski عالم اجتماع
»عندما كنت مراهقًا في السّادسة عشرة من عمري كنت كثير الرّيب في العقائد المختلفة، التي تدعو إليها الكنيسة الرّومانيّة الكاثوليكيّة "التي لا تخطئ" فلم يكن في استطاعتي أن أؤمن بالثّالوث المقدّس، ولا بتحويل القربان إلى لحم ودم المسيح، ولا في وساطة القساوسة بين النّاس والله، أو بين الله والنّاس، ولا في تنزيه البابا عن الخطايا، ولا في فاعليّة الكلمات والإشارات التي يؤدّيها القساوسة في الكنيسة.
لم أكن أستسيغ عبادة السيّدة مريم أو القدّيسين أو التّماثيل والصّور والآثار وما إليها، وانتهى بي الأمر إلى إنكار ما كنت أؤمن به، وإلى عدم الاكتراث بأمور الدّين، بيْد أنّ الإنسان في عصرنا هذا لا يمكنه بأيّ حال أن يؤمن بدين كلّ عقائده وطقوسه تأباها عقول المفكّرين، وأدركت كذلك أنّ الدّين الذي يقدّم للبشريّة تشريعًا كاملاً وشاملاً وينظّم حياة الفرد و حياة الجماعة هو وحده القادر على أن يقود البشريّة ويهديها سواء السّبيل، وأخيرًا اكتشفت الإسلام«.
16. ج.و. لوفجروف (إنجلترا) J.W. Lovegrove
»لا نعلم إلاّ القليل النّادر عن الدّيانات الأخرى، من حيث تعاليمها الأصليّة؛ إذ لم يصلنا عنها إلاّ روايات متناثرة تضمّ قليلاً من المبادئ الأخلاقيّة، وهي مبادئ أصليّة لا يصحّ الاعتراض عليها، وسيرة أصحاب هذه الرّسالات يكتنفها كثير من الغموض، ممّا لا يساعدنا على استقراء تعاليمهم، على ضوء أعمالهم و تصرّفاتهم… كنت أبحث عن دين عملي بسيط، وخال من الفلسفات المعقّدة ويقنعني دون إلغاء عقلي، أنّ أداء حقّ الله هو ولا شـــكّ – يجب أن يكون – الهدف الأوّل لجميع الأديان، ولكنّ الإسلام هو الذي وضع هذا المبدأ موضع التّطبيق العمليّ «.
17. محمود جونار إيركسون (السّويد) Mahmud Gunnar Erikson
» إنّ ما أعجبني في الإسلام – وما زال يعجبني – هو أسلوبه المنطقيّ، فلا يطلب إليك الإيمان بشيء قبل أن تدركه وتعرف أسبابه، وناحية أخرى في الإسلام أعجبتني، هي عالميّته، فالقرآن الكريم لا يحدّثنا عن الله على أنّه ربّ العرب، أو أي شعب بذاته بين الشّعوب كلاّ، بل وليس على أنّه ربّ هذه الدّنيا، ولكن على أنّه ربّ العالمين، بينما تتحدّث الكتب السّابقة عن إله بني إسرائيل( ) «.
18. مافيز. ب. جولي (إنجلترا) Mavis. B. Jolly
»كان مولدي في بيئة مسيحيّة، وتعميدي في الكنيسة الإنجليزيّة، ثمّ التحقت بمدرسة تابعة للكنيسة، وقرأت في سنّ مبكّرة قصّة المسيح، كما جاءت في الإنجيل.. وأعتقد أنّني كنت في تلك السّنوات القليلة، مسيحيّة متحمّسة، ومع تقدّمي في الدّراسة واستمرار اتّصالي بالإنجيل وكلّ ما يتعلّق بالمسيحيّة اتّسعت أمامي فرصة التّفكير فيما قرأت وشاهدت وفيما مارست من عبادة وعقيدة، وسرعان ما وجدتني أمام أشياء كثيرة لا أستطيع الاقتناع بها، وما إن وصلت إلى نهاية هذه المرحلة الدّراسيّة حتّى أصبحت ملحدة لا أؤمن بالدّين ثمّ شرعت أدرس الأديان الرّئيسيّة الأخرى في العالم، "اليهوديّة والبوذيّة ثمّ الإسلام"، ومن ثمّ بدأت نفسي تطمئنّ إلى الحقّ الذي جاءت به تعاليم الإسلام فأعلنت إيماني به واعتناقي إيّاه، ليس عن عاطفة خاطفة مؤقّتة إلى حين، إنّما عن اقتناع كامل ودراسة واعية طويلة وتفكير دائب قرابة عامين، ولم أجد أمامي إلاّ أن أسلك هذا السّبيل، طارحة كلّ العواطف الأخرى التي كانت تشدّني إلى الطّريق المضاد«.
19. علي سلمان بنوا (فرنسا) Ali Selman Benoit طبيب
»أنا دكتور في الطبّ وأنتمي إلى أسرة فرنسيّة كاثوليكيّة، وقد كان اختياري لهذه المهنة أثره في انطباعي بطابع الثّقافة العلميّة البحتة، وهي لا تؤهّلني كثيرًا للنّاحية الرّوحيّة، ولا يعني هذا أنّني لم أكن أعتقد في وجود إله، إلاّ أنّني أقصد أنّ الطّقوس الدّينيّة المسيحيّة عمومًا والكاثوليكيّة بصفة خاصّة، لم تكن تبعث في نفسي الإحساس بوجوده، وعلى ذلك فقد كان شعوري الفطريّ بوحدانيّة الله يحول بيني وبين الإيمان بعقيدة التّثليث، وبالتّالي بعقيدة تأليه عيسى المسيح؛ لهذا فإنّني أعتبر أنّ الإيمان بعالم الغيب وما وراء المادّة هو الذي جعلني أدين بالإسلام، على أنّ هناك أسبابًا أخرى حفّزتني لذلك أيضًا، منها مثلاً، أنّني كنت لا أستسيغ دعوى القساوسة الكاثوليك أنّ من سلطانهم مغفرة ذنوب البشر نيابة عن الله، ومنها أنّني لا أصدّق مطلقًا ذلك الطّقس الكاثوليكيّ عن العشاء الربّاني والخبز المقدّس، الذي يمثّل جسد المسيح عيسى، ذلك الطقس الطّوطميّ الذي يماثل ما كانت تؤمن به العصور الأولى البدائيّة، حيث كانوا يتّخذون لهم شعارًا مقدّسًا يحرم عليهم الاقتراب منه ثمّ يلتهمون جسد هذا الطقس بعد موته حتّى تسري فيهم روحه«.
20. مؤمن عبد الرزّاق صلاح (سيلان) Mumin Abdul – Razzaque Salah
»أشعر بمحبّة الإسلام، لما لمست فيه من استقامة نبيلة وخلّوه من الغموض، إنّه دين النّظافة واليسر.. قرأت شيئًا من سور القرآن الكريم، فإذا العجب يتملّكني، كنت فيما مضى أرى أنّه لا شيء يداني الإنجيل، فإذا بي أراني كنت على خطأ عظيم، ليس من شكّ في أنّ القرآن الكريم يشعّ فيه الحقّ، وأنّ تعاليمه إيجابيّة عمليّة، وخالية من الطّقوس والعقائد الغامضة… وقد أقنعني بالإسلام فوق ذلك خلّوه من التّعقيدات فهو مثاليّ وعمليّ، وهو دين العقل والقدرة على التطوّر، وهو كذلك مثاليّ في عقيدة وحدانية الله وفي نواحيه الرّوحيّة، وبهذا فهو الدّين الوحيد الذي تصلح به البشريّة جميعًا؛ لأنّه عمليّ في نظريّاته ومعتقداته، ولأنّه منطقيّ ومتجدّد تجدّد الحياة«.
21. عبد الله يومورا (اليابان) Abdulah Uemura
»كنت أبحث عن الحقيقة فوجدت ضالّتي في الإسلام، أما المسيحيّة أو بالأحرى أناجيلها – بوضعها الرّاهن – فليست على نفس نقائها الذي نزلت عليه من عند الله، بل تعرّضت للتّبديل مرّة تلو أخرى… وأكثر الأمور ارتباكًا في المسيحيّة هي عقيدة التّثليث التي يجب الإيمان بها دون إدراك ماهيّتها؛ لأنّها ليس لها تفسير تقبله العقول.
ومن المستغرب – إلى جوار ذلك – أن نسمع أنّ جزاء الآثمين هو الموت الأبديّ، ويدخل في ذلك غير المسيحيّين بطبيعة الحال؛ لأنّهم في نظر المسيحيّة الآثمون بعدم إيمانهم بتعاليمها، ولو أنّ الآثمين اقتنعوا بأبديّة موتهم لكان ردّ الفعل الطّبيعيّ عندهم أن ينغمسوا في رذائلهم، وملذّاتهم إمعانًا في إرضاء شهواتهم، قبل انتهاء أجلهم، لأنّ الموت في نظرهم هو نهاية النّهاية«.
هذه بعض الشّهادات التي اخترتها، والتي دار حديث أصحابها في معظمه حول النّصرانيّة ومصادمتها للعقل والمنطق، واقتناعهم بالإسلام الواضح والخالي من جميع التّعقيدات والمستحيلات العقليّة، وقد وردت أكثر التّصريحات التي نقلتها في الكتب والمقالات والمقابلات التي كتبها أصحاب هذه الشّهادات، وجُمع بعضها في كتاب (لماذا أسلمنا؟).
فهل تسير على هدي هؤلاء الذين نجوا من الضّلال والحيرة، أم أنّك تصرّ على إلغاء عقلك وتعيش بين الإيمان والإلحاد حائرًا، شاكًّا، إلى أن يدركك الموت؟.
خـــاتمة

ثمّة قضيّة أرى من الضّروريّ التّنبيه عليها في هذه الخاتمة، وهي أنّ رجال الدّين النّصارى كثيرًا ما يقولون عقب حديثهم عن الثّالوث والخطيئة والكفّارة وموت الإله وقيامته وصلبه.. إنّها حقائق لا يستطيع العقل البشريّ إدراكها، لأنّها تتجاوز قدرته على ذلك، وعدم إدراكه لها لا ينفي صحّتها وصدقها!
وهذا المنطق الكنسيّ لا يستقيم؛ إذ يجب التّفريق بين "ما لا يدركه العقل"، و"ما لا يقبله العقل"، وهما أمران مختلفان تمامًا، فإذا كنّا نسلّم أنّ العقل البشريّ محدود فإنّه لا يكفر بما هو غير مدرك وغير ممتنع عقلاً، فمثلاً قد نؤمن بوجود ملائكة أو جنّة أو نار مع أنّنا لا ندركها بحواسّنا وعقولنا، والسّبب أنّ تلك الأمور ممّا لا يمتنع وجوده، فهو يدخل في باب الجائز عقلاً وشرعًا، لكن هل ينطبق ذلك على عقائد غيبيّة غير مدركة وممتنعة عقلاً وشرعًا كتلك التي تقول إنّ الإله مات ! أو أنّه واحد وثلاث ! أو إنّ الله يلعن البشريّة جميعًا لذنب لم تقترفه، أو إنّ اليهود صلبوا أحد الأقانيم، أو إنّ الربّ القاهر تلقّى اللّكمات والبصقات والإهانات!!
لا شكّ أنّ هذا كلّه ممتنع في العقول، لأنّ تلك العقول لها منطق يقرّر أنّ الله واحد، عادل، عظيم، قاهر، قويّ، جبّار… لا يصلح ولا يمكن ولا ينبغي ومن المستحيل أن يهان أو يقتل أو يسفك دمه على أيد رخيصة، فالمنطق العقليّ قد يقبل ما هو جائز حدوثه في عالم الغيبيّات، لكنّه يمتنع عن التّصديق بالممنوع حدوثه، وذلك المنطق العقليّ السّليم مغروز في فطرة كلّ إنسان.
ثمّ إنّ الزّعم بأنّ الشّرع لا يفهم بالعقل بل بالتّسليم له دون إعمال العقل لإدراكه والوصول إلى مراد الله به، زعم باطل، لأنّ الله لا يكلّف النّاس الإيمان بما هو خارج عمّا يقدر العقل على استيعابه، والله لا يكلّف النّفس إلاّ وسعها، والتّكليف مناط بالاستطاعة سواء كان التّكليف بالعبادات البدنيّة أو الرّوحيّة أو العقليّة.
كما أنّ الله لا يكلّف الإنسان صيام الشّهور دون إفطار، أو القيام والصّلاة دون نوم ولا انقطاع لعدم قدرة البشر على تحمل ذلك، فمن باب أولى أنّه لا يكلّفه التّصديق بما لا يصدّق أو الاعتقاد بما لا يدخل في دائرة التصوّر والخيال فضلاً عن دائرة الوجود والواقع، خصوصًا إذا كان ما أمر الإيمان به يناقض الكتب السّماويّة والمراجع الدّينيّة.
أمّا الذين يتبعون الهوى بعد كلّ هذا، ويصرّون على إلغاء عقولهم فكأنّما يتراجعون إلى مستويات أدنى من الإنسانيّة، ولننظر إلى حكمة الله في إسقاط التّكليف عن المجنون والنّائم والصبيّ الصّغير… إنّ هؤلاء جميعًا – وبالأخصّ المجنون – لا يملكون أدوات التلقّي التي يستقبلون بها رسالة الله المتمثّلة في تعاليمه، ومن – ثمّ بلا شكّ – لا يستطيعون إدراكها وفهمها والعمل بمقتضاها، ولذلك انتفى عنهم التّكليف لانتفاء العقل كلّيًّا أو جزئيًّا، وحين يلغي العاقل عقله، فكأنّما يخرج نفسه من زمرة العقلاء إلى زمرة غير العقلاء من أمثال المجانين والمهابيل والصّبيان الرضّع!!.
والذي يجب معرفته وعدم الغفلة عنه، هو أنّ الأديان السّماويّة جميعها اتّفقت على تمجيد العلم والإعلاء من شأنه، ودعوة الأديان إلى العلم والحرص على تحصيله يتنافى مع الأسرار والألغاز؛ فليس من المقبول الآن أن يدّعي القساوسة – أدعياء العلم – أنّ الجهل هو السّبيل الوحيد لدرء الهلاك الأبديّ عن البشر.
وها هو الإسلام يرفع من قيمة العلم والعلماء ومن الفكر والمفكّرين، ويجعل التأمّل في النّفس والكون والتّاريخ وملكوت الله عبادة يؤجر عليها الأفراد، وكم هي كثيرة مصطلحات العلم ومشتقّاته في القرآن الكريم، وما أكثر مفاهيم البحث والنّظر "يعقلون، يتدبّرون، ينظرون، يتفكّرون، يفقهون… إلخ"، فشتّان بين دين يدعو إلى احترام العلم والعمليّات العقليّة، ودين يقتل الفكر ويرفع شعار "الجهالة أم التّقوى" و"الغباوة أم اليقين".
لا شكّ أنّك أيّها القارئ الفطن، لاحظت فيما قرأت في هذا الكتيّب المتواضع جدًّا، كثرة النّقول من الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد، ووفرة الاقتباسات من الأدبيّات الغربيّة، والعديد من تلك الأدبيّات يرجع أصلها إلى كٌتّاب نصارى، أو ممّن خبروها وتخلّوا عنها، وإنّ هذا المسلك الذي تبنيّته في إقامة الحجّة ينطبق تمامًا على قول المسيح : (من فمك أدينك)، فلم أعتمد في دراستي على القرآن الكريم أو أركن لرأي علماء الإسلام إلاّ على سبيل الاستئناس، لا الاعتضاد والاستدلال، توخيًّا للموضوعيّة وابتعادًا عن الذّاتيّة، وهذا المنهج في عرض الحقائق لا يدع مجالاً للقارئ النّصرانيّ الموضوعي أن يتهرب أو يُغمض عينيه أمام هذا الكم الهائل من الأدلّة والبراهين، أو على الأقلّ التّساؤلات والإشكاليّات المطروحة في ثنايا هذا البحث، والتي تثبت بالنّقل والعقل أنّ الأناجيل الحاليّة و النّصرانيّة المعاصرة، التي يدعو إليها المبشّرون ويتحمّس لها المنصّرون، لا تتّفق مع الدّين الصّحيح الذي أُنزل على المسيح  قبل ألفي عام.
إنّ كلّ ما في الأمر أنّ عقائد النّصرانيّة من تثليث، وخطيئة، وكفّارة، وصلب الإله، وقيامته...، هي من اختلاق الوثنيّين الأوائل الذين دخلوا في النّصرانيّة - أمثال بولس - وما لبثت أن قاومتها عقول البشر وفطر النّاس، لكن تدخّل أباطرة الرّومان وكيد المنافقين جعلها المنتصرة على الحقّ إلى أن ظهر الإسلام فكشف زيفها وفضح انحرافها واعوجاجها، فلله الحمد والمنّة.
ونعود ونقول بعد هذا، لم يعد مقبولاً لدى كلّ من يفكّر أو يعقل، القول بأنّ النّصرانيّة - بما تتضمّنه من عقائد لا تمّت إلى الحقّ والصّواب والمنطق بصلة - ديانة موحى بها من الله، ولا يمكن البتّة الإيمان بدين 99% منه أسرار وألغاز؛ لأنّ الدّين أيًّا كان يجب أن يكون – بل محكوم عليه أن يكون – واضحًا وضوح، وإلاّ كان عدمه أفضل من وجوده؛ ذلك أنّ الإنسان منذ أن وُجد على ظهر هذا الكوكب وهو يبحث عن ماهيّته وجوهره ومصيره، ويروم الإجابة عن أسئلة طالما حيّرته.. من أين جاء؟ ولماذا جاء؟ وكيف جاء؟ وإلى أين مصيره بعد الموت؟.. إنّها حقًّا أسئلة كبيرة، ومحيّرة ومقلقة، تحتاج إلى قوّة عظمى تملك الإجابة الشّافية عنها… فهل قدّمت النّصرانيّة تلك الأجوبة المنشودة!؟.
لا أظنّ ذلك، بل العكس هو الذي حدث، فجميع الذين علّقوا آمالهم عليها ومنحوا ثقتهم العمياء لها رجعوا بخفّي حنين، عادوا أشدّ حيرة وقلقًا ممّا كانوا عليه، من جهة بسبب ما طرحته تلك الدّيانة من تعاليم غامضة، ومن جهة أخرى بما أحدثته من شرخ في البناء الفطريّ والفكريّ للإنسان.
لقد آن الأوان لتعود فلول النّصارى إلى رشدها وتصحّح مسيرتها وتعتنق الفطرة، وتصالحها بعدما جافتها وعادتها كلّ هذه المدّة.
 فطرة الله التي فطر النّاس عليها لا تبديل لخلق الله  الرّوم 30.
 إنّي وجّهت وجهي للذي فطر السّماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين  الأنعام 79.
 ومالي لا أعــبد الذي فطرني وإلـــيه ترجعـــون  يس 22.
 قل يا أهل الكتـاب تعالوا إلى كلمة ســـواء بيننا وبينكم ألاّ نعــبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتّـــخذ بعضنا بعضًا أربابًا مـن دون الله فإن تولّوا فقـولوا اشهدوا بأنّا مسلمـــون  آل عمـران 64.
وبعد، فلقد حاولت أن أقدّم صورة واضحة عن مغالطات النّصارى وبعض معتقداتهم، وأرجو من الله أن أكون وفّقت في مقصدي، فإن كان هذا فللّه وحده الحمد والمنّة، وإن كانت الأخرى فحسبي أنّي قدّمت جهدي – وهو جهد المقلّ – ولم أدّخر منه شيئًا، وجزى الله كلّ من ساهم معي في إخراج هذا الكتيّب إلى حيز الوجود، وحتّى لا أتشبّع بما لم أعط أقول جزى الله كذلك كلّ من استفدت من كتاباته باقتباس أو نقل ولم أشر إلى مرجعه.
وسبحانك اللّهمّ و بحمدك أشهد ألاّ إله إلاّ أنت أستغفرك وأتوب إليك.

إعداد يزيد حمزاوي
Y_hamzaoui@hotmail.com

غير معرف يقول...

بسم الله الرحمن الرحيم

لا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم

((((((((((((((((((((((((((((((((((((((زكريا بطرس ما الذي جرأك ؟!)))))))))))))))))

محمد جلال القصاص


بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهراني يهود، يهود كلُّها كانت في المدينة ( قينقاع والنضير وقريظة ) و حولها ( خيبر ووادي القرى وفَدَك )، وبين ظهراني النصارى إذ كانوا في نجران ـ ووفدوا عليه في مكة وفي المدينة ـ وفي طيئ ( شمال شرق الجزيرة العربية ) والشام، وكانت الدنيا كلّها كافرة بربّها عدا بضع مئات مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت الدنيا كلها حربٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع كل هؤلاء الأعداء، ومع شدة العداوة وتنوعها حتى وصلت للقتال ما سمعنا أحدا تكلم في خُلُقِهِ بشيء، مضى الجيل الذي عاصر النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشهد له بحسن الخلق وهو يصفه بالصادق الأمين .

وبعد ألف وأربعمائة عام من وفاته صلى الله عليه وسلم خرج علينا أحد النصارى يُدعى ( زكريا بطرس ) يطعن في نسب الرسول صلى الله عليه وسلم وفي أخلاقه، يقول: ما كانت العرب تحفظ أنسابها ولا تدري آبائها ولا أبناءها .وما كان محمد صلى الله عليه وسلم ابن أبيه !! . . حَمَـلَتْ آمنة من غير عبد الله !!

وَيِّ ... ويّ . . . يطعن في القرشي الهاشمي سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام ؟!
يطعن في نسب العرب وأحسابها، وقد كانت ـ ولا زالت ـ لا تحرص على شيء قدر حرصها على النسب والشرف، وقد كانت ولا زالت لا تفخر بشيء قدر فخرها بمن ولدها ومن ولدته ؟!!

جلس هذا الوضيع السفيه للرسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس عنده قضية أخرى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المستنقع الآسن العفن الذي يغرف منه كل من يتطاول على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

يكذب كذبا مكشوفا رخيصا، ويحتمي وراء شاشات التليفزيون، يجعجع ويدعي العِلمية والعقلانية، ولا علمية ولا عقلانية، وقد دعاه أكثر من واحد من علمائنا وشيوخنا إلى حوارٍ مباشر على الهواء مباشرة على ملأ من النّاس فخَنَسَ وما خرج. ولو كان منصفا .. ولو كان عاقلا . . ولو كان صاحب حق لخرج وما تردد .

( زكريا بطرس ) ليس فردا واحدا وإنّما ظاهرة تكررت في أكثر من مكان في غرف البالتوك وفي مواقع الإنترنت وفي خلايا التنصير التي انتشرت بين الشباب في الجامعات وبدأت تعلن عن نفسها بجرأة عجيبة مريبة. ويسألُ كلُّ ذي عقل :

ما الذي جرأ هؤلاء الأراذل على السب والشتم وهم قلة وهم في بلد مسلمة شعبا وحكومة ؟!

ألأنَّ الكفر أصبح قوة عظمى فحمى أولياءه ؟

أم لأنَّ العلماء غفلوا عن جناب النبي صلى الله عليه وسلم يقينا منهم أن ليس هناك من يصل إلى هذه الدرجة من السفالة وسوء الخلق ؟

أم انتشرت الشهوات فركبتها الشبهات ودخلت معها البيوت والقلوب فرحَبَ بها كلُّ جهولٍ

ضعيفٍ مهزومٍ خلِيٍّ من العلم الشرعي الصحيح ؟

هو كل ذلك.

الكفر يحمي أولياءه، فهو الذي أعطى لزكريا بطرس وأمثاله مساحة يستهزئ فيها ويسخر، وهو الذي وقف في وجه من أراد التصدي له، وعلمائنا ـ حفظهم الله جميعا ـ في غفلة عجيبة عن هذا الوضيع الحقير، ويحار العقل حين يفكر في هذا الأمر. أين أهل الحديث ؟! أين أهل السير والتاريخ ؟! أين أهل الوعظ والزهد ؟! أين أهل الغيرة والجهاد ؟! أين أحباء الحبيب صلى الله عليه وسلم ؟! ولا نظن بهم إلّا خيرا، ولكن يبدوا أنّهم يستخفون بالأمر. وقد ( شبَّ عمرو عن الطوق ). وإنّ الشبهات التي يلقيها ذاعت وشاعت، واكتوى العامَّة بنارها، والمجالس عقدت وطرحت فيها الشبهات، وقد أثمرت ثمارا خبيثة فانقلب بعضهم منها كافرا، ووقف بعضهم متحيرا بين هذا وذاك. وكثيرون جاءوا يهرعون . . . يسألون ويلحون في السؤال عن صدق ما يردده النصارى. وإن الشهوات قد انتشرت .. وإن الفقر والعَوَز قد أصاب فئاما من النّاس. فكانت فرصة لعباد الصليب .

لم أكتب لتهييج العوام، فهو طريق أخير، والعوام لا يأتون لشبكة الإنترنت، وإنّما كتبت تبصرة وذكرى لكل عبد منيب، يخاف الوقوف بين يدي الله عز وجل، والسؤال عن هذا المنكر . . . معذرة إلى ربّي ولعلّهم يتقون، أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر .

وأنت أخي القارئ تستيطع عمل الكثير في التصدي لهذا المجرم الآفاك ومن معه بالرد على الشبهات إن كنت من أهل ذلك أو تدل على من يرد على الشبهات .. أشخاص أو مواقع أو غرف بالتوك وهي كثيرة ولله الحمد على الشبكة العنكبوتية، فلا تستخف بهذا فربّما دللت ذا عزيمة وهمة فنفع الله به ويكون لك مثله أجره. فلا تجلس وتقول هي منوطة بالعلماء .

فإنّ زكريا بطرس جرذ ( فأر ) لم يخرج من جحره إلّا حين غفل أهل البيت أو خرجوا، فعودوا إلى بيوتكم ودمدموا عليه بأرجلكم .

نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يمكن لدينه وعباده الصالحين، وأن يهدي زكريا بطرس للإسلام فهذ أحب إلينا
، أو ينتقم منه، ويرينا فيه عجائب قدرته . إنّه ولي ذلك والقادر عليه .
محمد جلال القصاص?????????قراءة هادئة في كبرى قضايا زكريا بطرس
محمد جلال القصاص

mgelkassas@hotmail.com





آخية زكريا بطرس التي يدور حولها هي نفي نبوة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا هو قطب الرحى الذي يدور حوله . وحين ترصد كلامه عن الوحي الإلهي ومحاولة صرف النبوة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، تجد أنه كغيره ممن تكلم في هذه القضية يُكذِّب نفسه ولا يملك حقيقة يعطيها للناس ، وحين أردت أن أسرد أقوال زكريا بطرس في نفي نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ـ وأنه لم يكن يتنزل عليه وحي من عند الله وبالتالي أرد عليها وجدت أن أفضل رد عليه هو أن أضع أقواله فقط أمام القارئ ، وما أن تتجاور أقواله حتى يظهر عورها وسوء حالها ، ويكذب بعضها بعض ، وهذه أقوال في نفي الوحي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع قليل من التعليق .
ـ مرة يقول أن السيدة خديجة ـ رضي الله عنها ـ هي التي أعدت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للنبوة ، يقول : كانت ذات مال .. ثرية وتريد مَلِكا كي يؤمن لها طريق التجارة (1)

قلتُ : ما كان هناك مَنْ ولا ما يخيف السيدة خديجة ـ رضي الله عنها ـ على مالِها كي تبحث عن مَنْ يؤمنه لها ، قد كانت شريفة نسيبة حسيبه ، ولم يكن أحد من العرب ولا العجم يتجرأ على تجارة قريش كلها ، كانت القوافل تسير إلى الشام وإلى اليمن آمنة من جوع وآمنة من خوف .

ثم لم تكن البعثة النبوية سببا في حصول أمنها ونماء مالها بل أكسدت تجارتها وذهبت بمالها وجلبت عليها الهموم والأحزان فيما يبدوا للناس ؛ فقد انشغل القائم على تجارتها أعني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحاصرت قريشٌ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن تبعه ومن ناصره ـ ومنهم السيدة خديجة رضي الله عنها ـ فلم تَشْتر منهم ولم تبع لهم ، واضطرتهم إلى وديان مكة بين الجبال على الحصى في شعب من شعاب حتى أكلوا ورق الشجر من الجوع ومصّوا الحجر من العطش ، ثم تركوا ديارهم وأموالهم وخرجوا من مكة كلها ، وقد كانت السيدة خديجة ـ رضي الله عنها ـ تشجع على هذا كله .

ـ ومرةَ يقول أنه شيطان تلبس به ؛ ويؤكد لمن يسمعه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان مستيقنا بأن الذي خرج له في الغار شيطان ، وأن خديجة هي التي أقنعته بأنه وحي لا شيطان وأنه هو نبي هذه الأمة واختبرت له الوحي وأقنعته بذلك (2)

وأخوه ـ في الكفر والصد عن سبيل الله ـ يُكذِّبُه ووجهه في وجهه إذ يقول الدكتور رأفت العماري بأن السيدة خديجة ـ رضي الله عنها ـ كانت قد تزوجت (نباش ) وكانت الجنُّ قد لبََسَته وراحت من خلاله ـ أي الجن ـ تتعامل مع الناس ، فقدم عليه الناس في بيته ـ بيت خديجة ـ وعمَّروا البيت ليلا ونهارا ، وبعد وفاة ( نبّاش ) استوحشت خديجة ـ ورضي الله عن السيدة خديجة ولعن الله هذا الأفاك الأثيم ـ من قلة الزائرين وأرادت أن تعيد هذه الحياة الموجودة في بيتها عن طريق زوجها الجديد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ (3)

وفي ذات الحلقة يقول هذا ( البكَّاش ) (4)بأن الوحي كان ترتيبا بين خديجة وأبي بكر ـ لاحظ وليس ورقة وليست السيدة خديجة وحدها ـ ودليل ذلك ـ هذا قوله ـ أن الوحي لم يأت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا في لحاف عائشة(5)
وهو ( بكاش ) نضحك من كلامه ونطويه ولا نرويه .

ـ ومرة يقول بطرس ومن معه بأن ورقة بن نوفل كان يبحث عن بديل له .. خليفة يخلفه في القيام بالنصرانية بمكة هو وبنت أخيه خديجة ولذا علَّم محمد ودرّبه وبعد وفاته هو وخديجة تمرد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخرج على الناس بالإسلام بعد وفاة خديجة (6)

ولا تضحك ، ليست مزحة والله ، بل كلام يدعون أنه علمي أتى به البحث ( النـزيه ) ( المجرد ) ، وهناك من يصدق هذا الكلام !!

ونقول : ما كانت خديجة ـ رضي الله عنها ـ نصرانية ، ولا كان ورقة يبحث عن أتباع فضلا عن خليفة يخلفه في أتباعه ، كان فردا يعبد ربه سرا ، يذكي نفسه وربما تحدث بشيء إلى ضيفه ، ولم يحمل لواء دعوة إلى الله ، ولم يجلس لقريش في ناديها يقول لهم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، كان وحيدا يحدث نفسه . وما كانت خديجة نصرانية ولا كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نصرانيا قبل البعثة . ولا كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل البعثة يدري ما الكتاب ولا الإيمان ، ما عنده علم بشيء من أخبار السابقين ولا المعاصرين ، كان في غفلة عن هذا كله . هذا ما نقرأه في كتبنا .

ـ ومرة يقول أحدهم بأن شيئا من هذا لم يحدث ، لم ينزل عليه ملك ، وهي قصة ملفقه ، يستدل هذا الجهول (7)بأن الذي ظهر للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الغار قال له اقرأ فقرأ ، ويتساءل ـ وكأني به يضع أصبعه على رأسه عجبا بعقله إذ أتى بغريبة عجيبة لم يفطن إليها غيره ، وهي النملة تفرد ساقيها بين بني النمل فرحا بقوتها ـ مدللا كيف يقول له اقرأ وليس معه صحف يقرأ منها ؟ إذا القصة ملفقة وما كان وحيا يوحى .!!

ويهش ويبش الكذاب اللئيم زكريا بطرس لهذا الرأي ويسكت تأيدا؟

ويجلس أحدنا أمام شيخه في الكتَّاب ـ ومصر كلها كتاتيب إلى اليوم ـ أو في المسجد فيناديه إقرأ من أول كذا ، فيقرأ بلا مصحف ؟

وتُتَمتم بشفتيك فيراك قريب منك فيناديك أشيء يا أبا فلان ؟ فتقول : لا إنما أقرأ من القرآن .

قراءة القرآن لا تعني فتح المصحف والنظر فيه ، وإنما تلاوته بمصحف أو غيبا بلا مصحف . فما العجب إذا أن يقول له إقرأ ويقرأ ؟

? ومرة يقول كان جدّه عبد المطلب ملكا وجد أبيه قصي كان ملكا وخرج في الناس يطلب ملك أبيه ، ويصرح بأنها كان هاشمية تطلب الملك على العرب (8)

وهذا كلام ، كل أخبار السيرة تكذبه .

فلم يخرج في قريش ملكٌ منذ ظهرت قريش ، لا عبد المطلب ولا قصي ولا غيرهما ، بل لم تلد مُضر كلها مَلِكا تملك عليها في الجاهلية .

وأول من تصدى للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو عمّه أبو لهب بن عبد المطلب ، وكان ابن عمه وأخوه في الرضاعة أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب من أشد الناس عليه وعلى أصحابه ، وحين دعاهم وأبلغهم دعوة ربه سخروا واستهزءوا ، ولم يسلم معه من بني هاشم إلا صبيان ( علي وجعفر ) ابنا أبي طالب .ثم نفر أو نفران بعد سنين طويلة من الدعوة ، وفي أول معركة أسر العباس بن عبد المطلب ، وعقيل ابن أبي طالب ، وبالكاد فرّ أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب . وكانت ثاني الغزوات بعد غزوة بدر الكبرى مع حلفاء بني هاشم وأخوالهم وهم بنو سُلَيم (9) ، بل كانت الحرب كلها مع قريش أبناء عمومته ، ومع مُضر ( غطفان وسليم وهوازن وثقيف ) وهم الدائرة الثانية من حيث القرابة .

والدعوة قامت على سواعد قبيلتين غير قريش وليسوا من مضر كلها ولا من عدنان كلها . . الأوس والخزرج (10)فكيف يقال كانت هاشمية أو قرشية ؟!

ألا لعنة الله على الكذّابين .

ـ ومرة يقول ـ قبحه الله ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ظهر في فترة كثر فيها من ادعى النبوة وأن ذلك من تأثير حكايات يهود (11)

وكالعادة يكذب ، فقبل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يدَّع أحد النبوة قط ، ولم يفكر أحد في ذلك ، بل غاية ما هنالك أن اعتزل نفرٌ ما كانت عليه العرب من شرك ، وهم الحنفاء وكانوا يُعدون على أصابع اليد كما تقدم ، أما الذين ادعوا النبوة فقد جاءوا في نهاية بعثة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل وفاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعام تقريبا ، ولم تكن لهم دعوة ولا كتاب كالقرآن ، ولا تبعهم أحد غير قومهم ، ولم تتحرك دعوتهم خارج ديارهم .. جميعهم قتلوا على يد المسلمين فيما يعرف تاريخيا بحروب الردَّة ، ولم يكتب لهم نصر في هذه الحياة ، وهذه أمارة أخرى على نبوة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ أن الأدعياء الكذبة يموتون قتلى ولا يكتب لهم نصر في هذه الحياة كما ينص الكتاب ( المقدس ) .

وكانت يهود بين ظهراني العرب من مئات السنين قبل بعثة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يخرج أحد يدعي النبوة لا من يهود ولا من العرب قاطبة حتى جاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأين كانت ثقافة يهود ؟!

وكل الذين ادعوا النبوة بعد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاءوا بعد العام الثاني والعشرين من البعثة النبوية أي بعد ثلاث سنوات من القضاء على يهود وإخراجهم جميعهم من الجزيرة العربية إلا نفر يثيرون الأرض ويسقون الحرث. ولم يتكلم أحد منهم بأن يهود ثقفته .

قد كانت يهود تبشر بمقدم نبي ، وأنه سيهاجر إلى يثرب ( المدينة المنورة ) ، وكانت تخوف به جيرانها من الأوس والخزرج وغطفان ، تقول لهم (إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم )، كانت في المدينة وأجوارها تنتظر ظهور هذا النبي العظيم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم لما جاءهم ما عرفوا كفروا به (12) وهذا قول الله تعالى : { وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ }[ البقرة : 89].

لم يكن ليهود أحاديث وثقافات تبثها بين العرب عن مُلك يؤخذ بنبوة ، بل إن يهود لا تقول عن داود عليه السلام أنه نبي ، فهو عندها ملك وليس نبي ، وإنما تكلمت يهود عن نبي واحد يبعث ويهاجر إلى يثرب وزعمت أنها تتبعه وتقتل به العرب والعجم . هذا هو حديث يهود في الجاهلية لم نسمع غيره . اللهم أكاذيب زكريا بطرس التي يرويها عن إخوانه من الكافرين والمنافقين .


? ومرة يقول علّمه بحيرى الراهب لينشر المذهب النسطوري في الجزيرة العربية .

وهو يقر ويعترف بأن كتب المسلمين لم تتكلم أن بحيرى جلس للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتعلم منه ، وإنما التقاه مرة وهو صبي وتعرف عليه وذكر أنه سيكون نبيا ، والثانية أشار إليه من بعيد ولم يجلسا سويا ، وما بعد ذلك مما يقال عن تعليم بحيرى للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو من أقوال النصارى . يتكلمون من أم رأسهم بما يحلو لهم . وكله كذب .

? ويهود تقول علمه الحاخام اليهودي ( ألفونسو ) ، ولا أدري من ألفونسو هذا ؛ ولا أين التقى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلمه وهو لم يخرج من شعاب مكة إلا مرتين وكان بين أهل مكة لم يفارقهم ساعة ؟

لا أدري شيئا عن ألفونسو ولا أخالهم يدرون شيئا عنه ، وإنما كلام يقذفون به كـ ( تحديف ) الصبية بالطوب (13).

? وبعض المستشرقين ممن يسمون باحثين في التراث الإسلامي يقولون بأن محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ تعلم القرآن من نساءه وأصحابه (14). ومن ثم خلط شيئا من النصرانية بشيء من اليهودية بشيء من الوثنية فخرج بالإسلام .

قلت ُ : في القرآن الكريم ذم للنصارى والنصرانية واليهود واليهودية . فمَن كتب هذا بحيرة أم ألفونسو ؟!

وفي القرآن الكريم والسنة النبوية إجاباتٌ عن أشياءَ كانت تحدث ، ورصد لحوارات كانت بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه وبينه وبين أعدائه ، بل إن القرآنَ الكريم كلَّه مرتبط بالحدث ، مثلا ما نزل في أسئلة المشركين للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو في مكة وإجابته عليها ، وما نزل في أمر الهجرة ، وما نزل في غزوة بدر ، وما نزل في غزوة أحد والأحزاب وخيبر والحديبية وفتح مكة وحنين .

أخي القارئ !

القرآنُ كلُّه حتى التشريعي منه مرتبط بالحدث ، لم ينزل جملة واحدة ، بمعنى أن القرآن الكريم كان مع الأحداث ونزل جزءا جزءا . " وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلنا تنزيلا "

إمرأة تجادل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أمر حدث بينها وبين زوجها .. تجادله سرا لا يسمعها من في البيت ، وينزل القرآن ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله .. الآيات ) . أين بحيرى من هذه ؟



والمنافقون يجلسون في ناحية من المسجد يغمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فينزل القرآن يتحدث بحالهم وما تكنه صدورهم . أين بحيرى من هذا ؟

والمنافقون يتناجون سرا ( يعدنا كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يقضي حاجته ) وينزل القرآن يكشف أمرهم ويزيع في الناس قولهم . أين بحيرى من هذا ؟

وأحيانا كان يُسأل النبيَ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلا يجب ، يسكت حتى يأتيه الوحي . وأحيانا كان يفعل ويأتي الوحي يخطئه ويعقب عليه ويصوب له .



فهل يعقل أن يكون بحيرة الراهب درى بذلك ورتبه وأعطاه للنبي ، وإن كان فلم كان يسكت حين يسأل ؟ ولم كان يخطئ ويأتيه التصويب من السماء ؟



بل لِمَ لَمْ يكن بحيرة نفسَه أو ورقةَ أو الفونسو أو من سمّوا من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو نساءه لم لم يكونوا أنبياء ويتكلمون هم بأنفسهم ؟!.

وكيف عرفوا ذلك وهو ليس في كتبنا . من أين لهم بهذا ؟

لم ينتبه إليه كفار قريش واليهود والنصارى ... نصارى نجران والشام وطيء ( حي من أحياء العرب منهم عدي بن حاتم الطائي التقى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم ) كيف لم ينتبهو إلى هذا وانتبهوا هم إليه ؟

ثم : النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ تزوج السيدة صفية بنت حيي بن أخطب سيد يهود في العام السابع من الهجرة ... في نهايته . أي بعد عشرين عاما من الدعوة . وجاءته ماريةُ القبطية ـ رضي الله عنها ـ أيضا بعد عشرين عاما من الدعوة . فكيف يكون قد تعلم من هذه وتلك ؟

أمر عجيب !!

ومَن من أصحاب النبي كان له علم بالكتاب ؟

يقولون تعلم من صهيب الرومي . ومن سلمان الفارسي ، وصهيبٌ رومي . . أعجمي .. لا ينطق العربية .. . بالكاد يُبين . فأنى له بمثل هذا ؟

وسلمانٌ فارسي أعجمي أسلم في المدينة ... وما درى برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا بعد ثلاثة عشر عاما من هجرته صلى الله عليه وسلم .

وهم يستأنسون بأن القرآن وافق النصرانية واليهودية أو وافق كتابهم بعهديه القديم والحديث في بعض الأمور .

أقول : وفي هذا يكذبون أيضا ، فحتى الأشياء التي وافقت فيها الشريعة الإسلامية كتاب النصارى في عهده القديم أو الجديد ، لم توافقها من حيث المضمون .

مثلا القرآن العظيم تكلم عن نوح إبراهيم وموسى وعيسى وسليمان وداود ولوط عليهم وعلى نبينا صلوات ربي وتسليماته .ولكن هل ما تلكم به القرآن عن أنبياء الله هو هو الذي تكلمت به النصرانية عن كتاب الله ؟

كلام القرآن عن الله سبحانه وتعالى الكبير المتعال ، الواحد الماجد الصمد ، هو ككلام كتاب النصارى عن الله ؟

أبدا . وما عندهم عن الله ورسله يستحى من ذكره .

ثم إن القرآن العظيم معجز في ذاته وبألفاظه ينادي على الجميع من يوم نزل : فأتوا بمثله ... فأتوا بعشر سور من مثله . . . فاتو بسورة من مثله ... أي سورة وإن كانت سطرا واحدا .



وقد حاول كثيرون ، وما استطاعوا .

? ومرة يقول بأنه دعى إلى الحنيفية التي كانت منتشرة قبل بعثته ولذا لم تجد الدعوة صدا من الناس في أول الأمر (15) !!

? ومرة يقول علمه بشر ويستدل على ذلك بقول الله تعالى : {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ }[ النحل : 103] وقراءة الآية بتمامها يكذبه {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ }[ النحل: 103] فهو قول الكفار ينفيه القرآن ويرد عليه .



?ومرة يقول كتب القرآن نقلا عن شعراء عصره ، ويعد شعراءً جاءوا بعده ، وليس القرآن شعرا (16)

? ومرة يقول تعلم من يهود (17) ويهود كانت في المدينة والقرآن نزل كثير منه في مكة ، ويهود كانت تقاتل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أول يوم ، ولم توافقه في أي شيء ، وهو لم يوافقها في أي شيء ، بل كان يؤمر بمخالفتها حتى في المظهر .
? ومرة يقول اتخذ الأتباع عن طريق المال(18)
? ومرة يقول لا دليل على النبوة إلا شهادة خديجة(19).
? ومرة يقول لا دليل على النبوة إلا خاتم النبوة الذي بين كتفيه.
? ومرة يقول أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اتبع ملة آبائه والدليل على ذلك من القرآن في سورة يوسف واتبعت ملة آبائي إبراهيم واسحق يوسف الآية 38 .(20) وآية تتكلم عن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ـ عليهم السلام ـ وليس عن محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وآباء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانوا على الشرك كما كان أبو إبراهيم ـ عليه السلام ـ وكان يقول عنهم ( عبد المطلب في النار ) و ( أبي وأبيك في النار )


والمقصود أنني أردت أن أعرض على حضراتكم تفسيرات الكذّاب اللئيم زكريا بطرس للوحي وكيف يصرف النبوة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وهي أقوال متضاربة لا يمكن أن تجتمع ، وكل واحدة منها كذب في نفسها ، وكل واحدة منها تكذبها أختها .



فهل كان ملكا يطلب ملك قريش وقريش لم يكن لها مُلك كي يُطلب ؟!
أم كان ملكا هاشميا يطلب مُلك عبد المطلب وهاشم على قريش والعرب . وما كان عبد المطلب ولا هاشم ولا قصي ملوكا ؟!
أم كان صنعة زوجته الثرية كي تأمن به على تجارتها ولم يكن هناك من ولا ما يخيفها على مالها ؟! أم كان صنعة ورقه الذي لم يجلس له إلا دقائق ؟!
أم كان صنعة بحيرى الراهب الذي لم يلقاه إلا وهو صبي في الثانية عشر من عمره ولدقائق معدودة ؟!
أم علّمه غلمان مكة وعبيدها الذين لا ينطقون العربية أصلا ؟!
أم علّمه أصحابه وأتباعه الذين تبعهوه بعد سنين من البعثة ؟! أم علمته زوجته صفية وسريته مارية القبطية وقد دخلتا بيته بعد عشرين عاما تقريبا من البعثة ؟!
أم كان مسحورا تلبسته الجن فأوحت إليه وهو أعقل الناس دانت له العرب وخافته العجم وأسس أكبر دولة في التاريخ كله ؟!
أم كانت أساطير الأولين اكتتبها وجاء يرويها وقد كان أمّيا لا يكتب ولا يقرأ ؟!
أم شعرا نقله عن شعراء عصره .علما بأن كثيرا ممن يُسمونهم جاءوا بعده ؟!



هم يقولون بكل ذلك ، وأيُّ ذلك لا يصح ، وكل ذلك لا يجتمع .

إنها نفسية مريضة حقودة تتكلم من أم رأسها . ليس برأسها سوى أنها تريد أن تضل الناس بغير حق ، فكذبت وافترت .

وهي حائرة تستغل جهالة المتلقي وقلة اطلاعه .

والحقيقة أن هذا الأمر ليس بجديد ـ من حيث الجملة ـ فقد كانت قريش في ذات الحيرة التي فيها الكذاب اللئيم زكريا بطرس اليوم .مرة تقول أساطير الأولين ، ومرة تقول ساحر ، ومرة تقول شاعر ، ومرة تقول يعلمه بشر ، ومرة تقول أضغاث أحلام . تقول هذا لعامة الناس ، وبينها وبين أنفسها تصدقه وتقسم على صدقه .

ويبقى السؤال : ما هي الأمارة على نبوة رسول الله محمدٍ بن عبد الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؟

هي أمارات وليست أمارة ، وأجيب عليها في االفقرة التالية بحول الله وقوته .

يمكنكم متابعة البقية في كتاب الأستاذ / محمد جلال القصاص من هنا:
الكذاب اللئيم زكريا بطرس( دراسة تحليلية نقدية لمصادرة التي يعتمد عليها وأكاذيبة/???????????????===============================================?((((((((((((((((((((((((((كيف يستدل زكريا بطرس بالمصادر الصحيحة ؟)))))))

بقلم / محمد جلال القصاص

mgelkassas@hotmail.com

يستدل زكريا بطرس ببعض المصادر الإسلامية الصحيحة مثل القرآن الكريم وكتب السنة الصحيحة مثل البخاري ومسلم ومسند أحمد وكتب التفسير مثل القرطبي وغير ذلك من المصادر الصحيحة . ويتكلم صراحة بأن هذا قول البخاري ومسلم وأحمد وابن كثير (1)..ولا يخفى أن هذا من شأنه أن يجعل المستمع أو القارئ يسلم ولا يناقش ، ولا أريد أن أستبق الأحداث ، سأعرض عليك أخي القارئ بعض الأمثلة لاستدلالاته لتتبين لك الصورة على حقيقتها ، وتعلم أي كذوب هذا .

المثال الأول :

ـ وهو يتكلم عن موسم الحج في الجاهلية وأنه كان موسم إخصاب وتجارة ، وأن الأمر لم يتغير في الإسلام يقول نصا : (( محمد ـ وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم ـ أباح جواز المتعة في الحج ، وهذا الكلام في تفسير القرطبي سورة النساء آية 24 { فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن } يقول أبو ذر كانت المتعة لنا في الحج خاصة) وأخرجه مسلم )) ويتساءل لماذا؟ ويجيب نفسه لأنه نفس النظام ويشير بيده بما يفهم منه التكرار ، أي تكرار ما كانت عليه الجاهلية من الاجتماع في الحج من أجل الزنى والتجارة(2)!!

انظر ماذا يفعل لتعلم أنه كذّاب لئيم يتعمد الكذب .

نعم الحديث صحيح عند مسلم(3)، والمتعة هنا التي يتكلم عنها أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ هي إحدى نسك الحج الثلاث المشهورة ( الإفراد والتمتع والقران ) وتعني كما يقول النووي في شرح الحديث ( أن فسخ الحج إلى العمرة كان للصحابة في تلك السنة ) ويوضح هذا ما جاء في سنن النسائي حديث ( 2762) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ كُنْتُ مَعَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ فَقُلْتُ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَجْمَعَ الْعَامَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لَوْ كَانَ أَبُوكَ لَمْ يَهُمَّ بِذَلِكَ قَالَ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ إِنَّمَا كَانَتْ الْمُتْعَةُ لَنَا خَاصَّةً . فالمتعة هنا هي التمتع .. هي الفصل بين الحج والعمرة .. هي تحويل الحج إلى عمرة لمن أهلَّ بالحج ثم يهل بالحج بعد ذلك من مكة في يوم التروية . . هذا يسمى التمتع بالحج ، لا أنها الزواج المؤقت الذي حرمه الشرع كما يدعي هذا المفتري .
وينقل هذا الحديث أيضا عن القرطبي في آية { فما استمتعتم به منهن }ليوهم القارئ بأن المعنى المقصود هو نكاح المتعة .. أقول العجيب أنه بالرجوع لما كتبه القرطبي في تفسير هذه الآية من سورة النساء تجد أنه يتكلم عن تحريم جواز المتعة في الإسلام يقول القرطبي (( ولا يجوز أن تحمل الآية على جواز المتعة ؛ لأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن نكاح المتعة وحرمه )).

وبالرجوع إلى تفسير القرطبي عند الآية التي ذكرها هو لا تجد ذِكْرٌ لحديث أبي ذر هناك أبدا .

فانظر كيف يكذب . وانظر كيف يدلس على مستمعيه .
وكرر الاستدلال بهذه الآية مرة ثانية على إباحة جواز المتعة في الإسلام(4) مع أن الآية ليست دليل على ذلك ومع أن القرطبي ينفي هذا الاستدلال بشدة ويورد من أحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقول الصحابة والسلف ما ينفي ذلك بشدة ، ومع أنه يذكر أنه قرأ تفسير الآية عند القرطبي .

هكذا يستدل بالمصادر الصحيحة الكتاب والسنة ، ويخرج القارئ الطيب من أمامه وهو يظن أن الرجل يستمد أقواله من الكتاب والسنة بفهم المشهورين من علماء المسلمين ( القرطبي هنا ).

وشيء آخر موسم الحج تحديدا يحضره ثلاثة ملايين كل عام . هل قال أحد أن المتعة تباح في الحج ؟!. هل تكلم أحد بأن الحج موسم إخصاب وتجارة ؟! هل تكلم أحد أن النساء يمسسن الحجر الأسود بدم الحيض ؟!

يكذب في أمر يشهده ثلاثة ملايين كل عام ، والعجيب أنه يجد من يصدقه !

المثال الثاني :
ـ وهو يتكلم عن أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس ابن أبيه عبد الله ، يقول وقبحه الله بما يقول : (( وهذا الكلام موجود في كتب المسلمين ( التراث ) في البداية والنهاية لابن كثير باب تزويج عبد المطلب لابنه عبد الله جزء 2 / 316 بلغ النبي أن رجالا من كِنْده يزعمون أن محمدا منهم وهم منه .فقال حين علم أن رجالا يقولون أنه من كِنْدَة وليس من قريش .. مش من عبد الله ـ هذا قوله ـ : ( إنا لن ننتفي من آبائنا نحن بني النضر ابن كنانة ) ، ويعلق قائلا باللهجة العامية : (بيعترف )(5) انتهى كلامه قبّحه الله .
وانظر كيف يكذب هذا اللئيم .

أولا : الكلام الذي نقله من البداية والنهاية لابن كثير ليس تحت الباب الذي ذكره ( باب تزويج عبد المطلب لابنه عبد الله ) . وإنما في الباب الذي يليه وهو بعنوان ((كتاب سيرة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وذكر أيامه وغزواته وسراياه والوفود إليه وشمائله وفضائله ودلائله الدالة عليه ـ باب ذكر نسبه الشريف وطيب أصله المنيف ))

فعدل عن اسم الباب الحقيقي عند ابن كثير وهو ( ذكر نسبه الشريف وطيب أصله المنيف ) . ولو ذكره لبان كذبه قبل أن يتكلم.

ثانيا : بَتَرَ الحديث الذي جاء به ، والنص كاملا .. من ابن كثير الذي ينقل عنه وليس من مكان آخر . يقول ابن كثير : (( وقد ورد حديثٌ في انتسابه عليه السلام إلى عدنان ، وهو على المنبر ولكن الله أعلم بصحته كما قال الحافظ أبو بكر البيهقي : ... عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال : بلغ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن رجالا من كندة يزعمون أنهم منه ، وأنه منهم فقال : إنما كان يقول ذلك العباس وأبو سفيان بن حرب ليأمنا بذلك ، وإنا لن ننتفي من آبائنا نحن بنو النضر بن كنانة قال : وخطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نذار ، وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرها ، فأخْرجت من بين أبوي فلم يصبني شيء من عهر الجاهلية ، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي ، فأنا خيركم نفسا وخيركم أبا "

يقول ابن كثيرا متابعا :

وهذا حديث غريب جدا من حديث مالك تفرد به القدامى وهو ضعيف ، ولكن سنذكر له شواهد من وجوه أخر ، فمن ذلك قوله ( خرجت من نكاح لا من سفاح ) قال عبد الرزاق : عن جعفر بن محمد عن أبيه أبي جعفر الباقر في قوله تعالى( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) قال : لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم( إني خرجت من نكاح ، ولم أخرج من سفاح ) وهذا مرسل جيد . وهكذا رواه البيهقي عن جعفر بن محمد عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله أخرجني من النكاح ولم يخرجني من السفاح ).

فابن كثير يتكلم عن النسب الشريف وطيب الأصل المنيف .
وابن كثير يتكلم بأنه حديث ضعيف (وهذا حديث غريب جدا من حديث مالك تفرد به القدامى وهو ضعيف ).
وعلى فرض صحة الحديث فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ينفي ما تكلم به رجالُ كندة ، ويذكر نسبه إلى أبيه عبد الله بن عبد المطلب ، وأنه ولد من نكاح وليس من سفاح

وابن كثير بعد تضعيفه للحديث يذكر شواهد على ما صح منه وهو أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولد من نكاح وليس من سفاح وأنه ابن أبيه .

وسأعود لقضية النسب الشريف لسيد ولد آدم محمد بن عبد الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد ذلك تحت عنوان منفصل ، وفقط أردت هنا بيان كيف يستدل زكريا بطرس بالمصادر الإسلامية الصحيحة مثل ابن كثير . فهو ـ زكريا بطرس ـ يكذب كذبا رخيصا مكشوفا حين يستدل بالمصادر الصحيحة التي يعترف بها المسلمون .

المثال الثالث :

يستدل من مسند الإمام أحمد ويقول على لسان الإمام أحمد ( عن ابن عباس قال وكان الرسول يطوف حول الحجر سبع لفات ثلاثة منها قافزا كالظباء وأربعة منها ماشيا في احترام للحجر المقدس من مسند أحمد الحديث2835 ) (6)

وسياق كلامه على أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان على ذات النُّسك التي كانت عليها الجاهلية من تقديس الأصنام وهي هنا الحجر الأسود على حد قوله قبَّحه الله .

وانظر أخي كيف يكذب كذبا مركبا مكشوفا .

الحديث بتمامه عند أحمد : عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَمَّا نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ فِي عُمْرَتِهِ بَلَغَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّ قُرَيْشًا تَقُولُ مَا يَتَبَاعَثُونَ مِنْ الْعَجَفَِ فقَالَ أَصْحَابُهُ لَوْ انْتَحَرْنَا مِنْ ظَهْرِنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَحَسَوْنَا مِنْ مَرَقِهِ أَصْبَحْنَا غَدًا حِينَ نَدْخُلُ عَلَى الْقَوْمِ وَبِنَا جَمَامَةٌ قَالَ لَا تَفْعَلُوا وَلَكِنْ اجْمَعُوا لِي مِنْ أَزْوَادِكُمْ فَجَمَعُوا لَهُ وَبَسَطُوا الْأَنْطَاعَ فَأَكَلُوا حَتَّى تَوَلَّوْا وَحَثَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي جِرَابِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَعَدَتْ قُرَيْشٌ نَحْوَ الْحِجْرِ فَاضْطَبَعَ بِرِدَائِهِ ثُمَّ قَالَ لَا يَرَى الْقَوْمُ فِيكُمْ غَمِيزَةً (7) فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ ثُمَّ دَخَلَ حَتَّى إِذَا تَغَيَّبَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِي مَشَى إِلَى الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ مَا يَرْضَوْنَ بِالْمَشْيِ أَنَّهُمْ لَيَنْقُزُونَ نَقْزَ الظِّبَاءِ فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ فَكَانَتْ سُنَّةً قَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ وَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ "
ـ هل في الحديث شيء مما قاله بطرس ؛ اللهم قَوْلَةَ قريش ( تقافز الظباء ) التي كذب وادعى أنها قولة ابن عباس ، وقريش قالتها على سبيل المدح .. تتكلم بأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحابته في قوتهم يمشون كما تمشي الظباء أو الغزلان ـ في رواية أبي داود (8)ـ وقد كانت تحسب أنهم يمتون من العَجَفْ ؟!

ـ وفي الحديث واحدة من معجزات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي مباركة الأكل للصحابة رضوان الله عليهم ، حتى أكلوا وملئوا جرابهم من الطعام ولم ينفد ، وهي معجزة تكررت كثيرا ،عمى عنها زكريا بطرس .. مر عليها وكأنه لا يراها ولابد أنه رآها ولكن { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ }[ الحج : 46]

ـ والحديث ليس بذات الرقم الذي ذكره بطرس ، وإنما برقم آخر (2646) فربما ينقل عن كذابٍ آخر ، وهي كذبة أخرى إذ أنه يدعي البحث وأن ما يتكلم به اطلع عليه بنفسه.

المثال الرابع :

بعد ذكر هذا الجزء من الآية :103 من سورة النحل {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ }. يقول مستدلا : هناك شخصيات كان يحوم حولها الشبهة أنها كانت تعلم محمد ـ وصلى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم ـ ويذكر من هؤلاء بلعام ، وعياش مولى عتبة بن أبي ربيعه وسلمان الفارسي وعدّاس و ميسرة ، يقول نصا ( دول كلهم كان يشار إليهم أنهم كلهم كانوا يملون عليه الكلام ده )(9) يعني القرآن .

ويكرر ذات الكلمات في مكان آخر قائلا جاء في كتب التفاسير . . القرطبي والطبري وابن كثير والنسفي والنيسابوري والبضاوي ـ ويعد على أصابعه بما يعني الكثرة ـ أن معارضي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانوا يشيرون إلى عبد رومي .اسمه بلعام أو يعيش ... وهذا اعتراف من علماء المسلمين بأن محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانت له علاقات مع علماء النصارى يجتمع معهم ويسمع منهم.(10)

وهذا كذب هزيل قبيح .

ـ الآية بتمامها تقول : {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ }[ النحل : 103]

فهي تحكي قول قريش .. إنما يعلمه بشر ، وترد عليه وتنفيه وتتعجب منه ، إذ أن الذين سمّت قريش عجم لا يتكلمون العربية وهذا القرآن بلسان عربي مبين عجز الفصحاء والبلغاء من العرب أن يأتوا بمثله { لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ }[ النحل : 103]

ـ والمفسرون يقولون ( وكانوا إذا سمعوا من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما مضى وما هو آتٍ مع أنه أمي لم يقرأ قالوا : إنما يعلمه ( جبر ) وهو أعجميُّ ؛ فقال الله تعالى : " لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين " أي كيف يعلمه ( جبر ) وهو أعجمي هذا الكلام الذي لا يستطيع الإنس والجن أن يعارضوا منه سورة واحدة فما فوقها ) القرطبي عند تفسير الآية.

وابن كثير يقول : يقول تعالى مخبرا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء والبهت أن محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما يعلمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بَشر ويشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم غلام لبعض بطون قريش وكان بياعا يبيع عند الصفا وربما كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء وذاك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية أو أنه كان يعرف الشيء اليسير بقدر ما يردّ جواب الخطاب فيما لا بد منه فلهذا قال الله تعالى ردا عليهم في افترائهم ذلك " لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين " .

ويقول الطبري " يقول تعالى ذكره : ولقد نعلم أن هؤلاء المشركين يقولون جهلا منهم : إنما يُعلم محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا الذي يتلوهُ بشر من بني آدم ، وما هو من عند الله . يقول الله تعالى ذكره مكذبهم في قيلهم ذلك : ألا تعلمون كذب ما تقولون ؟ إن لسان الذي تلحدون إليه ، يقول تميلون إليه . بأنه يُعلم محمدا ، أعجمي . وذلك أنهم فيما ذُكر كانوا يزعمون أن الذي يُعلم محمدا هذا القرآن عبد رومي فذلك قول الله تعالى { لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ }

المثال الخامس

وانظر هذه ، ولا أحسبك ستنصت له بعدها .

ـ يقول : النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اتبع ملة آبائه والدليل على ذلك من القرآن في سورة يوسف واتبعت ملة آبائي إبراهيم واسحق يوسف الآية 38 .(11)

والآية تتكلم على لسان يوسف ـ عليه السلام ـ وهذا هو السياق كاملا : { وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ . وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ . يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ . مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ . يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَان . وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ}[ يوسف :36ـ42]


الآية تتكلم عن يوسف عليه السلام ، وآبائه إبراهيم وإسحاق أنبياء ، يستدل بها ليوهم القارئ بأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بادئ أمره لم يأت بجديد وكان على ذات الوثنية التي كان عليها قومه . ????????((((((((((((((((((((((((((((بعض أكاذيب زكريا بطرس والرد عليها ( 1))))))))))))

بقلم / محمد جلال القصاص


mgelkassas@hotmail.com

سأعرض ـ بحول الله وقوته ـ بعض أكاذيب زكريا بطرس موثقه بالدقيقة من حلقاته ، وأقوم بالرد عليها . ومن أراد مزيد بيان يراسلني . أرمي إلى إثبات كذب هذا الخبيث المهين ، وكذا أدفع أكاذيبة عن النبي وآل النبي صلى الله عليه وسلم ـ وعن الدين . والله أسأل أن يبارك في هذه الكلمات وأن ينفع بها .


============(1 ) =============

يقول في القرآن ( لا تكذبوا على الله وروحي )(1) يعني بروحي المسيح عليه السلام .

وهذه من عنده وليست في كتاب الله . والذي عندنا في كتاب ربنا القرآن المجيد {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ }[ المائدة :111]


بي وبرسولي ، وليس بروحي . أم يحسب أنه كتابه ( المقدس ) يضع فيه ويحذف كما يحب .


===============(2)=====================
يقول : في صحيح البخاري أن الحجر الأسود نزل أبيضا واسود من دم حيض النساء(2).هكذا يتكلم دون أن يذكر رقم حديث ولا صفحة ، وهذا كذب يتكلم به من عند نفسه . لم يتكلم به لا البخاري ولا أي من رواة الأحاديث ولا كل من كتب بيده من المسلمين .


==============(3) =======================
يقول : الحج كان يقام في موسم جني البلح(3


وهذا كذب يعرفه الجاهل والعالم ، فالحج مرتبط بشهر ذي الحجة ، وهو شهر عربي يتنقل بين الشتاء والصيف كما هو الحال مع رمضان مثلا .وجني البلح ثابت في الصيف


=================(4) ====================



يقول : في صحيح البخاري أن الحجر الأسود نزل أبيضا واسود من دم حيض النساء(4).



هكذا يتكلم دون أن يذكر رقم حديث ولا صفحة ، وهذا كذب يتكلم به من عند نفسه . لم يتكلم به لا البخاري ولا أي من رواة الأحاديث ولا كل من كتب بيده من المسلمين .





================(5)=====================





ـ يقول أن الحجر الأسود عبارة عن حجر اسطواني طويل يستخدم في الاحتكاك ؟(5)



كذبٌ وخسةٌ . . كذب من أردئ أنواع الكذب ، وخسَّة فوقها الجعلان ، يقول هذا ليقول لمن يستمعه أن النساء يستعملن الحجر الأسود في حك فروجهن به .



والحجر الأسود يراه كل عام فوق تسعة ملايين فرد ـ حجاج ومعتمرين ـ ، ويصور بكمرات التلفاز ، وهو بعيد تماما عن هذا الوصف ، ومع ذلك يكذب بطرس ولا يتحرج من الكذب في هذا الأمر . ألا لعنة الله على الكاذبين ، والأعجب من هذا أن هناك من يصدقه . ألا هدى الله الغافلين .



ـ يقول على لسان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن العرب لا تعرف الشهر أوله من آخره لأنهم بادية وأن بحيرى هو الذي علمه أن يبدأ الشهر بالهلال(6)



وهو يكذب فما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيء من هذا ؛ والأشهر تعرفها العرب قبل أن يولد بحيرى نفسه ، فليس بحيرى هو الذي علمها للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن ثم علمها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للعرب ، وهذه من أمارة كذبه في أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التقى بحيرى وتعلم منه .



===============(6) ======================



يقول في صحيح البخاري عمر يقول : ما لنا وللرمل إنما كنا نرائي به المشركين وقد أهلكهم الله؟!





وهذه أيضا من عنده ، ما تكلم بها أمير المؤمنين عمر ـ رضي الله عنه ـ لا في البخاري ولا في غيره .



==============(7) ======================
يقول أن كل طقوس الحج في الجاهلية نقلت للإسلام(7) يقصد بذلك طواف الرجال والنساء بالبيت وهم عراة .. الرجال والنساء ، وتلطيخ النساء الحجر الأسود بدماء الحيض ، والزنا الجماعي في مِنى .



وهذه من أم رأسه ، فلا كان في الجاهلية زنى جماعي ولا كانت منى من مني الرجال ، ولا هي في الإسلام من يوم كان ، ويحج كل عام أكثر من مليوني مسلم كلهم يشهدون على كذبه .



===============(8)===================



يقول : نساء النبي ستة وستون ( 66 ) امرأة غير سيدات المتعة(8) ولا أدري من أين أتى بهذه .



===============(9)===================



يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التقى المهرطقين في اليمن(9). ولم نعرف من قبل أن نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ التقى أحدا من النصارى وجلس إليه وتعلم منه ، ولا أنه سافر لليمن قبل البعثة أو بعدها . وإنما هذا من جملة كذبه .

==============(10)====================



يقول أن الجزيرة العربية كانت مأوى للمهرطقين(10). ويذكر منهم بحيرى الراهب .



وهذا من الكذب البين ، فالنصرانية لم تكن ديانة معروفة في الجزيرة العربية قبل الإسلام ، وإنما كان هناك أفراد ، ومن أمرات كذبه أن بحيرى الراهب لم يكن بالجزيرة العربية وإنما ببلاد الشام وهو أقر بذلك في عدة أماكن .
ألا لعنة الله على الكاذبين .





==============(11)====================
أن عثمان حرق القراءات الستة(11)



والقراءات سبع وليست ست كما يقول ، ولا زالت موجودة إلى اليوم ، وعثمان حرَّق المصاحف ولم يحرق القرآن ولا القراءات . وزكريا كذاب لئيم .





=============(12)=====================



ويسأل : لماذا قرآن عثمان ؟ أين مصحف محمد ؟(12)



وهذا كذب رخيص . يعتمد على جهالة المتلقي . فليس لعثمان ـ رضي الله عنه ـ قرآن وإنما مصحف ، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم ينزل عليه مصحف وإنما قرآن .. كلام يتلى نأخذه بالفم كابرا عن كابرا ثم دون في المصحف ..أي في الورق .



===============(13)======================
يقول قتلوا عثمان لأنه حرق كتاب الله(13)



والحقيقة أن زكريا بطرس هو أول من يقول أن سبب قتل عثمان هو حرقه للمصاحف . بل كانوا كلهم معه على حرقها .





==============(14)=======================
ويقول أن الإسلام هو الذي نشر الوثنية في الجزيرة العربية وغيرها(14) .





وهذا من الكذب الفاحش ، فالإسلام حارب الوثنية وهدم أصنامها ، وقضى عليها في الجزيرة العربية كلها ، وكانت الحرب بين الرسول صلى الله عليه وسلم وعبّاد الأصنام حتى قضى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزال أصنامهم ، وأقام شرائع الإسلام على أنقاضها ، ثم زحف للفرس فقضى على وثنيتهم والهند وأفريقيا . فالإسلام هو الذي حارب الوثنية وزكريا بطرس كذاب لئيم .



===============(15)===================



ـ ذكره أن التسليم في الصلاة عند المسلمين ثلاثة مرات يمين ويسار ووسط ، وأن هذه تعليمات بحيرى له ليشبه الثالثوث(15)



قلت : يصلي مليار ونصف مسلم كل يوم خمس مرات تقريبا ولا يسلم أحد منهم ثلاث مرات ، بل مرتين يمين ويسار . وهذا من كذبه .





وإن كانت هذه تعليمات بحيرى فلم يفعلها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي هذا دليل على أن بحيرى لم يعلم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيئا .



==============(16)====================



يقول : أن موسى عليه السلام سجد لله حين تجلى في الجبل(16)يستدل على ذلك بآية من القرآن هي { وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الأعراف : 143]





طلب موسى عليه السلام رؤية ربه ، فأجابه الله بأنك لا تتحمل رؤيتي ، وأعطاه أمارة على ذلك ، طلب منه أن ينظر للجبل ، وتجلى الله للجبل . وليس تجلى في الجبل ، هناك فرق كبير ، فاندك الجبل من عظمة الله ، وأغمى على موسى عليه السلام من مشهد دك الجبل ، فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المسلمين .





فلم يتجلى الله في الجبل ، ولم يسجد موسى لله حين تجلى في الجبل . وبطرس يكذب .





=============(17)=====================



يقول عن عائشة رضي الله عنها سئل النبي كيف يأتيك الوحي ؟
قال أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فأغيب عن الوعي وأحيانا يتمثل لي الملاك رجلا (17)





وهو يكذب . يزيد في الحديث جمل من عنده بما يتوافق وكذبه . والحديث عند مسلم وكل من روى الحديث ليس فيه ( فأغيب عن وعي ) ، وهذا نص الحديث عند مسلم ـ الذي ينقل عنه ـ يقول : عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ فَقَالَ أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ ثُمَّ يَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُهُ وَأَحْيَانًا مَلَكٌ فِي مِثْلِ صُورَةِ الرَّجُلِ فَأَعِي مَا يَقُولُ(18)





أضاف كلمة أغيب عن وعي من عنده ثم يبني عليها استشهاده من الحديث . يقول كان يغيب عن وعيه أي يصرع كما يصرع الملبوس بالجن .



==============(18)====================



ويقول : قالت عائشة ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيغيب عن وعيه ويتفصد جبينه عرقا .





وهذا نص الحديث عند مسلم ـ الذي ينقل عنه ـ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ إِنْ كَانَ لَيُنْزَلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ ثُمَّ تَفِيضُ جَبْهَتُهُ عَرَقًا(19)





والعجيب أنه لا يكتفي بهذه الكذبة فقط بل يضيف عليها أيضا أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يرغي ويذبد(20). كي يقول أنه كان مجنونا يصرع كما يصرع المجنون . وهذا كله من عنده . يكذب فيه . ونبينا أعقل الناس وأكملهم . ونبينا أهم حدث في تاريخ البشرية لا زال يدوي إلى اليوم ، وأكبر شخص حاطت به هالة إعلامية .





والذي في الحديث بهذا الشأن هو أن النبي كان إذا جاءه الوحي تسكن جوارحه حتى أنه ينكس رأسه ويكف عن الحديث ، ويحمر وجهه ويغطّ ، والغطُّ هو النفخ البسيط..دخول وخروج النفس يشيء من الجهد كما يفعل النائم حين يدخل في النوم يقال فلان يغط غطيطا ، وكان يعرق ويتصبب جبينه عرقا .



هذا هو الوصف الذي جاء في الأحاديث ، وهي حالة من يثقل بشيء كأنه يحمله بكل جوارحه ، وهذا نعرفه ، قال الله { إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً }[ المزمل :5] . أما الذي ننكره ولا نجده في كتاب ربنا ولا في أي ممن كتب حديث رسولنا ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو أنه كان يزبد ويلقى على الأرض ويغمى عليه .. هذه كلها من أكاذيب الكذاب اللئيم بطرس .



===============(19)===================



يقول : ليس في القرآن آية تدل على تحريف النصارى للكتابهم (21)



وهذه بعض الآيات التي في كتاب الله تنطق صراحة بتحريف كتاب النصارى بعهديه القديم والحديث {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }[ آل عمران : 78]



{أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }[ البقرة : 75]



{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ }[ المائدة : 15]



{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }[ آل عمران:71]



==========(20)==============



يعدد من المصاحف التي حرقها عثمان ، فيذكر : مصحف عطاء بن رباح ومصحف عكرمة ومصحف مجاهد ، وسعيد بن جبير ، والأسود بن يزيد وعلقمة بن قيس ، وطالح بن قيسان ، والحجاج بن يوسف الثقفي (22)





وهؤلاء كلهم جاءوا بعد عثمان ـ رضي الله عنه ـ .. كلهم من التابعين وليسوا من الصحابة . وكثير منهم ولد بعد موت عثمان .



فتدبر كيف يكذب .



ـ يدعي أن القرآن العظيم لا يقول بأن النصارى كفار أو مشركون ، وأن القرآن يشهد لهم بالوحدانية ، وأن السبب في القول بكفر النصارى هو جهل المسلمين بالقرآن(23)



وهو يكذب .



وأنا أعرض على حضراتكم بعض الأيات من كتاب الله التي تتكلم عن أهل الكتاب والتي نزلت في نصارى نجران وهم كانوا يتكلمون بذات الأباطيل التي يتكلم بها الكذاب اللئيم زكريا بطرس اليوم .



{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ }[ آل عمران :70 ]
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ }[ آل عمران : 98]
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }[


آل عمران : 71 ]
{لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ }[ البينة : 1]



وهذه الآية صريحة جدا في كفر بطرس ومن على مذهبه :



{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ }[ المائدة :72]





وقال تعالى :{ لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }[ المائدة : 17]



{لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }[ المائدة : 73 ]



هذا من ناحية النص القرآني ، ومن ناحية سياق الدعوة ، فقد واجه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نصارى نجران ودعاهم للإسلام ، وخرج للروم يوم تبوك يقاتلهم على الإسلام ، وشرع في ديننا قتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون ن ومعلوم أن من كانوا على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانوا على ذات المذهب الذي عليه بطرس اليوم .





ولا أدري كيف يقال بعد ذلك أن القرآن لا يكفر النصارى ؟!!





إنه كذاب لئيم .



===============(21) ===================



يقول الطعن في الكتاب المقدس طعن في القرآن ، ذلك أن القرآن يقول عن التوراة والإنجيل { قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [ القصص : 49] وقول الله تعالى : ويستدل بقول الله تعالى : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }[ الحجر : 9](24)



وهذا من الكذب .. وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه .. وهذا من التدليس على المستمعين ببتر النص من سياقه ليتكلم بغير ما أريد له .. وهذا من الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }[ البقرة من الآية 85]





الذكر في آية الحجر { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }[ الحجر : 9]هو القرآن ، والسياق جازم بذلك ، فقبلها بقليل ( وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر ) [ الحجر الآية :6 ] . والله ـسبحانه وتعالى ـ استحفظ اليهود والنصارى على كتباهم ولم يتعهد هو بحفظه { بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء }[ المائدة :44] .. وأنهم لم يحفظوه بل كتبوا فيه بأيديهم وقالوا هو من عند الله وما هو من عند الله {ف َوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ }[ البقرة :79] ،وقال تعالى : { وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }[ آل عمران : 78] وقال تعالى : {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }[ المائدة : 13] هذا في اليهود والنصارى مثلهم قال الله تعالى : { وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ }[ المائدة : 14] . هذا ما نجده في كتابنا





ولذا خاطبهم القرآن جميعا بقوله تعالى : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }[آل عمران:71]
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ }[ آل عمران :70]
{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }[ آل عمران : 99]





{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ }[ المائدة:77]





يقول الدكتور منقذ السقار : ( ووضح هذا المعتقد النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: ((إن بني إسرائيل كتبوا كتاباً، فاتبعوه، وتركوا التوراة )). (رواه الدارمي ح480، والطبراني في الأوسط ح5548، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح2832 ).
واستقر هذا المعنى في نفوس الصحابة والمؤمنين بعدهم، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: (كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث تقرءونه محضاً لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً). (رواه البخاري ح7363).
ولا يمنع هذا من صحة بعض مواضع التوراة، لما فيها من آثار الأنبياء، ففي التوراة حق وباطل كما أخبر الله ورسوله، ومن النصوص التي أشارت إلى وجود شيء من الحق في كتبهم ألبسوه بالباطل والزور قوله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحقّ بالباطل وتكتمون الحقّ وأنتم تعلمون } (آل عمران: 71)، وكذا قوله: {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} (المائدة:43)، وذلك في مسألة رجم الزاني، وهو مذكور في سفر التثنية، حيث يقول: " إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل، فوجدها رجل في المدينة واضطجع معها، فأخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة، وارجموهما بالحجارة حتى يموتا، الفتاة من أجل أنها لم تصرخ في المدينة، والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه، فتنزع الشر من وسطك" (التثنية 22/22-23).
وفي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم )). وعلل سبب عدم التكذيب بوجود حق في كتبهم، حيث قال كما في رواية أبي داود : (( ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدقوه، وإن كان حقاً لم تكذبوه)).
وعليه فنحن نؤمن بتوراة موسى كل الإيمان، ونؤمن بأنها حرفت ولم تحفظ، وأن القوم أخفوا شيئاً، وكتبوا أشياء، وضاع منهم الكثير، وما بين يديهم لا يخلو من بعض الحق) (25)أ . هـ .



وخلاصة الكلام أن بطرس كذاب في الاستدلال على عدم تحريف ما في يده من كتاب بالقرآن



================( 22 )==================



يقول نصا : وفي كتاب دلائل النبوة للأصبهاني ( يا رسول الله إن قريشا جلسوا فتذاكروا أحسابهم وأنسابهم فجعلوا مثلك مثل نخلة في ربوة [ أي مش في مزرعة بتاع ناس معروفين يعني واحد حطها كده ومشي محدش عارف مين اللي حطها .. كلام صعب ]. فغضب رسول الله .



وفي المرجع نفسه(26) بلغ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قول العباس يا رسول الله إن قريشا إذا التقوا لاقى بعضهم بعضا بالبشاشة ، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها .فغضب رسول الله غضبا شديدا . انتهى كلامه قبحه الله .



هذا نص كلامه والسياق العام الذي يتكلم فيه هو نفي أن يكون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ابن أبيه . وهو يكذب على مستمعيه بحذف جزء من الحديث وبإدخال بعض الجمل التوضيحية ضمن السياق يُغَيِّر بها المعنى ؛ والنص كاملا هو(27): " عن العباس بن عبد المطلب قال : قلت : يا رسول الله إن قريشا إذا التقوا لقي بعضهم بعضا بالبشاشة وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك غضبا شديدا ثم قال : والذي نفس محمد بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله . فقلت : يا رسول الله إن قريشا جلسوا ، فتذاكروا أحسابهم ، فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة من الأرض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله يوم خلق الخلق جعلني في خيرهم ثم لما فرقهم قبائل جعلني في خيرهم قبيلة ، ثم حين جعل البيوت جعلني في خير بيوتهم ، فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا "



ـ ولاحظ أن الحديث في كتاب ( دلائل النبوة ) ، وعند ابن كثير في باب ( ذكر النسب الشريف وطيب الأصل المنيف ) وفي الحديث تأكيد على شرف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في نسبه ، وهو يستدل به على أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس ابن أبيه وأنه لم يكن شريفا في نسبه. ألا قبحه الله.





والعباس يشتكي من حالة التنكر التي تبديها قريش لبني هاشم أبناء عمومة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى أنهم يقابلون العباس وبني هاشم عموما بوجوه لم يعرفوها من قبل ، قلت ولو أن بطرس يعقل ما تكلم بهذا التدليس والكذب ، فهو دائما يتكلم بأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاء ليقيم ملكا قرشيا عربيا ، وهذا الحديث في أمارة على أن قريش كانت تخالفه وتتنكر له هو ومن معه .. هو وقرابته.



================( 23)==================



في سياق تدليله على أن صيام رمضان كان موجودا قبل الإسلام والإسلامُ فقط أخذه من النصارى والحنفاء يدلل على ذلك قائلا : في تفسير الطبري للآية 183 من سورة البقرة ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم .. الآية ) عن الشعبي أن النصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض عليهم ولم يزل المسلمون على ذلك يصنعون كما تصنع النصارى(28) .أ . هـ .





والنص كامل هو من نفس المكان الذي ينقل عنه عن الشعبي قال : لَوْ صُمْتُ السَّنَة كُلّهَا لَأَفْطَرْتُ الْيَوْم الَّذِي يُشَكّ فِيهِ فَيُقَال مِنْ شَعْبَان وَيُقَال مِنْ رَمَضَان , وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَى فُرِضَ عَلَيْهِمْ شَهْر رَمَضَان كَمَا فُرِضَ عَلَيْنَا فَحَوَّلُوهُ إلَى الْفَصْل , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا رُبَّمَا صَامُوهُ فِي الْقَيْظ يَعُدُّونَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا , ثُمَّ جَاءَ بَعْدهمْ قَرْن فَأَخَذُوا بِالثِّقَةِ مِنْ أَنْفُسهمْ فَصَامُوا قَبْل الثَّلَاثِينَ يَوْمًا وَبَعْدهَا يَوْمًا , ثُمَّ لَمْ يَزَلْ الْآخَر يَسْتَنّ سُنَّة الْقَرْن الَّذِي قَبْله حَتَّى صَارَتْ إلَى خَمْسِينَ , فَذَلِكَ قَوْله :{ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ }





وذكر الطبري بعد هذا رواية أخرى تبين المراد من قول الله تعالى { كما كتب على الذين من قبلكم } يقول : " أَمَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا فَالنَّصَارَى , كُتِبَ عَلَيْهِمْ رَمَضَان , وَكُتِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَأْكُلُوا وَلَا يَشْرَبُوا بَعْد النَّوْم , وَلَا يَنْكِحُوا النِّسَاء شَهْر رَمَضَان . فَاشْتَدَّ عَلَى النَّصَارَى صِيَام رَمَضَان , وَجَعَلَ يُقَلِّب عَلَيْهِمْ فِي الشِّتَاء وَالصَّيْف ; فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ اجْتَمَعُوا فَجَعَلُوا صِيَامًا فِي الْفَصْل بَيْن الشِّتَاء وَالصَّيْف , وَقَالُوا : نَزِيد عِشْرِينَ يَوْمًا نُكَفِّر بِهَا مَا صَنَعْنَا . فَجَعَلُوا صِيَامهمْ خَمْسِينَ , فَلَمْ يَزَلْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ يَصْنَعُونَ كَمَا تَصْنَع النَّصَارَى , حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْر أَبِي قَيْس بْن صِرْمَة وَعُمَر بْن الْخَطَّاب مَا كَانَ فَأَحَلَّ اللَّه لَهُمْ الْأَكْل وَالشُّرْب وَالْجِمَاع إلَى طُلُوع الْفَجْر .أ . هـ.





هل في كلام بطرس شيء مما ذكره الطبري ؟!





يكذب ليفتري على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه أخذ شعيرة الصيام من النصارى ـ وهو لا يعترف أنهم المسحيون اليوم ـ وأنها لم تفرض بوحي من الله وإنما بتقليدٍ للأمم الأخرى نصارى وصابئة ومانوية ..الخ ثم يقول أستدل بكتب المسلمين . ألا لعنة الله على الكاذبين .

غير معرف يقول...

الإســـــلام
وأحــداث الحـادي عشــر
مــن أيلــول 2001
المقدمة


منذ أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر عام 2001 على نيويورك وواشنطن والحملة الهوجاء الظالمة المعادية للعروبة والإسلام من قبل القوى الفاعلة في الولايات المتحدة وحليفاتها في الغرب مستعرة بكل أبعادها السياسية والثقافية والعسكرية والاقتصادية، تستهدف تدمير مرتكزات الإسلام والعروبة من قيم ومبادئ. تسعى للهيمنة على الأرض وثرواتها، واستعباد الإنسان، وفرض هيمنة استعمارية على المنطقة، بما يخدم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وشريكاتها، ويحقق طموحات وأهداف الشريك الأهم في المنطقة المشرع الصهيوني الاستيطاني.
هذه الحملة الضارية قد جرى التمهيد لها قبل أحداث الحادي عشر من أيلول بسنين عديدة عبر نظريات فكرية، قدمت صوراً مشوهة عن الإسلام، واعتبرته الخطر الأكبر على الحضارة الغربية، وما أنتجته من أنماط سياسية وثقافية واجتماعية خاصة منها الديمقراطية وحقوق الإنسان. واستهدفت تلك الحملة تقديم صورة مغايرة لحقيقة الإسلام للرأي العام الغربي، من خلال تصويره كدين للإرهاب والحروب والقتل والعبودية، ويرفض الديمقراطية، ويقمع الحرية، ويحمل في ثناياه الشر بكل أنواعه للغرب ولحضارته.
فأنتج المعادون للإسلام من أصحاب تلك الحملة وعلى رأسهم القوى الصهيونية ذات التأثير السياسي والإعلامي والاقتصادي في الولايات المتحدة وأوربا مبدأً سياسياً جديداً، يقوم على ضرورة إشاعة الديمقراطية والحرية وفق الرؤيا الأمريكية والمتصهينة منها في العالم الإسلامي عامة والوطن العربي والشرق الأوسط خاصة. وذلك باستخدام كل أوراق الضغط على الأنظمة والشعوب معاً، وإن تطلب الأمر استخدام القوة العسكرية لفرضها، فعلى الولايات المتحدة وحلفائها أن لا تتوان في استخدامها، دون أن تهتم بالمعارضة الدولية والمحلية.
وترى تلك المجموعات المعادية للإسلام أن غياب الديمقراطية والحرية في تلك البلدان، هو السبب الرئيسي في نمو ظاهرة الإرهاب في العالم، والتي باتت تشكل خطراً على الأمن القومي في الغرب والولايات المتحدة بالتحديد مع النماذج الديمقراطية في العالم وفي مقدمتها الكيان الصهيوني. كما أن ظاهرة الإرهاب تهدد مصالح الغرب في العالم وخاصة الشرق الأوسط.
وربط أصحاب هذا الرأي بين غياب الديمقراطية ورفضها، وتنامي ظاهرة الإرهاب في العالم الإسلامي، والشعور بالحقد والكراهية للولايات المتحدة والغرب والكيان الصهيوني وبين الحضارة الإسلامية، لهذا قالوا: لم يعد الصراع الدولي اليوم صراع إيديولوجيات، بل هو صراع حضارات. فأطلقوا نظرية صدام الحضارات المؤسسة على التصادم الحتمي بين الغرب والإسلام، بسبب ما تحمل كل حضارة من ثقافات متعارضة مع الأخرى. وجرى تعبئة إعلامية وثقافية من قبل القوى المعادية للعرب والمسلمين، لتشن حملة من التحريض المنظم في وسط الرأي العام الغربي على الإسلام وحضارته ومرتكزاته الفكرية والثقافية وبناه التعليمية. وليس من الغرابة بمكان، أن يكون مبشرو هذه النظرية من غلاة الصهاينة واليهود المعادين للعروبة والإسلام معاً، أمثال بنيامين نتنياهو وصموئيل هنتغتون إضافة إلى القوى المتصهينة المؤثرة على السياسة الأمريكية أمثال ريتشارد بيرل ووليفز وارمتاج وغيرهم.
حيث بدأ نتنياهو قبل عشرين عاماً من أحداث نيويورك وواشنطن من خلال كتبه، بالتحريض على العرب والمسلمين في الغرب، ويفتخر بأنه كان وراء إقناع الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان بضرب ليبيا في الثمانينات، وتحسر كثيراً لفوات فرصة ضرب سورية، بعد أن كان أقنع القيادة الأمريكية آنذاك على ضربها، إلا أن اندلاع أحداث الخليج عام 1990 منع من تحقيق ذلك.
واحتوت كتابات نتنياهو والتي سبقت نظرية صدام الحضارات لصموئيل هنتغتون بعشر سنوات سموماً ضد الإسلام والعروبة، وتحريضاً على مواجهة المسلمين في بلادهم وبلاد الغرب. فكتب عما أسماه بالإرهاب الإسلامي، الذي اعتبره خطراً على ديمقراطية الغرب. وقدم للدول الغربية عشرة وصايا لمحاربة ذلك الإرهاب. وطلب تحجيم القوة العسكرية في البلاد العربية والإسلامية، حتى لا تهدد الغرب والكيان الصهيوني. وفرض حصار على دول كسورية والعراق وإيران وغيرها من الدول الرافضة للمشروع الصهيوني والمناصرة للحق الفلسطيني، على اعتبارها دولاً داعمة للإرهاب.
وحذر أيضاً كما يحذر هنتغتون في كتابه صدام الحضارات من تنامي الهجرة الإسلامية إلى بلاد الغرب، واعتبرها قنبلة موقوتة ستدمر حضارة الغرب، ودعا إلى إعادة هؤلاء المهاجرين إلى بلادهم، حتى لا يؤثروا بالمجتمع الأوربي والأمريكي، ويبدلوا أنماط حياتهم الاجتماعية والثقافية والسياسية. وأكد أن الخطورة في الهجرة ستكون من خلال ازدياد أعداد المهاجرين المسلمين، الذين سيشكلون في المستقبل قوة تأثير في القرار السياسي الأوربي والأمريكي (لوبي)، فيتحكمون بالقرار الغربي.
ثم جاء يهودي آخر صموئيل هنتغتون، ليجمع أفكار نتنياهو المعادية للعروبة والإسلام، ويصيغ بها نظرية جديدة سميت بـ (صدام الحضارات). التي لا يختلف مضمونها عن أفكار نتنياهو السابقة. حيث قسم العالم إلى حضارات ثمان، تنتمي كل واحدة منها إلى دين معين لا إلى أوطانها. ولم يذكر من بين تلك الديانات الديانة اليهودية، هذا الإغفال بالطبع لمعرفته الأكيدة بعدم وجود حضارة يهودية، كما أنه أراد بخبث واضح تحييد اليهود من صراع الحضارات، ليستفيدوا من تلك الحضارات جميعاً، دون أن يخسروا شيئاً.
نظرية صدام الحضارات التي طرحها هنتغتون، استهدفت قبل وقوع أحداث الحادي عشر من أيلول تهيئة الرأي العام العالمي عامة والغرب خاصة ذهنياً لوقائع قادمة ضد الغرب من قبل المسلمين. لهذا جرى قبل الأحداث تحويل النظرية إلى أشكال من الممارسة والتطبيق، بغية ترسيخ فكرة العداء الإسلامي للغرب، من خلال تصنيع مجموعات وتنظيمات إرهابية في دوائر المخابرات الأمريكية والموساد، تلبس لبوس الإسلام، لأن أفرادها ينتمون إلى الإسلام، لتقوم بممارسة الإرهاب البشع والمرفوض إنسانياً وليس إسلامياً فقط، حتى تكتمل الصورة المشوهة عن العروبة والإسلام لدى الرأي العام الغربي.
حيث مارست تلك التنظيمات الإرهابية المصنعة في بلدان عربية وإسلامية كمصر والجزائر وأفغانستان وغيرها من البلدان أبشع الجرائم من قتل وذبح ضد المدنيين العزل، وإلحاق الأذى والتدمير بالمؤسسات الثقافية والمدنية والسياحية، تلك الجرائم التي يدينها الإسلام، الذي جاء لمحاربتها أصلاً. كانت الهدف منها كما أرادت دوائر الموساد والمخابرات الأمريكية، تقديم نموذجاً عما أسموه بالإرهاب الإسلامي للعالم عامة وللرأي الغرب خاصة، فيكون العالم مهيأ نفسياً لحدث أكبر، يكون فيه المتهم جاهزاً.
وهكذا تمت التهيئة لصناعة حدث خطير وجريمة كبرى كما حدث في الحادي عشر من أيلول عام 2001 في نيويورك وواشنطن. حتى إذا ما وقع حدث جلل ضد الغرب والولايات المتحدة، سيصدق الرأي العام العالمي عامة والأمريكي خاصة، بأنها من صنع المسلمين وأعمالهم الإرهابية. فيتم بسببها تحقيق أهداف استراتيجية أمريكية وصهيونية، دون النظر إلى الأرواح التي ستزهق من هذا الحدث، ما دام يحقق لها أغراضها وأهدافها. ثم يلبس العرب والمسلمون جريمة الحدث، في حين يصبح المجرم الحقيقي بريئاً ومعتدى عليه.
وهكذا تم تصنيع أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، ليبدأ الغزاة صانعوا الحدث من جني ثماره، قبل أن تكشف الحقائق، ويظهر المجرم الحقيقي. فأمام قرع طبول الحرب وأصوات الطائرات والدبابات والبوارج وحاملات الطائرات، يختفي صوت الحقيقة، ويضيع ويتبدد أمام قرقعة السلاح. هذا إذا علمنا أن من يرفع صوت الحقيقة، ومن يحمل وزر الجريمة، هو أضعف من أن يرد الذباب عن وجهه.
فالجنود في المعسكرين الأمريكي والصهيوني يعيثون فساداً في الأرض تحت ذريعة أحداث هم صانعوها. فمن ذرائعها يتم تحقيق استراتيجية الهيمنة والتقسيم للبلاد العربية والإسلامية، عبر سلسلة من الحروب بدأت في أفغانستان والعراق، وستنتهي بالسيطرة الشمولية على الأرض والإنسان والثروة، وتحقيق أحلام صهيون والإدارة الأمريكية اليمينية بتدمير العروبة والإسلام.
هذا الكتاب يسلط الضوء على أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001. ويجيب على أسئلة كثيرة تدور في الساحتين العربية والدولية، ويرد على نظرية صدام الحضارات. ويؤكد أن الصراع لم يكن يوماً بين الحضارات، بل صراعاً في السلوك والغايات والأهداف وبالناتج الثقافي لتلك الحضارات.
وبقدم الكتاب عرضاً مستفيضاً عن الغايات والأهداف التي من أجلها تمت صناعة أحداث الحادي عشر من أيلول، وما تبعها من نتائج مأساوية وكارثية أصابت العالم العربي والإسلامي. ويبين الكتاب الأسباب الحقيقية وراء احتلال كل من أفغانستان والعراق واستمرار التهديد لسورية وإيران.
وفي الباب الثاني من الكتاب نوضح بجلاء إن الإسلام هو دين الحضارة والعلم، ويقبل الحضارات الأخرى ويقدم لها ويأخذ منها، ولم يكن يوماً محارباً لمعتقدات الآخرين الدينية، بل كان ولا زال يوجب على أتباعه احترام معتقدات الآخرين منطلقاً من قاعدة قوله تعالى: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ. وليس هناك صدام حضارات بل صدام بين السلوكيات الثقافية المنتجة بين حضارة وأخرى.
ويقدم الكتاب الدلائل على أن ما يسمى بالإرهاب الإسلامي إنما هو صناعة صهيونية وأمريكية، لتخدم أهداف بعيدة للمشروعين الأمريكي والصهيوني، والمعارض والمتصادم مع المشروع العربي النهضوي منذ بداية القرن العشرين.
كما أن هذا الكتاب في بابه الرابع يرد على الاتهامات الأمريكية والصهيونية للإسلام واتهامه بالظلامية، ورفض الحرية، وأنه دين الاستبداد. ويوضح رؤية الإسلام للحرية، ويبرهن أن الإسلام جاء بالأساس لتحرير الإنسان من كل أشكال الرقّ. ويوضح مفهوم الشورى في الإسلام مع الدلائل.
ويبحث الباب الخامس من الكتاب موقف الإسلام من العدل رداً على بعض السياسيين والمفكرين والصحفيين المتصهينين الذين اتهموا الإسلام بالجور والظلم.
إن هذا الكتاب يأتي في زمن تتسارع الأحداث، التي تستهدف المنطقة العربية والإسلامية، يجيب عن بعض أسباب هذه الأحداث ليكون عوناً للقارئ العربي والمسلم في فهم جزء من الحقيقة عن الهجمة الأمريكية والصهيونية ومن تحالف معهما ضد العرب والمسلمين في الوقت الراهن.
راجياً من الله العزيز القدير أن أكون قد أسهمت في الدفاع عن العروبة والإسلام أمام هذه الحرب الظالمة، التي تقودها القوى المتصهينة في الولايات المتحدة والغرب والكيان الصهيوني.


زبير سلطان قدوري
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ الباب الأول

أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر

صناعة وأهداف
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ بعد مضي عام ونصف على أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 في نيويورك، لا بد من وقفة يسترجع فيها المشاهد تلك الأحداث، ليقوم بتقييم لها، ويتعرف على بعض حقائق مسبباتها، وعلى بعض من أسرارها، التي تحصلت لديه من الأبحاث والدراسات الإقليمية والدولية التي نشرت عنها. كما يتطلب منه استخدام تفكيره في فك بعض من رموزها، لعله يصل إلى بعض النتائج، التي توصله إلى القليل من الحقيقة، التي ستغيب عن العالم سنوات قد تمتد عشرات السنين أو أكثر.
فالحقيقة الكاملة لا تظهر إلا بعد مرور زمن طويل، وقد لا تظهر مطلقاً، حيث ستبقى في عالم الغيب، وسراً من أسرار صناع الحدث، قد يكونون في هرم السلطة وطبعاً مع أجهزتهم الأمنية المتعددة الأغراض في صناعة أحداث نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من أيلول 2001.
فليست كل الظواهر التي تنشأ مع الحدث مباشرة حقائق، بل هي ظواهر تخفي في طياتها ما هو أدهى وأمر، مما ظهر للرائي أو المستمع أثناء وقوع الحدث، فكثيراً من وظائف وأهداف الحدث الآنية توظف بعد وقوع الحدث، لتحقيق الهدف الرئيسي من صناعته. ثم تبقى بعد ذلك حقيقة صناعته وشخوصه وطرائق تنفيذه سراً، قلنا إما تكتشف أجزاء منه، أو لا تكتشف، إلا إذا حدث تصدع أو تمرد بين مجموعة صانعيه، فيمكن معرفة الحقيقة أو جزء منها.
إلا أن حدث هاماً في تاريخ العالم، كالذي حدث في نيويورك وواشنطن، أدى إلى حدوث تغيرات في مجرى تاريخ الأمم، يتطلب من كل باحث أو محلل أو مهتم بعلم تاريخ الشعوب، أن يتقصى الحدث بكل أبعاده، ليتمكن من الوصول إلى معرفة الحقيقة أو جزء منها. وأن يقوم بالتقاط أجزاء من هنا أو هناك مما حدث، حتى يتمكن من رسم الشكل الأولي للصورة المقاربة لبعض من الحقيقة، ريثما يظهر الزمن الحقيقة كاملة أو القسم الأعظم منها.
ولقد علمنا التاريخ أيضاً، أن كثيراً من المؤامرات والجرائم، التي تحيكها، وترتكبها دول طامعة في ثروة أو أرض أو فرض هيمنة على بلد آخر، تقوم بنسج خيوطها، وتنفذها، وتتهم الآخرين بها، سواء أكانوا دولاً أو أحزاباً ومنظمات أو جماعات من المعادين لها. حتى وأن ضحت بجزء من مواطنيها أو جنودها أو عتادها، أو حتى تضحي بقسم من منشآتها في سبيل هدف ترمي لتحقيقه. وبعد تقوم بحسابات التوازن بين الربح والخسارة. وتاريخ الإدارات الأمريكية وأجهزتها الأمنية، وحليفتها الحركة الصهيونية وجهازها السيئ الصيت الموساد حافل بتلك المؤامرات القذرة.
وفي هذه القراءة الأولية، نسعى للبحث عن الجزء اليسير من معرفة الحقيقة، من خلال ما توفر لدينا من معلومات عما حدث في الحادي عشر من أيلول 2001 في الولايات المتحدة. حتى نتمكن من تحليل بسيط لخلفيات هذا الحدث، وعن المستفيد منه، والتوظيفات التي تمت لاستثماره من قبل القوى الإقليمية والدولية، ولتحويله إلى رأس مال تباع وتشترى من خلاله الكثير من القضايا الدولية، وفي مقدمتها قضايا العرب والمسلمين.
فالحدث من حيث الشكل الذي تم به، وبهذا الحجم والدقة في الإصابة لأهدافه ليس بالأمر السهل، وتنفيذه بما خطط ورسم له، يصعب على دول كبرى القيام به. فمكان الحدث هو الولايات المتحدة، وهي أقوى دول العالم مالياً وعسكرياً واقتصادياً، والتي تملك أرقى وأحدث وسائل المراقبة والتجسس الجوية والأرضية، مما يسمح لها بالتجسس على العالم كله. إضافة إلى أن لديها شبكات من الجواسيس والعملاء، تعم المعمورة براً وبحراً وجواً، وهي تفتخر بأن لديها مخابرات مركزية (سي. آي. أى) يحيط بعملائه وأجهزته كل دول العالم. وهي تملك تاريخاً بصناعة المؤامرات من تغيير أنظمة، وتنصيب أخرى على السلطة، وتدرب جيوش من التنظيمات في مختلف القارات، لتحقيق أهدافها من تفجير الصراعات العرقية والطائفية والقومية، وتدبر الاغتيالات السياسية لكبار المسؤولين في العالم، وتصنع الحروب وبؤر التوتر في أنحاء المعمورة، وتتنصت على غرف نوم قادة وزعماء حكومات، وتشارك في كل الخبائث، ولديها من وسائل المراقبة والرصد والتجسس، مما يسمح لها أن تعرف ما يجري في العالم كله.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ من صنع أحداث الحادي عشر من أيلول/
سبتمبر 2001؟


في مقابلة صحفية تمت للرئيس السابق للمخابرات الألمانية (إيكهارت فرتباخ)، عن رؤيته عما حدث في نيويورك وواشنطن، وتحليله لقدرة مجموعة صغيرة من تنظيم القاعدة التابع لأسامة بن لادن في صناعة هذه الأحداث الضخمة. استبعد أن يقوم بها أي تنظيم، بل في رأيه لا يمكن أن تنفذه إلا دول متقدمة ومتطورة، وقال (إن هجمات 11/9 كانت تحتاج إلى سنوات من التخطيط. وحجمها يبين أنها نتيجة لأعمال تنظمها دول)(1)
فالاختراق للولايات المتحدة بهذا الحجم الضخم، ليس من السهولة بمكان، وخاصة لتنظيم كتنظيم القاعدة، كما تدعي الولايات المتحدة وأجهزتها الأمنية، أو كما يدعي قادة القاعدة عبر أشرطة فيديو، تبث من قناة الجزيرة القطرية. فتنظيم القاعدة لا يضاهي لا في الشكل ولا في المضمون أجهزتها الأمنية، سواء أكان في الحجم أو الإمكانات أو القدرات المادية والتقنية وغيرها، فلا توجد مقارنة ولا بأي نسبة كانت.
إضافة أن الموقع الجغرافي للولايات المتحدة المطوق بالمحيطات، لا يسمح بهذا الاختراق السهل. وهذا الموقع المحصن جغرافياً أفشل محاولات أعدائها من الدول العظمى في الحربين العالميتين الأولى والثانية من الوصول إلى برها. وطالما تغني الأمريكيون بالأمن من خلال موقعهم الجغرافي. الذي صعب حتى على هتلر اختراقه في الحرب العالمية الثانية، أو حتى الوصول إلى شواطئها. كان ولا زال سوراً أمنياً مانعاً، يحمي الولايات المتحدة من أي هجوم بري محتمل.
كما إن قواعدها العسكرية مزروعة في دول عدة على امتداد المعمورة، لا يسمح بحدوث ما حدث، إلا عبر تقنيات متقدمة جداً، وخدمات لوجستية ومخابراتية هائلة، سواء في داخل الولايات المتحدة وخارجها، حتى يتم تنفيذ عمليات بهذا الحجم الضخم، الذي حدث في الحادي عشر من أيلول.
وبما أن ما حدث في الحادي عشر من أيلول لا تستطيع القيام به أي دولة من الدول المتقدمة اليوم، والتي تناطح الولايات المتحدة بامتلاكها القدرات العسكرية والاقتصادية والمخابراتية. فكيف بابن لادن وإمكانياته المتواضعة أمام الولايات المتحدة ومن خلفها الحلف الأطلسي بإمكاناته الهائلة، يقوم بهذا العمل دون غطاء داخلي، وتسهيلات من أجهزة الرصد الاستخباراتي للولايات المتحدة؟.
وللدلالة على توفر غطاء مخابراتي من قبل أجهزة أمنية أمريكية وغيرها، أو من أجهزة استخباراتية دولية تعمل في الولايات المتحدة عدم استغلال عامل الزمن لمنع مسلسل الأحداث. حيث نرى أن فارقاً زمنياً بين الطائرتين اللتان اصطدمتا في مركز التجارة الدولية في نيويورك يزيد على ثلث الساعة، ووجود فترة زمنية ثانية، بين الطائرة الثانية التي صدمت برج مركز التجارة الدولية، وارتطام الطائرة الثالثة بالبنتاغون في واشنطن المحصن تحصيناً بالغاً.
فأين غابت تلك القوة الهائلة من القوات المسلحة والأجهزة الأمنية المكلفة برصد الخطر عن بلادها عن منع بقية الطائرات من التنفيذ بعد ارتطام الطائرة الأولى بمركز التجارة الدولية؟ وكيف لم تستغل القوات المسلحة والأمنية هذا الوقت في درء الخطر بعد الضربة الجوية الأولى؟ ولماذا ترك هذا الزمن لتنفيذ مخطط الجريمة؟.
والسؤال الآخر الذي يخطر على البال اليوم بعد مضي أكثر من عام، أين الصناديق السوداء لتلك الطائرات، التي قامت بضرب مركز التجارة العالمي والبنتاغون؟ فمن المعروف لدى الجميع أن تلك الصناديق لا تتأثر لا بحريق أو ماء بحر أو غيرها. لماذا لم يعلن عن وجودها؟ وما هي المعلومات التي احتوتها أشرطتها.؟ فحتى تاريخ هذا اليوم لم تعلن الولايات عن اكتشاف تلك الصناديق السوداء، بل لم تقل شيئاً!!. فما مصير تلك الصناديق؟ وأين هي الآن؟ ولماذا التكتم عليها من قبل الإدارة الأمريكية؟.
* الحدث فوق طاقة تنظيم القاعدة أو غيره
إن ما حدث في الحادي عشر من أيلول في نيويورك وواشنطن، حسب كل الخبراء من عسكريين واستراتيجيين وباحثين في كل أنحاء العالم، يستغرق إعداده عدة سنوات. فكيف لم يكتشف خلال الإعداد له، الذي قدر بعدة سنوات؟ وكيف يكتشف بعد التنفيذ مباشرة وبساعات قليلة؟ حيث اتهمت الإدارة الأمريكية بعد ساعات من الحدث تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن، بالهجمات التي أصابت برجي مركز التجارة العالمي ووزارة الدفاع (البنتاغون).
فالذي يتمكن من معرفة القائم بالعملية خلال ساعات، ويمتلك القدرة الدقيقة في معرفة الفاعل، وبسرعة مذهلة! أليس بالأحرى أن يكتشف عمليات التخطيط له، الذي استغرق سنوات؟.
أليس من الغريب أيضاً أن يطلب وزير الدفاع رامسفيلد من الإدارة العسكرية بعد خمس ساعات من الأحداث، وضع خطة لضرب العراق(2)، وكأن وزير الدفاع يترقب هذا الحدث، فيسرع بالاستفادة الفورية من نتائجه، فيضع جدولاً لتوظيف الحدث تنظيم القاعدة وأفغانستان ومن ثم العراق!!
ولماذا أطلقت على دول معينة العراق وإيران وكوريا الشمالية دول محور الشر؟ وهؤلاء ليس لهم أية علاقة بين الحدث لا من قريب أو بعيد، كما نشرت السلطات الأمنية الأمريكية عن مرتكبي الحادث، إلا لنوايا مبيتة ومرسومة مسبقاً، ثم تختار سبع دول أخرى أسماها الرئيس الأمريكي بالدول المارقة وهي (العراق وسوريا وإيران وليبيا والسودان وإيران وكوبا وكوريا الشمالية) بذريعة أنها تهدد الولايات المتحدة على زعمه، هل جاءت التسمية عبثاً أم لتصفية حسابات من دول نهجت نهجاً وطنياً مستقلاً غير تابع لها؟.
وعقب الحدث شنت وسائل الإعلام الغربية المشبوهة حملة على الإسلام، تتهمه بأنه مستودع يفرخ الإرهابيين، وبأنه يعلم اتباعه كراهية الغرب، وأنه خطر على ديمقراطية الغرب.
ولكن لمعرفة المجرم الحقيقي صانع الحدث، لا بد من العودة إلى بدهيات قانون اكتشاف الجرائم، الذي يقول (لمعرفة الجرائم ابحث عن المستفيد). فمن هو المستفيد من نتائج هذه الأحداث سوى الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني!!.؟ فالإسلام المتهم، لم يستفد منه، بل تمت محاصرته، وأخذت بلدانه على حين غرة.
وقد فوجئت به كافة الدول الإسلامية بما فيها حكومة طالبان في أفغانستان، التي يتواجد فيها أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة. والمتابع لسير التداعيات العسكرية والسياسية بعد الأحداث، قد شاهد أن الاستغراب والاستنكار لما حدث، كان بادياً على جميع تلك الدول والمؤسسات الروحية والمدنية الإسلامية، لما جرى في نيويورك وواشنطن.
وهذا ينفي التهمة عن الإسلام والمسلمين. وإن كان تنظيم القاعدة بزعامة ابن لادن تورط به، كما تدعي أشرطة قناة الجزيرة القطرية على لسان أسامة بن لادن وكبار تنظيم القاعدة، أو أشرطة بعض المنفذين/ وحتى وأن كانت ملفقة، فالتقنيات الحديثة في علم الصوتيات والتصوير قادر على خلق مثل هذه الأشرطة/ فمن المؤكد أنه تم استغلال القاعدة لتنفيذ الحدث، سواء علمت، أو لم تعلم بهذا الاستغلال. وإنها كانت تقوم بهذا الحدث برعاية وتسهيلات ومراقبة أجهزة الأمن الأمريكي والصهيوني.
فالمستفيد كما أشرنا، وسنبنيه فيما بعد هو الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وفق معادلة قانون الربح والخسارة لدى الرأسماليين والتجار والحركات العنصرية وسياسي الغرب. فبالنسبة للولايات المتحدة الربح أكبر وأعظم من خسارة برجين وقسم من البنتاغون. أما عن الضحايا لا يهتم بهم من صنع، وشارك، وغطى الحدث، أما تحقيق أرباح سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية.
والمستفيد الرئيسي الثاني من الحدث الكيان الصهيوني، فقد عادت لـه الأحداث بمكاسب كبيرة، سواء بتغطيتها للجرائم الهائلة، التي يرتكبها بحق الشعب العربي الفلسطيني وأرضه، أم في صرف أنظار الرأي العالمي عن هذه الجرائم. كما أتاحت لـه فرصة لصق تهمة الإرهاب بالمقاومة الفلسطينية.؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ دروس من تاريخ الولايات المتحدة
في صناعة أحداث لتستفيد منها.


والتاريخ كما قلنا أعلاه علمنا الكثير حول صناعة المؤامرات والجرائم، التي يرتكبها وتحيكها الدول الكبرى الطامعة بثروات غيرها، ومن ثم إلصاقها بالآخر. وتاريخ المخابرات المركزية الأمريكية أو الموساد الصهيوني حافل بمثل تلك الجرائم، ومن ثم إلصاقها بالعرب وغيرهم من الشعوب المناهضة للهيمنة والمشروع الصهيوني. ففي مسألة الربح والخسارة يدقق كلاهما في المسألة، وحين يتبين لهما أن الربح كبير، فلا يمتنعان عن تنفيذ أي جريمة أو مؤامرة، وإن كانت تتطلب التضحية بجنودهما أو مواطنيهما.
فالولايات المتحدة لها باع طويل في صناعة مؤامرات وأحداث، واتهام الخصوم بها، فالتاريخ يتحدث عن قصص حدثت من قبل، جرى فيها قتل وحرق وتدمير لمنشآت وآلات حربية من قبلها، ومن ثم تقوم باتهام الآخرين بها. فمنذ النشأة الأولى لها، تمت إبادة الهنود الحمر تحت ذرائع واهية كاذبة. كما قام بعض البحارة الأمريكيون في عام 1898 بحرق سفينة الماين، وقتل 266 بحاراً فيها من زملائهم البحارة الأمريكيين، واتهموا الأسبان بها بغية إشعال حرب معهم للسيطرة على الجزيرة الكوبية، التي كانت مستعمرة من قبل أسبانيا وفرض الحماية الأمريكية عليها.
وحروب السنوات الأربع في بداية القرن التاسع عشر مع دول المغرب العربي، تمت هي الأخرى بنفس الطريقة، والقصص كثيرة عن ممارسات الولايات المتحدة في صنع جرائم واتهام الآخرين، بغية هدف رسمته، لتحقق من خلاله أرباحاً تعادل عشرات المرات من خسارتها. وكذلك الحركة الصهيونية فتاريخها حافل بمثل تلك الجرائم، واتهام الآخرين بها، حتى وإن كانت تلك الجرائم تودي بحياة المئات من اليهود.
* من الشواهد على تصنيع الحدث
ومن الدلائل القليلة التي توفرت بعد عام من أحداث أيلول 2001، قد اعترفت الإدارة الأمريكية يوم الخميس 19 أيلول 2002 في ردها على الكونغرس الأمريكي، بأنها كانت على علم بالتهديدات التي يشكلها أسامة بن لادن قبل 11 أيلول عام 2001. وادعت أنها لم تكن تملك ما يكفي من المعلومات الاستخباراتية الدقيقة للحؤول دون وقوع الهجمات على نيويورك وواشنطن.
واعترفت في ردها، أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية تلقت عشرات التحذيرات، بشأن إمكانية حصول هجوم، لكنها تجاهلتها. وهذا ما أكده ريتشارد ارميتاج نائب وزير الخارجية في شهادته المكتوبة أمام اللجنة المؤلفة من مجلس الشيوخ والنواب، واعترف أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية تلقت العشرات من التحذيرات، تشير إلى إمكانية استخدام الطائرات كسلاح.
وبرر عدم اتخاذ الإجراءات الأمنية المطلوبة، قائلاً: (لكن أياً من تلك التحذيرات لم يتنبأ بهجمات الحادي عشر من أيلول). وادعى (أن ما لم نعلمه كان على المستوى التكتيكي، لم نكن نعلم ما هي الأهداف التي ينوي تنظيم القاعدة مهاجمتها، ومتى وكيف؟).(3)
وكانت السيدة إليانور هيل رئيس لجنة التحقيق الذي يجريه الكونغرس حول إخفاقات أجهزة الاستخبارات، قد قدمت تقريراً للجنة يوم الأربعاء 18 أيلول 2002 من ثلاثين صفحة، أكدت فيه أن هذه الأجهزة، كانت على علم بخطر وقوع هجمات، تستخدم فيها طائرات مدنية قبل هجمات 11 أيلول
2001. لكنها اعتبرت تلك الأجهزة أن هذا الخطر ليس كبيراً.
ومن المعلومات المثيرة التي أوردتها السيدة هيل في تقريرها، أن المعلومات الأولية حول احتمال شن هجمات بالطائرات، يعود إلى عام 1994، حين خطف مسلحون جزائريون طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية، وهددوا بتفجيرها في برج إيفل. وقالت إنه في عام 1995 داهمت الشرطة الفيلبينية شقة في مانيلا، وعثرت على وثائق تفيد عن مؤامرة لصدم طائرة في المركز الرئيسي لوكالة الاستخبارات المركزية قرب واشنطن. وأحد واضعي الخطة كان رمزي يوسف الذي اعتقل وأدين في تفجير مركز التجارة العالمي عام 1993. أما الثاني فهو خالد الشيخ محمد، الذي يعتقد المسؤولون الأمريكيون أنه العقل المدبر لهجمات 11 أيلول.
وجاء في التقرير أن أجهزة الاستخبارات تلقت تقريراً في كانون الثاني عام 1996 من مصادر يعتد بها، يفيد عن تخطيط تنظيم القاعدة لعملية تقضي بانطلاق طائرة من أفغانستان إلى الولايات المتحدة، وتصطدم بالبيت الأبيض. وفي عام 1997 تلقت أيضاً تقريراً بأن مجموعات إرهابية اشترت طائرات، لتضرب بها مبان في الولايات المتحدة. وفي آب 1998 تلقت تقريراً يفيد بأن نشطاء عرب، يخططون لقيادة طائرة محملة بالمتفجرات من بلد أجنبي، وصدمها بمركز التجارة الدولي. وفي أيلول من نفس العام علمت الأجهزة أن ابن لادن، يخطط لتفجير طائرة في إحدى المطارات الأمريكية. وبعد أسابيع وردت معلومات، تفيد أن ابن لادن سيستهدف مركز التجارة الدولي.
وفي شباط 2001 وردت معلومات جميعها تؤكد أن ابن لادن سيضرب في الأشهر المقبلة، وأن الهجوم سيكون في نيويورك وكاليفورنيا. وفي نيسان 2001 وردت معلومات أن ابن لادن مهتم باستخدام طائرات تجارية للقيام بهجمات في الولايات المتحدة. وفي أيار وحزيران من العام نفسه ورد /23/ تقريراً، أفادت أن الهجوم وشيكاً. وفي نهاية صيف عام 2001 أكدت معلومات للمخابرات الأمريكية المركزية أن تنظيم القاعدة، يستعد لشن هجوم في الولايات المتحدة. وفي 10 أيلول 2001 رصدت أجهزة الاستخبارات مكالمتين هاتفيتين تتحدثان عن هجوم وشيك، ولم تترجم المكالمتين إلى اللغة الإنكليزية إلا في 12 أيلول 2001)(4)
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ روايات تحمل الكثير من الثغرات
عن دور تنظيم القاعدة في صناعة الحدث


من المفارقات التي تدعو إلى إعادة صياغة الأحداث بشكل تسلسلي، حتى يتبين للباحث أن أصابع المخابرات المركزية غير بعيدة عن صناعة الأحداث، من خلال المشاركة والتسهيلات اللوجستية، وغض الطرف والحماية، وعدم منع الحدث قبل وقوعه. فمن بعض المواقف التي تدعو للشك، فنرى أن زياد الجراح أحد المتهمين في تنفيذ هجمات 11 أيلول هو من المطلوبين من قبل الأجهزة الأمنية الأمريكية، يتم توقيفه بناء على طلب تلك الأجهزة في مطار دبي عام 1998، وهو في طريقه إلى لبنان، ومن ثم يسمح لـه بالسفر بعد اتصال مسؤول أمريكي في المخابرات المركزية.
أما خالد المحدار أحد أبرز منفذي الأحداث، فقد عممت الأجهزة الأمنية الأمريكية على مطاراتها وحدودها وسفاراتها، بأنه رجل خطر على الولايات المتحدة الأمريكية، فإذا به يدخل إلى الولايات المتحدة بتأشيرة دخول أمريكية، ويتم التغاضي عنه في المطار، وتم ذلك قبل وقوع الأحداث بثلاثة أسابيع. وادعت المخابرات المركزية الأمريكية أنها علمت به، ولكنه فر عن مراقبتها.
وزكريا الموسوي الفرنسي الجنسية المغربي الأصل، تعلم المخابرات المركزية بأنه حسب ما توفر لديها من معلومات من قبل الأجهزة الأمنية الفرنسية والغربية، بأنه كان يعد لعمل ضد المصالح الأمريكية. لكنه يدخل للولايات الأمريكية بأمان، وحين تطلب بعض الأجهزة الأمنية من إدارتها تفتيش جهازه الحاسوب (الكومبيوتر)، تتدخل الإدارة الأعلى في الأجهزة، وتمنعها من التفتيش.(5)
ومن الدلائل على صناعة الحدث من قبل الأجهزة الأمنية، أن عميلاً للمخابرات يدعى (فينكس) يعمل في ولاية أريزونا، قدم مذكرة إلى المخابرات المركزية، بين فيها ازدياد العرب الذين يدرسون الطيران. وتقدم بتقرير في 2 تموز من عام 2001 حذر المباحث الفدرالية من حملة هجومية جوية على أمريكا. كما حذرت المخابرات المركزية في 6 آب 2001 من هجمة على الولايات المتحدة ستتم لها علاقة بالطيران.
ومن السخرية أن يبرر أحد المسؤولين في المخابرات المركزية مرور المكلف بحمل السكاكين إلى الطائرة المختطفة من بوابة التفتيش، التي تنذر لوجود إبرة لا سكين من دقتها، دون أن يتم تفتيشه، ومن ثم إيقافه من قبل رجال الأمن في المطار. فيبرر هذا المسؤول عملية المرور دون تفتيش قائلاً: لقد أنذرت أجهزة التفتيش عند مرور حامل السكاكين البوابة، إلا أن مرور فتاة جميلة في نفس اللحظة، سحرت عينا الحارس وبقي ملتفتاً عليها، مما جعلته يسمح لـه بالدخول دون تفتيش، وبركوب الطائرة. هل هذا معقول؟(6). إلا في العرف الأمريكي، الذي يجد مبررات له، وإن كانت تافهة.
الاكتشاف الأول عقب الحدث مباشرة عن علاقة القاعدة بهذا الحدث من قبل إف. بي. آي، يذكر بدخول عملاء من شبكة ابن لادن للولايات المتحدة الأمريكية، وأنهم تدربوا على قيادة الطائرات بصورة سريعة، وأنهم خطفوا الطائرات بعد أن تقسموا إلى مجموعات.
وفي 14/9/2001 أعلنت أسماء تسعة عشر بادعاء أنهم قاموا بعملية الخطف: 1ـ خالد المحدار (سعودي الجنسية). 2ـ ماجد مقعد (سعودي). 3ـ نواف الحازمي (سعودي) 4ـ سالم الحازمي (سعودي). 5ـ هاني حنجور. 6ـ سطام السقامي (سعودي). 7ـ وليد الشهري (سعودي). 8ـ وائل الشهري (سعودي). 9ـ محمد عطا (مصري). 10ـ عبد العزيز العمري (سعودي). 11ـ مروان الشحي. 12ـ فايز رشيد أحمد القعدي بني حماد. 13ـ أحمد الغامدي (سعودي). 14ـ حمزة الغامدي (سعودي). 15ـ سعيد الغامدي (سعودي). 16ـ أحمد إبراهيم الحزناوي (سعودي). 17ـ أحمد النعمي. 18ـ زياد الجراح.
وكذبت السفارة السعودية في واشنطن هذا النبأ، فقالت أن خمسة من هؤلاء هم أحياء، يقيم أربعة منهم في وطنهم، وهم:
عبد العزيز العمري ومهند الشهري وسالم الحازمي وسعيد الغامدي، والخامس يعمل طيار في خطوط الجوية المغربية وهو وليد الشهري يقيم في الدار البيضاء. ونفى الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية وجود أي دليل قدمته الولايات المتحدة عن علاقة السعوديين بهذا الحادث.
ويسأل تيري ميسان كيف تم اكتشاف أسماء هؤلاء الانتحاريين؟ قائلاً: (وإذا ما راجعنا اللوائح بأسماء الضحايا المنشورة من قبل شركات الطيران بتاريخ 13 أيلول، نفاجأ بعدم إدراج أسماء القراصنة عليها.)(7) فكيف عرفت إذاً تلك الأسماء، إن لم تكن مدرجة مع أسماء الضحايا؟. أليس هذا الأمر مسبق الصنع؟.
وذكر كل من وزير العدل جون أشكروفت ومدير جهاز أف. بي. آي روبرت مويلر في 28/9/2001، بأنه وجدت رسائل تتضمن تعليمات للانتحاريين في حقيبة، قد تركها أبرز قادتهم محمد عطا، ليتمكن من صعود الطائرة. وفق أقوال جهاز أف. بي. آي.
وقالوا أنهم وجدوا أيضاً نسخة مماثلة في حقيبة نواف الحازمي، تركها في مطار دالس، أما الأغرب ما تم ادعاؤه، هو أنهم وجدوا نسخة في بقايا الطائرة، التي تفجرت فوق ستوني كريك تانوتشيب في بنسلفانيا. والغرابة تأتي كيف تصمد ورقة تعليمات من الحريق، الذي أصاب الطائرة، في حين صهر الحريق الصندوق الأسود الذي لا يتأثر بالنيران!!؟.
أكذوبة من أكاذيب الأجهزة الأمنية الأمريكية والإدارة أيضاً، كما ادعت من قبل أنها وجدت جواز سفر محمد عطا بين أنقاض برج التجارة الدولية، فكيف تنصهر الطائرة، والفولاذ الذي بني به البرجين، وبقي جواز سفر محمد عطا سالماً!!؟ من أي نوع صنع هذا الجواز!!؟ قد يكون صنع من مواد قد جلبت من الشمس لا ندري!!.
لنرى ماذا في تلك الورقة كما تدعي وزارة العدل وجهاز أف. بي. آي؟ فقد تضمنت التالي:
(1ـ عاهد نفسك على الاستشهاد وجدد نيتك به. احلق جسدك وطهره بماء الكولونيا. واستحم.
2ـ تأكد من حسن اطلاعك على جميع تفاصيل الخطة وكن مستعداً للرد المعاكس ورد فعل العدو.
3ـ اقرأ سورتي التوبة والأنفال تمعن بمضمونهما وفكر بكل ما وعد الله به الشهداء.).(8)
* القاعدة وفق الإعلام القطري والغربي تتبنى أحداث 11 أيلول 2001
وفق الإعلام القطري (قناة الجزيرة) والإعلام الغربي الأمريكي، تم الادعاء بأن تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن قد تبنى هجمات الحادي عشر من أيلول على نيويورك وواشنطن. هذا التبني وعلى الرغم من الأشرطة المفبركة والمصنعة، لا يزال موضع شك لدى معظم المحللين العسكريين الاستراتيجيين والمراقبين للأحداث العالمية، بسبب ضخامة الحدث، والمتطلبات التقنية العالية لتصنيعه، وضرورات توفر إمكانات هائلة لتنفيذه بهذه الدقة كما بينا أعلاه.
وعلى الرغم من أكذوبة البنتاغون، الذي نشر شريط الاعترافات، التي قيل أن أسامة بن لادن أدلى بها في 13/12/2001. فقد جاء بث الشريط بعد إلحاح داخلي ودولي على الإدارة الأمريكية، لتقديم الأدلة عن تورط ابن لادن وتنظيم القاعدة بأحداث نيويورك وواشنطن. ومما يبين حالة التزوير والتلفيق للشريط، فقد جاء متطابقاً تماماً مع كل أكاذيب وزيف الإدارة الأمريكية وأجهزتها الأمنية، التي أعلنت عنها عقب الأحداث مباشرة، وكأن الإف. بي. أي. أو السي. آى. أي قد قامت بتلقين ابن لادن ما يقول في الشريط.
ثم تتالت الأشرطة التلفزيونية المسجلة لابن لادن وبعض من قيادة التنظيم ولأحد المنفذين في قناة الجزيرة القطرية عبر أشرطة مشكوك في مصدرها، وقيل أن مؤسسة تدعى (السحاب)، هي التي تقوم بالتسجيل والتصوير، ثم تقوم بإرسالها إلى قناة الجزيرة القطرية. لماذا قناة الجزيرة؟
والجواب لتنفي الإدارة الأمريكية عن نفسها عملية التزوير، وتقول إن مصدرها جاء من قناة عربية، ومن المعروف أن تنظيم القاعدة في غالبيته من العرب وخاصة من أبناء الجزيرة العربية والخليج، ورأس التنظيم سعودي الجنسية، فتكون بذلك مصداقيتها لدى الرأي العام الغربي أكثر تصديقاً، من أن هي التي أذاعتها أو مصدرها الوحيد.
وكما قلنا لقد قدمت الأشرطة معلومات كل ما جاء فيها، كان متطابقاً مع الرواية الأمريكية تماماً. لتؤكد مصداقية ادعاءاتها باتهام تنظيم القاعدة بالمسؤولية عن أحداث الحادي عشر من أيلول. وكما أشرنا إن تقنيات العصر في صناعة وسائل التزييف والتحوير لتلك الأشرطة ممكنة لدول وأشخاص من هم أقل من إمكانيات الولايات المتحدة.
علماً أن أجهزة المخابرات المركزية بارعة في صناعة الأشرطة التلفزيونية المزيفة. فقد لعبت الأشرطة المزيفة دوراً هاماً في إثارة الرأي العام في رومانيا على تشاوشيسكو، حين أظهرت صوراً لجثث ضحايا، ادعت أنهم قتلوا على يد مخابرات تشاوشيسكو، ثم تبينت بعد تغيير النظام في رومانيا وإعدام تشاوشيسكو، أنها كانت ملفقة ومزورة. وكذلك تمت صناعة شريط من قبل المخابرات المركزية تصور صدام حسين يرقص مع الممثلة الأمريكية مادونا.
ومن أشكال التزوير الإعلامي ما حدث في حرب الخليج، حين تم عرض شريط تلفزيوني يعرض جنوداً عراقيين يقومون بإلقاء الأطفال حديثي الولادة في حاضناتهم من نوافذ مستشفى كويتي. ويعرض أيضاً فتاة كويتية تبكي وهي تروي كيف يقوم الجيش العراقي بهذه الأعمال الوحشية في الكويت؟. وتبين بعد ذلك أن الفتاة كانت تعيش في لندن مع أبيها سفير الكويت في واشنطن، ولم تكن في الكويت أثناء الاحتلال العراقي للكويت. كما صورت المخابرات المركزية فلماً لابن لادن نفسه وهو يقطع رؤوس معارضيه.(9)
ويقول تيري ميسان الصحفي الفرنسي في كتابه (التضليل الشيطاني) عن شريط الاعتراف الذي أذيع لابن لادن: (إن عميل ابن لادن لم يعمد فقط إلى تدعيم الأكذوبة القائلة أن انهيار البرجين تم بفعل الاحتراق، وأكذوبة سقوط الطائرة على البنتاغون، بل حرص على مجافاة البداهة. حقاً فإن الشريط ينتهي بهذا التعليق: "كانوا (أي الأمريكيون) مذعورين، وقد ظنوا أن الأمر يتعلق بانقلاب سياسي." (صدق) عدو الولايات المتحدة رقم (1) هو الذي يؤكد ذلك).(10)
وقد شكك ونفى الرئيس الباكستاني برويز مشرف في نيويورك، أثناء زيارة لها، إمكانية تنفيذ مثل هذا الحدث من قبل تنظيم القاعدة، لافتقار تنظيم القاعدة القدرة على تنفيذه، فقال أنه غير مقتنع بأن أسامة بن لادن، هو الذي كان وراء أحداث الحادي عشر من أيلول. وأكد لا يمكن لابن لادن، أن يكون قادراً على فعل هذا الأمر.(11)
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ دلائل على أصابع الموساد


لعب الكيان الصهيوني دوراً بارزاً في صناعة أحداث نيويورك وواشنطن. فقد كشفت بعض المعلومات التي أعقبت الأحداث مباشرة، عن اعتقال الشرطة الفيدرالية الأمريكية (أف. بي. أي) لخمسة من الإسرائيليين في مدينة نيوجرسي القريبة من نيويورك، للاشتباه بعلاقتهم بالتفجيرات التي جرت في الحادي عشر من أيلول 2001. واعترفت صحيفة هاآرتس الصهيونية أن الخمسة المشتبه بهم بالتورط بالانفجار، تم اعتقالهم بعد أربع ساعات من وقوع التفجير في نيويورك، أثناء قيامهم بالتصوير على سطح بناية الشركة، التي يعملون بها، بالتعاون مع صاحب الشركة الإسرائيلي أيضاً.
ونقلت الصحيفة عن أحد المعتقلين قوله: إن الشرطة الفيدرالية الأمريكية استجوبتهم لمدة ثلاثة أيام. في حين حققت معه شخصياً لمدة أربع عشرة ساعة متواصلة، خصوصاً عن انتمائه لجهاز الموساد الإسرائيلي، بعد أن تبين أن لديه الجنسية الإسرائيلية.
وأكدت هاآرتس نقلاً عن مصادر الخارجية الإسرائيلية، أن القنصلية الإسرائيلية في نيويورك، تلقت معلومات من مكتب التحقيقات الفدرالية الأمريكية (أف. بي. أي)، حول ظروف الحادث، كما تستنكر السلوك الغريب بعد تفجير نيويورك، من قيام الإسرائيليين بالرقص والقهقهة ابتهاجاً بالانفجار المدمر. وأبلغ مكتب التحقيقات الأمريكية القنصلية الإسرائيلية، أنه سيتم طرد هؤلاء الإسرائيليين الخمسة من الولايات المتحدة، لتواجدهم فيها بشكل غير قانوني، ولعدم حصولهم على تصاريح عمل.(12)
وكشفت صحيفة الوطن العمانية أن أكثر من أربعة آلاف إسرائيلي، يعملون في مركز التجارة الدولية، تغيبوا عن عملهم يوم الاعتداء على المركز، بناء على إيعاز من الحكومة الإسرائيلية. ونقلت الصحيفة عن مصادر دبلوماسية غربية قولها إن عدم التحاق الإسرائيليين بأعمالهم يوم الهجوم، أثار شكوكاً لدى المسؤولين في الحكومة الأمريكية، الذين يحاولون معرفة كيف علمت الحكومة الإسرائيلية بخبر الهجمات بشكل مسبق، وإخفاء تلك المعلومات عن الحكومة الأمريكية.
وأكدت مصادر صحفية، أن التقارير الإخبارية الأولى التي وصلت من نيويورك، عقب الهجوم، أشارت أن عدداً كبيراً من الإسرائيليين واليهود، يعملون في مركز التجارة العالمي، ولكن لم تذكر أية أخبار لاحقة شيئاً عن وجود إصابات بين الإسرائيليين واليهود. وهذا ما يثير الشكوك بشأن دور إسرائيلي في أحداث نيويورك وواشنطن.(13)
وكشفت صحيفة ألمانية تصدر من هامبورغ تسمى (دي تسايت) في 2/10/2002 في تقرير لها من أربع صفحات عن ملف للمخابرات الفرنسية، أن الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) حذرت مسبقاً الولايات المتحدة بشأن مخططي هجمات 11 أيلول 2001. ويظهر من الملف الفرنسي أن الموساد كان يتتبع الخطوات العملية لتنفيذ هجمات الحادي عشر من أيلول. حيث قام باستئجار إحدى الشقق في بلدة هوليوود في ولاية فلوريدا لفريق من الموساد على مقربة من شقة محمد عطا ومروان الشحي، ومن المعروف أن العطا هو أبرز المتهمين في قيادة الهجوم الجوي على مركز التجارة الدولية وكان رئيس الفريق المخابراتي الصهيوني يدعى (حنان سيرفاتي)، كان يقيم قرب مركز البريد في هوليوود، حيث استأجرت مجموعة عطا صندوق بريد لها.
ومن القراءة الأولية لمجريات الأحداث يظهر دوراً جلياً للموساد الصهيوني في صناعة الحدث والمشاركة فيه. ثم انتظار وقوعه في وقته الزمني، وإلا لماذا تواجد خمسة من الموساد الصهيوني على إحدى البنايات لتصوير الحدث قبل وقوعه. وانتشار ما يقارب المائة والخمسون من الموساد في أماكن الأحداث؟ ألا هذا يدل على امتلاك الكيان الصهيوني لمعلومات عن الحدث قبل وقوعه؟. هذا إن لم يكن مشاركاً فيه، أو من صنعه؟. ولماذا بعد ساعات قليلة تم اكتشاف اسم الفاعل (ابن لادن)؟.
وتقول المخابرات الفرنسية في تقريرها: أن تلك الحقائق توحي بأن الموساد كان يراقب المجموعة، وأن الإسرائيليين قدموا للأمريكيين قبل أسابيع عدة لوقوع الهجمات لائحة بأسماء أشخاص موجودين في الولايات المتحدة، يشتبه في أنهم يعدون لهجوم إرهابي.
كما أكد الأمريكيون عن وجود شبكة تجسس تابعة للموساد، كانت تضم 120 عميلاً، في 30 نيسان 2001، كانت تتابع تلك المجموعة، وأنها قامت باعتقالهم واستجوابهم قبل طردهم.(14)
ومن الملاحظات التي تؤكد ضلوع الكيان الصهيوني في أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001، عن تأجيل زيارة كانت مقررة لرئيس وزراء الكيان الصهيوني قبل يومين من الأحداث. وكذلك تأجلت زيارة وزير الدفاع الصهيوني كانت هي أيضاً مقررة للولايات المتحدة قبل الحدث بيومين. في حين نجد أن الوزير الصهيوني السابق أفرام سنيه، الذي كان في الولايات المتحدة وقت الأحداث، أقام غرفة عمليات في نيويورك بعد الأحداث، وهذا مخالف لكل الأعراف الدولية.
ومن الملاحظات الأخرى قيام عدد كبير من اليهود في الكيان الصهيوني ببيع أسهمهم من شركات الطيران الأمريكية قبل الأحداث بستة أيام، وقد جنوا بعدها أرباحاً هائلة بملايين الدولارات(15).
وكشفت صحيفة هاآرتس عن تلقي مؤسسة (أوديجو) الصهيونية، وهي مؤسسة تعمل في مجال البريد الإلكتروني إنذاراً بقيام هجوم على مركز التجارة الدولية في نيويورك قبل ساعتين من حصول الهجوم، وقد اعترف مدير المؤسسة (ميشا ماكوفر) بحصول مؤسسته على مثل هذا الإنذار(16).
ومن الأبحاث الجديدة لبعض خبراء حوادث الطيران حول أحداث الحادي عشر من أيلول. فقد رأى بعض الباحثين المصريين ومنهم المستشار الدكتور حسن أحمد عمر الرئيس السابق في محاكم الاستئناف المصرية، أن هناك تشابهاً بين الانفجار الذي حدث انفجار الطائرة الإسرائيلية في أمستردام الهولندية يوم الأحد 4/11/1994، والتي كانت تحمل غازاً ساماً منقولة من نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية إلى مطار تل أبيب في الكيان الصهيوني. حيث وقفت تلك الطائرة في مطار أمستردام للتزود بالوقود، وحين إقلاعها انفجرت، وسقطت على حي سكني في العاصمة الهولندية، أدى الحادث إلى مقتل (250) شخصاً من أهالي الحي المذكور، إضافة إلى ركاب الطائرة. وبقي الأمر غير معروف حتى كشفته الصحف الأوربية والصهيونية، وبينت أن الطائرة محملة بالغاز السام (أويسيد فلوفستاتنيك).
والعلاقة ما بين حوادث نيويورك وأمستردام، هو التشابه في الاحتراق الكامل للطائرة. حيث أن الغاز المذكور الذي كانت تحمله الطائرة الصهيونية، يذيب الألمنيوم الذي صنعت منه الطائرة، والفولاذ أيضاً، بسبب الحرارة الشديدة التي يطلقها الغاز بعد الانفجار، فهو يصهر الطائرة بالكامل.
فالطائرات التي أذيع بأنها قامت بعمليات التفجير على مبنيي التجارة الدولية في نيويورك، ومبنى البنتاغون في واشنطن، والتي أسقطت في بنسلفانيا قد احترقت بالكامل. فلو فرضنا أن الطائرات التي ارتطمت بمركزي التجارة الدولية والبنتاغون، تمت إذابتها بفعل الاصطدام، فالطائرة التي سقطت في بنسلفانيا لماذا احترقت وذابت؟ إن لم يكن قد حملت هي والطائرات بالغاز السام الذي حملت به الطائرة الصهيونية، التي سقطت على حي في أمستردام، مع العلم لا يوجد هذا الغاز إلا في الولايات المتحدة، ولم يسمح ببيعه إلا للكيان الصهيوني.
ومن المشاهدات لبعض المحللين، أن الانفجار ولَّد سحابة غبارية، كما تظهر الصور التي التقطت لها، وهي عبارة عن تفاعل البنزين الذي في الطائرة مع الكيماوي المحملة به. كما ظهر في الصور التي صورت السحابة الغبارية، التي ظهرت مع انفجار طائرة أمستردام طبق الأصل. وبذلك نرى تطابقاً ما بين ما حدث في أمستردام ونيويورك، والمفجر والمخطط والمنفذ واحد من حيث التشابه والتطابق، وهذا يوضح أن الذي حَمَلَ الطائرات بالغاز السام واحد في أمستردام ونيويورك وواشنطن وبنسلفانيا. في حين نجد الرواية الرئيسية الأمريكية التي تستهزئ بعقول الناس، تقول إن الإرهابيين الذين فجروا الطائرات، بعد أن سيطروا عليها بالسكاكين، التي حملوها معهم بالطائرات.
أما عن عملية السيطرة على الطائرة، وتوجيهها، وحرفها عن مسارها بواسطة السكاكين، رواية أمريكية تتضمن الكثير من الكذب، لاستحالة الأمر مع وجود هذا الجمع في الطائرة. ولكن الذي يمكن تصديقه، هو السيطرة على الطائرة من خلال الطيار الآلي، والتحكم به عن بعد، وتوجيهه أرضياً من قبل القوى المستفيدة من هذا الحدث.
وبذلك تكتمل لنا الصورة، لنؤكد أن تعاوناً تم ما بين المخابرات المركزية والموساد وباطلاع الإدارتين الصهيونية والأمريكية، لصناعة الحدث، لتحقيق أهداف استراتيجية على مستوى العالم.
وإن كان لتنظيم القاعدة دور في التنفيذ، فقد تم تسهيل ركوب عدد من تنظيم القاعدة في الطائرات، وزودت الطائرات بالغاز السام، الذي يبعث حرارة عالية تصهر الطائرة، بحيث تختفي كل معالم الجريمة، بما فيها الصناديق السوداء، وجرى التحكم بالطائرات عن طريق الطيار الآلي، وتوجيهها نحو أهدافها المحددة، وفجرت بعد ذلك، وتم إلصاقها بالعرب والمسلمين لتحقيق أرباحاً جمة تعادل آلاف ما تم خسارته.
ومن شاهد الفيلم السينمائي (القبلة الطويلة)، الذي أنتج قبل الأحداث، يبين كيف تصنع المخابرات المركزية والموساد عملية انفجار مركز التجارة الدولي، ومن ثم تتهم به المسلمين.
وليس المحللين العرب وبعض الأوربيين يؤكدون ما قلناه، بل هناك العديد من المحللين الأمريكيين الموضوعيين، يؤكدون أن ما جرى هو من صنع المخابرات المركزية والموساد الصهيوني. وآخر من تحدث بذلك أمير شعراء نيوجرسي/ أميري باراكا/ الذي اتهم اليهود بالتفجيرات التي حدثت في نيويورك وواشنطن حيث جاء في قصيدة لـه بعض التساؤلات قال فيها:
ـ من كان يعلم أن مركز التجارة العالمي سينسف؟
ـ من أخبر أربعة آلاف إسرائيلي يعملون في البرجين أن يلتزموا منازلهم في ذلك اليوم؟
ـ ولماذا بقي شارون بعيداً؟
وعلى الرغم من احتجاجات منظمة يهودية على قصيدته، تحت ذريعة أنها تشوه سمعة اليهود، وتؤذي مشاعرهم. وطالبت من حاكم ولاية نيوجرسي بسحب لقب أمير شعراء نيوجرسي عنه. إلا أن باركا رفض سحب القصيدة، وقال لصحيفة نيويورك تايمز: أنه مقتنع أن إسرائيل كانت على علم مسبق بهجمات الحادي عشر من أيلول، وأنه مستعد للدفاع عن رأيه، وأنه لا يعتزم الاستقالة عن إمارة الشعر.
ومضى يقول للصحيفة: (من الواضح أن الإسرائيليين كانوا على علم بهجمات الحادي عشر من أيلول، شأنهم شأن الرئيس الأمريكي جورج بوش. وأن السماح بوقوع الهجمات خدم البيت الأبيض في أفغانستان والعراق وبقية الشرق الأوسط.)(17)
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ الحدث يكذب الرواية الأمريكية


كتب الصحفي الفرنسي (تيري ميسان) كتاباً سمي بـ(الخديعة الكبرى) كما ترجم للعربية، أو (التضليل الشيطاني) الصادر عن دار الوطنية الجديدة بدمشق عام 2002. يفضح فيه الإدارة الأمريكية ومحاولاتها في تضليل الرأي العام الأمريكي والدولي عن حقائق الحدث ووقائعه، ويؤكد أن هذا التضليل تم في صناعة أكذوبة ارتطام طائرة بوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) ويقول: (الحاصل: إن هذه الخرافة المريبة بُنيت تدريجياً الكذبة تلو الكذبة، فإذا ما عدتم إلى بيان البنتاغون الأول.. سوف يتبين لكم أن لا ذكر لطائرة البوينغ فيه. لم تظهر نظرية (الطائرة الانتحارية) إلا بعد مضي نصف ساعة، كما أن مسألة مطاردة الطائرة الشبح لا أثر لها في الإفادة التي أدلى بها قائد الأركان العامة، ولم يتم اختلاق قصة ضلال الطائرات الـ ف ـ 16 من قبل NORAD إلا بعد مرور يومين.
إن الرواية الرسمية محض دعاية. ويبقى أن 125 شخصاً لقوا حتفهم في البنتاغون، واختفت طائرة تقل 64 راكباً؟ ما هو مصير الرحلة 77 للخطوط الأمريكية (AA)؟ هل لقي ركابها حتفهم؟ إذا كان الرد بالإيجاب، من قتلهم ولماذا؟ وفي حال العكس، فأين هم؟ تلك مجموعة من الأسئلة التي يتوجب على الإدارة الأمريكية الإجابة عنها.)(18)
وعن الدقة اللامتناهية في إصابة البرجين من قبل طائرتين مدنيتين، فيقول تيري ميسان: (إن عرض كل من البرجين لا يتجاوز 63,70 متراً، وأكبر عرض لطائرة البوينغ 47.60 متراً. وقد لاحظنا على أشرطة الفيديو كيف أن الطائرتين قد ضربتا الهدف بدقة في وسطه، ولو أن أياً من الطائرتين انحرف عن مسارها مسافة 55.65 متراً لكانتا أخطأتا الهدف كلياً. كم يلزم ثلاثة أعشار الثانية لقطع مثل هذه المسافة بسرعة متوسطة مقدارها (700 كلم/ ساعة). وتلك تجربة يستلزم تنفيذها من المهارة مستوى لا يتمتع به سوى طيارين أفذاذ، ذلك نظراً لقدرة هذه الأجهزة المحدودة على المناورة، فكيف إذا كان القبطان من الهواة؟.)(19)
وتحدث تيري ميسان عن استخدام منارة إلكترونية لبلوغ الطائرتين الدقة في الهدف، تصدر عنها (إشارة صادرة من نقطة الهدف كفيلة بتوجيه الطائرة إليها آلياً). وقال أن وجود مثل هذه الإشارة كانت موجودة في مركز التجارة الدولية، وقد التقطها بواسطة إذاعات لهواة الراديو، وسجلوها لأنها تقاطعت مع بث هوائيات التلفزة المنصوبة على سطح البرجين.(20)
ومن مجريات تنفيذ الحدث، نتبين أن صناعته فوق طاقة هؤلاء الطيارين حديثي المهارة في الطيران، غير قادرين على توجيه الطائرات بهذه الدقة والسرعة والقدرة على المناورة، ما ظهر في الاستدارة للطائرة الثانية التي اصطدمت في برج التجارة الدولية. فإن كانت الطائرة استطاعت الثبات على مسارها لأنها في اتجاه الريح. فإن الطائرة الثانية كانت مضطرة للقيام بمناورة التفاف معقدة لأنها بعكس اتجاه الريح، فكيف استطاعت الارتطام بوسط البرج أفقياً كالطائرة الأولى؟ ويعجز عنه طيارين محترفين وذوي خبرة عالية!!.
يقول ميسان: (.. في كل الأحوال كان لا بد من وجود من يساعد على الأرض. فإن تأمن ذلك لا يعود ضرورياً وجود قراصنة كثر على متن الطائرة، ذلك يكفي وجود فريق صغير لوصول الطائرة بالطيار الآلي. ومن ناحية أخرى إن صعود قرصنة على الرحلة ليس ضرورياً على الإطلاق، لأن العملية لم تعد لخطف الركاب، يكفي قرصنة برامج حاسوب الطائرة قبل الإقلاع، حتى يصبح التحكم بالطائرة ممكناً، وهي في الجو بواسطة تكنولوجية (الغلوبال هوك) التي ابتكرتها وزارة الدفاع الأمريكية. وبكلام آخر يمكن بفضل هذه التقنية التحكم بطائرة البوينغ عن بعد، بحيث تصبح طائرة شبيهة بطائرات التجسس التي لا قائد على متنها.(21)
وأكد تيري ميسان بوجود متفجرات داخل المبنى، حيث أن اتحادات إطفائي نيويورك، رفضوا نظرية انهيار البرجين نتيجة إحراق وقود الطائرتين، وأن الانهيار تم من خلال الحرارة التي ولدهما مخزونا الطائرتين من الوقود، الذي تسبب بضعف الهيكل المعدني المركزي للمبنيين.
فأكد اتحاد الإطفائيين إن الهيكل يتحمل الحرارة. وقال رجال الإطفاء أنهم سمعوا أصوات انفجارات في أسفل الأبنية، وطالبوا بتحقيق مستقل، وقال ميسان (كما أكد فان رومير وهو خبير شهير من معهد نيو مكسيكو للمناجم، أن الانهيار لم يكن ممكناً إلا بواسطة متفجرات. ولكنه تراجع عن رأيه هذا أمام الضغوط الرسمية التي تعرض لها).(22)
ويستشهد تيري ميسان من إجابة الرئيس الأمريكي جورج بوش على إحدى التساؤلات الصحفية بعلم المخابرات وإداراته بهذه الهجمات. وهذا يرشح الرأي بأن المخابرات المركزية لم تقدم التسهيلات فقط، بل كانت مشاركة في صنعها، فيقول: (لنصغ الآن إلى هذا الاعتراف الغريب، الذي أدلى به الرئيس جورج دبليو بوش، وكان ذلك بمناسبة مهرجان نظم في أورلاندو بتاريخ 4 كانون2001.
سؤال: ما أود قوله بداية سيدي الرئيس هو أنه لا يمكن تقدير كم هو مهم ما فعلتموه من أجل بلدنا. والشيء الآخر هو التالي: ماذا كان شعوركم عندما علمتم بالهجوم الإرهابي؟
الرئيس جورج دبليو بوش: شكراً يا جوردان، أنت تعلم يا جوردان، وسوف لن تصدق، إن قلت لك في أية حال أوقعني هذا الهجوم الإرهابي. كنت في فلوريدا، وسكرتيري العام أندي كارد، في الواقع كنا في قاعة للدروس، أتحدث بشأن برنامج بالغ الفعالية للتدريب على القراءة. كنت جالساً خارج القاعة بانتظار لحظة الدخول، فرأيت طائرة تصطدم بالبرج ـ كان التلفاز مشتعلاً ـ وبما أني كنت أنا نفسي قبطاناً. قلت: يا لهذا القبطان المرعب، ثم قلت: ربما كان ذلك حادثاً مخيفاً. ولكن قادوني [حينئذ إلى الصف]، ولم يتسن لي الوقت الكافي للتفكير في الأمر.
كنت جالساً في الصف وسكرتيري العام أندي كارد، الذي تراه جالساً هناك، دخل وقال لي: "طائرة ثانية ارتطمت بالبرج، إن أمريكا تتعرض للهجوم".
في الواقع يا جوردان بداية لم أكن أدري ماذا أقول ماذا سمعت. أنت تعلم أنني ترعرعت في فترة لم يخطر لي فيها أن أمريكا قد تتعرض لهجوم ـ ربما والدك أو والدتك كانا يفكران مثلي آنذاك ـ في تلك البرهة رحت أفكر ملياً في معنى أن ترى نفسك مهاجماً. وكنت أعرف أنني في حال تجمعت كل الدلائل المؤكدة على أننا تعرضنا لهجوم، سأجعل الجحيم جزاء الذي تجاسر على مهاجمة أمريكا (تصفيق).
هكذا إذن وحسب ما صُرِّح به، شاهد الرئيس مشاهد أول اصطدام قبل حدوث الثاني. هذه المشاهد لا يمكن أن تكون تلك التي سجلها الأخوان جول وجدعون نوديه صدفة، بالفعل كان الأخوان نوديه قد أمضيا يومهما بالكامل، وهما يصوران في موقع مركز التجارة العالمي. ولم تبث وكالة غاما شريطهما للفيديو إلا بعد انقضاء 13 ساعة. إن الموضوع يتعلق إذاً بمشاهد سرية نقلت إليه دون تأخير إلى قاعة).(23)
شكل الرئيس الأمريكي لجنة مستقلة للتحقيق بأحداث الحادي عشر من أيلول برئاسة هنري كسينجر في 27/11/2002، وتضم عشرة من الديمقراطيين والجمهوريين، وتملك تفويضاً واسعاً. وتستند في أعمالها على التحقيقات المحددة، التي أجرتها لجنتا الاستخبارات في مجلسي الشيوخ والنواب. ومنحت اللجنة ثمانية عشر شهراً لدراسة قضايا مثل أمن الملاحة الجوية، ومشاكل الحدود بالتوازي مع الاستخبارات، ودراسة زيادة كبيرة في الإنفاق الاستخباراتي، لكشف الضعف في مجال مكافحة الإرهاب.(24)
فاختياره كان لصالح القوى الصهيونية الفاعلة في الإدارة الأمريكية ومراكز تأثيرها في المخابرات المركزية ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية، وهي طبعاً ستكون نتائجها لغير صالح العرب والمسلمين طبعاً. وستتم تغطية مساهمات الموساد والمخابرات المركزية الأمريكية، التي يسيطر عليها اليهود الصهاينة من رئيسها اليهودي جورج تنت إلى بقية قيادة هذا الجهاد الخطير على الدول العربية والإسلامية. فهنري كيسنجر معروف بعدائه للعرب وللمسلمين، وهو اليهودي الذي خدم الصهيونية في مواقعه السابقة في عهد نيكسون كمستشار للأمن القومي أو وزيراً للخارجية، وسيبقى يدافع ويعمل لصالح المشروع الصهيوني المعادي للعروبة والإسلام.
إلا أن كيسنجر استقال من رئاسة الهيئة بعد شهر من تكليفه برئاسة اللجنة، والسبب مطالبة لجنة الأخلاقيات في الكونغرس بالإفصاح عن علاقاته المالية،(25) وهكذا يتم تمييع عمليات التحقيق، بانتظار من يرأس اللجنة ويصدق على ما وصلت إليه إدارة بوش الابن وأجهزته الأمنية من نتائج، تم تحريف وتزوير وتلفيق معظمها.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ توظيف البترول القزويني
لصالح أحداث أيلول/ سبتمبر.


يقول كاتب أمريكي يدعى (غور فيدال): (وقد ثبت فيما بعد أن غزو أفغانستان لم تكن لـه صلة بأسامة بن لادن، وإنما كان أسامة مجرد ذريعة لاستبدال الطالبان بحكومة أكثر استقراراً، تستطيع أن تسمح لشركة /Union Oil of California/ بمد خط الأنابيب، الذي يحقق الأرباح لعصبة تشيني ـ بوش ضمن أطراف أخرى)(26).
ويورد الكاتب معلومات هامة حول هذا الخط، والمباحثات التي أجرتها رئاسة شركة يونوكال مع ممثلي حكومة طالبان في كانون الثاني عام 1997 في شوجرلاند بتكساس، وكيف قامت تلك الشركة بتدريب عناصر أفغانية لمد خط الأنابيب بموافقة الحكومة الأمريكية.
فقد استضافت الشركة المذكورة وفداً من حكومة طالبان، وللبحث في كيفية مد خط أنابيب لبترول وغاز نفط قزوين من الحقول إلى شواطئ الباكستان، وقد أوردت محطة بي. بي. سي في 4 كانون الأول 1997 خبراً عن تلك المباحثات، وقالت المحطة: (أن متحدثاً باسم شركة يونوكال ذكر أن من المتوقع أن يقضي رجال الطالبان بضعة أيام في المقر الرئيسي للشركة) وذكر مراسل المحطة، إن اقتراح إنشاء خط للأنابيب عبر أفغانستان، هو جزء من مشروع دولي للاستفادة من تنمية موارد الطاقة الغنية في بحر قزوين.
وهذا يوضح أن لبترول قزوين دوراً رئيسياً في شن الحرب على حكومة الطالبان، والتي أعقبت أحداث الحادي عشر من أيلول، وليست مسألة محاربة الإرهاب إلا الوجه الظاهر لتلك الحرب. ويتساءل المرء لماذا كانت حكومة طالبان جيدة، وتمنح من الحكومة الأمريكية أربعين مليون دولار تحت ذريعة محاربتها لزراعة الحشيش؟ وذلك عندما كانت تتعاون مع شركة يونوكال وبقية الشركات المرشحة لإنشاء خط الأنابيب، الذي يمتد من تركمنستان إلى الباكستان عبر أفغانستان بما فيها شركة شيفرون، التي كانت في السابق إحدى موظفاتها كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي اليوم، وحين فشلت المباحثات تغير الأمر مائة وتسعين درجة حين اصطدمت المصالح النفطية الأمريكية مع طالبان، وأصبحوا في ليلة وضحاها إرهابيين ويؤون منظمات إرهابية، وكانت المدائح تُكال إلى طالبان، واعتبارها القوة الوحيدة القادرة على توفير الاستقرار والسلام في أفغانستان، كما تشهد جريدة (وول ستريت جورنال) الأمريكية بقولها: (سواء شئنا أم أبينا، فإن طالبان هي القادرة على تحقيق السلام في أفغانستان في اللحظة التاريخية).(27)
بل كانت الولايات المتحدة تطرح في عام 1997 بإمكانية تحول حكومة الطالبان إلى دولة حليفة لها في مواجهة إيران وروسيا تحقيقاً لمصالحها البترولية، وهذا ما أشارت إليه صحيفة (نيويورك تايمز) عندما قالت: (إن حكومة كلينتون أخذت بالرأي القائل بأن انتصار الطالبان سوف يجد قوة موازنة لإيران. ويفتح الباب أمام سبل جديدة للتجارة، يمكن أن تضعف نفوذ روسيا وإيران في المنطقة).(28)
إلا أن هذه الحسابات الأمريكية لم تجد لها آنذاك في كابول من يستمع إليها. وفشلت الولايات المتحدة بتحويل حكومة طالبان إلى تنظيم عميل يخدم مصالحها. فبعد هذا الفشل تغير المزاج السياسي الأمريكي تجاه حكومة طالبان رأساً على عقب، وذلك منذ أواسط عام 2000، وعقب فشل المباحثات النفطية بين حكومة الطالبان والشركات النفطية الأمريكية.
وازدادت حالة العداء من خلال حملات إعلامية مكثفة على حكومة الطالبان خاصة بعد نجاح بوش في انتخابات الرئاسة، فقد أصبحت حكومة الطالبان عقبة كبيرة أمام مصالحها البترولية. فكتب السيد /فردريك ستار/ رئيس "معهد آسيا الوسطى بجامعة جون هويكنز" في صحيفة (الواشنطن بوست) يقول: (لقد بدأت الولايات المتحدة بهدوء بالوقوف إلى جانب من يدعون في الحكومة الروسية إلى القيام بعمل عسكري ضد أفغانستان، وأنها تناقش فكرة شن غارة جديدة للقضاء على ابن لادن).(29)
وليس غريباً لإتمام الصفقة البترولية، أن يؤتى بالسيد حميد قرضاي رئيساً لحكومة أفغانستان بعد الإطاحة بحكومة طالبان، وهو الذي كان يعمل في شركة يونوكال الأمريكية، التي كانت تفاوض حكومة الطالبان على مد أنبوب البترول من تركمانستان إلى الباكستان عبر أفغانستان، وذو العلاقة القوية مع المخابرات المركزية الأمريكية.
ولم نعد نسمع في الخطاب الأمريكي بعد مرور سنة على الغزو المسلح لأفغانستان ضرورة استمرارية البحث عن ابن لادن والملا عمر، بل كل ما نسمعه هو تحويل صدام حسين إلى ابن لادن، وقرع طبول الحرب على العراق. فتم السكوت عن ابن لادن بسبب تحقيق الهدف الرئيسي من الحرب على حكومة الطالبان، وهو إبرام عقد مدّ لأنابيب بين الدول الثلاث أفغانستان وتركمانستان والباكستان لاستثمار نفط بحر قزوين في 27/12/2002 في عشق آباد عاصمة تركمانستان، بين الرئيس التركماني صابر مراد نيازوف، والرئيس الأفغاني حميد قرضاي، ورئيس وزراء باكستان ظفر الله جمالي.
وتضمن العقد مدّ أنبوب غاز من بحر قزوين إلى المحيط الهندي، حيث سيربط حقل دولت آباد (جنوب شرق تركمانستان) بالمرافئ الباكستانية على المحيط الهندي عن طريق جبال أفغانستان. ويبلغ طول الأنبوب 1500 كيلو متر، وتقدر تكاليفه بملياري دولار.(30)
وهكذا بدأت ثمار الغزو الأمريكي على أفغانستان تنضج، ليتناوله الغزاة الذين تستروا بما يسمى مكافحة الإرهاب، والذي ثبتت الأيام أنه صناعة الأمريكية الصهيونية. ولم تكن في الحقيقة أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 كما أشرنا سبباً لغزو أفغانستان وفق ادعاءات الإدارة الأمريكية، بل إن مخطط الغزو كان جاهزاً قبل تلك الأحداث. ولم تكن الأحداث سوى مبرر في تنفيذه.

غير معرف يقول...

الإســـلام والحــرية
برزت بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 دعوات مشبوهة من دوائر غريبة متصهينة، تدعو إلى ضرورة إجراء تغيير شمولي في البلاد العربية والإسلامية، تشمل كافة أنماطها السياسية والثقافية والاجتماعية، وفق ما ترسمه الإدارة الأمريكية. لإرساء الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، التي تفتقدها الدول العربية والإسلامية، مدعية إن سبب فقدان الحرية والديمقراطية في تلك يعود إلى الإسلام. فهو وفق رؤيتها دين يرتكز على الاستبداد والقهر، وبما أنه المصدر الرئيسي والشرعي لتلك الأنظمة، لهذا تتصف بالاستبداد وقمع الحريات.
ومن تلك الدعوات الأمريكية، ما ذكرته مستشارة الأمن القومي الأمريكي كونداليسا رايس عن مخطط الإدارة الأمريكية، الذي يسعى إلى فرض الحرية والديمقراطية على تلك الأنظمة في العالمين العربي والإسلامي. وقالت أن واشنطن ستعمل على: (وضع العالم الإسلامي على طريق الديمقراطية ومسيرة الحرية). معتبرة أن القيم الأمريكية من الحرية والديمقراطية، يمكن أن تسري على الإسلام أيضاً(1).
ونذكر من الافتراءات والأكاذيب، التي صدّرها مجموعة من المفكرين والسياسيين والإعلاميين في الغرب عبر وسائل الإعلام المختلفة، بغية تشويه رسالة الإسلام السامية للبشرية جمعاء، واتهامه باتهامات باطلة وكاذبة، ومنها الظلامية أي معاداة الحرية والديمقراطية. وهذا ما كتبه صموئيل هنتغتون فقال: (إن الإسلام قوة الظلام في العالم، بسبب نزوع المسلمين نحو الصراع العنيف)(2).
وما قاله الروائي الفرنسي ميشال ويلبيك ضد الإسلام في حديث لـه لمجلة (لير) الشهرية الصادر في أيلول 2001: (إن أكثر الأديان غباء هو الدين الإسلامي) وأضاف: (لقد أصبت بانهيار حقيقي عندما قرأت القرآن) وخلص إلى القول: (إن الإسلام ديانة خطيرة منذ ظهورها). وحين اعترض عليه المسلمون في فرنسا، وأقاموا دعوة قضائية ضده بسبب الإهانة العنصرية والتحريض الديني، كرر قوله المعادي للإسلام أمام محكمة الجنح في باريس يوم الثلاثاء 18/9/2002 بقوله: (أنا لا أكره الإسلام بل أزدريه).
إن الحرية أهم أهداف رسالة الإسلام إلى البشرية على مر العصور والدهور، ولكن الحرية بمفهومها القيميّ، فالإسلام يعني بالحرية (تحرير الإنسان من الرقّ الخارجي)، المتمثل في عبوديته للطاغوت كالإنسان المؤله، والحجر ومكونات الطبيعة وغيرها من مخلوقات الله عز وجل، التي تجعله مستعبداً ذليلاً، مسلوب العقل والإرادة، خاضع لنزوات وإرادة الطاغوت.
والحرية أيضاً بتحرير الإنسان من (الرقّ الداخلي)، المتمثل بأهواء النفس الطامعة بكل ما حولها من ماديات، والمندفعة نحو شهوة الغرائز، التي ليس لها حدود، والتي تنزع من الإنسان إنسانيته ومُثُله، والقيم الأخلاقية الاجتماعية التي فطر عليها. والتي تحوله إلى وحش كاسر، يفسد في الأرض بلا حدود، دون أي رادع قيمي أو أخلاقي، يعيد لـه فطرته وإنسانيته والسلوك العالي القيم التي دعا إليها الله عز وجل في كتبه المقدسة.
كما يهدف الإسلام إلى نقل الإنسان من واقع الذلّ والخنوع للقوى الظالمة، وانتشاله من قاع الفساد والتعسف والظلام إلى رحاب جنّة الحرية الحقيقية المتمثلة في مجتمع النور، الذي يسوده العدل والإنصاف والحياة الكريمة، وحرية العقل في الاختيار في مجتمع الشورى. مصداقية لقوله تعالى: الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون(3).
أي نقل الإنسان إلى الحرية الحقيقية، التي تطلق الإنسان إلى الإبداع، من خلال توفر أهم عامل للإبداع الأمن الداخلي والخارجي. فالأمن الداخلي يبرز جلياً بالطمأنينة الذاتية من خلال التحرر من عبودية الطاغوت إلى عبادة الخالق عز وجل الواحد الأحد المتصف بالرحمة والعدل والإنصاف والقدرة والحكمة والعلم والمعرفة المطلقة، وعبادته وحده فقط دون أي شريك كان، وإسقاط كل الآلهة المصطنعة، التي تتسم بالظلم والقهر والجور. هذا الأمن الداخلي لا يعرفه إلا المؤمن المستسلم لله عز وجل، وهذا ما يوفره الإسلام. قال تعالى:
الذين آمنوا تطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب(4).
يسعى الإسلام لتحرير الإنسان من عبودية الدنيا، التي يسودها الطمع المادي والمعنوي، والصراع الدامي على ماديتها الفانية، وتحريره من أجواء الفساد الذي تعيش في أحواضه الآسنة كل قوى الشر، لينقله إلى رحاب نور الروح الطاهرة والمادة النظيفة والعلاقات الاجتماعية والثقافية، التي تتسم بالمودة والرحمة والإخاء والتعاضد والإحسان والبر والتعاون والمحبة. كما جاء في قوله تعالى: وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون
(11) ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون(12)(5).
فالطواغيت من البشر المؤلهة لنفسها، تسعى لاحتكار الإنسان روحاً وعقلاً، ليكون عبداً لها ولمصالحها الدنيوية، فتسلب منه الإرادة والتفكير، وتوهمه بأنها تملك قدرات خارقة، ليظل تحت سلطانها ورهبتها والخشية منها، مستفيدة من استخدام ما تملك من سلطان الجاه والمال والمنصب في زرع الرعب والخوف في نفسه، فيبقى أسير هواها ومشيئتها، التي تعارض فطرته الإنسانية المنفطرة على الحرية والاجتماع.
وفي حقيقتها غير قادرة على دفع الضرر عن نفسها، إذا أراد الله عز وجل شيئاً، قال تعالى: واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً(6). وما يملك الطاغية المؤله في الحقيقة إلا وسائل التهديد والترهيب والوعيد بالقتل والتعذيب، كما جاء في قول فرعون لموسى عليه السلام، حسب ما أوردته الآية الكريمة: لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين(7).
فالله عز وجل الذي خلق الإنسان ضعيفاً، يتحول إلى طاغية متجبر على الأرض، حين يتولى ويتحكم بشؤون الآخرين من خلال رزقهم ومعيشتهم، وتزداد حالة الطغيان لديه، إذا أصبح حاكماً مطلقاً. فتتحلق حوله حاشية تزيف لـه أعماله، وتزين لـه أعماله، فتحول كلماته المبهمة إلى كتاب مقدس، وأفعاله إلى منهج، وكل ما يقوم به ويفعله نبراس يحتذى به. فيتمكن منه الغرور حتى يصدق كل أكاذيبه. ومع الأيام يصبح إلهاً على الرعية أن تقوم بعبادته.
وشهدت الأرض نماذج من هذا النوع في الماضي والحاضر. فرئيس كان في هايبتي في الستينات من القرن الماضي، يقول لشعبه: أمكم مريم العذراء وأنا أبوكم. وفي تركمانستان الرئيس صابر مراد نيازوف يدعي أن الوحي يأتيه، وكتب كتاباً أسماه (روناما) قال عنه: (أنه يعوض أوجه القصور في كل من القرآن والإنجيل) ومن سخريات القدر أنه فرض ليكون الكتاب حجر الزاوية في النظام التعليمي في كافة البلاد، وجوهر التعليم في حد ذاته(8) فتدهور التعليم بكل درجاته حتى الجامعي.
وأمثال هذا الطاغية وغيره كثر في عالمنا اليوم، ويدرك هو وغيره أنه أضعف مخلوقات الأرض، لا يقدر على خلق بعوضة، أو منعها إن آذته أو سلبت منه شيئاً، كما جاء في المثل الذي ضربه الله عز وجل عن زيف قدرات الحاكم المؤله لنفسه الخارقة، قال تعالى: يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا لـه إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا لـه وأن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه ضعف الطالب والمطلوب(9).؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ أولى حرية الإنسان في الإسلام كرامته.


كرم الله عز وجل الإنسان على سائر مخلوقاته في الأرض، ورفعه إلى مكانة عالية رفيعة، حين جعله خليفة في الأرض كما قال تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة..(10)، وزيادة في التكريم أمر الملائكة في السجود له. هذه المكانة العالية المعطاة من الله عز وجل دليل على تكريم الإنسان من قبله عز وجل، وإلى الاحترام الذي يحمله الإسلام لإنسانية الإنسان، بما تحمل من قيم وسلوكيات يجب احترامها وتعزيزها.
قال تعالى: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا(11).
واحترم الإسلام العقل، واعتبر التفكير والعمل هي الأداة الأساسية لمعرفة الخالق عز وجل ومخلوقاته في السماوات والأرض، حيث قال الله عز وجل: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب(12).
فالعلم الذي غرسه الرحمن عز وجل في الإنسان سواء في بداية خلقه لآدم، كما قال تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها..(13). أو في الأجيال المتلاحقة من البشر، حيث علم الإنسان من بعد ذلك العلوم والمعارف، وهداه لتعلم الكتابة، التي تعتبر أهم تحول تاريخي في حياة البشرية، قال تعالى: اقرأ باسم ربك الذي خلق(1) خلق الإنسان من علق(2) اقرأ وربك الأكرم(3) الذي علم بالقلم(4) علم الإنسان ما لم يعلم(5)(14).
فالعلم والتفكير العقلي من أهم الميزات التي ميز الرحمن عز وجل الإنسان على سائر مخلوقاته، وقد رعى الإسلام المعرفة وأصحابها، ووضع لها احتراماً خاصاً في سلوكيات اتباعه، الذين حضهم على المعرفة والبحث العلمي والفكري وسائر فنون المعرفة، حتى أنه رفض المساواة بين العلم والجهل رفضاً مطلقاً، قال الله عز وجل: .. قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب(15).
ومن خلال امتلاك الإنسان للعقل والتفكير، ترك الإسلام للإنسان حرية الاختيار بين الإيمان بوحدانية الله عز وجل واتباع تعاليمه، أو اختيار طريق الكفر والإلحاد، ولكنه وضع نتائج لذلك الاختيار، بين الفوز بالجنة أو الدخول إلى جهنم وبأس المصير، قال تعالى: قل الله أعبد مخلصاً لـه ديني(14) فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين(15)(16).
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ الإســــلام
أعطى الإنسان حرية الاعتقاد والاختيار


الحرية في الاعتقاد والاختيار هي الأساس الأول الذي قامت عليه رسالة الإسلام، فرفض الإسلام الإكراه والقسر في دخول الناس في الدّين. بل وضع مبدأ الاختيار الارادي أساساً في الدخول فيه، بعد أن يتمّ تبيان دعوته ورسالته، والأسس التي تقوم عليها لكافة الناس.
وأوضحت عدة آيات في القرآن الكريم مبدأ حرية الاعتقاد، وعدم إكراه الناس ليؤمنوا بالإسلام، نذكر منها قوله تعالى: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم(17). فأمر الله عز وجل واضح في هذه الآية الكريمة، فبعد أن اتضح مفهوم الإسلام وأهدافه للبشرية أجمع على مرّ الدهور والعصور، دعا الرحمن عز وجل أن يترك للإنسان حرية الاختيار بين طريق السلامة والأمن والاستقامة والراحة المادية والمعنوية في الدنيا والآخرة، وبين طريق الهلاك والآلام والندامة والحسرة والتيه والضلال، وبذلك تقع على الإنسان عاقبة هذا الاختيار ونتائجه، فإن أحسن نجا، وإن أساء هلك. وتعددت الآيات الكريمة، التي تحض على ترك حرية الاختيار الإرادي للإنسان في الدخول في الإسلام أو عدمه، ومن الآيات الكريمة التي بينت حرية الاختيار الإرادي قولـه تعالى: قل يا أيها الناس قد جاءكم الحقّ من ربّكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل(18).
أمر الله عز وجل رسوله الكريم محمد، أن يبلغ الناس كافة حقيقة الدعوة الإسلامية وأهدافها السامية العليا. ومن ثم ترك الأمر للإنسان بحرية قبولها أو رفضها، فهو حر في اختيار الهدى أو الضلالة، وليس الرسول مسؤولاً عن هذا الاختيار، بل تقع نتيجة الاختيار على الإنسان نفسه. قال تعالى: وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون(19).
وقال تعالى: وأن اتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فقل إنما أنا من المنذرين(20). وهذه الآية تطلب من الرسول، أن يقرأ على الناس القرآن، ويفسره، ويبين ما فيه من أحكام وسلوكيات، ووحدانية الله عز وجل، ويوم الحساب وغيرها من العقائد المختلفة، التي جاءت بها الرسالة المحمدية للبشرية جمعاء، وتترك بعد ذلك للإنسان حرية الاعتقاد والاختيار.
وما مهمة الرسول إلا التبليغ والتذكير والتنبيه والإنذار من عواقب الشرك والفساد وعدم الإيمان بوحدانية الله عز وجل وبيوم الحساب، كما كلفه بها الله عز وجل، وهذه مهمة كافة الرسل الذين أرسلهم الله عز وجل لكافة البشر، قال تعالى: وما نرسل المُرسلين إلا مبشرين ومنذرين...(21). يبشروا بضرورة الخلاص من الشرك والإلحاد، وبالرسالة السماوية المتسمة بالعدل والحق، وباليوم الآخر الذي ينصف فيه الأبرار من المؤمنين وذوي السلوك الحسن، وينال فيه كل حق حقه، وترد فيه المظالم، ويعاقب الظالم والمتجبر والفاسد والملحد وغيرهم، ممن زرعوا الأرض فساداً.
إن الله عز وجل أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى الناس كافة، حتى يكون حجة عليهم، ويدحض أي ادعاء بأنهم لم يبلغوا، وأنهم لا يعلمون، قال تعالى: رُسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس حُجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً(22).
وقال تعالى: يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربّكم فآمنوا خيراً لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليماً حكيماً(23).
وهكذا يظهر لنا الإسلام دين آمن بحرية اختيارات العقل للإنسان، مما يكذب كل ادعاء المستشرقين، الذين حاولوا أن يصوروا الفتوحات الإسلامية على أنها كانت لإكراه الناس بالدخول بالإسلام بحد السيف. ومن يراجع تاريخ الفتوحات الإسلامية شرقاً وغرباً، سيجد أن المسلمين لم يرغموا مسيحياً أو يهودياً على الدخول بالإسلام، والشواهد على محافظتهم على أماكن العبادة لليهود والنصارى، وسيجد حتى الوثنين من البوذيين والهندوس والسيخ وغيرهم، تركت معابدهم وهي شاهدة اليوم على ذلك رغم السيادة الإسلامية على تلك البلاد. وهذا ما يكذب ادعاء من قال عن الإكراه في دخول الإسلام، ويثبت على محافظة الإسلام على تطبيق مبدأ حرية الاختيار.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ الإســــلام
جاء لتحرير الإنسان من أغلال العبودية.


جاء الدين الإسلامي كما قلنا سابقاً من أجل تحرير الإنسان من رق العبودية للطاغوت البشري أو الحجري وغيره، وإطلاقه إلى أفق مجتمع العدل والمساواة، الذي يتساوى فيه الغني والفقير في الحقوق والواجبات، وتكون فيه التكاليف على حسب القدرة والاستطاعة، وتحفظ للإنسان الكرامة والأمن على نفسه وماله وعرضه ودينه، ويرفض الإسلام من أين كان المساس بها إلا بالحق. وما قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخليفة الراشدي الثاني: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) إلا انعكاساً لتعاليم الإسلام بضرورة صون حرية الإنسان، وواجب الدولة والمجتمع المحافظة عليها وحمايتها.
جاءت رسالة الإسلام لتحطم الأغلال التي قيدت بها العديد من المجتمعات، ومنها أغلال الرذيلة والفساد والعدوان وكافة الخبائث التي تعيث فساداً في الأرض. وليدعوا إلى مجتمع إنساني يتحلى بالقيم الإنسانية الرفيعة العالية. وقد أوضحت الآية الكريمة التالية معنى تلك الحرية، قال تعالى: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعززوه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون(24).
وتوجهت رسالة الإسلام من الجزيرة العربية إلى بقاع العالم شرقاً وغرباً، تحمل أهم مضمون لها، وأولى أهدافها الدعوة إلى التوحيد في عبادة الله عز وجل، ورفض عبادة البشر والأصنام وغيرها، التي تتنافى مع العقل البشري.
والهدف الثاني هو تحرير الإنسان من العبودية، التي فرضها الطغاة من حكامه عليه، تلك رسالة الإسلام في شقيها التوحيدي والتحريري، التي كانت مهمة الفتح تبليغها للناس كافة.
ومن الشواهد التاريخية على ذلك، ما قاله زُهرة بن عبد الله بن قتادة بن الحويّة للقائد الفارسي الشهير رستم، وهو ينقل إليه رسالة الإسلام وغاية الفتح، فحين سأله رستم عن هذا الإسلام الذي يقاتل العرب من أجله فقال: (هو دين الحقّ لا يرغب عنه أحد إلا ذلّ، ولا يعتصم به أحد إلا عزّ) فقال رستم: ما هو؟ قال: أما عموده الذي لا يصلح إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله. قال: وأي شيء أيضاً؟ قال زُهرة: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله، والناس بنو آدم وحواء وأخوة لأب وأم. قال رستم: ما أحسن هذا)(25).
ولزيادة المعرفة برسالة الإسلام طلب رستم من قائد الجيش الإسلامي سعد بن أبي وقاص مبعوثاً من قبله، فأرسل إليه ربعي عامر وكان جندياً بسيطاً فحين سأله رستم: ما جاء بكم؟ قال ربعي: الله جاء بنا، وهو بعثنا، لنُخرج من يشاء من عباده من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. فأرسلنا بدينه إلى خلقه، فمن قبله، قبلنا منه، ورجعنا عنه، وتركنا أرضه دوننا، ومن أبى قاتلناه حتى نُفضي إلى الجنة أو الظفر)(26).
* تحرير الإنسان من رق الدّين
حارب الإسلام الربّا حرباً ضارية كونها تضع الأغلال في أيدي العديد من الفقراء والمحتاجين، وكان الناس يسترقون بسبب عدم القدرة على دفع الدين المتراكم من الربّا، حيث يتحولون من أحرار إلى عبيد، بسبب عسرتهم عن دفع ما ترتب عليهم من أموال الربّا.
وكانت لهذه الحرب التي شنها الإسلام ولا زال على الرّبا، لها الأثر الفعال في تحطيم قيود عبودية الرّبا، وفك رقاب العديد من الناس من الرقّ والتسول والإذلال، الذي يلاقونه من المرابي بسبب عدم قدرتهم على دفع المبالغ المدانين بها، أو الأقساط الواجب دفعها، أو الفائدة التي تتضاعف بسبب عدم القدرة على السداد.
وكم من أعراض انتهكت بسبب الرّبا؟ وكم من جريمة ارتكبت بسببها؟. وقصص العالم لا تزال تروي لهذا اليوم مآسي الرّبا، الذي حطمت بيوت كرماء، وأذلت أعزاء في قومهم، وخربت بيوت أغنياء، واستباحت دم الفقراء.
وكانت الرّبا ولا زالت من أهم الخبائث، التي تقيد العديد من المجتمعات في العالم.
وبسبب ما ترتكبه من جرائم شدّد الإسلام على إنهاء الربا، وحاربها محاربة عنيفة للقضاء والحد من شرورها، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الرّبا إن كنتم مؤمنين(278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلَمون(279)(27).
لقد استهدف الإسلام من محاربة الرّبا تحرير الإنسان من أغلال دين مال الرّبا، وإطلاقه من قيوده، وأعاد لـه كرامته ووجوده في عزّ وكرامة، وفرض على الأغنياء كفاية الفقراء من خلال أموال الزكاة المفروضة والصدقات، وحض الإسلام على الإنفاق، وآيات الزكاة والصداقات والإنفاق على الفقراء كثيرة هي القرآن الكريم، والتي وعدت المنفق دون منّة أو رياء الناس بالفوز بالجنة. وتعتبر الزكاة ركناً أساسياً من أركان الإسلام، ومن قرأ التاريخ يعرف السبب الرئيسي لحروب الردة، وهي إلى الامتناع عن دفع الزكاة، حين شن الخليفة الراشدي الأول أبو بكر الصديق حرباً ضروساً على الممتنعين عن دفع الزكاة.
* التحرير من أغلال الهوى القاتل والعدوان والأعراف والعادات السيئة.
جاء الإسلام أيضاً ليحرر الإنسان من قيود الشهوات المادية والعدوانية، ومن الأعراف السيئة التي فرضتها القبائل البدوية المتخلفة على أبنائها. فالإسلام رفض اغتصاب أموال الناس بدون حق، وحرم الرشوة للحكام لأكل أموال الناس بالباطل قال تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون(28).
ووضع قواعد للتعامل المالي برفض أكل الأموال عن طريق الخداع والنصب والسرقة والاغتصاب، وحبب التعامل في التجارة على قاعدة التراضي، وحرر الإنسان من قتل نفسه بانصرافه الكلي خلال حياته على جمع المال، وعدم الالتفاف إلى نفسه وصحته وأسرته، بل كرس حياته فقط لجمع المال من أي طريق كان، دون أن يعطي لنفسه حقها الاجتماعي والثقافي والروحي، أو قتل النفس كالانتحار وغيرها من الطرق الأخرى المؤدية إلى قتل النفس. قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً(29).
وحرر الإسلام أموال اليتامى والفقراء من الاغتصاب والنهب والسرقة من قبل الأغنياء والأوصياء، حيث كانت أموالهم مستباحة من قبل الأقوياء لمعرفتهم بضعف اليتيم، وعدم قدرته عن انتزاع حقه منهم، فشدد الإسلام على ضرورة إعادة أموال اليتامى إليهم، وحرم تحريماً مطلقاً أكل أموالهم بالباطل، وأنذرهم عذاباً شديداً، قال تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم سعيراً(30).
وطالب الأوصياء عليهم بإعادة أموالهم إليهم، وعدم اقتطاع أي مال منه إلا للضرورات في رعاية اليتيم، ومنع أخذ المال كاملاً، قال تعالى: وأتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حُوباً كبيراً(31).

غير معرف يقول...

التصوير المشوه للإسلام


إن الهجوم الإعلامي الغربي والشرقي المكثف على الإسلام والمسلمين في كل أنحاء العالم وفي الغرب بخاصة، بغية خلق صورة مشوهة في أذهان العالم أنظمة وشعوب عن الإسلام على أنه فكر جامد، رافض للحضارة والتقدم التكنولوجي والتطور العلمي، يقوم على الاستبداد، ويعادي الديمقراطية، يحبذ الرق، واضطهاد المرأة، فيمنعها من المشاركة في الحياة المدنية والسياسية والإدارية، ويسلبها حرية القرار والاختيار.
وإن الدين الإسلامي يحرض على القتل والإرهاب والتدمير، واستباحة دماء من يخالفونه. ويصور المسلمين على أنهم ينشئون في بيئة جاهلة عنيفة، تقوم على حب القتل، وتصدير الإرهاب، ومعاداة الحداثة والتطور. وكراهية الغرب لديمقراطيته، ولما وصل إليه من حضارة وازدهار اقتصادي واجتماعي.
تلك هي صورة الإسلام التي تقدمها وسائل الإعلام الغربي الصهيوني للفرد الغربي في أمريكا وأوربا من قبل أعداء الإسلام. ولا بد من سؤال يدور في ذهن كل عربي ومسلم، لماذا هذه الحرب التشويهية على الإسلام؟.
وللإجابة على هذا السؤال يجب أن نتعرف على أغراض وأهداف وغايات مطلقي هذا الافتراء البشع على الإسلام. فنرى إن الغرب والصهيونية هما اللذان يقودان الحملة العدائية على الإسلام، والسبب أن لكل منهما تصفية حساب مع الإسلام والعروبة. فالمشروعان الصهيوني والغربي الإمبريالي في المنطقة العربية، يلقيان مقاومة عنيفة من قبل العروبة والإسلام، وصعوبة في نهب الثروة والأرض والحقوق من قبلهما، إذن لا بد من محاربتهما، وتشويه صورتهما في العالم، بغية خلق جبهة من قوى عالمية لها مصالح في المنطقة ضد العروبة والإسلام. والتشويه إحدى الأسلحة المضادة للعروبة والإسلام.
فالتشويه بدأ منذ عام 1991 بصورة لا سابقة لها. وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي مباشرة، حين ظهر ساسة ومفكرين غربيين وخاصة في الولايات المتحدة حين قال الرئيس جورج بوش بعد سقوط الاتحاد السوفيتي: (إن خطر الشيوعية سقط ولم يبق إلا الإسلام الخطر على الغرب). وتداعت بعد ذلك الأقلام الصهيونية والمتصهينة في حملة عنيفة على الإسلام كرمز للإرهاب ومستودع له.
والحرب على الإسلام هو حرب على العروبة وكل المنتمين إليها مسلمين ومسيحيين، فالإسلام إلى جانب كونه دين سماوي توحيدي، فإنه للعرب كان مشروعاً نهضوياً لاستعادة الحرية وتحرير الأرض العربية من الاستعمار الروماني والفارسي والحبشي، وبناء دولة عظمى لهم، امتدت من أسوار الصين إلى تخوم باريس في القرون الوسطى.
والإسلام بقي الوعاء الفكري والتراثي والتاريخي، الذي حفظ الأمة العربية من الاندثار والتلاشي أمام اندفاعات الاستعمارية العسكرية والسياسية والفكرية كالصليبيين والمغول والترك والبريطانيين والفرنسيين والإيطاليين والصهاينة. فحافظ على اللغة العربية أمام تلك المحن القاسية، وأبقى روح النضال والمقاومة في نفوس العرب لمواجهة الغزاة والطامعين، واستمر يحرض على العلم والمعرفة على مدى الزمن رغم التجهيل المقصود من قبل المستعمرين.
إن الحملة الراهنة التي تشن على الإسلام تشوبهاً وافتراءً، ضمن مخطط معاد للإسلام والعروبة معاً، يرسم هذه الخطط أعداء لكليهما، سواء أكانوا حكومات أو مؤسسات غربية وصهيونية. وأن كان لكل واحد أهدافه وغاياته، وأن كان هناك اختلافاً في الصور والأشكال، إلا أنها واحدة في المضمون. ويكاد يجعهم سقف دائرة تأمرية واحد في المشاركة والتنفيذ.
مع العلم أن العداء وحملات الافتراء على الإسلام والعروبة، ليست وليدة هذه الأيام، بل بدأت منذ الأيام الأولى للدعوة الإسلامية. ومنذ أن بشر، ودعا إليها الرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام في مكة المكرمة، واستمرت إلى يومنا هذا. وستبقى الحملات العدائية والمغرضة مستمرة، ما دام الإسلام قائماً، من قبل كل المتضررين من فكره وعقيدته ومنهجه، والسلوكيات التي يدعو لها.
* نظرية صدام الحضارات والإسلام.
منذ الصدام الأول في القرن السابع الميلادي بين الإسلام والإمبراطورية البيزنطية في البدايات الأولى لظهور الإسلام، يلاحظ استمرارية الحملات الفكرية والإعلامية والعسكرية الغريبة على الإسلام حتى يومنا هذا. على الرغم من المحاولات المتكررة للحوار والتبادل الثقافي بين الإسلام والغرب، التي بدأت في عهد هارون الرشيد في رسالة الحوار مع الإمبراطور شارلمان، وإن كانت متقطعة في أثناء الوجود العربي في الأندلس، أو من خلال المبادلات الثقافية منذ القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا.
إلا أن عقلية العداء للإسلام لا زالت تبرز جلية عند أول اختلاف بين العرب والمسلمين من جهة، والغرب الأوربي والأمريكي من جهة أخرى، أو ظهور تباين في المصالح والأهداف. حتى تكاد أن تتشكل لدى العديد من المثقفين العرب والمسلمين قناعة، بأن الغرب وقادته على مر العصور، لا يمكنهم أن يروا الإسلام على حقيقته، كداعية للسلام والأمن والمساواة والتعاون بين الشعوب والأفراد، أو بوجهه الحضاري من خلال القيم والسلوكيات ينادي بها، ويفرضها على اتباعه.
ولا أريد في هذه الدراسة استعراض كافة الحملات المعادية للإسلام، بل نستعرض الشكل العدائي الجديد بما يسمى (صدام الحضارات. وتأتي في مقدمتها أطروحة (صدام الحضارات) لصموئيل هنتغتون المفكر اليهودي الأمريكي، الذي يحتل مكانة رفيعة في مجال العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية في أمريكا والغرب. حيث أحدثت هذه الأطروحة ضجة واسعة في الوسط الفكري العالمي، ومنها الوسط الفكري العربي والإسلامي. لما حملته من أفكار وأراء تجاه حضارات العالم، ومواقفها المستقبلية من الحضارة الغربية المتمثلة بوجهها الأمريكي.
حيث اعتبر هانتغتون في أطروحته، أن السياسة بعد انتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، ارتبطت بالثقافة. وإن الخلافات القادمة لن تكون إيديولوجية واقتصادية بل ثقافية. لأن شعوب العالم بعد سقوط الإيديولوجيات حسب اعتقاده، ستبحث عن انتمائها الحضاري التاريخي، كهوية لها.
وبسبب هذا الانتماء للماضي الحضاري، يعتقد هانتغتون أن السياسة الدولية ستشهد صراعاً حضارياً، بين حضارات ثمان هي في اعتقاده ينقسم العالم حولها، وهي حضارات: الغربية والصينية والإسلامية والهندية واليابانية والسلافية الأرثوذكسية والأمريكية اللاتينية والأفريقية.
وما يهمنا ما كتب عن الإسلام وحضارته واحتمالات الصراع معه، فيرى هانتغتون أن أسباب ظهور الصحوة الإسلامية، تعود إلى جملة من الأسباب الداخلية والخارجية. وأهمها هو تأكيد الذات، من خلال أخذ المسلمين بالحداثة، ورفض الثقافة الغربية، واعتبار الدين من خلال سلوكياته وقيمه هو الموجه للحياة.
ويرجع أسباب عودة المسلمين إلى دينهم إلى الفساد المنتشر في المؤسسات والركود الاقتصادي، وبروز الفقر. فالدين من خلال ما يطرح من قيم سلوكية عالية، سيؤدي إلى معالجة تلك الأسباب.
ويبين في أطروحته أن الشعوب الإسلامية والآسيوية هي أكثر عداوة للغرب، طبعاً لا يتحدث عن جذور هذا العداء ومنشئه التاريخي، وعن الظلم الذي حاق بالمسلمين والآسيويين نتيجة القهر والاستبداد الاستعماري الأوربي والأمريكي. ولا إلى التدمير الثقافي والاقتصادي، وزرع الكيان الصهيوني السرطاني، الذي يستنزف كل قواتهم المادية والروحية، بل يعود به إلى الثقة بالنفس، والقيم لدى الشعوب الإسلامية والآسيوية. لهذا يحذر الغرب من خطر التنامي العسكري المتطور لدى الصين والبلدان الإسلامية عليه، بل يحذر من تعاون أكيد بين الحضارتين الإسلامية والكونفوشيسية ضد الحضارة الغربية.
وبعد أن يحذر من النمو الديمغرافي للمسلمين، الذي سيؤدي بالشباب إلى تكوين مجموعات عنيفة ومتمردة، يقوم بتحذير الغرب من هذا الخطر الديمغرافي، الذي سيدفع بالشباب المسلم إلى الهجرة إلى بلاد الغرب الأوربي والأمريكي، والخطورة على حضارة الغرب هنا، هو ما يحملونه من قيم حضارة إسلامية معادية لتلك الحضارة.
ويسوق هانتغتون جملة من الأكاذيب والافتراءات، فيدعي أن الإسلام محرض للعنف وسفك الدماء. ومن هذه القاعدة الكاذبة، اعتبر المسلمين متورطين في أعمال العنف أكثر من كل شعوب الحضارات الأخرى. ويسوق تبريراً كاذباً لمسببات وجود العنف والإرهاب لدى المسلمين، هي صعوبة اندماجهم مع شعوب الحضارات الأخرى، وإلى التزايد السكاني الكبير. وعلى هذا يبني مقولته بأن الإسلام مصدر عدم الاستقرار في العالم.
ويشارك هانتغتون في الزفة الإعلامية الكبرى المضادة للإسلام، عدد كبير من المفكرين والسياسيين الغربيين، ويجري استخدام معظم وسائل الإعلام في الغرب والكيان الصهيوني، ترتكز على تخويف الغرب شعوباً وأنظمة من إرهاب إسلامي محتمل مستقبلاً. على اعتبار أن الإسلام دين عنيف، يصدر الإرهاب والرعب. لهذا لا يمكن التعايش معه، ومع المنتمين إليه سواء كانوا في بلاد الإسلام، أو من هاجر منهم إلى الغرب.
ونستعرض آراء مفكر غربي آخر يدعى الدكتور جاك أتالي، وهو عالم اقتصاد ومفكر فرنسي معروف، حيث يرى أنه لا زالت أوربا منغلقة على الإسلام، على اعتبارها نادياً مسيحياً يهودياً.
والسبب أن الأوربيين لا يزالون يجدون صعوبة شاقة في معرفة الإسلام، على الرغم من وضوح الإسلام، وليس لديه أسرار كهنوتية، أو طلاسم تقتصر معرفتها على حفنة من رجال الدين، كما هي بعض الأديان، فقرآن الإسلام، وأحاديث نبيه عليه الصلاة والسلام، واجتهادات فقهائه منشورة، إلا أننا نرى هذا الباحث والمفكر يعتبر معرفة الإسلام كمن يكتشف قارة كأمريكا مثلاً. حيث يقول: (وما زلنا في أوربا نحاول اكتشاف الإسلام، كما فعلنا مع أمريكا. واكتشاف الإسلام يضاهي اكتشاف أمريكا في صعوبته).
بل ويؤكد أن اندماج المسلمين الفرنسيين والمهاجرين المسلمين ممن يحملون الجنسية الفرنسية بالفرنسيين من المسيحيين وغيرهم، لا تزال صعبة وشبه مستحيلة فيقول: (.. هذا الاندماج مسألة صعبة للغاية.. بل شبه مستحيلة.. هذا واقع.. فعلى حد علمي لا يوجد مسلم واحد من الحكومة الفرنسية، ولا يوجد مسلم في البرلمان الفرنسي، ولا يوجد مدير شرطة مسلم، وأن كان هناك بعض المديرين من أبناء المهاجرين الجزائريين الذين انضموا إلى الجيش الفرنسي. كما لا يوجد في فرنسا مسلم رئيساً لجامعة أو مركز أبحاث كبير. وهكذا يتضح أن المدينة الفاضلة هي كذبة على النطاق الدولي)(11).
ولا يعالج السبب الحقيقي في عدم وصول مسلم فرنسي في الحكومة أو البرلمان، فهو يعلم أن حرباً ضروساً ضد المسلمين سواء من كانوا من الفرنسيين أو المهاجرين المتفرنسين. رغم أن عددهم يسمح لهم بأن ينالوا ربع المقاعد، وأن يمثلوا في البرلمان. إلا أن الحرب المكشوفة ضد الإسلام والمسلمين تمنع ذلك، فما معنى محاولة سجن روجيه غارودي، ومضايقة وعزل المطران الفرنسي الذي ناصره.
ويبين جاك أتالي أكذوبة الادعاء الأوربي عامة والفرنسي خاصة، بأن الغرب واحة الديمقراطية، فيوضح بأنه لا يزال المسلمون في فرنسا، يعيشون في ضواحي المدن، التي لا تتوفر فيها المدارس الكبيرة، ولهذا تقل فرص التعليم لأطفال العائلات المسلمة، التي تسكن الضواحي عن غيرهم في المدن 22 مرة. ويقول أيضاً أنه لا زالت هناك صعوبة كبيرة لاندماج المرأة المسلمة في فرنسا.
ويشير المفكر الفرنسي جاك أتالي إلى نظرية أنجلوساكسونية، التي تؤكد ما جاء به صموئيل هانتغتون، فهذه النظرية: (تدعو إلى رؤية العالم بعد نصف قرن من الزمان. إن أوربا تشكل اليوم 4% من سكان الأرض، وعدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية لا يزيد عن ذلك. إذن فإن عدد سكان أوربا وأمريكا معاً أقل من 10% من سكان كوكب الأرض. بينما يمثل عدد سكان الصين من 10 إلى 15% من سكان الكوكب. وطبقاً لحسابات التعداد يتراوح عدد المسلمين ما بين 20 إلى 45% أي حوالي ثلث سكان الأرض. وهذه النسبة ستكون خطرة على الغرب أن تمكنوا من التحالف مع الصينيين ليشكلوا بعدها الغالبية السكانية في العالم.
لذلك يدعو علماء المستقبل في الولايات المتحدة وأوربا إلى ضرورة التحالف اليهودي المسيحي، ويستنكر هؤلاء العلماء الوحدة السياسية الأوربية، لأن الوحدة بالنسبة لهم، هي وحدة العالم الغربي كله.
.. ويؤكد هؤلاء العلماء، على ضرورة أن يعمل الأوربيون والأمريكيون معاً في هذا الإطار، من أجل التصدي لهذا التهديد الخارجي، ويصبح بذلك العدو هو تحالف الإسلام والصين كقوة عظمى..)(12).
هذه النظرية المعادية للإسلام في المحتوى والشكل مؤسسة على الكذب والتحريض، فصناعها يعلمون علم اليقين، أن الإسلام لا يشكل كتلة واحدة داخل دولة أو إمبراطورية واحدة كالأمة الصينية، والمسلمون يتواجدون في كل أنحاء العالم. وتختلف نسبة وجودهم في تلك الدول ما بين الغالبية المطلقة إلى مجموعة من الأقليات. والغالبية العظمى من الدول ذات الغالبية السكانية من المسلمين دول علمانية، لا تشرع دساتيرها وفق الشريعة الإسلامية، والنظام القائم فيها نظام علماني، بل دول تسير وفق التقليد المنهجي السياسي والقانوني الغربي.
فأين الخوف الذي يأتي من الإسلام على الغرب كما يدعي صناع صدام الحضارات؟
وما يطرحونه من خطورة الإسلام على الغرب، ما هو في حقيقة الأمر لا يعدو إلا مخيل وهمي زرعته القوى المعادية للإسلام وفي مقدمتها الصهيونية، تستهدف منه نشر الخوف والرعب لدى الغربيين من عدو تم تحضيره من بطون تاريخ القرون الوسطى، ليسهل هضمه وتسويقه إلى الشعوب الغربية، بعد أن تمت صناعته في مطابخ دوائر مؤسسات بحثية غربية متصهينة، تغذيها مادياً الصهيونية لأهداف معادية للإسلام وعقيدته.
* من أين يأتي الخوف من الإسلام؟
يأتي الخوف من الإسلام كما تصوره الدوائر المتصهينة من ازدياد انتشاره في الغرب على أيدي المهاجرين المسلمين، والذين يحتكون بالشباب الغربي فيؤثرون عليهم بسلوكهم، مما يؤدي إلى اعتناق العديد منهم للدين الإسلامي. وفي ازدياد اتباع الديانة الإسلامية في الغرب، تحرض الصهيونية والمؤسسات المتصهينة الغرب بخطورة أسلمة العديد من الشباب الغربي. وهذا ما يقرأ من خلال الأبحاث التي يطرحها صناع صدام الحضارات، لنرى ما يقوله هنتغتون من الخوف على الغرب من الإسلام من خلال المهاجرين من أتباعه: (الثقافة الغربية تتحداها جماعات في المجتمعات الغربية، ومن أحد هذه التحديات يأتي من المهاجرين من حضارات أخرى، والذين يرفضون ومستمرون في الارتباط مع قيم وعادات وثقافات مجتمعاتهم، هذه الظاهرة أكثر وضوحاً بين المسلمين في أوربا، وكذلك تظهر بدرجة أقل بين الأسبان في الولايات المتحدة والذين يشكلون أقلية واسعة، إذا فشل الاحتواء، في هذه الحالة الولايات المتحدة ستصبح دولة متصدعة، بكل إمكانية الحرب الأهلية والذي سيتوالى فيما بعد. في أوربا الحضارة الغربية يمكن أن تقوض بإضعاف مكونها الرئيسي المسيحية(13).
* لماذا التحريض على الإسلام والمهاجرين المسلمين؟
يأتي من التغيير المحتمل، فالغرب الذي أفلس روحياً، وانتشرت فيه ثقافة السوق والديمقراطية ذات النمط الرأسمالي، التي تعتمد على الاحتكار، والغنى الفاحش لطبقات رأسمالية محدودة العدد تملك ثروات هائلة، مع ازدياد عدد الفقراء والمتشردين، وارتفاع أعداد العاطلين عن العمل نتيجة السماح للقوى الرأسمالية بتراكم الثروة لديها، من خلال السلوك الاستغلالي لشعوبهم تحت ذريعة الحرية الفردية المطلقة، وعبر نهب الشعوب في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
فماذا كانت نتائج تلك الثقافة المبنية على الاستغلال سوى ثقافة اللهو، والغناء والرقص، والإباحية والشذوذ، والانتحار وغيرها؟ والتي أنتجت فراغاً روحياً. بدأ الشباب الأوربي يبحث عن إملائه، ووجد الكثير منهم في الإسلام ضالته، فبدأت حركة وأن كانت بطيئة من اعتناق الدين الإسلامي، فظهرت في مدن غربية عدة المساجد والمراكز الإسلامية، وبدا تتشكل المجتمعات الإسلامية في أوربا وأمريكا، وأن كان اعتناق الإسلام من قبل الأوربيين قليل جداً، إلا أنه بدأ يؤرق مفكري وسياسي الولايات المتحدة وأوربا. فبدأت أجراس التحريض اليومي للمؤسسات المتصهينة لمنع انتشار الإسلام.
لهذا تشكل نوع من التحالف بين الساسة وعدد كبير من مفكري الغرب المتصهينين على معاداة الإسلام، إضافة إلى أنصار من اتباع المذهب الإنجليكي المتصهين والمؤسسة السياسية والعسكرية اليمنية الأمريكية، والتي تمثلها اليوم إدارة الرئيس جورج الابن وديك تشيني وكوندليزا رايس ورامسفيلد وغيرهم من مالكي القرار السياسي الأمريكي.
كما أن خلق عدو جديد للغرب هو الإسلام، في تصور المؤسسة اليمنية في الولايات المتحدة، يؤدي إلى استمرارية قيادة أمريكا للعالم الغربي، ويبقي هيمنتها على شعوب العالم، وانفرادها كالدولة الأعظم في العالم، الذي تُرضخ السياسة الدولية وفق نهجها وإرادتها.
فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومعسكره، الذي كان يوحد قوى الغرب خلف الولايات المتحدة، وجدت الولايات المتحدة نفسها بحاجة ماسة لعدو بديل للمعسكر السوفيتي، يبقي الغرب موحداً خلفها. لهذا خلقوا كذباً وافتراءً فكرة الخطر الإسلامي على الغرب، فلا بد من استمرارية التوحد لمواجهته. وجاء هذا الاختيار متوافقاً مع أهداف المشروع الصهيوني العنصري الاستيطاني، الذي يرى في العروبة والإسلام القوة الحقيقية في التصدي لـه وإجهاضه. فتوحد الصهاينة والمؤسسات الغربية فكرية وسياسية في صناعة ما يسمى بالإرهاب الإسلامي كل حسب ما يخدم أهدافه.
وهذا ما عبر عنه جورج بوش الأب في عام 1991 وكلا من المستشار الألماني ورئيس الوزراء الفرنسي مع سكرتير حلف شمال الأطلسي في عام 1995 بأن الأصولية الإسلامية خطيرة مثلما كانت الشيوعية للغرب. وعضو في إدارة كلينتون أشار للإسلام بأنه خصم عالمي للغرب(14).؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ الصهيونية وحملة الافتراء.


ليس غريباً على اليهود بشكل عام، والحركة الصهيونية بشكل خاص أن يعاديا العروبة والإسلام، وذلك مصداقية لقوله تعالى: لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا... بل الغرابة ستكون أن كان العكس من ذلك، فحينها لا بد من مراجعة. فإن مديح الصهاينة لهما يعني أنهما في وضع خاطئ، ولا بد من التصحيح. أما استمرارية حالة العداء، وشن حملات التشهير ضد الإسلام والعروبة من قبل اليهود والصهاينة، يعني أن الإسلام والعروبة هما في خير وعلى صواب.
وتعود أسباب الحالة العدائية إلى اختلاف وتصادم الأهداف والغايات بين الإسلام والعروبة من جهة، وبين اليهودية والمشروع الصهيوني من جهة أخرى.
فالشريعة اليهودية من خلال توراتها وتلمودها، تعتبر كل البشر عدا اليهود هم بمستوى الحيوانات، إن لم يكن أقل. لهذا أباحت تلك الشريعة استباح أموال غير اليهود وأرضهم وأجسادهم وأرواحهم. بل من الواجب تنفيذ الاستباحة، بموجب قانون الاصطفاء الإلهي لهم من دون البشر، الذين اصطنعوه لأنفسهم من قبل إلههم، حين اختارهم شعباً خاصاً لـه من دون مخلوقاته.
وتم البناء السلوكي والإيديولوجي للمكون الثقافي والسيكولوجي للفرد اليهودي على مر التاريخ على قاعدة الاصطفاء والاختيار الإلهي. وجاءت الصهيونية كحركة عنصرية، لتترجم هذه القاعدة عسكرياً وسياسياً وثقافياً، في أبشع أشكال العنصرية المقيتة في حق الأمة العربية عامة والشعب العربي الفلسطيني خاصة.
وليس العالم اليوم بحاجة إلى إيراد الشواهد على هذا القول، فكل يوماً تنقل وسائل الإعلام شواهد حية من تلك الممارسات العنصرية الإرهابية، التي تعطي أبشع الصور للحقد والتسلط والتعالي والسحق المادي والمعنوي للإنسان الفلسطيني، دون أي رادع أخلاقي وقانوني وإنساني.
في حين أن الإسلام مغاير لهذه العقائد والسلوكيات، فهو يدعو إلى المساواة المطلقة بين البشر، دون النظر إلى الجنس أو العرق أو القومية على قاعدة القانون الإسلامي (لا فرق بين عربي وعجمي ولا أبيض ولا أسود ولا أحمر إلا بالتقوى). ومن مقولة خالدة لرسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام: [الناس سواسية كأسنان المشط]. ويهدف إلى بناء عالم بشري أرضي، يسوده الحق والعدل والسلام، وعدم الإكراه في الاعتقاد الديني والمذهبي، وإلى التعايش المشترك وفق أداء الحقوق والواجبات على الفرد.
* بنيامين نتنياهو يكتب عن الإرهاب الإسلامي!!!
نورد هنا نموذجاً من الحملات التي شنتها الحركة الصهيونية على الإسلام، هو ما كتبه زعيم إرهابي ورئيس وزراء للكيان الصهيوني الأسبق بنيامين نتنياهو، وهو صاحب المجازر المعروفة عما أسماه الإرهاب الإسلامي، حيث ألف ثلاث كتب حول هذا الموضوع وهي:
- الإرهاب الدولي: تحد واستجابة، وقائع مؤتمر القدس حول الإرهاب الدولي. والذي صدر في عام 1981.
- الإرهاب: كيف يمكن للغرب أن ينتصر؟. وصدر عام 1986.
- محاربة الإرهاب: كيف تستطيع الديمقراطيات هزيمة الإرهابيين المحليين والدوليين؟ وصدر عام 1995.
ومعظم ما جاء في تلك الكتب كان تحريضاً واضحاً للحكومات الغربية على الإسلام والعروبة، من خطر الإرهاب الإسلامي على أنظمتها الديمقراطية، وشعوبها، ومصالحها، لما يحمل من وسائل دمار وسلوكيات عدوانية وحقد حضاري.
ويقدم نتنياهو في كتبه مجموعة من النصائح والوسائل لمواجهة ما زعمه من خطر الإرهاب الإسلامي. فهو يدعو الولايات المتحدة الأمريكية إلى قيادة العالم الغربي، لشن حرب ضارية ضد المسلمين، ودعاها إلى استخدام قوتها العسكرية والاقتصادية والسياسية ضد المسلمين، إلى أن يرضخوا ويستسلموا لاتباع النمط السلوكي والثقافي والاجتماعي الأمريكي الصهيوني.
ودعا نتنياهو الولايات المتحدة والدول الغربية إلى أن تشمل تلك الحرب المسلمين في أوربا وأمريكا. فهم في رأيه بؤرة خطرة لنمو الإرهاب ضد حضارة الغرب وأمريكا، وأن تركوا سيفسدون تلك الحضارة والديمقراطية التي أنتجتها بزرعهم في داخلها مبادئ الإسلام وأفكاره الرافضة والمعادية لتلك الحضارة والديمقراطية.
ولا حاجة أن نقول أن ما أورده نتنياهو في كتبه من أكاذيب وتزوير وقلب للحقيقة، بغية خداع العقل الفردي للإنسان الغربي مهما كانت مواقعه، قالباً للحقائق، بحيث يغدو الضحية قاتلاً، والمجرم الإرهابي الحقيقي ضحية، فبنيامين نتنياهو من زعماء التطرف اليمني الصهيوني ومن أشد زعماء الليكود عداءً للعرب والمسلمين وجرائمه معروفة ضد الفلسطينيين، حتى أن الشارع الصهيوني أسقطه في انتخابات 1999 نتيجة عدم القدرة على تحمل الرأي العام الدولي لسلوكه ضد السلام والفلسطينيين.
وما كتب نتنياهو إلا جزء صغير من الحرب الصهيونية ضد العرب والإسلام، لطمس جريمة اغتصاب فلسطين، واقتلاع شعب من وطنه وأرضه، واستبداله بمجرمين صهاينة يهود من كل أنحاء العالم. وخلق ثكنة في المنطقة العربية مدججة بالمرتزقة والقتلة والسفاحين والمزودين بأحدث الأسلحة والمدعومين من النظام الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، لتحقيق مصالح المشروعين الصهيوني والغربي.
وفي العودة إلى كتب نتنياهو نجد فيها أيضاً تحريضاً خبيثاً للكامن التاريخي في عقل الفرد الغربي من الموروث المعادي للإسلام، وتقديم الإسلام بصورة العدو الدائم للغرب وحضارته. وأن عدم اجتثاثه من خلال توجيه ضربة قاصمة لـه، سيكون الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة في دائرة الخطر المميت، وسيكون الخطر الداهم أيضاً على مصالحه في منطقة الشرق الأوسط والعالم. ولا ينسى أن يلعب بمشاعره في الخطورة على مصالحه الحيوية، وخاصة النفط الذي يعتبر عصب الحياة للصناعة في الغرب.
ومن الكذب والتزوير الذي أورده نتنياهو ضد الإسلام في كتبه، ادعاؤه أن الإسلام يحمل إيديولوجية غير عقلانية، كالشيوعية التي تحمل إيديولوجية غير عقلانية. ولكن الاختلاف بينهما، أن الشيوعية ذات أسلوب عقلاني، في حين الإسلام ذا أسلوب غير عقلاني.
ولا بد من يتساءل لماذا التشبيه بين الإسلام والشيوعية؟ وكيف يكون أسلوب الشيوعية عقلاني، في حين ، الإسلام ذو أسلوب غير عقلاني؟.
إنه الخبث الصهيوني التحريضي المضاد للإسلام، حيث يعلم أن الغرب الرأسمالي وخاصة الولايات المتحدة، لا زال يحمل ثقافة العداء للشيوعية، التي خاض معها صراعاً عنيفاً امتد ثمانين عاماً في القرن العشرين، وانتهى الصراع بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومعسكره الاشتراكي، وبما سمي بنهاية الحرب الباردة عام 1991.
فالشيوعية خطر على النظام الرأسمالي، لما تحمله من عقيدة تغيرية شمولية لهذا النظام، فهي تدعو إلى إسقاطه وإبداله بالنظام الاشتراكي، الذي ينزع الملكية الخاصة لتتحول إلى ملكية عامة. وتختلف الأساليب في التغيير لدى المنظومات الشيوعية من واحدة إلى أخرى. فمنها من يدعو إلى التغيير عن طريق الثورة أو الانقلاب المسلح العسكري أم المدني أو البرلمان أو التحالف.. إلى آخره من الأساليب والوسائل التغيرية المختلفة.
فالشيوعية نظام وعقيدة مادية دنيوية، في حين الإسلام دين توحيدي سماوي، يحمل عقيدة شمولية روحية ومادية، من قاعدة قوله تعالى: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ومن قانون: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لأخرتك كأنك تموت غداً).
عقيدة حملت في طياتها العدل والحق والتسامح والإنصاف، ونصرة المظلوم، وإشباع الجائع، ورد المظالم، والإحسان وحتمية زوال الإنسان عن الدنيا والمال والجاه والبدن والنعمة، لهذا قرن بين الإيمان والعمل الصالح في معظم آيات القرآن الكريم، وسيكون هناك الحساب والجزاء في الآخرة، فلا يضيع عند الله عز وجل مثقال ذرة كانت خيراً أم شراً.
وفي الإسلام مبدأ السواسية بين كل البشر في العمل والتعامل مبدأ أساسي ورئيسي، إضافة إلى المودة والرحمة، وإغاثة الملهوف، واحترام الجار وتكريمه، دون النظر إلى انتمائه الديني أو القومي أو العرقي. وأقر الإسلام الملكية الفردية، وحض على كل معاني الخير والصلاح في الدنيا والآخرة. ونقتبس هنا قولاً للقائد الخالد حافظ الأسد: (الإسلام دين الحق والعدالة والمساواة بين البشر، وهو تكميل للديانات السماوية، ونبراس للفلسفات الكبرى المطالبة بالعدالة للبشر جمعاء).
أما ما يقوله بنيامين نتنياهو، بأن الإسلام ذو أسلوب غير عقلاني فهو الكذب بعينه، وافتراء بين لا يحتاج إلى دلائل. ويقصد في هذا القول، إن الإسلام يتبع وسائل الإرهاب والترويع والتخويف في نشر عقيدته، أو في مواجهته بما أسماه الديمقراطية الغربية على اعتبار الإسلام غير ديمقراطي.
فالرد عليه إن الإسلام هو الدين والعقيدة الرافضة للإكراه، وفرض القبول بالدعوة لها، وهناك العديد من آيات القرآن الكريم التي تبين هذه المسألة، ونذكر منها قوله تعالى: لا إكراه في الدين لقد تبين الرشد من الغي. ويقول الرحمن عز وجل: إنك لا تهدي من أحببت إن الله يهدي من يشاء. وعديدة هي الآيات الكريمة التي ترفض الإكراه في دخول الإسلام.
فالأسلوب الذي يرتضيه الإسلام، ويؤكد عليه هو الإقناع والحوار الديمقراطي من قاعدة قوله تعالى: وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.
ويدعو إلى أسلوب اللطف والسماحة والتسامح من قاعدة ولا تستوي الحسنة والسيئة. ادفع بالتي هي أحسن. فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم(15).
ويرفض الإسلام بشدة قتل إنسان وزهق روحه، بدون سبب موجب لـه وهو المحدد في النص القرآني، فقتل إنسان مهما كانت ديانته وعقيدته جريمة عظيمة عند الله عز وجل، كما ورد في التنزيل الكريم: .. من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً. ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً..(16).
الدين السماوي الذي يرفض أن يقتل حيوان بدون مبرر، أو صيد حيوانات دون الحاجة لها، ويعلن رسوله عليه الصلاة والسلام عن امرأة دخلت النار بسبب هرة، فقط لأنها حبستها وماتت. وعن رجل دخل الجنة لسقايته كلباً عطشاناً. كيف يكون دين قتل وإرهاب وسفك دماء؟.
ونعود إلى كتب نتنياهو التي لاقت ترحيباً من السلطة الأمريكية، فيذكر في كتابه أنه استطاع يقنع الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان بخطورة الإرهاب الإسلامي على الولايات المتحدة الأمريكية والغرب الأوربي. ويذكر إن الرئيس رونالد ريغان قرأ كتابه الإرهاب: كيف يمكن للغرب أن ينتصر؟. عندما كان في طريقه لحضور قمة طوكيو حول الإرهاب. وبناء على توصياته تم اتخاذ إجراءات عسكرية ضد الدول الإرهابية، ومنها ضرب ليبيا عام
1986. وكانت حسرة نتنياهو جاءت من انفلات سوريا وإيران من العقاب الأمريكي بسبب حرب الخليج الثانية عام 1990.
ويقدم نتنياهو للغرب وصايا عشرة لمواجهة الإرهاب الإسلامي والحكومات الإسلامية الإرهابية. كما رسمت في عقل نتنياهو الصهيوني الحاقد وطبعاً هي سوريا وإيران وليبيا والسودان، ولا غرابة أن تورد سنوياً هذه الدول في لائحة الأمريكية تحت اسم دول داعمة للإرهاب. –وتم تطبيقها حرفياً من قبل إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر عام 2001- أما الوصايا العشر التي قدمها نتنياهو للغرب فهي:
1-فرض عقوبات على الدول التي تزود الدول الإرهابية الإسلامية بالأسلحة والتقنية النووية.
2-فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية دبلوماسية على الدول الإرهابية.
3-تحييد معاقل الإرهاب.
4-تجميد الأرصدة المالية الموجودة في الغرب للمنظمات والأنظمة الإرهابية.
5-تبادل المعلومات الاستخبارية.
6-مراجعة التشريعات لإتاحة حرية أكبر للعمل ضد المنظمات الإرهابية.
7-المتابعة النشطة للإرهابيين.
8-عدم إطلاق سراح هؤلاء الإرهابيين.
9-تدريب قوات خاصة لمحاربة الإرهاب.
10-تدريب وتنوير وتوعية المواطنين بهذا الخصوص(17).

غير معرف يقول...

الإســـلام والعــدل مما تضمنته الحملة الظالمة على الإسلام بعد أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001، اتهامه زوراً وبهتناً بأنه يدعو إلى الظلم، ويشجع على الاستبداد، وبربري لا يتسم بالعدل بل بالتخلف والجهل. وإن كانت الحملة الغربية الصهيونية على العروبة والإسلام اليوم، ليست بالجديدة. إنما جزء من حملات بدأت من البعثة المحمدية، وسوف تتلون بأشكال مختلفة وفق أزمنتها. لها هدف واحد هو نشر الأضاليل الكاذبة والمشوهة لحقيقة رسالة الإسلام الحنيف، الذي يدعو لخلق مجتمع بشري يسوده العدل والمساواة، ينتفي منه الظلم والاستبداد والطغيان.
ومن أهداف الحملة إقناع الشارع الأوربي والأمريكي، بأن الحضارة الإسلامية متدنية عن الحضارة الغربية كما عبر عن ذلك رئيس وزراء إيطاليا سليفيو برلوسكوني. وتطاول البعض على رسالة الإسلام، حين كتبت الكاتبة الإيطالية أورينا بلاتشي تقول: (إذا كان القرآن عادلاً، لماذا يعد العين بالعين والسن بالسن؟). ودعت الشباب الغربي لحرب دينية ضد الإسلام قائلة: (انهضوا أيها الشباب.. أنكم أمام حرب دينية) (1) ووصفت المسلمين بالفئران التي تحيطهم القاذورات.
وفي الحملة الظالمة التي يقودها بعض أعضاء الكنيسة الصهيونية أمثال القس جيري فالويل والقس بات روبرتسون ضد الإسلام اتهموا رسوله الكريم في التطرف والإرهاب فيقول القس جبري فالويل في مقابلة تلفزيونية مع محطة /سي. بي. أس /يوم الأحد 6 /10/ 2003: (أنا أعتقد إن محمد كان إرهابياً. لقد قرأت كتابات مسلمين وغير مسلمين، لكي أقرر أنه كان رجلاً عنيفاً، رجل حرب). أما القس روبرتسون كان قد سبقه بالتناول من شخصية النبي في مقابلة تلفزيونية قال فيها: كان مجرد متطرف، لقد كان سارقاً وقاطع طريق) (2).
هكذا هي بعض الصور القليلة التي يبثها الحاقدون من الغربيين المتصهينين إضافة إلى الصهاينة أنفسهم، الذين لم يتركوا وسيلة إلا وحاولوا تزوير حقيقة الإسلام الباحث عن السلام ونشر العدل في العالم كله، لـه ولكل البشرية جمعاء.
حتى في فتوحاته التي قام بها لنشر العدل والمساواة، قال مؤرخ غربي (لم يعرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب). والحقيقة لم ترَ البشرية دّيناً كالإسلام، يشدد على إقامة العدل بين الناس على مختلف انتماءاتهم وعقائدهم وألوانهم وقومياتهم، دون النظر إن كانوا من اتباعه أو من اتباع ديانة أخرى، فالمساواة والعدل من صلب رسالته إلى البشرية، لأنه دين الحقّ قال تعالى: وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً (3).
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ رسالة الإسلام نشر العدل على الأرض


فكانت من أهم مهام أمة الإسلام نشر الدعوة إلى الحق، وإقامة العدل بين الناس قال تعالى: وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (4). والعدل صفة من صفات الإسلام، وسمة من سماته. تعرفت عليه من خلاله شعوب الأرض، فآمن به الكثير منهم، لما اتصف به من عدل ومقاومة للظلم بكل صوره وأشكاله.
والتاريخ حافل بالحوادث والقصص، التي تظهر العدل الذي مارسه المسلمون تطبيقاً لتعاليم الإسلام، التي وردت في القرآن الكريم والسنة الشريفة. فكانت تلك الممارسات خلال العهود الإسلامية قمة في السلوك الإنساني في تطبيق القانون، دون النظر إلى المستوى الطبقي أو الاجتماعي.
ويقدم التاريخ أمثلة حسية على ممارسات العدل، ويظهر محاكمات لرأس الدولة (الخليفة) مع أحد أفراد الشعب العاديين على قضية خلافية أمام القضاء، والبعض منها كان بينه وبين مواطن من أهل الكتاب. وقد قضى بعض القضاة حكماً على رأس الدولة لصالح لهذا المواطن من أفراد الشعب ضد الخليفة. وهذا السلوك الدقيق في تطبيق القانون، لا يزال إلى هذا اليوم أمنية وهدفاً، تناضل من أجل تحقيقه كافة بشعوب الأرض. بل من حلم الإنسانية، أن يقوم بناء نظام دولي مؤسس على العدل والمساواة. وهذا ما جاء به الإسلام، وسعى إليه، وفرضه على اتباعه، ودعا العالم لتطبيقه.
ولا غرابة في ذلك، فإقامة العدل بين الناس من الفرائض الأساسية، التي جاء بها الدين الإسلامي، وأحد أهم مرتكزات نظامه القانوني والسياسي. فالعدل أمر من الله عز وجل مفروض على أية سلطة إسلامية إقامته، وكافة الشرائع السماوية السابقة يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله وإن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (5).
والعدل بين الناس مطالب بتنفيذه كل أفراد الأمة الإسلامية حكاماً ومحكومين، وتطبيق المساواة الكاملة أمام القانون الإسلامي لكافة الرعية في الدولة، وإلا أصيبت بالإثم الأمة كلها بسبب عدم التطبيق، وابتليت بالظلم والجور والفساد من حكامها، قال تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله سميعاً بصيراً (6).
ومن يقرأ الآية السابقة، يجد أن الله عز وجل، يأمر المسلمين بإقامة العدل بين كافة الناس دون تخصيص. والأمر هنا يعتبر في الإسلام، كما قلنا فريضة كما هي فرائض الصلاة والزكاة وصوم رمضان وحج البيت. لذلك فإن المسلم مطالب بالرضوخ لقرارات وأحكام العدل وتنفيذ الحكم القضائي المستند على أسس القانون السماوي. وليس لـه الخيار في القبول أو الرفض بطاعة القانون الإسلامي في حال صدوره، بل الإذعان لـه وتنفيذه. قال تعالى: إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون (51) ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقيه فأولئك هم الفائزون (52) (7).
ومن أوامر الله عز وجل على الحاكم المسلم أو القاضي أو أي مسلم مكلف بالفصل في قضية ما، أن يحكم بالعدل والإنصاف، وأن يبتعد عن أي هوى شخصي في تطبيق العدل، ولا يتأثر بمؤثرات صلات القرابة، في أن يقضي بالعدل، حتى لو كان أحد الخصمين أخوه أو أبوه أو قريبه من عشيرته، فعليه أن يقضي بالعدل، ويحق الحقّ، ليفوز برضى الله عز وجل، تطبيقاً لقوله تعالى: وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى (8).
وعلى القاضي أن يرفض أية ضغط عليه لينحرف عن العدل، سواء من سلطة أعلى منه، أو تحقيقاً لرغبات قريب أو بعيد، أو خوف من قوة مهما كانت، ولا يخشى أي تهديد، يمنعه من إقامة العدل. وعليه أن يتخذ قرار حكمه القضائي مبنياً على تحرياته عن الحقيقة، ووفق البينة والدلائل والمعطيات، التي توفرت لـه من وقائع وشهود إثبات وغيرها من الأدلة المادية والحسية، فقد قال رسول الله : [إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت لـه من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع لـه قطعة من النار] (9) وأن يحكم بما أنزل الله عز وجل، وليس برأيه الشخصي، لاستقامة العدل وفق القانون الإلهي الواحد للجميع، حيث يلقى عليه تبعات هذا الحكم، فإن أحسن أثيب، وإن أخطأ فقد ارتكب ذنباً أمام الله. قال تعالى: وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم وأحذرهم أن يفتنوك بما أنزل الله إليك (10).
وأكد الله عز وجل في القرآن الكريم على إقامة العدل بين الناس، دون النظر إلى الطرفين المتخاصمين وإلى انتماءاتهم الدينية أو العرقية. فالعدل يجب أن يقام، حتى وإن كان ينفذ على أقرب الناس للقاضي أو الحاكم أو الشخص الذي يفصل في قضية ما، فالمطلوب من القاضي هدف محدد، هو إقامة العدل دون النظر إلى النتائج، التي ستعقب صدور هذا الحكم، حتى وأن أدى قرار الحكم إلى عزله أو إغضاب ولاة الأمور، وحتى وأن خسر نفسه. فالله عز وجل يطلب ويأمر بالعدل، ويجزي القاضي الذي يقضي به، قال تعالى: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً (11).
فالعدل كما أشرنا سابقاً أمر من الله عز وجل، فرضه جل جلاله على الحكام المسلمين وعلى كل أفراد المجتمع الإسلامي بإقامته بين الناس، لأنه أحد ركائز أركان النظام الإسلامي، ومن أهم أسس بنيانه الداخلي، قال تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي ويعظكم لعلكم تذكرون (12). كما يأتي ضمن قوانين السلوك المأمور المسلم بتطبيقها، فلا يمكن أن يبنى مجتمع مسلم سليم دون إقامة العدل، لأن فيه سعادة المجتمع وتطوره وأمنه.
وليس هناك للمسلم في الاختيار بين العدل والظلم، أو القبول أو الرفض لشرع الله ورسوله ، لأن العدل والرضوخ لقراراته من صلب الإيمان، والاعتقاد بالدين الإسلامي. فطاعة الله عز وجل ورسوله فرض، وخلافها فسوق وكفر، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيراً وأحسن تأويلاً (13).
فالقبول بالحكم، والتقاضي بالشريعة الإسلامية الغراء، هو أمر من
الله عز وجل.بل المطلوب من المسلم القبول بما يحكم به القضاء الإسلامي المستند على أحكام صادرة من التشريع الإسلامي العادل، وليس المطلوب من المسلم القبول فقط بتنفيذ الحكم كونه حكماً، بل القبول به برحابة صدر، والرضا به روحياً ومادياً، قال تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدون في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) (14) فمن سياق الآية الكريم يتبين للقارئ مدى ما وصل إليه الإسلام في تنفيذ العدالة، فلا يقبل الإسلام من المسلم فقط تنفيذ الحكم، بل الرضا به معنوياً، حتى لا يبق في نفس المحكوم شيئاً من التنفيذ بالإكراه، بل القبول به من أعماق قلبه، لأنه من صلب الإيمان، وأن يستسلم لهذا الحكم بكل جوارحه.
كما أن الحكم الذي يقضي به القاضي، يجب أن يستند على الشريعة الإسلامية لقوله تعالى: إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً والتي انبثقت من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه، فالأحكام والأوامر والواجبات والسنن، التي قالها الرسول ، الاحتكام بها أيضاً، أمراً من الله عز وجل الذي قال :يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيراً لكم وأن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليماً حكيماً (160) حتى يكون القبول به برضاً روحي، تتلقاه النفس بسرور وطمأنينة، كونه يكسب رضا الرحمن عز وجل، وفيه الثواب الطيب في الدنيا والآخرة.
والمطلوب من المسلم أن يحتكم إلى القضاء في أية قضية خلافية بينه وبين شخص آخر، أو في أية مظلمة ظلم بها، ويمتنع أن يستخدم قوته الشخصية أو عشيرته أو جماعته أو نفوذه في تنفيذ حُكمٍ، حَكم به شخصياً على آخر، كونه يرى أنه صاحب حق في اتخاذ قرار يحكم به على الآخرين، أو أنه هو على صواب. فالواجب على المسلم أن يرفع مظلمته أو قضيته للقضاء ليفصل فيها. قال تعالى: وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب (17). ومن هذه الرؤيا القرآنية الكريمة، يتبين لنا ما وصل إليه لإسلام من المدنيّة، في بناء المؤسسات الحضارية المتقدمة، والمبنية على سيادة القانون، ورفض القانون العشائري والأعراف القبلية المبنية في كثير منها على الجهل والظلم. وذلك منذ أربعة عشر قرناً من الزمان.
فالإسلام بدأ منذ الأيام الأولى بعد هجرة الرسول  إلى المدينة المنورة في تأسيس دولة القانون، ومارس تطبيقه على جميع رعايا الدولة، سواء أكانوا مسلمين أو من أهل الكتاب من خلال إقامة شرع الله عز وجل، وفق ما أنزل الله عز وجل في كتابه الكريم من أحكام وحدود. فكان القرآن الكريم دستوراً، تشرع منه القوانين، فهو حكم الله عز وجل وما ورد في القرآن من أحكام وقوانين، ورد معظمها في التوراة والإنجيل والزبور وتعاليم الأنبياء جميعاً، لذلك لا يوجد في كتب الله عز وجل السماوية اختلاف أو تناقض، وهذا ما يعرفه أهل الكتاب، ويعلمون أن ما شرع الله وعز وجل في القرآن الكريم هو حق، فما أنزل في القرآن من أحكام وحدود، هي ما أنزل عليهم من قبل قال تعالى: أفغيرَ الله أبتغي حَكَماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً والذين أتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربّك بالحق فلا تكونن من الممترين (18).
والعدل مطلب واجب تطبيقه بأمر من الله عز وجل، وقد جاء في كل رسالات الله عز وجل للبشرية جمعاء على لسان رسله عليهم الصلاة والسلام، فأمرهم بالدعوة إليه بين الناس، وأن تطبقه كل النظم الحاكمة على مختلف أشكالها وانتماءاتها القومية والدينية. وفرضت الكتب والتعاليم السماوية عليهم وعلى أتباعهم بإقامته في حال وصولهم إلى الحكم، أو تولي أمور الناس، وهذا ما أمر به داود عليه السلام حين استلم الحكم، وأصبح ملكاً على بني إسرائيل، قال تعالى: يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (19).
إضافة إلى ما جاء في كتاب الله عز وجل من قوانين وتشريعات أي الأحكام والحدود، أضيفت إلى القانون الإسلامي ما سنه رسول الله  من أحكام وتشريعات وممارسات قضائية تطبيقاً لقوله تعالى: وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (20). والتي استكملت بعدها مصادر التشريع الإسلامي بعد وفاة الرسول  من اجتهادات الخلفاء الراشدين وعلماء الفقه الإسلامي على مذاهبهم المعروفة.
إضافة إلى تلك المصادر أضيف القياس، فأصبحت مصادر التشريع الإسلامي أربع القرآن الكريم والسنة الشريفة والاجتهاد والقياس.
ومن هنا كان بنيان دولة الإسلام، كما قلنا مؤسسة على العدل من خلال سيادة القانون على الجميع دون استثناء، وبنى المسلمون أسس دولتهم على شعار خالد يقول: (العدل أساس الملك). وفي هذا البناء الحقوقي السماوي العادل، قام الإسلام بنسف البناء القانوني المستند على القبلية الجاهلية المتخلفة، الذي بنيت مؤسساته على الظلم والطبقية وعدم المساواة، والتفريق بين الناس على قواعد المال الجاه.
فساد العدل في جميع أركان الدولة الإسلامية في عهد رسول الله  وخلفاءه الراشدين من بعده، وكذلك مورس في فترات مختلفة من العهود الإسلامية، التي أعقبت العهد الراشدي، من قبل قلة من حُكامٍ اتقوا الله عز وجل فحكموا بالعدل والقسط. حيث أقيمت المساواة الحقوقية بين الرعية جميعاً، فانتفت المظالم، وتحققت لأول مرة دولة القانون والحق في جزيرة العرب والعالم الإسلامي، لا تفرق بين سيد وعبد ولا رئيس ولا مرؤوس.
العدل كما أشرنا مؤسس على تعاليم الخالق عز وجل. ومن هو أعدل من الله عز وجل!!؟ فالله عز وجل هو العدل المطلق. وهو البصير بعباده، والأكثر خبرة ومعرفة في مكوناتهم الروحية والمادية. لهذا كانت تعاليم الإسلام التي يحتكم بها المسلمون في قضاياهم وفق كتاب الله وشريعته الغراء، إنما تنفيذاً لقوله تعالى: وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب (21). ومن يراجع ببصيرة خالية من كل ريب ما احتوى كتاب الله من إحكام وتشريعات سيجدها حتماً قمة في العدل والقسط.
وأين العدل اليوم الذي يتساوى فيه الناس كأسنان المشط؟ وأين العدل الذي يقتص من خليفة، يحكم نصف الأرض لمواطن فقير إذا ظلمه؟ فكم من قضية اليوم ذهب ضحيتها مئات أو آلاف الأبرياء نتيجة نزوة أو طيش حاكم، أو قرار دولي تجافى عن العدل، ونفذ لرغبات دولة مستبدة؟. وكم من قضية فصل بها قضاء ظالم، أدت أحكامه إلى خراب أسر ومجتمعات وأفراد!؟. فالعدل حين يكون سيد قوانين وسلوك وتطبيقات أمة من الأمم، فسيحل الأمن والرخاء والسعادة على مجتمعها. لذا أكد الإسلام على أن بناء المجتمع النظيف، يتم من خلال ممارسة العدل دون تمييز بين أفراده وبقية المجتمعات الأخرى.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ القضــاء والإســلام


إن مهمة القاضي من أصعب المهام في الإسلام، لما تتطلب منه الدقة والفصاحة، وأن تتوفر لديه كل الإمكانات المعرفية في الشريعة، ومع القدرة الشخصية في امتلاك البصيرة، والدقة في الأمر، لإنصاف الناس، وإرساء العدل بينهم. ومن أبرز الصفات التي يجب أن يتحلى بها القاضي التالي:
- قال الحسن البصري: أخذ الله على الحكام أن لا يتبعوا الهوى، ولا يخشوا الناس، ولا يشتروا بآياته ثمناً قليلاً. (22)
- وقال مزاحم بن زفر: قال لنا عمر بن عبد العزيز: خمس إذا أخطأ القاضي منهن خطة، كانت فيه وصمة: أن يكون فهيماً، حليماً، عفيفاً، صَلِيباً، عَالِماً سؤولاً عن العلم. (23).
- الحلم، وأن لا يقضي وهو غضبان. عن أبي بكرة أنه كتب لأبنه عبد الرحمن بن أبي بكرة (وكان بسجستان بأن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت النبي  يقول: [لا يقضين حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان] (24).
لذلك كان العلماء وفقهاء المسلمين الكبار يتهربون من مهمة القضاء خشية الوقوع في خطأ يغضب الله عز وجل، فيكون مصيره النار. ونذكر منها أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، طلب من عبد الله بن عمر بن الخطاب، أن يتولى القضاء بين الناس، فرفض. فقال عبد الله بن عمر: لا أقض بين رجلين ما بقيت. فرد عليه عثمان رضي الله عنه: لتفعلن فإن أباك كان يقضي، فقال لـه عبد الله: كان أبي أعلم مني وأتقى.
وتعرض أبو حنيفة الإمام الفقيه المجتهد للتعذيب، حين رفض طلب الخليفة المنصور بتولي القضاء في ولاية الكوفة. وسجنه الخليفة أحد عشر يوماً، وكان كل يوم يجلد عشرة جلدات بالسوط في سجنه، فتحمل العذاب على تولي القضاء. وحين قابل الخليفة، فطلب منه تولي القضاء، فقال له: أتق الله ولا ترع في أمانتك إلا من يخاف الله.. أنني لا أصلح لذلك.
قال الخليفة المنصور: كذبت! أنت تصلح. فوجدها أبو حنيفة مخرجاً له، فقال: لقد حكمت لي على نفسك، كيف يحل لك أن تولي قاضياً على أمانتك وهو كذاب؟. فسكت عنه الخليفة وتركه.
* الشهادة فرض لضرورة العدل
والإسلام كما أنه يرفض مطلقاً أن لا يحكم إلا بالعدل، كذلك أيضاً يطلب بناء الأحكام القضائية على الأدلة والبينة. وتأتي شهادة الشاهد على ما رأى، ولمس، وعرف باليقين الكامل البعيد عن الافتراء والتلفيق والتزوير والكذب من أولى مقومات النطق بالحكم، ومن أسس بناء قرار القاضي.
الشهادة في الإسلام هي فرض على المسلم، عليه الإدلاء بها أمام القاضي، إن طلبت منه، أو لم تطلب منه. وخاصة أن عرف بأن ظلماً قد وقع على بريء، وهو يعلم بذلك. فعليه الإدلاء بها، وإن كان القاضي لم يستدعيه، أو يجهل بأنه يعلمها. فهي في القرآن شهادة لله عز وجل. لذا طلب الله عز وجل من المسلمين، أن يقضوا بين الناس بالعدل، ويشهدوا بالحق. حتى وإن كانت هناك عداوة بينهم وبين أخوان لهم من المسلمين، أو بينهم وبين غير المسلمين.
فالعدل فرض وواجب إقامته، وكذلك الشهادة هي فرض وواجب الإدلاء بها، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبيراً بما تعملون (25).
لأن الشهادة هي إحدى أركان البينة، ومن أسس إقامة مدلولات الحكم، والمستند الرئيسي للقاضي في فصل القضية.
والإسلام فرض الشهادة على اتباعه، ودعاهم إلى تقديمها لتبيان الحقيقة.
وأولى تلك الشهادات هي الشهادة بوحدانية الله عز وجل، وهي حق على كافة أتباع الديانات السماوية، وعدم كتمان شهادة مبينة من حقوق الله عز وجل قال تعالى: قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أأنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد إنما هو إله واحد وأنني بريء مما تشركون (19) الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (20) ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون (21) (26).
وأشد الناس ظلماً من كتم شهادة عنده لله في وحدانيته، أو إخفاء ما جاء في كتبه المقدسة من حقائق المعرفة، أو كتم شهادة يعلمها في حق الله عز وجل، طلبت منه في مجلس أو مجمع للناس، أو غيرها من مجالس العلم والدين والتذاكر، أو كتمها بغية مجاملة لوجيه، أو ذو منصب، أو لمدارة فاسق، أو غيره من الطغاة والظلام من أجل محاباته، أو الخوف منه، أو لغاية أخرى قال تعالى: .. ومن أظلم من كتم شهادة عنده من الله.. (27).
ثم تأتى الشهادة بين الناس في المرتبة الثانية، التي أكد الله عز وجل على ضرورة الإدلاء بها، وعدم كتمانها، قال تعالى: ... ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه إثم قلبه والله بما تعملون عليم). (28). ففيها تبيان لحقوق الفرد والمجتمع، وفيها يتضح العدل، ويستطيع القاضي أو الحاكم رؤية حقيقة الذنب أو القضية من خلال الشهود والبينة، ويقضي بها.
والشهادة يجب أن يدلى بها بصورتها الواقعية دون زيادة أو نقصان، حتى وإن كانت تلك الشهادة على الوالدين أو الابن أو من ذوي القربى، وأن لا يخشى إلا الله عز وجل في قول الحق بشهادته، سواء كان المتضرر حاكماً أو غنياً أو فقيراً أو قريباً أو بعيداً، حتى وإن كان عدواً. قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً (29).
والشهادة كما العدل هي فرض من الله عز وجل على المسلم الإدلاء بها، كما هي في حقيقتها بما رأى باليقين وبالحقّ كما أشرنا سابقاً، والإدلاء بالشهادة، هي من صفات وسمات الإيمان في الإسلام، قال تعالى في وصفه للمؤمنين المصلين الدائمين على صلاتهم في سورة المعارج: والذين هم بشهاداتهم قائمون(30). وذكرت الشهادة هنا من ضمن سلسلة من الصفات الكريمة التي يجب أن يتحلى بها المصلي الدائم.
وأن تتسم تلك الشهادة بالحق، دون أن تأخذه عاطفة القربى أو الروابط العائلية أو الحزبية أو القومية أو غيرها من الروابط الأخرى المختلفة، قال تعالى: وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى(31).
وشدد الإسلام على محاربة شهادة الزّور في الدنيا والآخرة، واعتبرها من أكبر الكبائر. قال رسول الله (): [ألا أنبئكم بأكبر الكبائر. قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئاً فقال: ألا قول الزّور؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ صـــور من العـــدل:


رفض الإسلام أن يقوم الناس أو مجموعة منهم أو أفراداً، مهما كانت صفتهم، أن يقوموا بالقصاص من الجاني. مهما كانت جريمته، إلا عبر محاكمة عادلة، يقضي بها قاض، يصدر عنه حكماً، وتقوم بتنفيذها السلطات الحاكمة.
وتذكر بعض السير وكتب التاريخ عن قصاص، نفذ من قبل أفراد في عهد رسول الله ()، فرفضها رسول الله () لمخالفتها أهم شروط أسس العدل التي أشرنا إليها. ومن تلك الحوادث ما قام به نفر من مسلمي خزاعة بعد فتح مكة، حين قتلوا مشركاً، فرفض رسول الله () هذا العمل وقال: [.. فمن قال لكم أن رسول الله قد قاتل فيها فقولوا إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحللها لكم يا معشر خزاعة].(33).
وفي العدل كان لعمر بن الخطاب الباع الطويل في إقامته على حرفيته، فسمي بالفاروق لعدله الحرفي بين رعيته والآخرين، حيث لم يكن يفرق في إقامة الحدّ، بين ابنه وبين بقية رعاياه. فالعدل يطبق على الجميع، ودون النظر إلى النتائج، ونذكر هنا قصة إقامة الحدّ على ولده عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب. التي يرويها عمرو بن العاص والي مصر أيام الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
(.. دخلا "عبد الرحمن بن عمر وأبو سروعة"، وهما منكسران، فقالا: أقم علينا حدّ الله، فإننا أصبنا البارحة شراباً فسكرنا، فزبرتهما وطردتهما. فقال عبد الرحمن: إن لم تفعل أخبرت أبي اذا أقدمت عليه.. فحضرني رأي وعلمت أني إن لم أقم عليها الحدّ غضب عليّ عمر في ذلك، وعزلني، وخالفه ما صنعت، فنحن على ما نحن عليه، إذ دخل عبد الله بن عمر، فقمت إليه، فرحبت به، وأردت أن أجلسه في صدر مجلسي، فأبى عليَّ، وقال: أبي نهاني أن أدخل عليك إلا أن أجد من ذلك بداً. "إن أخي لا يحلق على رؤوس الناس، فأما الضرب، فاصنع ما بدا لك".قال عمرو بن العاص: وكانوا يحلقون مع الحدّ، فأخرجتهما إلى صحن الدار، فضربتهما الحدّ، ودخل ابن عمر بأخيه إلى بيت الدار، فحلق رأسه ورأس أبو سروعة. فو الله ما كتب إلى عمر بشيء مما كان حتى إذا تجنبت كتابه إذا هو نظم فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاصي بن العاصي:
".. عجبت لك يابن العاص ولجرأتك على خلاف عهدي.. فما أراني إلا عازلك . تضرب عبد الرحمن في بيتك؛ وقد عرفت أن هذا يخالفني؟.. إنما عبد الرحمن رجل من رعيتك، تصنع به ما تصنع بغيره من المسلمين. ولكن قلت هو ولد أمير المؤمنين، وقد عرفت ألا هوادة لأحد من الناس عندي في حق يجب لله عليه، فإذا جاءك كتابي هذا، فابعث به في عباءة على قتب، حتى يعرف سوء ما صنع"..
قال: "فبعثت به كما قال أبوه، وأقرأت ابن عمر كتاب أبيه، وكتبت إلى عمر كتاباً أعتذر فيه، وأخبره أني ضربته في صحن داري ,بالله الذي لا يحلف بأعظم منه آتي الحدود في صحن داري على الذمي والمسلم، وبعثت بالكتاب مع عبد الله بن عمر".
قال أسلم: "فقدم عبد الرحمن على أبيه، فدخل عليه وعليه عباءة، ولا يستطيع المشي من مركبه. فقال: يا عبد الرحمن فعلت كذا؟ فكلمه عبد الرحمن بن عوف وقال: يا أمير المؤمنين قد أقيم الحدّ عليه مرة. فلم يلتفت إلى هذا عمر وزبره. فجعل عبد الرحمن يصيح: أنا مريض وأنت قاتلي! فضربه وحبسه، ثم مرض فمات رحمه الله).(34).
ورغم أن عمر بن الخطاب شديد في إقامة الحد حتى على نفسه، فأنه كان يرفض الغلو في أخذ الحدود، فقد غضب من أبي موسى الأشعري، وهو من كبار ولاته، لأنه غالى في جلد شارب خمر، وحلق شعره، وسوّد وجهه، ونادى في الناس ألا يجالسوه ولا يؤاكلوه.
فاشتكى هذا الرجل إلى عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، فأعطاه عمر مائتي درهم، وكتب إلى أبي موسى الأشعري: (لئن عدت لسودنَّ وجهك، ولأطوفن بك في الناس). وأمره أن يسحب أمره ليجالسه الناس ويأكلوا معه، وأن يمهله ليتوب، ويقبل شهادته إن تاب.(35).
وعدل عمر لم يقف عند طبقة معينة، فقد كانت لا تأخذه في الله عز وجل لومة لائم، فالجميع لديه في سوية واحدة أمام العدل والقضاء به. وهذا تطبيق عملي لأحد أهم مرتكزات الإسلام، وهو إقامة العدل على الجميع دون تمييز، مهما كانت مكانة الشخص المدان ومرتبة، بل أن يقام العدل، حتى وإن كانت نتائجه بتوقعات الآخرين خطيرة على أمن الدولة نفسها، أو قد يؤدي تطبيقه إلى اضطرابات داخلية فيها.
فحين عزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائد الجيش خالد بن الوليد رضي الله عنه، وهو المحبوب من جنده، وقائد الانتصارات العظيمة والباهرة على الفرس والروم، لم يلتفت إلى النتائج التي قد تنتج عنه من عصيان عسكري، أو امتناع القائد المعزز بقواته عن تنفيذه، أو استغلال من قبل العدو لانقسام قد يحدث في الجيش.
والسبب أن عمر رضي الله عنه أحصى عليه بعض المآخذ، ومنها إنفاقه من بيت المال في غير ما يرضاه، فأمر به أن يحاكم في مجلس عام، كما يحاكم أصغر الجند. وعزله عن قيادة الجيش، بعد مقاسمته فيما يملك من نقد ومتاع..)(36).
فالعدل كله واجب التطبيق في نظر عمر رضي الله عنه مهما كانت النتائج. ونفذ خالد بن الوليد رضي الله عنه قرار الخليفة برضى وطاعة، وقبل المحاكمة. والتحق بعدها بالجيش جندياً عادياً، ولم تؤثر عليه القضية برمتها، فكان باسلاً في المعارك كقائد وجندي، يؤدي رسالة الإسلام الهادفة لإقامة العدل في كل أنحاء الأرض.
ومن صور العدل والمساواة في الحق بين الأمير والمواطن العادي في الإسلام، ومن الأشكال التي تم تطبيقها في العهد الراشدي، نذكر هنا أيضاً كيف وقف عمر بن الخطاب مطبقاً للعدل، منتصفاً لأعرابي بسيط، لطمه الأمير جبلة بن الأيهم أمير الغساسنة وزعيمهم، فاشتكى لعمر من عمل الأمير، فحكم للأعرابي بلطم جبلة الأمير أمام الناس كما لطمه. فغضب جبلة بن الأيهم من هذا الحكم، فلم يستوعب أنّ أعرابي بسيط يقتص من أمير، ولم يدرك أن الإسلام ساوى في الحقوق بين الأمير والفقير في الحقوق، فلا تزال الأعراف الطبقية تعشش في ذهنه، فهرب إلى الروم، حين عرف أن الحكم لابد، أن ينفذ. ولم يتأثر الإسلام حين ارتد جبلة وهرب إلى الروم خوفاً من إقامة العدل، ولم يتهاوى الإسلام بهروبه، بل سجل التاريخ أن الإسلام يقيم العدالة على الأرض دون تمييز أو استثناء.
وكان من عدل عمر رضي الله عنه فيما ترد كل الروايات التاريخية، أنه كان يطوف في المدينة ليلاً، يتفقد أحوال رعيته، فيعالج أوضاع الناس من عوز وجور وظلم. فكان يجلب الدقيق على ظهره لأم وصبية جياع، ويقوم كل الليل من أجل توفير احتياجات امرأة تولد، وليس لها أحد يرعاها، ويسمع لامرأة تصحح لـه أمراً، أراد إصداره في تخفيض المهور، ويضع راتباً لكل يهودي ومسيحي عاجز مع خادم يخدمه. وتطول الروايات عن عدل عمر، ويمكن للقارئ أن يعود إلى العديد من مصادر التاريخ، ليعرف عن عدل هذا الخليفة العظيم.
ومن عدل الإسلام ما ردّ به الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على من عاتبه في مساواته بين الناس في العطاء، فقال: (اتأمُرونّي أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه، والله لا أطور به ما سَمَر سمير، وما أمّ نجم في السماء نجماً، ولو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وإنما المال مال الله) (37).
ومن كلام أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه في طلبه من رعيته بالعون على إقامة العدل، بإنصاف المظلوم، والأخذ على يد الظالم، قال: (لم تكُن بيعتكم إياي فلتة، وليس أمري وأمركم واحداً، إنّي أريدكم لله. وأنتم تريدوني لأنفسكمّ! أيها الناس أعينوني على أنفسكم، وأيم الله لأنصفن المظلوم، ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق، وإن كان كارهاً).(38).
ومن أروع النصائح ما كان يوصي به الإمام علي رضي الله عنه ولاته في الأمصار، وفيما كتبه إلى الأشتر النخعي لما ولاه مصر وأعمالها. ونقتطف بعض ما جاء في هذا الكتاب الجامع، الذي تضمن شروط الوالي العادل، والتي جاء فيها ما يلي: (فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك، وشحّ بنفسك عما لا يحل لك، فإن الشح بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو كرهت، وأشعر قلبك الرحمة بالرعية، والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخَلق...).
وقال له: (أنصف الله، وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إلا تفعل تَظلم! ومن ظلم عباد الله، كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حُجته، وكان لله حرباً حتى ينزع ويتوب، وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة (على ظلم، فإن الله يسمع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد). وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل، وأجمعها لرضى الرعية..)(39).
وسئل الإمام علي كرم الله وجهه: أيهما أفضل: العدل أو الجود؟ فقال رضي الله عنه: (العدل يضعُ الأمور مواضِعها، والجود يخرجها عن جَهتِها. والعدل سائس عام، والجود عارض خاص، فالعدل أشرفهما وأفضلهما).(40).
وسئل الإمام علي كرم الله وجهه عن العدل، فقال: (والعدل منها أربع شعبٍ: على غائِصِ الفَهمِ، وغَورِ العلم، وزهرةِ الحُكُمِ، ورِساخَةِ الحِلمِ، فمن فهِمَ عَلِمَ غور العلم، ومن علم غور العلم صدر عن شرائع الحكم، ومن حلم لم يفرط في أمره، وعاش في الناس حميداً.(41).
تلك صور من عدالة الإسلام، ومن دعوته الدائمة للعدل والمساواة، وسيادة القانون على الجميع دون استثناء، وأن يطبق على الحاكم والمحكوم، بل الإسلام لم يفرق في تطبيق العدل على المسلم وغير المسلم، فالعدل هو هدف في مكنوناته ملزم من اعتنق الإسلام، أن يطبق على نفسه وعلى غيره، وفق نظام مؤسسات الدولة، هذا هو الإسلام الذي يحاول المتصهينون في الغرب تشويه صورته، كما جاء في مقدمة البحث.

غير معرف يقول...

الزوج الوفي المحب صلى الله عليه وسلم
الزوج الوفي المحب صلى الله عليه وسلم
عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : (( لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم على خديجة حتى ماتت )) (1).

هكذا استطاعت خديجة رضي الله عنها أن تملأ على زوجها حياته وقلبه وبيته حتى لا يفكر في امرأة أخرى ، وفرت له الراحة والطمأنينة والسكينة في نفسه وفي بيته وحياته .

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أتى جبريل النبي عليه الصلاة والسلام فقال : (( يا رسول الله هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب ، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب )) (2)

قال السهيلي : ( مناسبة نفي هاتين الصفتين ، أعني المنازعة والتعب أنه صلى الله عليه وسلم لما دعا إلى الإسلام أجابت خديجة طوعاً ، فلم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة ولا تعب في ذلك ، بل أزالت عنه كل نصب وآنسته من كل وحشة ، وهونت عليه كل عسير ، فناسب أن يكون منزلها الذي بشرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها ) (3) .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : (( ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة وما رأيتها ، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يُقطعها أعضاء ، ثم يبعثها في صدائق خديجة ، فربما قلت له : كأنه لم يبق في الدنيا امرأة إلا خديجة ؟! فيقول : (( إنها كانت وكانت ، وكان لي منها ولد ))(4) .

وعنها أيضاً قالت : (( استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك فقال : (( اللهم .. هالة )) قالت : فغرتُ فقلت : ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر ، قد أبدلك الله خيراً منها )) (5) .

قال ابن حجر : ( وفيه دليل عظيم على عظم قدرها عنده وعلى مزيد فضلها ، لأنها أغنته عن غيرها ، واختصت به بقدر ما اشترك فيه غيرها مرتين ، لأنه صلى الله عليه وسلم عاش بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عاماً ، انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عاماً ، وهي نحو الثلثين من المجموع فصان قلبها مع طول المدة من الغيرة ، ومن نكد الضرائر الذي ربما حصل له منه ما يشوش عليه بذلك ، وهي فضيلة لم يشاركها فيها غيرها ) (6) .

وقال النووي : ( في هذه الأحاديث دلالة لحسن العهد وحفظ الود ورعاية حرمة الصاحب والمعاشر حياً وميتاً ، وإكرام معارف ذلك الصاحب ) (7) .؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟حسن المعاشرة مع الأهل
كان صلى الله عليه وسلم حسن المعاشرة مع أهله يحادثهن ويسامرهن ويلاعبهن ويتقرب إليهن بكل ما يدخل السرورإلى قلوبهن، وهو رجل الدولة وسيّد المرسلين .. ونبي هذه الأمة.
روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت:(( كان الحَبش يلعبون بحرابهم فسترني رسول الله وأنا أنظر، فما زلت أنظر حتى كنت أنا أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن تسمع اللهو )).

وفي رواية أخرى : (( وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدَرق والحراب ، فإما سَألت النبي صلى الله عليه وسلم وإما قال :تشتهين تنظرين ؟فقلت : نعم فأقامني وراءه خدي على خده وهو يقول : دونكم يا بني أرفدة. حتى إذا مَللت قال :حَسْبُكِ؟ قلت : نعم قال :فاذهبي)).
وفي رواية عند النسائي يقول : (( أما شبعت، أما شبعت ؟قالت : فجعلت أقول: لا، لأنظرمنزلتي عنده )) .
وفي رواية البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : (( وما بي حب النظر إليهم ولكن أحببت أن يبلغ
النساء مقامه لي ومكاني منه )) . ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟هكذا كان بيته صلى الله عليه وسلم في رمضـــان

هكذا كان بيته صلى الله عليه وسلم في رمضـــان

كان السرور يعم طيبة و بيوت النبي صلى الله عليه وسلم بدخول شهر رمضان ، فهاهو رسول الله يبشر أهله وأصحابه بدخول الشهر بقوله ( أتاكم رمضان ، شهر مبارك ، فرض الله عليكم صيامه ، تفتح فيه أبواب السماء ، وتغلق فيه أبواب الجحيم ، وتُغل فيه مردة الشياطين ، لله فيه ليلة خير من ألف شهر ، من حُرم خيرها فقد حُرم )(1).
فتتهيأ بيوته وأصحابه للاجتهاد في هذا الشهر ، شهر الصيام والقيام وقراءة القرآن ، ويظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يشحذ هممهم ويشدّ عزيمتهم لاغتنام دقائق هذا الشهر الغالية حتى ينقضي ، حرصاً عليهم وخشية أن يفوتهم شيء من الخير !
فهاهو عليه الصلاة والسلام يحثّ أصحابه وأهله على الخير والإكثار من أعمال البر في هذا الشهر المبارك ، فقال لهم في شأن الصيام ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه ( كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، قال الله عز وجل : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ؛ يدع شهوته وطعامه من أجلي ، للصائم فرحتان : فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك )(2)
وقال لهم مرشداً إلى صيانة صيامهم وحفظ مقاصده ( من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه )(3)
وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام ( رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ، ورب قائم حظه من قيامه السهر )(4)
وقال ( الصيام جنة ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل ، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم –مرتين- )(5)
وبذلك أدرك الصحابة رضي الله عنهم مقاصد الصيام والغاية منه – ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) - فكان جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول : [ إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمأثم ، ودع أذى الخادم –الجار- وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك ، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء ](6)

وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول :[ الغيبة تخرق الصوم والاستغفار يرقعه ، فمن استطاع منكم أن يجيء غداً بصومه مرقعاً فليفعل ](7)
وقال أبو ذر رضي الله عنه :[ إذا صمت فتحفّظ ما استطعت ] (8).

وقال لهم صلى الله عليه وسلم في شأن الصلاة والحفاظ على إقامتها بخشوع وطمأنينة ما رواه ابن عمر رضي الله عنه قال ( اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأواخر من رمضان ، فاتخذ له فيه بيت من سعف ، قال : فأخرج رأسه ذات يوم ، فقال : إن المصلي يناجي ربه عز وجل ؛ فلينظر أحدكم بما يناجي ربه ، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة )(9).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة ، فيقول : من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه )(10) .

وكان عليه الصلاة والسلام يتحرّى ليلة القدر ليدلّ أمته عليها فيقوموها عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إني اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة ، ثم اعتكفت العشر الأوسط ثم أُتيت فقيل لي : إنها في العشر الأواخر ؛ فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف . فاعتكف الناس معه )(11)

وعن عائشة رضي الله عنها قالت :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الأواخر من رمضان ، ويقول تحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان )(12)
وكان يحثهم على الإكثار من الدعاء فقال ( إن لله تبارك وتعالى عتقاء في كل يوم وليلة ، وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة )(13)
وقال لهم في شأن العمرة ( عمرة في رمضان تقضي حجة معي )(14).
وكان عليه الصلاة والسلام قدوة لهم في ذلك كله.
فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت - حين سئلت : كيف كانت صلاة رسول الله في رمضان ؟ - ( ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة ؛ يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلي ثلاثاً )(15)

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة )(16).

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام ، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً )(17)

وكان عليه الصلاة والسلام حريصاً على أهله يعلمهم الخير ويحثهم عليه ، فلا يدع أحداً من أهله يطيق القيام إلا أقامه ، فعن زينب ابنة أم سلمة رضي الله عنها قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بقي من الشهر عشرة أيام لم يذر أحداً من أهله يطيق القيام إلا أقامه )(18)
وقد كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين فرض الصيام دون الحادية عشرة وكانت تقوم معه الليل وكذلك بقية أزواجه ، فعنها رضي الله عنها أنها قالت ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شدّ مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله )(19)

وعن علي رضي الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان )(20)

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : ( صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يقم بنا شيئاً من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ، فلما كانت السادسة لم يقم بنا ، فلم كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل ، فقلت : يا رسول الله ! لو نفلتنا قيام هذه الليلة ؟ قال : فقال : ( إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة ، قال : فلما كانت الرابعة لم يقم ، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس ، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح ، قال : قلت : وما الفلاح ؟ قال : السحور ، ثم لم يقم بقية الشهر )(21)

وكذلك تعتكف على صغر سنها وكذا غيرها من أزواجه عليه الصلاة والسلام ، فعنها رضي الله عنها أنها قالت ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان ، فاستأذنته عائشة فأذن لها ، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت ...)(22) .

وعن عائشة رضي الله عنها أيضاً قالت : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف معه بعض نسائه وهي مستحاضة ترى الدم ، فربما وضعت الطست تحتها من الدم )(23).
بل حرصاً منها على إدراك ليلة القدر سألته رضي الله عنها : يا رسول الله ! أ رأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر.. ما أقول فيها ؟ قال قولي ( اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني ) .

وقد بلغ من حرص أهله عليه الصلاة والسلام على القيام إيقاظهم له بالليل لصلاة القيام ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أُريت ليلة القدر ، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها ، فالتمسوها في العشر الغوابر )(24)

وقد استقر في أذهان أهله وأصحابه أن هذا الشهر هو شهر الصيام والقيام وقراءة القرآن ، لا سيما وهم يرون حرص النبي صلى الله عليه وسلم على التعبد فيه وبعده عن التكلف في الطعام والشراب اغتناماً للوقت وتوفيراً للجهد .

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات ، فإن لم تكن رطبات فتميرات ، فإن لم تكن تميرات حسا حَسَوات من ماء )(25).

وعن أنس رضي الله عنه قال ( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قط صلى المغرب حتى يفطر ، ولو على شربة ماء )(26)

وقال أيضاً ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وذلك عند السحور – يا أنس إني أريد الصيام ؛ أطعمني شيئاً ! فأتيته بتمر وإناء فيه ماء وذلك بعدما أذن بلال )(27).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( نعم سحور المؤمن التمر )(28)
فهلا اتبعنا هدي نبينا صلى الله عليه وسلم واغتنمنا شهرنا في الطاعات حتى نفوز بأعلى الجنات
د. إلهام بدر الجابري ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟إشراقات من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم
إشراقات من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم
مع عائشة

روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : (( جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أسرار أزواجهن شيئاً .

قالت الأولى : زوجي لحم جمل غثّ على رأس جبل ، لا سهل فيُرتقى ،ولا سمين فينتقى .
قالت الثانية : زوجي لا أبث خبره ، إني أخاف أن لا أَذَره ، إن أذكره أذكر عُجَره وبُجَره .
قالت الثالثة : زوجي العُشنَّق ، إن أنطق أطلق ، وإن أسكت أعلق .

قالت الرابعة : زوجي كليل تهامة لا حر ولا قرُ ولا مخافة ولا سآمة .

قالت الخامسة : زوجي إذا دخل فهد وإن خرج أسد ولا يسأل عما عَهد .

قالت السادسة : زوجي إن أكل لفّ ، وإن شرب اشتف ، وإن اضجع التف ، ولا يولج الكف ليعلم البثّ . قالت السابعة : زوجي غياياء - أو عياياء – طباقاء ، كل داء له دواء ، شجَّك أو فلَّك أو جمع كلا لك .

قالت الثامنة : زوجي المس مسُ أرنب ، والريح ريح زرنب . قالت التاسعة : زوجي رفيع العماد ، طويل النجاد ، عظيم الرماد ، قريب البيت من الناد .

قالت العاشرة : زوجي مالك وما مالك ؟! مالكٌ خير من ذلك ، له إبل كثيرات المبارك ، قليلات المسارح ، وإذا سمعن صوت المِزْهر أيقن أنهن هوالك .

قالت الحادية عشر : زوجي أبو زرع فما أبو زرع ، أناس من حليِّ أذني ، وملأ من شحمٍ عُضديِّ ، وبجحنّي فَبَجِحَتْ إليّ نفسي ، وجدني في أهل غُنيمة بشق ، فجعلني في أهل صهيل وأطيط ، ودائس ومُنَقٍ ، فعنده أقول فلا أقبح ، وأرقد فأتصبح ، وأشرب فأتقمح . أم أبي زرع ، فما أم أبي زرع ؟! عُكومها رداح ، وبيتها فساح . وابن أبي زرع ، فما ابن أبي زرع ؟! مضجعه كمسلِّ شطبة ، ويشبعه ذراع الجفرة . وبنت أبي زرع فما بنت أبي زرع ؟! طوع أبيها وطوع أمها وملء كسائها وغيظ جارتها .

جارية أبي زرع فما جارية أبي زرع ؟! لا تبثُّ حديثنا تبثيثاً ، ولا تُنقّث ميرتنا تنقيثا ، ولا تملأ بيتنا تعشيشاً .
قالت : خرج أبو زرع والأوطاب تمخض ، فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين ، فطلقني ونكحها ، فنكحت بعده رجلاً سرياً ، ركب شريا ، وأخذ خطِّيا ، وأراح عليّ نعما ثريا ، وأعطاني من كل رائحة زوجاً ، وقال : كلي أم زرع وميري أهلك ، قالت : فلو جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع ...
قالت عائشة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( كنت لكِ كأبي زرع لأم زرع )) .
من فوائد الحديث (1) :

1. حُسن عشرة المرء أهله بالتأنيس والمحادثة بالأمور المباحة مالم يفض ذلك إلى ما يمنع .

2. المزاح أحياناً وبسط النفس به ومداعبة الرجل أهله وإعلامه بمحبته لها مالم يؤد ذلك إلى مفسدة .

3. إخبار الرجل أهله بصورة حاله معهم وتذكيرهم بذلك لاسيما عند وجود ما طبعن عليه من كفر الإحسان .

4. إكرام الرجل بعض نسائه بحضور ضرائرها بما يخصها به من قول أو فعل ، ومحله عند السلامة من الميل المفضي إلى الجور .

5. جواز تحدث الرجل مع زوجته في غير نوبتها .

6. جواز الانبساط بذكر طُرف الأخبار ومستطابات النوادر تنشيطاً للنفوس .

7. حث النساء على الوفاء لبعولتهن وقصر الطرف عليهم والشكر لجميلهم ، ووصف المرأة زوجها بما تعرفه من حسن وسوء .؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟إشراقات من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مع عائشة
إشراقات من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مع عائشة


عن عائشة رضي الله عنها قالت : (( خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ، وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن ، فقال للناس : تقدموا فتقدموا ، ثم قال لي : تعالي حتى أسابقك فسابقته ، فسكت عني حتى إذا حملت اللحم وبدنت خرجت معه في بعض أسفاره ، فقال للناس : تقدموا فتقدموا ، ثم قال لي : تعالي أسابقك فسابقته فسبقني ، فجعل يضحك وهو يقول : هذه بتلك )) (1) .

فما أعظم الخُلق ، وما أطيب التعامل ، وما أجمل الأدب ، النبي المصطفى ، والهادي المجتبى ، مبلغ الوحي وصاحب الرسالة ، وهادي الأمة ، ومع كل ما يحمل من هم الدعوة ، وإقامة الجهاد ، ونشر التوحيد ، ومحاربة الشرك وتعليم الأمة ، مع ذلك كله يجعل جزءاً من وقته لملاطفة نسائه ، فيقيم هذه المسابقة لا ليزجي بها الوقت ويقضي بها الفراغ ، بل ليؤدي واجب الزوجية ، ويعمق روابط المحبة ، ويلبي رغبات النفوس ، ويراعي ميول الفطرة ، في جو من الملاطفة والمداعبة والمضاحكة والممازحة ) (2) .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : (( كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت لي صواحب يلعبن معي ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتقمعن منه ، فيُسربهن إلي فيلعبن معي )) (3) .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : (( قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر ، وفي سهوتها ستر فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب ، فقال : ما هذا ياعائشة ؟ قالت : بناتي . ورأى بينهن فرساً له جناحان من رقاع ، فقال : ما هذا الذي أرى وسطهن ؟ قالت : فرس ، قال : ما هذا الذي عليه ؟ قالت : جناحان ، قال : فرس له جناحان ؟ قالت : أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة ؟ قالت : فضحك حتى رأيت نواجذه )) (4) .

هكذا كان رفق النبي صلى الله عليه وسلم بزوجه ، ومراعاته لمشاعرها وحرصه عليها ، وحسن التعامل معهن والصبر عليها ، ومراعاة هواها وموافقتها في غير محظور ، وهذا إكرام بالمرأة ليس له مثيل ، ورفق نبوي فريد .

قال ابن حجر : ( استدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعَب من أجل لعب البنات بهن ، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور ، وبه جزم القاضي عياض ونقله عن الجمهور ، وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن ) (5) .

ويجوز اتخاذ لعب الصبيان ولكن شريطة أن تكون من جنس لُعب عائشة رضي الله عنها وهي المصنوعة من العهن والرقاع والخِرَق ونحو ذلك (6) .؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ومن حسن عشرته -صلى الله عليه وسلم- لأهله، تعاهده لهن، وزيارتهن، والسؤال عن...
ومن حسن عشرته -صلى الله عليه وسلم- لأهله، تعاهده لهن، وزيارتهن، والسؤال عن أحوالهن



- روى البخاري عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: (( أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وله يومئذ تسع نسوة)).
- وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت : (( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة فاحتبس أكثر ما كان يحتبس )) .

ومن ذلك أنه كان يتلمس أجمل طرق العشرة الزوجية وأسهلها:
- قالت عائشة : (( كنت أشرب وأنا حائض فأناوله - النبي صلى الله عليه وسلم- فيضع فاه على فيَّ ، وأتعرَّق العَرْق فيتناوله ويضع فاه في موضع فيّ))(1).

- وعنها -رضي الله عنها- قالت : (( أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قبَّل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ )) (2) .

- وعن عمرو بن العاص أنه قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (( أي الناس أحبُ إليك ؟ قال : عائشة )) (3) .

- وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (( كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد )) (4) .

- وروى البخاري أنه - صلى الله عليه وسلم- "لما رجع من غزوة خيبر وتزوج صفية بنت حيي - رضي الله عنها- كان يدير كساءً حول البعير الذي تركبه يسترها به ، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته، فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب" .

كان هذا المشهد مؤثراً يدل على تواضعه - عليه الصلاة والسلام- وهو القائد المنتصر، والنبي المرسل ، يعلم أمته أنه لا ينقص من قدره ومن مكانته أن يسابق زوجته، أو يقبلها، أو يغتسل معها، أو يُوطيء أكنافه لأهله، وأن يتواضع لزوجته، وأن يُعِينها ويسعدها .؟؟؟؟؟؟؟؟

غير معرف يقول...

الحملة الجديدة على الإسلام


الحملة الغربية الصهيونية بزعامة الولايات المتحدة اليوم على الإسلام بأبعادها العسكرية والسياسية والثقافية، هي بدء انطلاقة لحرب إبادة، وتدمير، وترويع، وتخويف، لا يسلم منها أي مسلم في أية بقعة على الأرض، سواء أكان سكن في بلاد المسلمين أو في بلاد الغرب نفسه. ولن ينجو منها أي قطر حتى وإن كان تابعاً، فهدف الحملة الاستراتيجي هو الخضوع الكامل والتسليم للإرادة الأمريكية، لتتحول البلدان العربية والإسلامية إلى نماذج ممسوخة، قد تم تصنيعها في المختبرات الأمريكية على يدي مهندسين صهاينة.
وإن كانت الحملة عسكرية قد احتلت أفغانستان، وفي طريقها لاحتلال العراق. وما يجري من إبادة مريعة بوحشية بربرية، لم ير العالم مثيلاً لها على الأرض الفلسطينية المحتلة. وإرسال الإنذارات ورسائل التهديد والوعيد للدول المسماة من قبل الولايات المتحدة بالدول الداعمة للإرهاب كسورية والسودان وليبيا وإيران، فإنها مغلفة بتهديد من لون آخر للسعودية واليمن ومصر وغيرها من الأقطار العربية والإسلامية. وما تم رصده من بضع دولارات لما يسمى بالتأهيل للديمقراطية، وإعادة البناء التعليمي وفق المزاج الأمريكي. وما دعوة وفود نسائية وشبابية إلى الولايات المتحدة عام 2002 بحجة التأهيل الديمقراطي إلا بداية مخطط رهيب، يهدف إلى هيمنة كاملة للمشروع الصهيوني الأمريكي الغربي على العالمين العربي والإسلامي.
هذه الحملة التي انطلقت شرارتها الفكرية بطرح ما يسمى ب (صدام الحضارات) لدى العديد من مفكري الغرب، واشتهرت بأطروحة للكاتب الأمريكي صومائيل هنتغتون، الذي يعتبر من أهم مفكري الغرب والولايات المتحدة، والأستاذ في جامعة هارفرد، والباحث في العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية. والذي أصدر كتاباً تحت عنوان (صدام الحضارات وإعادة النظام العالمي). وقد ترجم إلى العديد من اللغات الحية في العالم.
وهذا الكتاب، يرى أن الصراع، لن يكون إيديولوجيا كما كان في السابق، أيام الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، ولن يكون الصراع طبقياً بين الفقراء والأغنياء كما كان في القرن الماضي، ولا اقتصادياً أو اجتماعياً بل صراعاً ثقافياً.
وفي رأيه أن هذا الصراع يتطلب من كل أمة من الأمم أن تبحث عن هويتها الثقافية. وقسم العالم إلى ثمان مجموعات ثقافية حضارية هي: الحضارة الغربية وتضم أمريكا وأوروبا وأستراليا، والحضارة الصينية والمستمدة من تعاليم كونفوشيس، والحضارة الإسلامية، والحضارة الهندية، والحضارة اليابانية، والحضارة السلافية الأرثوذكسية، والحضارة الأمريكية اللاتينية، والحضارة الأفريقية.(8).
اعتبر هنتغتون بموجب هذا الانتماء الجديد للهوية الثقافية، أن الإسلام سيعتبر العدو الرئيسي للحضارة الغربية، كونه يرفض ما أسماه (بالغربنة). لأن المسلمين يرون في الإسلام الحل لكافة قضاياهم، ويرفضون الحضارة الغربية بديلاً عنه.
فكتب يقول حول ما أسماه بالانبعاث الإسلامي (.. الانبعاث الإسلامي أو الصحوة الإسلامية في مداه وعمقه هو آخر مظهر في تكييف الحضارة الإسلامية مع الغرب، إنه مجهود لإيجاد "حل" ليس في الإيديولوجيات الغربية، ولكن في الإسلام، إنه يجسد قبول الحداثة ورفض الغربنة، واستعادة الالتزام بالإسلام كمرشد في الحياة في العالم المعاصر).(9)
أما ما يقلقه ويقلق مفكري الغرب وساستهم هو الانبعاث الإسلامي أو الصحوة الإسلامية، ويعتبر الأصولية هي وجهها السياسي فيقول: (إن الانبعاث الإسلامي هو مجهود يقوم به المسلمون لتحقيق هذا الهدف. إنه حركة ثقافية فكرية واجتماعية وسياسية عريضة تعمُّ أرجاء الإسلام.
الأصولية التي تفهم عادة بأنها الإسلام السياسي، هي فقط عنصر واحد من إحياء أكثر شمولاً للأفكار والممارسات والعلوم الإسلامية، ولتكريم الإسلام من قبل المسلمين. الانبعاث هو التيار الرئيسي ليس متطرفاً، هو منتشر
وليس معزولاً)(10)
ولكن لو عدنا إلى الشكل العملي لهذا الانبعاث، لوجدناه يعتمد على قائمة أعدها مفكر غربي يدعى (جون. ل. إرسبوزنيو) الذي وضع قائمة للصحوة الإسلامية في الحياة الشخصية للمسلم: (الاهتمام المتزايد بالشعائر الدينية (التردد على المسجد. الصلاة. الصيام) تعدد البرامج والمطبوعات الدينية، التركيز الأكثر على الزيّ الإسلامي والقيم الإسلامية، وإعادة الصوفية).(11)
وفي رأي هنتغتون أسباب عودة المسلمين إلى هويتهم الثقافية أي الإسلام، يعود إلى انتشار الفساد في المؤسسات، إضافة إلى الركود الاقتصادي، وانتشار ظاهرة الفقر بشكل واسع بين الطبقات الشعبية. فوجد المسلمون في عودتهم إلى دينهم الذي يطرح قيم وسلوكيات عالية، هو العلاج لكل ظواهر الفساد والفقر.
اعتبر هنتغتون الحضارة الإسلامية من الحضارات المتحدية للغرب مع الحضارة الصينية، كونهما رافضتا قبول هيمنة الحضارة الغربية عليهما كبقية الحضارات الأخرى الضعيفة والمتأرجحة، وتعتزان بحضارتهما.
وتوقع صراعاً قادماً بين الغرب والإسلام بسبب عدم القدرة على التوافق فيقول: (أربعة عشر قرناً.. أثبتت أن العلاقات بين الإسلام والمسيحية كانت غالباً عاصفة، كل واحد نقيض للآخر).(12)
أما عوامل الصدام القادم بين الغرب والإسلام، بعد أن يقوم بتشويه حقائق التاريخ والعوامل الموضوعية في ماهية الصراع، فيدعي أن عوامل مختلطة مشابهة زادت من الصراع بين الإسلام والغرب في القرن العشرين:
1 ـ النمو السكاني للمسلمين خلق بطالة لعدد كبير، وهؤلاء الساخطون من الشبان الذين جندوا للأهداف الإسلامية، ومارسوا ضغوطاً على المجتمعات المجاورة، وهاجروا إلى الغرب.
2 ـ الإحياء الإسلامي أعطى للمسلمين إعادة الثقة في أهمية حضارتهم وقيمهم، مقارنة بتلك التي في الغرب.
3 ـ جهود الغرب في جعل قيمهم ومؤسساتهم عالمية، والمحافظة على تفوقهم العسكري، والتدخل في صراعات العالم الإسلامي، خلقت ازدراء شديداً بين المسلمين.
4 ـ انهيار الشيوعية حوّلت العدو المشترك للغرب وللإسلام، وترك كل واحد، يرى الآخر مصدر تهديد له.
5 ـ الاتصال المتزايد بين المسلمين والغربيين، ولّد في كل واحد منهما شعوراً جديداً بهويتهم، وكيف أن هذه الهوية مختلفة عن الآخر. التفاعل والتمازج فاقم الاختلافات حول حقوق أعضاء الحضارة الواحدة في بلاد يسيطر عليها أعضاء من الحضارة الأخرى. وفي كلِّ من المجتمعين المسلم والمسيحي انحدر التسامح مع الآخر بشكل حاد في الثمانينات والتسعينات).(13)
ويتحدث هنتغتون عن أن أسباب تجدد الصراع بين الإسلام والغرب اليوم (يكمن في التساؤلات الأساسية للقوة والثقافة. من الذي يحكم؟ القضية الأساسية حددها لينين، هي في جذور الصراع بين الإسلام والغرب. ولكن هناك صراع إضافي يعتبره لينين غير ذي معنى، بين رؤيتين مختلفتين لما هو الصح، وما هو الخطأ. وحيث إن الإسلام يبقى إسلاماً (سيبقى)، والغرب سيبقى غرباً (مشكوك فيه) هذا الصراع الأساسي بين حضارتين عظيمتين سيستمر، لتحديد علاقاتهما في المستقبل مثلما في السابق خلال الأربعة عشر قرناً).(14)
ومن مسببات الصراع القادم بين الحضارتين يقول هنتغتون: (المشكلة في الغرب ليس هي الأصولية الإسلامية، المشكلة الإسلام، حضارة مختلفة وشعوبها مقتنعة بتفوقها الثقافي وواعية بدونيّة موقعها. المشكلة بالنسبة للإسلام ليست المخابرات الأمريكية أو وزارة الدفاع أو الخارجية الأمريكية. المشكلة للغرب حضارة مختلفة، شعوبها مقتنعة بعالمية ثقافتها، واعتقاد هذه الشعوب بتفوقها. القوة تجبرهم بالالتزام لتوسيع تلك الثقافة من خلال العالم. هذه هي المكونات الأساسية والتي تشغل الصراع بين الإسلام والغرب).(15)
وينسى هنتغتون أن الغرب بحضارته، كان وراء تدمير معظم الشعوب الإسلامية اقتصادياً واجتماعياً، حين استعمر بلادهم ونهب خيراتهم، وبدّد ثرواتهم، ولا زالت شركاته تسرق بترولهم، وأساطيله الحربية تحتل بحارهم، وقواتهم تحمي أنظمة مرفوضة من شعوبها. وارتكب جريمة في حق الإسلام والعروبة، حين زرع كياناً استيطانياً، سلّحه بأقوى الأسلحة، ودعمه. ليمارس التدمير والقتل والتشريد، واستنزاف مداخيل الدول المجاورة له، والتي كان لها أن تعود بتنمية شعوبهم ورفاهيتها، لولا وجود هذا الصراع مع الكيان الصهيوني.
وخلال الوجود الاستعماري في القرنين التاسع عشر والعشرين، كان التركيز الثقافي والسياسي الاستعماري يعمل على فصل الدول العربية والإسلامية عن موروثها من القيم والسلوكيات والثقافات، التي أنتجتها من خلال زرع القيم والسلوكيات الغربية. كما هي اليوم فرض النمط السلوكي الغربي على البلاد العربية والإسلامية.
ونورد هنا لقول وزير فرنسي في عام 1900، يتفاخر بفصل تونس عن باقي شقيقاتها من البلدان الإسلامية والعربية من خلال فرض النمط الغربي عليها فيقول: (تمكنا بواسطة ما أدخلناه من التعديلات الطفيفة شيئاً فشيئاً، وأجريناه من المراقبة على شؤون الأمور الإدارية والسياسية من التداخل في شؤون البلاد والقبض على أزمتها بدون شعور أهلها. تم هذا الانقلاب بسرعة ولين فلم يتألم منه الأهلون، ولم تنخدش لـه احساساتهم..) ويقول: (وجملة القول أن انقلاباً عظيماً حدث بدون أن يجر وراءه ألماً أو توجعاً أو شكوى، بحيث وطدت الآن دعائم السلطة المدنية من غير أن يلحق بالدين مساس، وتسربت الأفكار الأوروبية بين السكان بدون أن يتألم منها الإيمان المحمدي، واقترنت السلطة الفرنسية بالسلطة الوطنية اقتراناً لم تغشه سحابة كدر.
إذن يوجد الآن بلد من بلاد الإسلام قد ارتخى، بل انفصم الحبل بينه وبين البلاد الإسلامية الأخرى الشديد الاتصال بعضها ببعض. إذن توجد أرض تنفلت شيئاً فشيئاً من مكة ومن الماضي الآسيوي. أرض نشأت فيها نشأة جديدة، أنبتت قضائها وإدارتها وعاداتها وأخلاقها، أرض يصح أن تتخذ مثلاً يقاس عليه، ألا وهي البلاد التونسية).(16)
وينسى أن الغرب وحضارته، كان وراء تدمير المشروع العربي القومي النهضوي منذ مائة عام، وحارب مشاريع وحدوية وساعد في تدمير نهضته الثقافية والاقتصادية والسياسية. ولا زال الغرب يحارب أي مشروع وحدوي، ويفكك أي تجمع إقليمي عربي، ويسعى لإفشاله.
ويحذر هنتغتون من تطور القوى العسكرية الإسلامية والصينية وهما الحضارتان المتحديتان للغرب، بل يحذر من تعاون أكيد بين الإسلام والصين لمواجهة الحضارة الغربية، علماً أنها أكذوبة يسوقها هنتغتون للجمهور الغربي لخلق حالة من الهلع والخوف المستقبلي من تلك الحضارتين. فالإسلام لا يشكل دولة كالصين، بل دول متعددة الأشكال والأنظمة السياسية، وينتهج معظمها النمط الغربي سياسياً وتشريعياً. أما الدول التي تتبع الشريعة الإسلامية فهي لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة. وهذا ما ينسف كل مقولة هنتغتون في التحالف الإسلامي الصيني المستقبلي. كما أن الصين تنتهج النظام الشيوعي، ولا يقوم نظامها السياسي على تعاليم كونفوشيس.
وأخطر ما تحمل أفكار هنتغتون هو تحذيره للغرب من النمو الديمغرافي للمسلمين، وفي رأيه هذا سيؤدي بالشباب المسلم نتيجة البطالة إلى تكوين مجموعات متمردة وعنيفة داخل مجتمعاتها. كما يدفع هؤلاء إلى الهجرة إلى بلاد الغرب الأوربي والأمريكي، وهنا تكمن الخطورة على الغرب من هذه الهجرة. فالإسلام كما يصوره هنتغتون يحرض على العنف وسفك الدماء، وأن المسلمين متورطون في أعمال العنف أكثر من كل شعوب الحضارات الأخرى. والسبب كما يدعي هي صعوبة اندماجهم مع شعوب الحضارات الأخرى. لهذا فالإسلام مصدر عدم الاستقرار في العالم.
ولا غرابة أن يتوافق طرح هنتغتون مع ما كتب وبشر به نتنياهو في كتبه الثلاث:
1 ـ الإرهاب الدولي.
2 ـ الإرهاب كيف يمكن للغرب أن ينتصر؟
3 ـ محاربة الإرهاب كيف تستطيع الديمقراطيات هزيمة الإرهابيين المحليين والدوليين؟
والتي تضمنت خوفه على الغرب وحضارته من الإسلام، الذي يشكل في رأيه إرهاباً خطيراً في العالم، بما يحمل من وسائل دمار وعدوان وحقد على حضارة الغرب وديمقراطيته. ويدعو قادة الغرب إلى مواجهة الهجرة الإسلامية، وإلى أسلمة بعض الغربيين. معتبراً الهجرة الإسلامية مقتل الغرب، لما يحمل المهاجرون المسلمون من تعاليم مدمرة لديمقراطية الغرب وحضارته.
وليس هنتغتون ونتنياهو فقط في هذه الزفة، فظاهرة اليمين المتطرف المعادي للمهاجرين المسلمين في الغرب، تطالب هي الأخرى بطرد المهاجرين، وإعادتهم إلى بلادهم. مع العلم أن إحصائيات الأمم المتحدة تدعو إلى الهجرة إلى الشمال الأوروبي بسبب التناقص السكاني في أوروبا. وما ظاهرة جان ماري لوبان في فرنسا ودعواته المعادية للمهاجرين، إلا شاهداً على العداء المشترك ضد الإسلام والمهاجرين بين الصهيونية واليمين المتطرف وأنصار الصهيونية في الكنيسة البروستانية الأمريكية.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ صدام سلوكيات لا صدام حضارات


الحضارة هي إنتاج إنساني لأمة معينة، ومظهر لرقيّها الفكري والفني. ولم يتحدث التاريخ عن أمة حجبت حضارتها عن الأمم الأخرى، إلا لفترة معينة من الزمن، أو لظرف يستحيل بها الوصول إلى الآخرين. كما هي حضارات الهنود الحمر بسبب عدمية وسائل المواصلات آنذاك. ولكن الآن بدأ العالم يتواصل معها بتعرفه على تلك الحضارة من خلال المكتشفات الآثرية لأوابدها. أي أن الحضارات تتمازج وتتواصل ولا تتصادم، بل أن معظم الحضارات القديمة والحديثة أثرت وتأثرت بالمجتمع الإنساني كله.
فالحضارة الإغريقية تناقلت إنتاجها الفكري والفني حضارات مختلفة، وأسهمت الحضارة الإسلامية بإعادة إنتاجها من جديد، وقدمتها للإنسانية أجمع، لا تزال تؤثر إلى يومنا في فكر الشعوب. وكذلك الحضارات القديمة في بلاد الرافدين ووادي النيل وفارس والرومان، والحضارة العربية الإسلامية والهندية والصينية وصولاً إلى الحضارة الغربية الحالية، فهي بعد إنتاجها تعود ملكيتها للإنسانية وعلى مر العصور.
والصدام بين الحضارات كما يطرحه بعض مفكري الغرب وساستهم والصهاينة اليوم، هو أكذوبة على التاريخ والعقل. فالشاهد التاريخي يكذب ذلك، والعقل بما يحس ويلمس يستنكره أيضاً. إذاً أي صدام يريدون؟ إنه صدام سلوكيات ثقافية التي أنتجتها الحضارات، وهذا ما يحدث حقاً اليوم. حين تحاول أمة أو دولة فرض سلوكياتها، وأنماط حياتها على شعوب وأمم أخرى. وليس صدام حضارات.
أنتجت الحضارة الإسلامية سلوكاً ثقافياً يتباين بما أنتجته الحضارة الغربية من سلوك ثقافي، ولكن قد تتلاقى في البعض، إلا أنها تختلف في الكثير. فالإسلام طرح قيماً وسلوكيات عالية القيمة في الشكل والمضمون. فأقر حرية الإنسان في الاختيار بدءاً من الدّين وانتهاء بأبسط أشكال الحياة. ففي حرية المعتقد ينطلق الإسلام من قوله تعالى لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ.. وصولاً إلى حرية اختيار السكن والموطن والزوجة والعمل وغيرها من الاختيارات الأخرى. إلا أنه وضع ضوابط لهذه الحرية بحيث لا تهدد المجتمع، ولا ركائز الدين، وأوجد مجموعة من المثوبات والعقوبات في الدنيا والآخرة، لمن يحسن السلوك ولمن يسيء إليه.
في حين أنتجت الحضارة الغربية سلوكاً محموداً كالديمقراطية وحقوق الإنسان إلا أنها في جانب آخر أطلقت العنان للرغبات الفردية دون أي ضابط، حتى لو أدت إلى تدمير المجتمع. وباحت للحرية الفردية أن تقوم باستغلال الآخرين بما فيهم الشعوب. هذا نتاج السلوك الثقافي للحضارة الغربية، فالاستغلال سمة الحضارة الرأسمالية الغربية.
وكذلك الحضارة الإسلامية جمعت في إطارها الثقافي بين المادة والروح، بينما ركز السلوك الغربي على المادة في معظم العلاقات الإنسانية. والإسلام أعطى للأسرة منزلة عالية في العلاقات الزوجية، وعلاقات الولد بأبيه وأمه، أو في علاقة الأب والأم بالأبناء حيث جعل بينهما مودّة ورحمة. فرفض أية علاقة جنسية خارج إطار الأسرة، وحارب الإباحية، وشدّد العقاب عليها في الدنيا والآخرة. ورفض ولادة أبناء خارج السير الزوجي الشرعي من باب حماية المجتمع والفرد معاً. ووجد في الشذوذ الجنسي خروجاً عن مسار الطبيعية البشرية، واعتبره جريمة كبرى، ومن الكبائر في الدنيا والآخرة.
أما الحضارة الغربية أباحت سوكاً متبايناً مع الإسلام، فهي أطلقت الإباحة الجنسية إلى حدّ الغلو. فعلى فراش المرأة تجد أولاداً غير شرعيين من أكثر من رجل واحد. وقد يمضي الرجل والمرأة سنين طويلة في علاقات جنسية، ينتج عنها ولادة أطفال، دون أن يثبّتا عقد زواج بينهما، ويبقى الأطفال غير شرعيين، ينسبون في أكثر الأحيان إلى عائلة الأم. وأعطيت الفتاة حرية في بناء علاقات جنسية منذ بلوغها الثامنة عشر، فلا يستغرب الأب، أن تنام في بيته ابنته وصديقها (بوي فرند)، ويمارسان أمامه علاقات غرامية.
وقد وصل إلى رئاسة الولايات المتحدة عدد من الرؤساء، تمّ تبنيهم من آخرين غير آبائهم الحقيقيين، مثل رونالد ريغن وبيل كلنتون. وهذه العلاقة طبيعية في السلوك الثقافي الغربي ومباح بها، في حين هي من أشد المحرمات في الإسلام.
والسلوك الغربي أباح للشاذين إقامة علاقات علنية، وسمح لهم بالزواج الشاذ في الكنيسة، وتم تقليدهم مناصب رفيعة في الدولة فمنهم وزراء وسفراء وأعضاء في البرلمانات الغربية، وسنّت تشريعات بحماية الشاذين والشاذات. وقد أقر البرلمان البلجيكي يوم الجمعة في 31/1/2003 بالغالبية (91 نائباً ومعارضة 22 نائباً وامتناع 9 أعضاء) مشروع قانون يسمح بالزواج بين شخصين من الجنس نفسه، وأعطي اللوطيين والسحاقيات الحقوق نفسها التي يتمتع بها الأزواج الآخرون، خصوصاً في ما يتعلق بالملكية والإرث. وعلق وزير العدل البلجيكي (مارك فيروبلغهن) على ما أقره برلمانه من السماح بممارسة الشذوذ علناً قائلاً: (العقليات تطورت وبالتالي ما من سبب لعدم السماح لزوجين من الجنس نفسه بالزواج)(17) ويعتبر البرلمان البلجيكي الثاني بعد البرلمان الهولندي والحبل على الجرار.
ولفرض هذا السلوك الشائن على المجتمع العربي والإسلامي والذي تحاربه كل المعتقدات الروحية، ويعتبره الإسلام من أكبر الجرائم التي تنافي السلوك البشري وتدمير قيم المجتمع وتنشر الفساد والرذيلة والانحطاط الاجتماعي. فقد بدأت الضغوط تمارس على بعض البلدان الإسلامية التي تكافح هذه الرذيلة، وتعمل على ردع اتباعها.
وأثناء محاكمة هؤلاء الشواذ في مصر، فوجئت المحكمة بحضور مندوبين عن سفارات كل من فرنسا والولايات المتحدة وكندا والدانمارك وسويسرا في القاهرة للمحاكمة، والأغرب من ذلك، قيام سفير الدانمارك بزيارتهم في السجن، وعرض عليهم اللجوء ليمارسوا حريتهم في اللواطة في بلاده. كما خرجت مظاهرات في كل من الولايات المتحدة وأوربا، تندد بمصر لاعتقالها تلك الخلية الفاسدة.(18)
ولنشر هذا السلوك الفاسد في البلدان العربية والإسلامية، تم الإعلام عن تنظيم للشواذ الجنسي في المغرب بدعم غربي، بل تمت الدعوة لعقد مؤتمر للشواذ في مراكش في شباط 2003، تكريساً لإفساد المجتمع المغربي العربي المسلم. وتم عرض فيلم مغربي بعنوان "لحظة ظلام" تصور فيه مشاهد للشذوذ الجنسي تشجيعاً لممارسته علانية في المغرب. كما تم إحداث تنظيمات من نفس النوع بأسماء عربية وإسلامية في الولايات المتحدة تحت مثل (الفاتحة) و(السواسية) و(الكلمة)(19). إنها حرب بين سلوك الفضيلة الذي يدعو لـه الإسلام، وسلوك الانحطاط والرذيلة الذي يدعو لـه الغرب.
وفرض الإسلام سلوكاً على الجار تجاه جاره، وطلب منه أن يؤدي لـه الرعاية والاحترام مع التواصل والزيارة. وبالغ الإسلام في العناية بالجار، وضرورة تفقد أحواله، إلى حدود ربط إيمان الفرد في علاقته الحسنة مع جاره. كما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم]. ولم يحدد رسول الله () دين الجار ومذهبه. بل يكفي أن يكون جاراً سواء أكان مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً، فالسلوك الإسلامي المطلوب تقديم الرعاية والمودة والإحسان. أما في الغرب قال أحد ساسته: (لقد استطعنا أن نوصل الإنسان إلى القمر ولم نتمكن من إيجاد علاقة بين الجار وجاره).
إن السلوك الحضاري الإسلامي حافظ على البناء الاجتماعي بغية التماسك، وخلق مجتمع تكافلي تضامني. بنيت أسسه على الزكاة، والإحسان، والصدقة، وطاعة الوالدين وأولوا الأمر ما داموا يقيمون شريعة الله، وإغاثة الملهوف، ورعاية اليتيم وتقديم الدعم المادي والمعنوي للفقير والمسكين، والقول الحسن للناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة المخدرات والخمر والقمار، والإسراف والبخل، ورفض التعامل بالرّبا والتشديد على محاربته، كل ذلك من أجل بناء سلوك ثقافي أنتجته الحضارة الإسلامية.
وفي العلاقات الدولية أظهرت الحضارة رفضها لسلوك العدوان، واغتصاب أراض أو حرية الغير، وبناء أفضل العلاقات الإنسانية والاقتصادية مع دول العالم، ورفضت أي اعتداء على أراضيها ومواطنيها وحدودها، وجعلت من السلوك الدفاع عن الوطن والأمة، بل من السلوك مساندة الشعوب المناهضة للاستعمار والاستبداد.
وأنتجت الحضارة الإسلامية سلوكاً خاصاً في الحروب، بحيث لا تعتدي الدولة الإسلامية كما أسفلنا، بل ترد العدوان، ولا تستخدم الإبادة الكلية للخصم، فمن وصية أبي بكر لجيشه بعدم الترويع والإسراف في القتل، والابتعاد عن الشيوخ والنساء والأطفال ورفض هدم المعابد والبيوت للخصم، أو قطع أشجاره، وتدمير بيوته. ومن السلوك الإحسان للأسرى وضرورة حسن معاملتهم، والحفاظ عليهم.
في حين أنتجت الأنظمة الغربية سلوك العدوان والاغتصاب، وأوجدت ظاهرة الاستعمار والهيمنة، واستخدمت الإبادة الجماعية، ولا يزال كتّاب الغرب أنفسهم، يتحدثون عن سلوكهم الدموي الذي مارسه جنودهم وغزاتهم. ومن شواهد التاريخ على السلوك البربري، المذبحة التي قام بها الصليبيون حين دخلوا مدينة القدس العربية في عام 1099م.
وهذه وثيقة كتبها أحدهم عن تلك المذبحة: (بعد أن سقطت المدينة وقعت المذبحة، إذ ذبح كل المسلمين ـ رجالاً ونساء وأطفالاً ـ فيما عدا الحاكم وحرسه الذين تمكنوا من افتداء أنفسهم بالمال، وتم اصطحابهم إلى خارج المدينة. وفي معبد سليمان وحوله "خاضت الجياد في الدم حتى الركب بل وحتى اللجام. إن حكم الله عادلاً ورائعاً. إن هذا المكان نفسه، الذي ارتفعت خلاله هرطقات هؤلاء المجدفين في حق الله، هو الذي يتلقى الله دماءهم فيه الآن". أما بالنسبة ليهود القدس فحين اجتمعوا في معبدهم الرئيسي أضرمت فيه النيران وحرقوا جميعاً أحياء.
وقد سار الصليبيون في مواكب النصر إلى كنيسة القبر المقدس، وهم يبكون فرحاً، ويغنون أغاني الشكر لله: "أيها اليوم الجديد، أيها اليوم الجديد، أيتها البهجة، أيتها البهجة، أيها الفرح الجديد الدائم.. ذلك اليوم، خالدة ذاكراه طوال القرون الآتية، حوّل كل عذابنا ومصاعبنا إلى فرح وبهجة، ذلك اليوم: تثبيت أكيد للمسيحية، ومحق للوثنية، وتجديد لإيماننا).(20)
ويذكر الكاتب الأمريكي كافين رايلي، إن الصليبيين الذين "حكموا القدس من 1099 إلى 1185، أدركوا أن المسلمين أشد منهم تسامحاً بكثير. ويروي أسراهم عن السلوك الإسلامي المغاير لسلوك الصليبيين، فيحكي أحد الأسرى، واسمه (أوليفروس المدرسي (عن كرم السلطان الملك الكامل الذي هزم جيشاً من جيوش الصليبيين الغازية المتأخرة، ثم أعطى الناجين منهم الطعام: "من يمكن أن يشك في أن مثل هذا العمل الطيب والصداقة والأريحية هو من عند الله؟ إن الرجال الذين قتلنا آباءهم وأبناءهم وبناتهم وأخواتهم، وقضوا نحبهم يتعذبون، والذين استولينا على أراضيهم، والذين سقناهم عرايا من بيوتهم، أعطونا من طعامهم، وأبقوا على حياتنا عندما كنا نتضور جوعاً، وغمرونا بعطفهم حتى ونحن تحت رحمتهم).(21)
ويذكر الكاتب الأمريكي كيف عامل صلاح الدين الأيوبي الأسرى من الصليبيين حين استعاد القدس في عام 1187م من الاحتلال الصليبي فيقول: (فإن صلاح الدين عامل ذراري الصليبيين الأوائل في القدس بسخاء عظيم، فسمح للقادرين منهم بشراء حرياتهم، وأعتق فقراءهم بدون مقابل. بل إن صلاح الدين أمر بعد ذلك بتوزيع تركته بين فقراء المسلمين واليهود والمسيحيين على السواء).(22)
ورغم هذا السلوك الإنساني العالي من القيم الرفيعة المبني على تعاليم الإسلام الذي قام به صلاح الدين، فإنه لم يغير من سلوك الوحشية والبربرية، الذي اتسم به الغرب. فقد قام ريتشارد الأول (قلب الأسد) ملك إنجلترا أثناء حملته لاستعادة القدس بجرائم تقشعر لها الأبدان، فقد أمر بذبح وقتل ما بين ألفين وثلاثة آلاف من أسرى المسلمين، والغريب أنه قام ببقر أجسامهم بحثاً عن الذهب، الذي ظن أن بعضهم ابتلعه، ثم أمر بإحراق جثثهم، ثم البحث بين الرماد عن الذهب).(33)
وقد اعترف عدد من كتّاب الغرب بتأثر الغرب بالسلوك الإنساني الروحاني ذو القيم الرفيعة، من خلال الاحتكاك الذي حدث بين الطرفين العربي الإسلامي والغربي في الحروب الصليبية. فكتب ستاندال في كتابه (في الحب) يقول: (لقد كنا ـ نحن الغربيين ـ برابرة في نظر الشرق، حينما أزعجناه في حملاتنا الصليبية، ولذا نحن مدينون إلى الصليبيين وعرب أسبانيا بكل ما هو نبيل في عاداتنا وتقاليدنا).(24)
ومن السلوك البربري والوحشي الممتد من تلك الحقبة هو ما تقوم به الولايات المتحدة، بإبادة شعوب ضعيفة فلم تتورع في استخدام أسلحة الدمار الشامل بغية تحقيق أهدافها، دون أن يردعها أي وازع ديني أو أخلاقي. وهناك الكثير من الشواهد في فيتنام وفلسطين والجزائر واليابان وكوريا وأفغانستان وغيرها. بل من السلوك الأمريكي أن يوصف شارون مرتكب جرائم قبية وصبرا وشاتيلا وجنين وطولكرم وغزة وغيرها، ومحترف التدمير الشمولي من قبل أكبر رئيس دولة غربية بأنه رجل سلام، في حين يعتبر المقاوم الفلسطيني إرهابي. ويطالب الفلسطيني المدافع عن نفسه وأرضه بوقف إطلاق النار، وهو لا يملك إلا سلاحاً فردياً، ويبارك العسكري الصهيوني بقتله الفلسطينيين بدم بارد، ويقتلع الأشجار، ويهدم البيوت على رؤوس أصحابها، ولم تسلم من شره حتى سيارات الإسعاف، أو ترك الجرحى ينزفون حتى الموت. وأن تستخدم كل الأسلحة المتطورة ضد الفلسطينيين.
وظهر السلوك الحضاري الغربي مؤخراً في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة في أفغانستان، فتم استخدام قنابل تحمل عشرات الأطنان من المتفجرات، رميت بها قرى أفغانية آمنة، قتل فيها كل ذي روح، وهدمت بيوت فقيرة من الطين واللبن على رؤوس أصحابها.
وشهد العالم من خلال وسائل الإعلام المرئية كيف كانت الأنظمة الغربية وخاصة الأمريكية في معاملتها لأسرى مقيدون بالسلاسل، وبسجون مغلقة عليهم الأبواب وحشروا كالحيوانات في قلعة (جانجي). وكيف قصفوا بالطائرات والمدافع دون رحمة ولا شفقة، وأبيد في ساعات ما يقارب خمسمائة أسير. تلك هي الحضارة الغربية المدمرة وساحقة لكل القيم والشرائع، وحتى بقوانين، هي وضعتها كقوانين جنيف التي تحمي الأسير من المعاملة السيئة.
وشهد صحفي بريطاني شهير (روبرت فيسك) على تلك المذبحة البربرية، التي يخجل منها المغول في حروبهم. فكتب في صحيفة (الانديبندت البريطانية): (إن الغرب بدأ يتحول إلى مجرم حرب. والدليل على ما فعلته الولايات المتحدة بالسجناء في قلعة قرب مزار الشريف). وتابع يقول في وصف تلك المذبحة: إن الطائرات الأمريكية قصفت مزار الشريف لتمهيد الطريق أمام قوات تحالف المعارضة الشمالية، ليقوموا بقتل نحو ثلاثمائة أسير حرب من الطالبان في القلعة التي حوصروا فيها) ثم ردد مبررات القوات الأمريكية لذبح الأسرى بحجة التمرد. تمردوا.. وهم مقيدون بالسلاسل كما وجدت جثثهم وصورت بوسائل الإعلام، أو البعض منهم في زنزانات السجن فقال: (إن القوات الأمريكية والجنود البريطانيين ساعدوا تحالف المعارضة الشمالية في قمع تمرد الأسرى الطالبان بقتلهم جميعاً).
ثم يعود الصحفي البريطاني لضميره فيقول: (ليس هناك أي مبرر للولايات المتحدة لتساعد على تنفيذ تلك المجزرة) وأشار إلى امتناع مراسلي التلفزيونات الغربية عن عرض صور كافية للمجزرة، واللجوء بدلاً من ذلك إلى عرض الأحاديث بين الجنود الأمريكيين ومقاتلي تحالف الشمال الأفغانية للتغطية على مشاهد المجزرة الرهيبة).(25)
ومن السلوك الغربي المتحضر الذي يبشر به العالم، فقد رفض وزير الخارجية البريطاني إجراء أي تحقيق في مجزرة جانجي. كما طلبت منظمة العفو الدولية. وقال إن الحكومة البريطانية لا ترى حاجة لإجراء مثل هذا التحقيق. (وكالات الأنباء يوم الجمعة 30/11/2001). وأدانت منظمة العفو الدولية بشدة في بيان لها صدر يوم السبت 1/12/2001، رفض بريطانيا إجراء تحقيقات في مجزرة جانجي، التي راح ضحيتها أكثر من خمسمائة أسير أفغاني. وقالت المنظمة إن رفض بريطانيا إجراء هذا التحقيق، يضع المملكة المتحدة أمام تساؤلات حول التزامها بالقانون الدولي.
ولتعرية القيم غير الحضارية التي يتشدق بها كتاب الغرب أمثال هنتغتون وفوكوياما، فقد رفض القائمون على تلك السلوكيات الحضارية للغرب التحقيق بهذه الجريمة. على الرغم من كل الطلبات التي قامت بها منظمة العفو الدولية، وكذلك مطالبة مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان السيدة (ماري روبنسون) في 1/12/2001 بضرورة فتح تحقيق في المذبحة الوحشية. وكان جواب الإدارة الأمريكية التي تتشدق باستمرار في إعلامها الرسمي بحقوق الإنسان الرفض وعدم الاستجابة للنداءات الدولية. فقلل وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد من أهمية المطالبة بفتح تحقيق دولي حول المجزرة، بل أبدى استغرابه وامتعاضه من فتح مثل هذا التحقيق(26). فالقتلى في نظره هم أقل من الحشرات ولا يستحقون أن يسأل عن أسباب ذبحهم وإبادتهم، تلك هي إنسانية حضارة الغرب المتغطرس الذي يملأ الدنيا يومياً صريخاً بحقوق الإنسان وتطبيق القرارات الدولية حول ذلك.
وتمثل السلوك الوحشي بمعاملة الأسرى في غوانتنامو حين نقلتهم مصفدي الأقدام والأيدي بالطائرات إلى هذا المعتقل الرهيب، ثم وضعوا في أقفاص لا توضع فيها الحيوانات الشرسة، وتتم معاملتهم بما دون الحيوان. لماذا غوانتنامو وليست سجون الولايات المتحدة. حتى لا يستفيد الأسير من حقوق الأسر والمحاكمة العادلة، بل حتى لا تطبق عليه اتفاقية جنيف التي تحمي أسرى الحرب من هذه المعاملة غير الإنسانية. ولم تعر الإدارة الأمريكية أي اهتمام للنداءات التي وجهتها المنظمات الدولية للمعاملة وفق اتفاقية جنيف الدولية.
وليس غريباً هذا السلوك الأمريكي تجاه من يرفض هيمنتها وسيطرتها واحتلالها، فقد تم بهذا تطبيق هذا السلوك على فيتنام حين تمت إبادة الأرض والإنسان معاً، حيث قدر خبراء الحرب أن الولايات المتحدة ألقت طن من الديناميت على كل دونم من الأرض في فيتنام، كما ذبح عشرات الألوف من أبناء فيتنام فقط لأنه قاوموا الاحتلال الأمريكي، وأيضاً استخدمت الولايات المتحدة أقفاص الحيوانات للأسرى الفيتناميين.
ونذكر هنا السلوك الأمريكي المتشدق بالحرية كيف مات ما يزيد على مليون طفل عراقي بسبب الحصار الذي فرضته أمريكا على شعب العراق. ثم أكملته بقتلها عشرات الألوف من العراقيين حين احتلت العراق، واعتقلت باعترافها ما بين الثلاثة آلاف والأربعة آلاف من أبناء الشعب العراقي، وعاملتهم معاملة لا تليق بالحيوان ولا بالإنسان، حين داهمت بيوتهم في منتصف الليالي، ووضعت على رؤوسهم أكياس سوداء، وصفدت أياديهم، واستخدمت التعذيب والإذلال معهم، ولم يسلم من شر هذا السلوك العدواني لا شيخاً ولا طفلاً ولا امرأة.

غير معرف يقول...

السلوك الأمريكي التصادمي
مع العروبة والإسلام


يذكر الكاتب الأمريكي كافين رايلي في كتابه (الغرب والعالم)، إن الولايات المتحدة الأمريكية تتسم بميل خاص إلى العنف والنمو الأشد تطرفاً للحضارة الغربية الأوربية. ويعيد أسباب ذلك إلى الجذور، التي ينحدر منها الأمريكيون. حيث يؤكد انحدار الأمريكيين من البرابرة عشاق الدماء فيقول: (لقد انحدر جميع الأمريكيين البيض (في جانب كبير على الأقل) من القبائل البربرية التي اجتاحت روما وأوروبا من سهوب آسيا. وقد كان أسلافنا هؤلاء جحافل جامحة).(27) ويقول: (إن الأسلاف القبليين كانوا دون شك ـ من "برابرة" وهذه الكلمة ملائمة، فقد كانوا همجاً بالمعنى الذي يستعمله اليونان والرومان).(28)
ولقد ذكرنا في مطلع البحث أن الولايات المتحدة الأمريكية بعد بضع سنين على استقلالها، هاجمت الشمال الأفريقي العربي، دون مبررات لـه سوى توفير حرية الملاحة لسفن كانت تحمل الأفيون لتجار بوسطن. ولتؤكد على جذرها البربري التاريخي الذي أشار إليه الكاتب الأمريكي كافين رايلي؛ لا زال نشيد بحريتها يمجد تلك الحروب على قذارة أسبابها، وبدون خجل، من أنها قامت من أجل تجارة الأفيون.
ومن الجرائم التي ارتكبتها الولايات المتحدة بحق العرب والمسلمين، هو دعمها المطلق بدون حدود للكيان الصهيوني، ولممارسات حكامه في القتل والتشريد والطرد والإذلال اليومي للفلسطينيين؟ فمنذ بدء المؤامرة الصهيونية في القرن الماضي، ساندت بقوة إقامة كيان صهيوني سرطاني في قلب الأمتين العربية والإسلامية، حين مارست ضغطاً هائلاً على الحكومة البريطانية، من أجل الإسراع بإصدار وعد منها لإقامة كيان صهيوني في فلسطين قبل نهاية الحرب العالمية الأولى. وقدمت للكيان كل مستلزمات النشوء حين ظهر في عام 1948، وقدمت لـه كل متطلبات القوة، ليغدو قوة ضاربة. التي ترهب المنطقة، وجعلته مخفراً متقدماً لرعاية مصالحها، ولا تزال تقدم كل أشكال الرعاية والحماية لـه إلى يومنا هذا. وهي تبارك عدوانه وقتله واغتصابه.
هذا السلوك الغربي الحضاري أدى إلى إخراج الملايين من أراضيهم، وتشريدهم في بقاع العالم، وإحلال بدلاً عنهم غرباء تم جمعهم من أنحاء الأرض.
وعلى مرأى العالم تساند جرائمه الدموية، بالرغم من نقل تلك الجرائم على شبكات تلفاز العالم، ضاربة عرض الحائط كل القرارات الدولية، حتى لجنة التحقيق الدولية المشكلة من الأمين العام للأمم المتحدة حول كارثة جنين، وقفت إلى جانب الكيان الصهيوني، بمنعها من الوصول إلى جنين، وكانت وراء حلها دون أن تمارس عملها.
إن السلوك الثقافي للولايات المتحدة في قضية الصراع العربي/ الصهيوني وحده دليل على أنه سلوك بربري، لا يحمل في ثناياه أي جانب إنساني، فشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان تسقطها أمريكا في هذه القضية، حين ترعى العدوان، وتناصر الباطل، وتحمي المجرم، وتدافع عن السفاح.
الإسلام والحرب الجديدة عليه
حين كانت الشيوعية العدو الأول للولايات المتحدة، أرادت أمريكا استخدام الإسلام، ليكون شريكاً لها في حملتها على الشيوعية، فأنشأت المخابرات المركزية الأمريكية في بداية الثمانينات دائرة خاصة بها أطلقت عليها (الدائرة الإسلامية). وزادت من قواتها المسلحة على حدود بلدان آسيا الجنوبية الغربية وأفريقيا الشمالية، وعززت تواجدها في البحر الأحمر والخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط، وبدأت تثير المشاعر الدينية الإسلامية ضد الشيوعية، وقدمت دعماً لا محدوداً لما يطلقه عليه آنذاك المجاهدين في أفغانستان، فمولتهم بالسلاح والمال والدعاية والإعلام والتدريب، وكتبت نعوم تشومسكي: (أن المخابرات المركزية دعمت في أفغانستان أكثر المقاتلين تعصباً من بين الذين أمكنها تعبئتهم ضد السوفييت، ولكن عدداً قليلاً من الناس يعلم أن واشنطن، استمرت في تقديم الدعم العسكري للمشاركين في حرب العصابات، بعد انسحاب السوفييت من أفغانستان في شباط عام 1989. وكان هدفها تنسيق عملية إسقاط حكومة نجيب الله الاشتراكية. وقدمت للمجاهدين بعد جلاء الروس عبر باكستان إمدادات أنظمة نزع الألغام (لايتفوت) وصواريخ (ستينغر) المضادة للطائرات، ومدافع هاون إسبانية 120 مم وأسلحة أخرى). هذا حين كان المجاهدون المسلمون يخدمون مصالحها. ولكن الأمر اختلف حين تصادمت المصالح بين الطرفين، وأصبح تعارضاً في التوجهات متعاكسة، غدا المجاهدون إرهابيين في نظر الولايات المتحدة.
ووجهت دعايتها في الثمانينات للاحترام المخلص للحضارة الإسلامية ولثقافتها، وشن مدراء الجامعات والوزراء والعلماء في الغرب والولايات المتحدة خاصة حملة لإقناع ملايين المسلمين بخطورة الشيوعية وضرورة تحالف الغرب بزعامة أمريكا ضد العدو المشترك. وفي حزيران 1982 أطلق الرئيس الأمريكي حملة ضد الشيوعية تحت عنوان (حملة صليبية على الشيوعية).
ولكن في بداية القرن الحالي قلبت أمريكا ظهر المجن فأصبح الشعار (حملة صليبية ضد الإسلام). لماذا؟
فقد انتهت الشيوعية ولم يبق إلا الإسلام كما قال جورج بوش الأب في عام 1991. فبعد هذا العام يجب أن يتغير النمط السلوكي في العالم وفق نمط ورغبات الولايات المتحدة. إلا أن الإسلام باعتباره يملك سلوكاً ثقافياً عالياً وغير قابل للتغير وفق الأهواء الأمريكية بدأت حالة التصادم.
فشنت الحملات والافتراءات على الإسلام واتهامه برفضه للتقدم والتطور، ومصدر للإرهاب الدولي. ولم تترك الحملة جانباً إلا وحاربت فيه الإسلام، فاعتبرت المدارس الدينية مدارس إرهاب، ودعت إلى إغلاقها. وطلب من وزير التعليم في السعودية تغيير المناهج الدينية، بما يتلاءم والنمط الأمريكي. أي ليصبح تعليماً دينياً أمريكياً. يحذف ما يريد من آيات القرآن، ويراد أن يكتب القرآن وفق المزاج الأمريكي. وكذلك يقتصر تلاوته في البيوت والمساجد فقط. وقد يقترح بدائل عن آيات قرآنية خاصة منها، التي تكشف سلوك اليهود المتصف بقتل الأنبياء والخداع والتضليل والكذب أو الداعية للجهاد ضد الطغاة والمستعمرين، بآيات أخرى توافق السلوك الأمريكي الصهيوني.
وبضغط كبير وشديد من الرئيس جورج بوش الابن على الحكومة الباكستانية، لتغيير مناهج التعليم الديني، وضبط المساجد فيها بما يخدم المصالح والسلوكيات للولايات المتحدة. وجّه الرئيس برويز مشرف كلمة لشعبه في 1/1/2002 بمناسبة العام الجديد تضمنت تطبيق التعليمات الأمريكية حول المنظمات الإسلامية والتعليم الديني والمساجد ومنها:
1 ـ حظر التنظيمات الإسلامية التي تقاتل الهند من أجل تقرير المصير للشعب الكشميري أمثال جيش محمد والحزب الجعفري من العمل في الأراضي الباكستانية وتقييد حريتها.
2 ـ سيطرة الدولة على التعليم الديني بالكامل، ومنع الجمعيات وغيرها من فتح مدارس التعليم الديني إلا بإشراف الدولة، ومنع أي تعليم ديني مشبوه على حد قوله يدعو إلى الإرهاب.
3 ـ تحديد عمل مكبرات الصوت في المساجد بحيث تصبح فقط للآذان وخطبة الجمعة، وأن توضع تحت رقابة الدولة.
4 ـ الإشراف على المدارس الدينية وخاصة مدارس تحفيظ القرآن الكريم. وعدم فتح أي مدرسة لتحفيظ القرآن إلا برخصة من قبل الدولة.
5 ـ حصر الطلاب الأجانب الذين يتعلمون في المدارس الدينية، وأن يكون وجودهم برخصة من قبل الدولة.(29)
وتم تجميد أموال العشرات من الجمعيات الخيرية في أمريكا، تحت ذريعة دعم الإرهاب. وهذه الأموال ما هي إلا أموال زكاة وصدقات للفقراء والمساكين ولبيوت الله ودور العجزة والأيتام. ومن السلوك الأمريكي سجن المئات من المسلمين في الولايات المتحدة دون أي اتهام موجه لـه فقط لأنه مسلم.
وهكذا بدأ الصدام بين سلوكيتين إحداهما تدعو للفضيلةـ وأخرى تدعو للطغيان والظلم والهيمنة. ولكن هذا الصراع مهما طال سيكون خيراً على العرب والمسلمين، ليستيقظوا من سبات عميق، ويواجهوا عدواً يريد تمزيقهم، واغتصاب أراضيهم، ونهب ثرواتهم. كما قال سمسون وزير المال الأمريكي الأسبق: (البترول لنا، وما العرب إلا يرقدون عليه). فالأمة العربية والإسلامية مدعوة اليوم إلى اليقظة من مؤامرات صهيونية غربية قادمة تريد حصاد الأخضر واليابس.؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
نماذج من السلوكيات الإسلامية.


من النماذج السلوكيات التي دعا إليها الإسلام:
السلوك المفروض على المسلم
من يراجع كتب السير والتاريخ، سيرى كيف كان الرسول () يطلب من يريد الدخول في الإسلام سلوكاً إنسانياً رفيعاً يقوم على مرتكزات أخلاقية عليا في معاملته لنفسه وأسرته ومجتمعه ومحيطه من المسلمين وغيرهم؟
ومن يطلع على كيفية مبايعة الرسول () من قبل من أراد الدخول في الإسلام فسيرى أنها تبدأ في الإقرار بعدم الشرك بالله أي بالاعتراف بوحدانية الله. وهذا الاعتراف يفرض عليه اتباع سلوكيات أخلاقية عالية، كما وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. ومن السلوكيات التي كان يصر عليها الرسول في البيعة نذكر منها:
ـ عدم السرقة وهي جريمة كبيرة على صغرها، فهي تورع بيوت آمنة، وتأخذ أموال تعب وكدّ صاحبها. وقد تؤدي السرقة إلى إزهاق أرواح بريئة، وجرائم السرقة في العالم تدل على عواقبها السيئة.
ـ وأن لا يزنوا والزنى فاحشة تدمر مؤسسة الأسرة، وتنشر كل أشكال الفساد، وتدمر بنيان المجتمع.
ـ ولا يقتلوا أولادهم والقتل هنا من خشية الفقر أو بسبب عدم القدرة على تربيتهم فقتل الأطفال من الجرائم البشعة والمحرمة في الإسلام.
ـ ويمتنعون عن قول الزّور والكذب والدّس وغيرها.
ـ والعمل بالأمر بالمعروف وهو خلق من أجمل الأخلاق.
ـ والدعوة إلى الفضيلة والبر والإحسان وغيرها من مكارم الأخلاق. كما وردت في الحديث النبوي التالي: [عن عبادة بن الصامت رضي الله قال: بايعت رسول الله () في رهط فقال: [أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فأخذ به في الدنيا فهو كفارة لـه وطهور، ومن ستره الله، فذلك إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له].(30)
السلوك الإسلامي في الحروب
من وصايا الرسول () لأمراء الجيوش وهم زاحفين للحروب جاء في مختار مسلم ما يلي:
[كان رسول الله () إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً. ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم. ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء. إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا، فسلهم الجزية. فإن هم أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا، فاستعن الله وقاتلهم".
"وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه".
"وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزل على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فأنت لا تدري أتصيب حكم الله فيهم
أم لا").(31)


هذا هو السلوك الإسلامي الداعي إلى مجتمع الفضيلةوالنقاء والسلام، وذاك السلوك الغربي الداعي للنهب والهيمنة واستعباد الشعوب، ومن هنا يكون الصدام في سلوك الثقافات الناتجة عن الحضارات. ولا يوجد صدام الحضارات كما يدعي بعض كتّاب الغرب.؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

غير معرف يقول...

الشورى جوهر النظام الإسلامي


كثيراً ما اتهم الإسلام ظلماً وزوراً برفضه للديمقراطية، واتصافه بالاستبداد من قبل الكثير من كتاب الغرب والشرق معاً، علماً إن الإسلام جاء لينهي أنظمة الاستعباد والمؤلهة لنفسها، والتي تترفع على رعيتها، وتقسم مجتمعها إلى طبقات هرمية، تكون الطبقة الحاكمة أعلاها، وتليها طبقة النبلاء ثم التجار فالفلاحين وبقية الرعية، وأدناها طبقة العبيد التي لا تملك حتى قرار نفسها. ولا تقرب الطبقة الحاكمة إلا حاشية تتكون من النبلاء والأثرياء من علية القوم، الذين يكونون مؤسسات الحكم والمشورة. وحتى البرلمانات التي تشكلت في روما، كانت مقصورة فقط على النبلاء والأثرياء. أما بقية الطبقات في المجتمع كانت معدومة الرأي والاختيار لنظمها ولحكامها، فالمؤسسات الديمقراطية المزعومة أثناء ظهور الإسلام سواء في بيزنطة وروما وفارس كانت فقط لحاشية الحاكم والطبقة النبيلة.
في حين أحدث الإسلام نظام الشورى كأول أسلوب ديمقراطي في القرون الوسطى، وفق ما طلب الله عز وجل من الرسول : [.. وشاورهم في الأمر..](57). وأحدث قانون البيعة العامة للخليفة بعد ذلك، والتي تشارك فيها كافة طبقات المجتمع دون استثناء ولا تخصيص، وأحدث مجلساً مصغراً لأهل العقد والحل، ليمثلوا عامة الناس في ترشيح الخليفة.
أما الشورى في الإسلام فلا تمييز بين غني وفقير، فهي لعامة المسلمين، كما قال تعالى: والذين استجابوا لربّهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون(58). فلم تستثنِ الآية الكريمة أحد من المسلمين في مسألة الشورى بل هي للجميع. وهنا تتجلى الحرية في أجمل صورها في الاختيار الإرادي للمسلم عبر الشورى.
والشورى هي كما وردت في الآيات الكريمة هي فريضة واجبة، وليست فقط حقاً من حقوق الأمة، ويقول الدكتور محمد عمارة: (لم يقف الإسلام من الشورى عند حد اعتبارها "حقاً" من حقوق الإنسان.. وإنما ذهب فيها كما هي عادته مع ما اعتبر في الحضارات الأخرى مجرد حقوق- ذهب فيها إلى حدّ جعلها "فريضة شرعية واجبة" على كافة الأمة وفي كل مناحي السلوك الإنساني)(59).
ويرى الدكتور محمد عمارة، أن الشورى الإسلامية تقوم على الأسس التالية:
* الأمة فيها وبها، هي مصدر السلطات وصاحبة السلطان في سياسة الدولة وتنظيم المجتمع وتنمية العمران.
* وهذه الأمة تختار ممثليها العارفين بالواقع وبالشريعة معاً... وهم أهل الاختيار، الذين يختارون رأس الدولة الإسلامية... وكذلك أهل العقد والحل، الذين يحافظون على اتساق "الواقع" مع "الشريعة" ويطورون "التشريع" ليلائم الواقع الجديد.
* وهذه الأمة، من وراء ممثليها، عليها وعليهم فريضة مراقبة حكومتها.. ومحاسبتها.. والأخذ على يديها.. ولها –بل عليها- فريضة تغيير هذه الحكومة، إن هي فسقت، أو جارت، أو ضعفت عن النهوض، بما فوضت إليها من مهام! –تصنع ذلك بالسلم إن أمكن.. وبالثورة إن لم يكن بد من ذلك!..
أما حدود الشريعة والأطر التي حددها الدين ورسمها. فإنها لا تمثل انتقاصاً من حق الأمة في أن تكون، في شؤون دنياها. مصدر للسلطة والسلطان.. لأن هذه الحدود والأطر هي الثوابت الكافلة لتحقيق مصالح مجموع الأمة وأفرادها.. ومن ثم فإن حرية الأمة –بواسطة ممثليها- في التشريع عندما تقف عند الحدود التي لا يجوز تجاوزها.
وهي إبقاء الحرام حراماً والحلال حلالاً، فليس في ذلك انتقاص من حرية الأمة. وإنما هو التزام بالأطر الدينية المحققة لمصلحة الأمة كما رآها الشارع سبحانه وتعالى..)(60).
ويرى رجاء (روجيه) غارودي في السلطة السياسية التي أقيمت في المدينة المنورة في عهد رسول الله  وسلم وخلفائه الراشدين: (أنه بفضل مبدأين أساسيين وهما: المبدأ القائل بأن السلطة لله وحده، وكل سلطة اجتماعية يجب أن يعاد فيها النظر. ومبدأ (الشورى) الذي ينفي كل واسطة بين الله والشعب. بفضل هذين المبدأين، تم إبعاد كل طغيان مطلق يخلع سلطانه صفة القداسة، ويجعل من الحاكم إلهاً على الأرض. كما تم استبعاد أية (ديمقراطية) من طراز غربي، أي تلك التي تتصف بالفردية، وتغليب الكم على الكيف، وبالجمود والوصاية واستلاب الإنسان، فالحرية ليست سلبية واعتزالاً بل هي إتمام لمشيئة الله)(61).
* النظام الراشدي أنموذجاً
لقد أوجد الرسول  أنموذجاً فريداً في الحكم، في زمن كان يسود العالم القهر والظلم على يدي أباطرة وملوك وحكام، حيث كان البعض منهم يعتبر نفسه أنه إله في الأرض، لا يمكن مساءلته أو محاسبته من أي سلطة كانت، فهو صانع السلطات التنفيذية والتشريعية، وهو فوقها جميعاً، يحاسبها متى شاء، ويبقيها ويزيلها متى شاء، مجرد دمية يحركها كما يريد، والرعية في مفهومه هم جزء من ممتلكاته.
فأقام الرسول عليه الصلاة والسلام أول دولة في العالم، مؤسسة على المساواة بين الحاكم والرعية، ينصف فيها الجميع دون استثناء. وقد يقول قائل كان في أثينا دولة ديمقراطية، نقول نعم، ولكن كانت فقط لرجال أثينا من طبقة الأحرار، أما بقية الناس ليس لهم أية حقوق. في حين الإسلام ساوى بين الحر والعبد والرجل والمرأة، والكل تحت قاعدة قانونية حددها رسول الله  (الناس سواسية كأسنان المشط لا فرق بين أبيض وأسود إلا بالتقوى).
وكذلك كافة الرعية أمام القضاء متساوون لا فرق بين الجميع حاكم ومحكوم، يقف أمام القاضي الشاكي والمشتكى مهما كانت مرتبته الحكومية حتى وإن كان رئيس الدولة. ولا يفرق قانون الشريعة الإسلامية بين العبد وسيده. فالحقوق القانونية مضمونة لكافة الناس.
وتعتبر خزينة الدولة (بيت مال المسلمين) هي ملكية عامة لكافة المسلمين دون استثناء، لا يستطيع الحاكم التصرف بها، إلا وفق قواعد محددة في الشريعة، وللجميع حصة في تلك الخزينة.
وأهم ما اتسمت به الدولة العدل، والذي يعتبر أساس الحرية وضمان الحقوق، فسيادة القانون على كافة أفراد المجتمع، تطبق على الجميع، فكثيراً ما وقف بعض الخلفاء أمام القاضي في قضية مثارة عليهم من أحد الرعية سواء أكان مسلماً أو من أهل الكتاب، وعومل الحاكم المدعى عليه مع المدعي من الرعية على قدم المساواة أمام القضاء.
وضمنت الدولة الحرية الاقتصادية، واعتبرت قانون التراضي شرطاً في البيع قال تعالى: إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم(62). ووضع على التجارة سواء البيع الفردي أو الإجمالي رقابة تموينية سميت (بالحسبة) تمنعها من الاستغلال والفساد والغش، ووضعت الدولة على الناتج الاقتصادي الزراعي والتجاري والرعوي رسوماً سواء في الزكاة أو غيرها من الرسوم، لتصرف مع بقية ما يأخذ من زكاة من رؤوس الأموال على كافة أفراد الشعب واحتياجات الدولة العسكرية والإدارية.
وفي النظام السياسي تم تأسيس أول دولة رئاسية جمهورية في التاريخ، لا تعتمد اختيارات حكامها على النسب والعشيرة والمال والوراثة والقوة العسكرية، بل اعتمدت على التقوى، والحكمة، والأسبقية في الإسلام، وصلاحية سيرة الحاكم الذاتية، والقدرة على إدارة الأزمات، وعلى ملكاته الشخصية في الإمساك بزمام الأمور، وعلى ما يملك من إمكانات معرفية عالية في الدين والشريعة، وهذا ما تم فعلاً في العهد الراشدي.
فالاختيارات التي تمت للخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم على قاعدة ما أشرنا إليه. وقد يدعي بعض أعداء الإسلام من الذين يحاولون الولوج إلى ثغرة من الثغرات لنقد النظام الإسلامي ومنها الخلافة الراشدية، فيدعي أنها لم تكن نظاماً تشاورياً وباختيارات ديمقراطية، ويضرب مثلاً على اختيار أبي بكر الصديق رضي الله عنه لعمر بن الخطاب رضي الله عنه لخلافته. فحتماً أنه سيكون جاهلاً بالواقع التاريخي لعملية الاختيار. فأبو بكر رضي الله عنه قد أشار أهل العقد والحل في عملية الاستخلاف، فالحقيقة التاريخية تقول: (فجمع إليه نخبة من أهل الرأي وقال لهم فيما قال: ".. قد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرّتم في حياة مني كان أجدر ألا تختلفوا بعدي".
فلم يستقم لهم أمر، كما جاء في رواية الحسن البصري، ورجعوا إليه يقولون "إن الرأي يا خليفة رسول الله رأيك" فاستمهلهم حتى "ينظر لله ولدينه ولعباده". ثم استقر رأيه على استخلاف عمر بعد مشاورة عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وسعيد بن زيد وأسيد بن الخضير. وسأل عليّاً فقال: "عمر عند ظنك به، ورأيك فيه، إن وليته –مع أنه كان والياً معك- نحظى برأيه ونأخذ منه، فامض لما تريد، ودع مخاطبة الرجل، فإن يكن ما ظننت إن شاء الله فله عمدت، وإن يكن ما لا تظن لم ترد إلا الخير".
وأملى أبو بكر كتاب العهد على عثمان بن عفان، فكتبه، وختمه، وخرج به مختوماً، ونادى بالناس: "أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟". وقيل أن أبا بكر أشرف على الملأ من كوة في غرفته، فقال: "يا أيها الناس! إني عهدت عهداً أفترضونه؟ "فقالوا" رضينا يا خليفة رسول الله". وقام عليّ كرم الله وجهه فقال "لا نرضى إلا أن يكون عمر". ثم كانت البيعة التي أجمع عليها المسلمون(63).
لهذا يعتبر فترة الرسول  والفترة الراشدية النموذج الحقيقي للنظام الإسلامي.
* شكل الحكومة الراشدية الأولى
كتب محمود عباس العقاد حول الحكومة الراشدية يقول: (فأي حكومة هي حكومة الصديق أو حكومة الإسلام في عهده؟. وأي عناوين الحكم في هذا العصر الحديث؟.
الديمقراطية –ولا ريب- هي أقرب النظم إلى نظام الحكم في عهد الصديق. ولكن الديمقراطية أشكال تختلف في العصر الواحد بين أمة وأمة، ولها قواعد دستورية ومقدمات تاريخية من العسير، أن نوحد بينها وبين قواعد الخلافة ومقدماتها، ومن السهل جداً مع هذا نصدُف عن هذا التوحيد دون نُغِض من نوع الحكومة في صدر الإسلام.
فليس من المحقق أن حكومة الإسلام يومئذ توصف بالديمقراطية على المعنى الذي نفهمه من هذه الكلمة هذه الأيام.
ولكن من المحقق أن الحكومة الإسلامية على النحو الذي جاء به القرآن الكريم، واتفق عليه المسلمون كانت بعيدة كل البعد عن جميع أنواع الحكومات المعيبة أو جميع المبادئ التي تستند في تقرير حكم الشعوب على أساس معيب.
فإذا كانت حكومة الخلافة لم تقرر الديمقراطية على أساسها العصري المعروف بيننا فهي –بلا ريب- قد أبعدت مبادئ الأوتوقراطية، ومبادئ الثيوقراطية ومبادئ الأليجاركية، ومبادئ حكومة الغوغاء، وسائر المبادئ التي لا تستقيم مع حرية الفرد ومع الفطرة السليمة).
وعدد عباس محمود العقاد أشكال تلك النماذج من الحكومات وبين أن الإسلام يرفضها قائلاً: (فالأتوقراطية وهي حكومة الفردي المستبد ممنوعة في الإسلام، لأن القرآن الكريم يأمر النبي () أن يشاورهم في الأمر، وينص على أن (أمرهم شورى بينهم). وإذا كان النبي () الذي يتلقى الوحي الإلهي لا يَجِل عن مشاورة أتباعه، والرجوع إلى رأيهم في سياسته، فغيره من ولاة الأمر أولى أن يتقيد بالشورى، ويتجنب حكومة الطغيان. والثيوقراطية وهي حكومة التي يدعي فيها الحاكمون صفة إلهية ممنوعة كذلك في الإسلام. لأن القرآن الكريم يعلم المسلمين أن النبي () بشر مثلهم، ويبطل الكهانة والوساطة بين الإنسان وربه، وقد نهى النبي () ولاته وأمراء جيشه، أن يبرموا العهود باسم الله أو باسم رسوله...
والأليجاركية وهي حكومة الفئة القليلة من الأعيان والثروات ممنوعة كذلك من المسلمين، لأن بيعة الخاصة في الإسلام لا تغني عن بيعة العامة، وليس في الإسلام سادة نسب كما جاء في الحديث الشريف: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة".
وحكومة الأهواء سواء كانت أهواء الوجوه أو أهواء السواد ممنوعة كما منعت الحكومات التي أسلفناها، فليست أهواء المحكومين مُغنية عن أصول الحق والعدل، ودستور الشريعة والنظام، وفي ذلك يقول القرآن الكريم: فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق، لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً(64).
* النص العقدي بين الأمة والخليفة
ومن يقرأ خطبة الخليفة الراشدي الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، يجد فيها العلاقة العقدية، التي تفرض إقامتها بين الحاكم والأمة، والمبنية على أسس البناء العادل في النظام الإسلامي، وهي الطاعة للحاكم ما دام ملتزماً بالشريعة الإسلامية ونصوص هذا التعاقد، فإن تمت المخالفة لهذه الأسس العقدية، طلب من الأمة إجراء التقويم المطلوب للحاكم عما خالف وشذ عنه. فالخليفة في بداية البيان السلطوي الأول، يذكر أن الاختيار الذي تم لـه من قبل الأمة ليس لكونه أفضلهم، ولكنه جاء باختيارات الأمة ومبايعته لـه (فإني وليت عليكم، ولست بخيركم). ولهذا وضع ميثاقاً عقدياً بين الأمة والحاكم، ويعتبر هذا العقد هو من صلب روح الإسلام في تحديد سلطات الأمة والحاكم.
ولهذا نرى ما جاء في هذا الميثاق الذي طرحه الخليفة الأول، ووافقت عليه الأمة التالي:
1- القرآن الكريم والسنة مصدر التشريع والدستور الناظم للدولة، وتجري محاسبة الخليفة عند مخالفتهما أو تجاوزهما من قبل الأمة أو ممثليها من أهل الحل والعقد، حيث يفقد الطاعة الشرعية، وهذا ما نص عليه البيان: (أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم..)
2- ممثلو الأمة هم الذين يختارون الخليفة وهم أهل الاختيار وهم من فقهاء الأمة وعلمائها.
3- الأمة مصدر السلطة وتملك سلطة المحاسبة والعزل، وتمت الإشارة إليها في الكلمة بقوله: (فإن أحسنت فأعينوني، وأن أسأت فقوموني).
4- أن يكون الحاكم صادقاً مع أمته، وإن كذب عليها فقد خانها (الصدق أمانة، والكذب خيانة).
5- المساواة والإنصاف بين الجميع دون النظر للضعف والقوة (الضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي منكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله).
6- الحاكم بشر كأي فرد من أفراد الأمة، وليس معصوماً عن الخطأ، لذا لا بد من التصحيح لـه في حال وقوعه في الخطأ (أيها الناس أنا مثلكم، وإني لا أدري لعلكم ستكلفونني ما كان رسول الله  يطيق، إن الله اصطفى محمداً على العالمين، وعصمه من الآفات، فإنما أنا متبع، ولست بمبتدع، فإن استقمت فاتبعوني، وإن زغت فقوموني) فكم نرى اليوم بعد مرور ألف وأربعمائة عام من حكام على الأرض، يدّعون أنهم أنصاف آلهة، لا يخطئون أبداً، بل كل ما يقولون ويعملون لـه مرتبة القداسة؟.
7- الحاكم كونه من البشر، فإنه يصاب في الغرور، وتزيين العمل من قبل وساوس الشيطان وهوى النفس (ألا وإنما لي شيطان يعتريني، فإذا أتاني فاجتنبوني)(النص في الملحق).
* الصفات المطلوبة في الحاكم المسلم
يعتبر وجود حاكم يرأس الدولة ضرورة أساسية في هيكلية الدولة الإسلامية، وهي فرض كفاية. ويتم اختياره من أهل الاجتهاد الذين تتوفر فيهم ثلاث شروط هي:
1-العدالة.
2-العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة.
3-أن يكونوا من أهل الرأي والتدبير، المؤديين إلى اختيار من هو للإمامة أصلح(65).
وجاء في حديث لرسول الله  شروطاً للحاكم المسلم ومنها:
1-أن يكون من قريش.
2-أن يتصف بالعدل والرحمة والوفاء بالعهد. قال رسول الله : (الملك في قريش لهم عليكم، ولكم عليهم مثله، ما حكموا فعدلوا، واسترحموا فرحموا، وعاهدوا فوفوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)(66)
وجاء في فقه أحمد بن حنبل صفات الإمام ما يلي:
-بالغاً عاقلاً، لأن غير البالغ يحتاج إلى ما يلي أمره، فلا يلي أمره غيره.
-سميعاً بصيراً ناطقاً، لأن غير المتصف بهذه الصفات لا يصلح للسياسة.
-حراً لا عبداً، لأن الإمام ذا الولاية العامة لا يكون ولياً عليه غيره.
-ذكراً.
-عدلاً وقال هنا ابن حنبل حول موضوع العدالة، تشترط في ولاية القضاء، ولكنها لا تشترط في رأيه في الحاكم وأن اغتصب السلطة، بل واقر في إمامة مغتصب السلطة، وعدم مخالفته، فهو يقول: (وهي دون الإمامة العظمى فإن قَهَر الناس غير عدل فهو إمام)(67).
ولكن في رأيي المتواضع والله أعلم، أن اغتصاب السلطة، وقهر الناس على مبايعته، فهي إكراه، ومبايعة المكره كما أرى باطلة، ومن هنا تبطل ولاية المغتصب والله أعلم.
-غير عاجز (معاق). وذهاب اليدين والرجلين يمنع ابتداءها واستدامتها.
ومن الصفات التي يراها ابن حنبل أن لا يعزل الحاكم لفسقه، بل يعزل فيها القاضي تحت تبرير (لما فيه من المفسدة) ويستند لحديث (...إلاَّ تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان)(68).
وأرى والله أعلم، أن الفاسق لا يمكن أن ظهر فسقه الاستمرارية في الحكم، لما فيه المفسدة للأمة والدين. والحديث الذي يورده الإمام أحمد جاء من رواية عبادة بن الصامت حول مبايعة الرسول ، وهي بيعة للرسول عليه الصلاة والسلام، والبيعة لمن أمر بإقامة العدل والإنصاف. وكان خير حكام الأرض جميعاً في تطبيق العدالة والمساواة، والمثل الأعلى في السلوك الإنساني المبني على قيم العدالة. أرى ليس من الأنصاف مساواة رسول الله  ببقية الحكام المسلمين وغيرهم. واعتبارهم واحداً من حيث الطاعة. فكم من حاكم على مرور الأربعة عشر قرناً على ظهور الإسلام كاد ظلمه وجوره، يتجاوز فرعون المثل في الطغيان والظلم؟ وكم حاكم مستبد ضيع الأمة والدين، بإعلان فسقه وجوره، فدمر الأمة، وشوه صورة الدّين؟
إن البيعة على عدم المنازعة والسمع والطاعة، كما ورد في حديث رسول الله ، كانت على ما أوتي به من ربّه، وما سنن من الشرائع، وعدم المعارضة والتغيير بالقوة لنظام فاسد تحت ذريعة السمع والطاعة خوفاً من مفسدة وفتنة، سيكون كما الساكت عن الحق أي شيطان أخرس كما ورد في الحديث الشريف.
بل الرسول الأعظم  أبطل صلاة الإمام المكروه من المأمومين، وبين عباس العقاد أن (قوام الرئاسة والإمامة عنده (ويقصد هنا رسول الله) شرطان هما: جماع الشروط في كل رئاسة، وهما الكفاءة والحب: "أيما رجل استعمل رجلاً على عشرة أنفس علم أن في العشرة أفضل ممن استعمل فقد غش الله وغش رسوله وغش المسلمين" وقال "أيما رجل أمَّ قوماً وهم كارهون لم تجز صلاته أذنيه"(69).

فالقرآن الكريم الذي حذر من خطورة الفاسق، من أن يأتي بنبأ كاذب، فيه هلاك إنسان أو أمة أو فيه هلاك للمال والعرض والنفس، وطلب أن يتم تدقيق أقواله والتأكد منها قبل اتخاذ القرار، كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين(70). فكيف يكون إذا كان الفاسق هو صاحب القرار في مصير الأمة والعباد؟
وتلك مصيبة كبرى حين يتولى هذا الفاسق أمر الأمة، والتاريخ مليء بالتبريرات لمستبدين اغتصبوا السلطة من قبل فقهاء السلطة. وبرروا جورهم وظلمهم وفسادهم. يقول الدكتور محمد عمارة: (.. لكن مظالم التفرد والفردية والاستبداد التي جنحت بعيداً عن هذه الفلسفة للحكم، قد أثمرت عصورها المظلمة وتطبيقاتها الظالمة فكراً هزيلاً، حاول أصحابه تزوير نسبه إلى الإسلام، ليضيفوا عليه شرعية الدين ومشروعيته.. فزعموا أن الشورى غير ملزمة للحاكم.. فعليه أن يستشير، ثم بعد ذلك يمضي ما رآه، حتى لو خالف الأمة جمعاء‍.. ولقد تجاهل هذا النفر من فقهاء الملوك والأمراء والسلاطين ما عناه ويعنيه قول الرسول : "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة". ما يعنيه هذا الحديث من "عصمة الأمة" التي يتجسد اجتهادها، ويتمثل في الصفوة الجامعة لقدرات المشورة وإمكانات الاجتهاد.. فرأيناهم يرجحون كفة "الفرد الحاكم" على كفة "المشيرين".
ولقد حاول هذا النفر من فقهاء السلاطين تزوير نسب هذا الفكر الشائه إلى الإسلام.. فقالوا: إن هذا هو ما يعنيه قول الله سبحانه في هذه الآية فإذا عزمت فتوكل على الله.. فإذا استشار الحاكم كان قد أدى ما عليه.. وله بعد ذلك أن يعزم، أي يقرر ما يشاء.. ونسوا أن هذا "العزم" –القرار- هو- في سياق الآية- ثمرة الشورى..
فالشورى إذا جردت من ثمرتها، وهو القرار –العزم-كانت عقيماً.. بل "مسرحية عبثية" يجب أن يتنزه عنها الفكر الذي يعرض لآيات الله، سبحانه بالنظر والتفسير..)(71).
وقد رفض عدد من خيرة صحابة رسول الله  الظلم والجور والاستبداد للحاكم، ومنهم من تخرج من مدرسته الجليلة الثرية بعلوم الدين والمعرفة مثل الحسين بن علي رضي الله عنهما سبط رسول الله ، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما الذي عاش في بيت خالته عائشة رضي الله عنها. وغيرهم من تبعوهم من خيرة الصحابة والتابعين لهي دلالات على ضرورة مواجهة الاستبداد والظلم والجور، الذي يمارسه الحكام من الطغاة. وقد قال
رسول الله عن هؤلاء (عن حذيفة عن النبي  أنه قال: إنها ستكون عليكم أمراء يَظلمون ويَكذبون فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني، ولست منه، ولن يَردَ على الحوض. ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وسيرد على الحوض)(72).
وقيادة الحكم مسؤولية خطيرة في الإسلام، فهي الخط المستقيم في العدل والإنصاف والرحمة والمساواة بين الرعية، والحفاظ على حدود الدولة وأمن الأمة. وبهذا قال رسول الله : (السلطان ظل الله في الأرض، يأوي إليه كل مظلوم من عباده، فإن عدل كان لـه الأجر –وكان- يعني على الرعية الشكر. وإن جار أو حاف أو ظلم كان عليه الوزر، وكان على الرعية الصبر، وإن جار الولاة /قحطت/ السماء، وإذا منعت الزكاة، هلكت المواشي، وإذا ظهر الزنا ظهر الفقر والمسكنة. وإذا خفرت الذمة أويل الكفار أو كلمة نحوه)(73).
والإمامة ليست مكسباً، بل هي مغرماً، لأن فيها وِزّر الأمة كلها، يحمله الحاكم يوم القيامة. عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله : (إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة وما هي؟) فناديت بأعلى صوتي ثلاث مرات ما هي يا رسول الله؟ قال: أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها: عذاب يوم القيامة إلا من عدل، وكيف يعدل مع أقربيه)(74). لهذا كان الأتقياء من المسلمين يبتعدون عنها لما فيها من حمل ثقيل تجاه أمته وربه ودينه.
من مواصفات الحاكم المسلم التواضع والمشاركة والحب المتبادل بينه وبين رعيته، فإذا كان الإمام في الصلاة تبطل صلاته، إن كان أمَّ أناس كارهون له، فكيف بالحاكم؟ والمطلوب منه التبادل في مشاعر الحبّ بينه وبين شعبه.
ونذكر حادثة من السيرة النبوية الشريفة هنا، أن الرسول  كان يشارك أصحابه في السفر في الأعمال واحتياجات السفر، ونذكر قوله لأصحابه الذين توزعوا العمل: (وعليّ جمع الحطب). وحين قالوا له: يا رسول الله نكفيك العمل، قال: (علمت أنكم تكفونني، ولكن أكره أن أتميز عليكم، إن الله سبحانه وتعالى يكره من عبده أن يراه متميزاً بين أصحابه).

وشارك رسول الله  في حفر الخندق بيديه الشريفتين أثناء غزوة الخندق المشهورة. وكان الرسول  المثل الأعلى للحاكم المتواضع والمحبوب من قبل رعيته. وكان كذلك أصحابه من بعده أثناء خلافته أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.
* المؤتمر الشعبي الأول في الإسلام (اجتماع السقيفة)
مؤتمر السقيفة الذي عقد بعد وفاة الرسول ، على الرغم من كثير من الملاحظات عليه، والدراسات التي تناولته من إيجابيات وسلبيات، إلا أنه يشكل أولى مقدمات البحث عن دور الأمة في اختيار السلطة. وإن كانت ممثلة في شريحة معينه. ومن خلال المناقشات التي جرت في هذا المؤتمر أو الاجتماع تبرز ظاهر الديمقراطية والحرية في أجمل صورها، من خلال الحوار حول مواصفات الحاكم المطلوبة الذي يخلف رسول الله .
كما ظهرت المعارضة وشرعيتها في المؤتمر، ولم تشر كتب التاريخ إنها حوسبت على اعتراضها واختياراتها، بعد أن أصبحت أقلية وتمت المبايعة للخليفة الأول من قبل أكثرية الأمة. وقد استمرت المعارضة ممثلة بسعد بن عبادة للخليفة أبي بكر الصديق ومن بعده عمر بن الخطاب وحتى وفاته، ولم تجر لـه أية مساءلة على رفضه للبيعة، بل بقيت لـه مكانته في الدولة من الاحترام والمكانة الرفيعة فيها، كونه من أصحاب رسول الله  ومن أوائل الأنصار. كما لم تقم السلطة بمحاسبة من اعترض على البيعة في المؤتمر.
ومن يقرأ ما أعقب مؤتمر السقيفة من معارضات لكبار الصحابة، ومنهم العشرة المبشرين في الجنة، يدرك أن الإسلام قبل المعارضة للحاكم، ولكن ليست المعارضة التي تؤدي لتدمير الوطن، والأمن القومي والاجتماعي إلى الخطر الذي يهدد بنيان الدولة. لهذا رأينا امتناع سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن المبايعة أشهراً حتى وفاة سيدتنا فاطمة رضي الله عنها، وكانت مبايعته حين رأى اشتداد أزمة المرتدين، التي أصبحت تهدد وجود الإسلام والدولة الإسلامية. فتوحد الجميع في وجه الخطر.
كما امتنع في البدايات نفر من الأمويين على مبايعة أبي بكر رضي الله عنه، والتفوا حول عثمان بن عفان، وآخرون حول سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن ابن عوف من بني زهرة. وهذه دلالة على أن المعارضة والرأي الآخر موجود في البذور الأولى للدولة الإسلامية. ولم يُكفر هؤلاء، بل أن المعارضين هم أكثر علماء الأرض بعد الرسول ، وبينوا للأجيال القادمة أن عملهم هذا، ليس خروجاً عن تعاليم الإسلام، كما يدعي البعض من كتاب وفقهاء السلطة(75).
وحول ما يقوله بعض العلماء: من مات، ولم تكن في عنقه بيعة للإمام، مات ميتة الجاهلية، يقول الدكتور محمد عمارة: (في المأثورات النبوية الشريفة أحاديث يرددها ويذيعها كثير من "أمراء" الجماعات الإسلامية الجديدة، تحكم بالجاهلية على من فارق الجماعة، وعلى من مات وليس في عنقه بيعة للإمام.. وهم بترديدهم هذه الأحاديث يوجبون الطاعة (للأمراء) على الكافة، ويحرمون "المعارضة، ويجعلونها إثماً دينياً وخطيئة ترتد بأصحابها إلى الجاهلية بعد الإسلام؟‍!
فأين يقف الإسلام الحق في هذه القضية؟! وما قوله الفصل في هذا الإشكال؟! إنه صحيح، وحق، وصدق أن رسول الله ، قد قال –فيما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له. ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية".
لكن الأمر الذي يغفله –أو يتغافل عنه- هؤلاء "الأمراء" أن هذه البيعة، التي يتحدث عنها الحديث النبوي الشريف كانت بيعة الذين آمنوا للرسول ، الذي دعاهم إلى الإيمان.. فهي البيعة لـه بالنبوة، وموضوعها التوحيد والإسلام.. إنها البيعة التي خرجوا بها من الجاهلية إلى الإسلام، ومن ثم فإن خلعها والخروج من طاعتها، هي –بالقطع- عودة إلى الجاهلية مرة أخرى.. فهي لم تكن بيعة من "الرعية السياسية" لمحمد  برئاسة "الدولة"، لأن هذه الرئاسة قد جاءت تبعاً، كضرورة اقتضتها "الدولة" التي تأسست لسياسة الرعية وحماية الدين، وإنما كانت بيعة من "المؤمنين" للنبي الرسول عليه الصلاة والسلام.. فبيعة الرسول، هذه وحدها، دون أية بيعة أخرى لأي خليفة أو حاكم أو أمير، هي التي توصف بأنها هي "الإسلام"، وهي التدين بالدين الإسلامي.. إنها في الحقيقة: بيعة الله سبحانه وتعالى. التي قال عنها لنبيه ك [إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله] (الفتح-10) كما قال أيضاً [من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً] (النساء-80)..
وليست كذلك بيعة أمراء السياسة والولاة والخلفاء والرؤساء في دولة الإسلام... فمعارضة هؤلاء الأمراء، ورفض البيعة لهم، لاختلاف منهجهم السياسي وسبيلهم في سياسة المجتمع وحكم الأمة عن منهج المعارضين لهم. لا يعني الانتقال بالمعارضين من معسكر الإسلام والإيمان إلى معسكر الجاهلية بأي حال من الأحوال.
إن الذين يرددون هذه المأثورات النبوية، موظفين لها في غير موضعها وإطارها، إنما يرتكبون خطأ سياسياً فاحشاً، عندما يجتهدون لإسلاس قيادة الأمة –كل الأمة –للأمراء، كل الأمراء.. ويرتكبون خطيئة دينية، عندما يذهبون فيسخرون المأثورات الدينية والأحاديث النبوية الشريفة في غير السياق الذي قيلت ورويت فيه.. وذلك باب واسع لشر مستطير شاع ويشيع في كتابات العديد من الإسلاميين) (76).
مُسَاءلة الحاكم
كما ظهر في فترة الرسول  والخلفاء الراشدين مسألة (مساءلة الحاكم)، ليس فقط من قبل أهل العقد والحل، بل من قبل عامة الناس. فقد تمت مساءلة الرسول من إعرابي في توزيع الغنائم بعد غزوة حنين، ورفضت امرأة تحديد المهر، الذي أشار إليه الخليفة عمر بن الخطاب. واحتج إعرابي على توزيع الثياب حين وجد أن ثوب الخليفة عمر أطول من ثوبه، وهناك الكثير من كتب السير وتاريخ الفترة الراشدية تظهر قانون المساءلة، وحتى في حضور الخليفة شخصياً أمام القاضي من شكوى لمواطن أقام عليه دعوة في القضاء.
وكان الإسلام لكثير من الشعوب والطبقات الفقيرة المخلص المنتظر من الظلم والحيف والقهر والعبودية، فحرر الإسلام الفلاحين (الأقنان) عبيد الأرض في الأندلس (أسبانيا) حين دخلوها، وحرروا ملايين المستضعفين في بلاد الشام وفارس وآسيا. وبشهادة كافة المؤرخين إن الفاتحين العرب كانوا مباشرة يتساوون في الحقوق والواجبات بعد فتح أي مدينة وبلد بعد إسلامها، أو دفعها للجزية. ومن هنا كان قول المؤرخ الأوربي (لم يعرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب) والرحمة كانت ليس من انتماء القوم للعروبة، بل السلوك في الذي فرضه الإسلام على أتباعه.
* المساواة أساس الحرية في الإسلام
الحرية أساسها المساواة بين الرعية جميعاً دون أي تفريق بين غني وفقير وعبد وسيد وحاكم ومحكوم، وانتفاء الظلم والقهر من أي مصدر مالي أو سلطوي، لهذا كانت أولى توجهات الرسالة الإسلامية هي، تحقيق المساواة بين الناس أمام قوانين الشريعة، قال رسول الله : (الناس سواسية كأسنان المشط، ولا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى).
ولا فروق في الإسلام بين المستويات الاجتماعية والاقتصادية في الرعية، وحتى بين البشر جميعاً من سكان الأرض، إنما الفرق الوحيد بينهم هو في التقوى، والتي تتضمن كل أشكال الطهر والاستقامة والعمل الصالح، كما قال تعالى: يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (77).
وفي الختام أورد عن الحرية في الإسلام ما قاله المغيرة بن شعبة لرستم قائد جيش فارس: (إننا معشر العرب لا نستعبد بعضنا بعضاً، فظننت أنكم تداسون قوتكم كما نتواسى، فكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب لبعض) فقال الدهاقين: والله لقد رمى بكلام لا تزال عبيدنا ينتزعون إليه، قاتل أوّلينا حين كان يصغرون أمر هذه الأمة. (78)

غير معرف يقول...

الفصل الأول: النبي في الفكر الغربي
"إن كان لهذه الأمة ولنبيها  عدو من المجرمين في زماننا هذا كما أخبرت الآية، فمن يمكن أن يكون هذا العدو غير الغرب؟!"؟؟؟؟؟؟ النبي في الفكر الغربي
شهدت الفترة الماضية ارتفاع نبرة المواجهة مرة أخرى بين العالم الإسلامي من ناحية، وبين أوروبا وأمريكا من ناحية أخرى فيما يتعلق بالهجوم على شخص النبي محمد . ورغم أن هذا الهجوم تكرر كثيراً خلال الأعوام الماضية، وبصور متعددة، إلا أنَّ العالم العربي والإسلامي لا يزال مصراً على التعامل مع كل حالة من تلك الحالات التي يهاجم فيها خير البشر، وكأنها حالة منعزلة وفردية، ويجب أن تعامل في هذا السياق. يغيب عن الكثير من أبناء الأمة أن الموقف الفكري الغربي من النبي - صلوات ربي وسلامه عليه - كان دائماً موقفاً عدائياً، وإن اختلفت صور التعبير عن هذا العداء.
إن مـن يهاجـمون النبي  لا يجهـلون مـن هو، بل يعرفونه حق المعرفة. ألم يخبرنا الحق - سبحانه وتعالى - أنهم يعرفونه كما يعرفون أولادهم؟ ألا نقرأ في القرآن {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}؟ [البقرة: 146]، وهي تدل بوضوح أن علماء وقادة أهل الكتاب يعرفون محمداً  وهي معرفة حقيقية ومستمرة كما تدل الآية الكريمة. أخبرنا - سبحانه وتعالى - كذلك أن هذه المعرفة جاءت من كتبهم وليس فقط من اطلاعهم على أحداث العالم أو اهتمامهم بالإسلام، فقد قال - تعالى - : {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157 ]. ولا شك أنهم يعرفون النبي وهم يهاجمونه.
فليس من المتوقع أن البابا مثلاً لا يعرف من هو محمداً. إننا نفترض أنه إِنْ كان البابا (بينديكيت) السادس عشر الذي هاجم نبي الإسلام مؤخراً في شهر سبتمبر من عام 2006م مطلعاً على الإنجيل، ومهتماً بالحوار بين الثقافات والأديان، ومعاصراً لزماننا ... وهو بلا شك كل ذلك، فهو يعرف محمداً  حق المعرفة، ولا يُعذر بجهل أو بخطأ، ومثله الكثير ممن تهجموا على نبينا طوال الأعوام الماضية.
هل حقاً يكرهون النبي؟
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ إن الهجوم على شخص النبي  لا يعني بالضرورة كراهيته. ولكننا في حالة الموقف الغربي من رسول الله نلاحظ أنَّ الكراهية هي سمْتُ الكثير من المواقف التي تصدر عن المفكرين ورجال الدين الغربيين؛ بل والسياسيين والإعلاميين أيضاً في الآونة الأخيرة. {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8 ].
إن أدلة الكراهية في المواقف الغربية كثيرة. فهذا الكاتب الأمريكي (جورج بوش)، وهو جد الرئيس الأمريكي الحالي يقول في كتابه المعني (حياة محمد مؤسس الدين الإسلامي ومؤسس إمبراطورية المسلمين)، وهو - كما يقول ناشره -: كتاب يقرب من أن يكون وثيقة، ويمثل واحداً من أهم مصادر الكراهية الأمريكية للإسلام، التي يغذيها تيار أصولي قديم النشأة، يدعي أن العرب مجرد أعراق منحطة ومتوحشة، يستحقون الإبادة كما حدث للهنود الحمر. يقول المؤلف في الكتاب: ما لم يتم تدمير إمبراطورية السارزن (أي: المسلمين)، فلن يتمجد الرب بعودة اليهود إلى وطن آبائهم وأجدادهم( ). يرى هذا المؤلف الإسلامَ مجرد بلاء جاء به (الدعي) محمد، ساعد الرب على انتشاره، عقاباً للكنيسة التي مزقتها خلافات البابوات بهرطقاتهم التي بدأت في القرن الرابع الميلادي.
ومن الأساطير التي نشرت عن النبي محمد (في القرون الوسطى) تلك القائلة: إنه ساحر كبير، استطاع عن طريق السحر والخداع تحطيم الكنيسة في أفريقيا وفي الشرق، وأنه سمح بالدعارة والفسق، لكسب مزيد من الأتباع( ).
موقف الحضارات الأخرى:
اهتمت حضارات العالم بمعرفة أحوال المسلمين، وأخبار نبيهم، وفتوحاتهم، لما لهذه الأخبار من آثار على الواقع العالمي منذ انتشر الإسلام. واتخذت بعض هذه الحضارات مواقف متعاطفة مع الإسلام كما حدث مع نجاشي الحبشة، بينما اتخذت حضارات أخرى كالصين والهند مواقف محايدة في ذلك الوقت، وتبنّى الفرس والروم والبيزنطيون فكرة المواجهة مع العالم الإسلامي.
ورغم أن بعض الحضارات حاربت المسلمين، إلاّ أنّ معظم تلك الحضارات لم تحتفظ بتراث من الكراهية تجاه نبي الإسلام مثلما احتفظت به دويلات أوروبا وكنائسها. إن مـن الملفـت للنـظر أن العـداء المسـيحي للإسـلام وللنـبي  خـارج أوروبـا الغربية لم يتحول إلى كراهية تاريخية، يتم الاحتفاء بها وتأكيدها في المناسبات الدينية وعلى حوائط الكنائس والأديرة، كما حدث في أوروبا الغربية.
فلم تنتـشر في أديـرة الكـنائس الأورثوذوكسـية مـثلاً رسـوم تبث كراهـية الإسلام أو نبيه ، ولا نجد في التراث المكتوب لهذه المذاهب الكنسية هذا الكم الملحوظ من الكراهية للنبي الذي نجده فيما دُوِّن في أوروبا الغربية من كتابات.
ولم تهتم الحضارة الإسلامية طوال فترات ازدهارها أو حتى خلال فترات انحطاطها بكراهية أية رموز لأديان أو حضارات أخرى، ولا يوجد في التراث الإسلامي أية كتابات كراهية عن رموز الأديان الأخرى كما نجد في التراث الغربي المتوفر. بل إن الغريب أن التراث الغربي لا يوجد به أمثلة أخرى من الاحتفاء بكراهية أي شخص على مر القرون العشر الماضية بخلاف النبي الكريم .
إن ما حدث في الغرب على مدى الألف عام الماضية من الاحتفاء بكراهية خير خلق الله هو ظاهرة مرضية، لم يشارك الغربَ فيها أيُّ من الحضارات التي تواجدت خلال الفترة الزمنية نفسها، وهي ظاهرة تستحق التوقف عندها وتحليلها اجتماعياً وفكرياً للوقوف على أسبابها، ووضع السبل الكفيلة بالحد منها وعلاجها.
قصور في الفهم:
يلقي البعض اللوم على الأمة الإسلامية لتخاذلها وضعفها من ناحية، أو لتكرار حوادث العــنف التي تتـبناها بعض فصائل الأمة تجاه الغرب. يرى البعض أن ما يسمى بـ (الإرهاب الإسلامي) هو سبب هجوم الغرب على الإسلام وعلى نبي الإسلام.
نسأل هؤلاء: وهل كان الغرب يمدح النبي ، أو حتى يسكت عن إيذاء شخصه الكريم وإهانته، عندما كانت الأمة الإسلامية في حالة وفاق وسلام تام مع دول الغرب؟ إن الغرب لم يتـوقف عـن الهـجوم على رسول الإسلام طوال القرون الماضية، وهو موقف عام لم يشذ عنه إلا القليل من المفكرين والمتدينين.
يرى البعض الآخر أن الهجوم على الإسلام أو على نبيه الكريم ليس إلا حالات فردية لمن يبتغون الشهرة، أو من يحملون أحقاداً على الإسلام. ويقوم هؤلاء بسرد بعض النقولات التاريخية أو المعاصرة لمفكرين غربيين يمدحون شخص النبي، ويعتبرون أن وجود هؤلاء يقدح في فكرة وجود عداء فكري عام في الغرب تجاه الإسلام، أو شخص الرسول الكريم.
الحقيقة أن الاستشهاد ببعض الأقوال - مع حذف السياق التاريخي لها - يمكن أن يكون مقنعاً بوجود إعجاب من بعض المفكرين الغربيين بشخصية النبي .
لكن ما يغيب عن هذه الرؤية، ويعيبها أيضاً، أن الفكر الغربي يتحرك وفق مجموعة من المسلَّمات الأساسية التي تخالف بقوة الدعوة المحمدية في المبادئ والمسلَّمات، وبالتالي فإن الأصل في العلاقة الفكرية بين الغرب وبين الإسلام لم يكن يوماً مّا التوافق؛ وإنما كانت العلاقة دائماً من النواحي الفكرية تميل إلى المواجهة وعدم الاتفاق. ويجب هنا أن نفصل بين أمرين: الأول: هو العلاقات بين الشعوب، والتي كانت في كثير من الأحيان تميل إلى السلام والوئام، وكذلك العلاقات السياسية التي تتبدل وتتغير وفق المصالح.
أما الأمر الثاني: فهو الرؤى الفكرية تجاه النبي، والتي لم تتغير كثيراً في الغرب منذ بعثة النبي  وحتى التاريخ المعاصر، وكانت في مجملها رؤى ومواقف معادية وصدامية.
إن الأحكام الفكرية لا بد أن تنطلق من الرؤى المشتركة والمستمرة عبر فترات زمنية طويلة، ولا تقاس على ما شذ من الأقوال أو الأفكار. والغرب عبر تاريخه الطويل من المواجهة الفكرية والدينية مع العالم الإسلامي كان دائماً يميل إلى الطعن في شخص النبي، وهو ما لم يتغير عبر قرون طويلة من العلاقة مع الغرب، ولذلك أسباب سيأتي بيانها في هذا الكتاب.
الغرب كيان فكري واحد:
إن من المهم قبل دراسة الموقف الفكري الغربي من النبي  أنْ نؤكد أنّ الغرب ليس كياناً واحداً فيما يتعلق بالسياسات وطبائع الشعوب، ومواقف الدول من العالم العربي والإسلامي. كما أن الغرب ليس كياناً واحداً فيما يتعلق باهتماماته الدينية ومدى اقترابه أو ابتعاده عن دعوة ورسالة نبي الله عيسى - عليه السلام -. فليس كل الغرب متديناً وليس كل الغرب علمانياً أيضاً، وهناك فوارق كبيرة بين المدارس والمذاهب الدينية المختلفة داخل المسيحية في الغرب. كما أننا ندرك أن المتدينين في أمريكا وأوروبا ليسوا جميعاً من أتباع كنيسة بعينها، أو من أتباع الدين المسيحي بالضرورة.
لقد أظهر التاريخ والنقولات عن فلاسفة الغرب ومفكريه أحياناً، تبايناً في المواقف والرؤى حول نبي الإسلام ، وحول دور الإسلام في الحضارة البشرية. بعض هذه الأقوال والأفكار كان إيجابياً للغاية، وبعضها الآخر كان يعبر عن كراهية لا حد لها. والأمثلة في ذلك كثيرة.
ففي نظرة المفكر الألماني (هيجل) للإسلام مثلاً، في كتابه المتميز (دروس في فلسفة التاريخ)، يصف الإسلام بعبارات شاعرية رقيقة كان منها: الإسلام هو: "ثورة الشرق التي حطمت كل خصوصية وتبعية، تنير وتطهِّر الروح، جاعلة من الواحد الأحد شيئاً مطلقاً، ومن الوعي الذاتي الصافي، ومن علم هذا الواحد الأحد النهاية الوحيدة للحقيقة. إن حماسة المسلمين هذه كانت قادرة أيضاً على كل نوع من السمو. وهذا السمو المحرر من كل الحسابات الدنيئة ممزوج بكل فضائل كبر النفس والبسالة"( ).
في المقابل، وبناءً على الدراسة التي قامت بها الباحثة (مارلين نصر) عن صورة العرب والإسلام في الكتب المدرسية الفرنسية، الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية عام 1995م، نجد أن المناهج التربوية الفرنسية تقدم العرب والمسلمين باعتبارهم المتمردين والنهّابين والمخربين والسفاحين ، ولا تأتي على ذكر أية صفة من صفاتهم الإيجابية المعروفة.
وفي الأدب الفرنسي مثلاً... نرى أن صفات العرب تظهر في العصور الوسطى باعتبارهم كفاراً وأعداءً وخونةً وغزاة، وفي الأدب الاستشراقي نجدهم يسرقون التجار، وكثيراً ما يقتلونهم ، و هم في الأدب المعاصر أذلاء خائفون ومتّهمون بالتأخر( ).
إننا لا ننكر هذا التباين الفكري أحياناً، ولا نحاول أن نغفله من هذه الدراسة، ولكننا نبحث عن السمات المشتركة والمتكررة في هذا الفكر عبر تاريخ العلاقة الذي تجاوز الألف عام. فرغم كل هذا التباين والاختلاف في السياسات والطبائع والتوجهات، إلاَّ أن الغرب على مر تاريخه يكاد يكون كياناً واحداً، عندما يتعلق الأمر بالجوانب الفكرية المتعلقة بعلاقاته مع الحضارات الأخرى والديانات التي تختلف عن ديانات الغرب.
فرغم تعدد المدارس الفلسفية والفكرية في الغرب، إلا أن هناك قدراً مشتركاً وواضحاً من المفاهيم الفكرية الأساسية عندما يتعلق الأمر بالرؤى المقابلة حول مستقبل البشرية وهدف الإنسان من الحياة على الأرض. لذلك فإن من الممكن أنْ يتم الحديث عن الغرب بوصفه كياناً واحداً عندما يتعلق الأمر بالرؤى الفكرية الغربية حول العلاقة مع الحضارات الأخرى.
وسوف تتعامل هذه الدراسة مع الغرب ككيان فكري واحد من ناحية المنطلقات الأساسية للحضارة الغربية وعلاقتها بالحضارات والأديان الأخرى، والمبادئ التي قامت هذه الحضارة عليها، وعلاقة ذلك بموقف الغرب من النبي .
عدواً من المجرمين:
يكاد الغرب فكرياً أن يجمع على موقف موحد من نبي الإسلام، وهو موقف ليس إيجابياً بل هو موقف معادٍ بالمجمل، ولا يمكن تفسيره إلا من خلال تجديد النظرة وطرق البحث عن أسباب ذلك العداء الـْمَرَضي غير المبرر.
إن استقراء ومتابعة التاريخ يؤكد وجود تراث يقارب ألف عام من العداء بين الغرب، ونعني به هنا الكنيسة الأوروبية الغربية وصناع القرار وكذلك التيارات الفكرية غير الدينية، وبين الإسلام والمسلمين، ونبيهم . فلم يحدث في تاريخ البشرية، وفي الغرب تحديداً، أنْ استمرّ العداء تجاه أي شخص بمثل هذه الحماسة والاستمرار المتجدد، والصور المختلفة الملفتة للنظر.
لماذا يكرهون محمداً - صلوات ربي وسلامه عليه - إلى هذه الدرجة؟ سؤال يشغل أذهان الكثيرين من أبناء الأمة، وهم يستمعون مؤخراً إلى بابا الكنيسة الكاثوليكية وهو يجدد الهجوم على شخص النبي، مستهلاً بذلك فترة رئاسته لكرسي البابوية، ومحدداً من خلال كلماته النهج الذي يمكن أن نتوقعه من هذا الرجل خلال الأعوام المقبلة، فيما يتعلق بعلاقة الكنيسة الكاثوليكية مع العالم الإسلامي والشعوب المسلمة.
لقد أخبر الله - تعالى - في كتابه العزيز أن سنته الماضية أن يُخرِجَ لكل نبي عدواً من المجرمين، يقاوم دعوة ذلك النبي ويحاربها.
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} [الفرقان : 31 ].
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام : 112].
وقد حدث هذا مع كل الأنبياء الذين أَطَلعنا الله - تبارك وتعالى - على سيرهم، وما تعرضوا له من ابتلاءات، وكذلك كان الأمر في حياة نبي الأمة - صلوات الله وسلامه عليه -.
وبما أن دعوة المصطفى  باقية ما بقي الليل والنهار، ومتجددة مع كل إشراقة شمس، فليس من الغريب أن يكون عدو هذا النبي الكريم ممتداً أيضاً ومستمراً. ومن يتابع تاريخ الإسلام وعلاقات الأمة الإسلامية الدولية يلحظ أن عداء الكنيسة الأوروبية للنبي  استمر منذ بداية الدعوة، وحتى أيامنا هذه.
الغريب أن هذا العداء متجدد، ويزداد كراهية وعنصرية حتى مع اهتمام المسلمين بالحوار والتوازن مع الآخرين. فهل من الممكن أن يكون السياق القرآني الوارد في الآية الكريمة {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} [الفرقان: 31] منطبقاً على تلك الكنيسة وعلى الغرب بوجه عام بصفته العدو المستمر لهذا الدين المستمر أيضاً؟
إنْ كان لهذه الأمة ولنبيها عدوٌ من المجرمين - كما أخبرت الآية - في زماننا هذا، فمن يمكن أن يكون هذا العدو غير الغرب؟ لا أقصد هنا بالضرورة شعوب الغرب، ولكنني أقصد تحديداً طائفة صناع القرار، والكثير من القيادات الدينية المتطرفة في الغرب، والعديد من وسائل الإعلام غير الموضوعية وغير المحايدة.
فعلى المستوى الديني، لم يبلغ الفكر المتزمت في أي دين من الأديان إطلاقاً درجة التنظيم والاضطهاد التي عرفتها محاكم التفتيش الأوروبية الكنسية في مواجهة الإسلام. وقد أظهر هذا التزمت نفسه من خلال الإصرار على معاداة نبي الله بكل الصور الفكرية والثقافية الممكنة. إن اللوحات التي تزين الأديرة والكنائس الأوروبية القديمة التي تصور العداء لنبي الإسلام، إنما تعكس امتداد هذا التزمت والعداء الفكري إلى درجة الاحتفاء به، والتعبير عنه في أكثر الأماكن قداسة في نظر أنصار ذلك الفكر، وهي الأديرة والكنائس. إن طبيعة تجدد العداء من الغرب تجاه نبي الإسلام توحي أن هذا العداء يعبر عن نوع من الإجرام الحقيقي في مواجهة أمة الإسلام. وإلا فكيف يمكن أن يفسر أن تزين بعض كنائس أوروبا بلوحات ورسومات لنبينا محمد وهو - كما يدعون - يعذب في نار جهنم، وأن تبقى هذه اللوحات في مكانها في أكثر من كنيسة خاضعة لسلطة الفاتيكان، ولم تلمسها يد، ولم يحاول تغيير ذلك أحد من دعاة التسامح والحوار طوال عشرات السنين، وحتى الآن؟
كيف يُفسَّر أن يُوضَع في كنيسة أوروبية في عاصمة الاتحاد الأوروبي تمثال مهين لنبي الأمة وهو مطروح أرضاً، تدوسه أقدام ملائكة تعلن انتصار المسيحية على الإسلام؟ وكيف إذا كان هذا التمثال ليس في الكنيسة فقط بل هو في محرابها؟ أيْ أنه يُرى ويُشاهَد من كل من يزور الكنيسة للعبادة أو السياحة أو غيرهما. ألا يدل هذا على الإجرام الذي وصفته الآية في الحديث عمّن يعادون نبي الأمة؟
إن نوع الاتهامات والإهانات المتكررة التي تلصق بنبي الله  من قبل الحمقى من الغرب لا تدل إلاَّ على صفة واحدة في هؤلاء، وهي الصفة التي وصفهم بها رب العزة والجلال؛ إنها صفة الإجرام. ومن المهم أن نسميَ الأشياء بمسمياتها الصحيحة والحقيقية لننجح في الحوار والتعايش مع الآخرين.
إنهم لا يعتذرون !
عندما أساء البابا (بينديكت) السادس عشر مؤخراً للعالم الإسلامي أجمع بإهانته لرسول الله، طالبه الجميع بالاعتذار. حتى بعض وسائل الإعلام الغربية التي لم يعرف عنها التعاطف مع الإسلام طالبته بالاعتذار.
لقد كتبت صحيفة (نيويورك تايمز) في افتتاحية عدد يوم السبت 16 سبتمبر 2006م مطالبة البابا باعتذار وصفته بأنه يجب أن يكون: "عميقاً ومقنعاً". وعقبت قائلة في نفس الافتتاحية: "إن العالم يستمع باهتمام لكلمات أي بابا، وإنه من الخطير والمؤلم أن ينشر أحد مّا الألم، سواء عامداًَ أو غير مكترثٍ. إن البابا بحاجة إلى أن يقدم اعتذاراً عميقاً ومقنعاً ليبين أن الكلمات يمكن أيضا أن تشفي الجراح". فهل اعتذر البابا؟
نقلت قناة (البي بي سي BCC) عبر موقعها الإلكتروني البيان الذي أصدره البابا (بينديكت) السادس عشر، والذي يقول فيه بالحرف الواحد: "إن البابا المقدس (آسفٌ جداً) أنّ بعض فقرات خطابه قد بدت وكأنها تهاجم مشاعر المسلمين". وعقّب قائلاً: "إنه يحترم الإسلام ويأمل أن يتفهم المسلمون المعنى الحقيقي لكلماته". لم يعتذر البابا، وإنما اتهمنا نحن بقلة الفهم؛ بل ويطالبنا أن نقبل بما قال! وذكر أنه يحترم الإسلام، ولكنه بالمقابل لم يذكر نبي الإسلام، أو يعتذر عما قاله في حقه ، بل تعمد تجاهل إهانته للنبي بكلماته الجارحة على مسمع من العالم أجمع، فأين هو الاعتذار؟
إن البابا يقول: إنه (آسفٌ جدَّاً) أن عباراته بدت وكأنها هجومية، ولكنه لم يعتذر عن هذه العبارات، أو يشرح لنا كيف يمكن ألا تكون هجومية؟! هو فقط آسف جداً لما حدث! فأين الاعتذار؟ ومن قال أننا - في هذا المقام -: نهتم لمشاعره، أو نعيرها أدنى اهـتمام؟! إن البـابا يسـتخدم حِـيل الإعـلام المعروفـة في التـهرب مـن مـواجـهـة النفس، أو مواجهة من أساء إليهم بطرق إعلامية ملتوية وعبارات فضفاضة، ولا يليق برجل دين في مكانته وقدره لمن يعتنقون دينه أن يفعل ذلك. إن كان قد أخطأ في وصف نبي الأمة الإسلامية بأنه لا يأتِ إلا بالشر، فلماذا لم يعتذر عن ذلك بوضوح؟ إنه يعالج الإهانة الأولى التي جرحت كرامة كل مسلم بإهانة ثانية تفترض في كل المسلمين الغباء أيضاً.
إن هذا الأمر متكرر في المواقف الغربية تجاه العالم الإسلامي. فبعد أزمة الرسوم المسيئة عن نبي الإسلام، ومطالبة الجميع لرئيس الوزراء الدانماركي بالاعتذار باسم الحكومة الدانماركية وعدم الإصرار على تصعيد الأزمة، حاور رئيس تحرير صحيفة (الأهرام ويكلي Ahram weekly) المصرية التي تصدر باللغة الإنجليزية رئيس الوزراء الدانماركي، وحثه على الاعتذار لإنهاء الأزمة، فما كان من رئيس الوزراء إلا أن رد قائلاً: "يسعدني أن أقدم هذا التصريح بشكل مكتوب إلى قرائكم، ولكنك تدرك بلا شـك أنه لا الحكومة ولا شعب الدانمارك يمكن اعتبارهم مسئولين عمّا تم نشره".
إننا لا يجب أن نستجدي أو نطالب ذلك الشخص أو هذا البابا أو غيرهم أن يعتذروا، فهم يتحدثون بما يجول في خاطرهم، ويؤكدون مواقفهم التي تكررت طوال الأعوام الماضية في الهجوم على الإسلام . إننا فقط نطالبهم ألا يستغفلوا أو يستهينوا بهذه الأمة، فهي تنهض من جديد، وهم يلعبون بالنار، ولن يشادَّ هذا الدين أحدٌ إلا غلبه، والله غالب على أمره، ولو كره البابا ومن هم على شاكلته.
إننا نطلب من قادة الغرب أيضاً، سواء من مفكرين أو علماء دين أو ساسة أو مثقفين، أنْ يكفوا شرورهم وألسنتهم عن أمتنا إن أرادوا لهذا العالم القليل الباقيَ من السلام والتعايش، أما استثارة هذه الأمة بهذا الشكل المتكرر فإن نتائجه ستكون وخيمة على الجميع، وأول من سيعاني منها هم من اختاروا الاستهزاء بنبي الأمة، رمز عزتها وطهارتها وحبها للسلام.

غير معرف يقول...

المرأة على مر العصور (بحث قيم جدا)
بواسطة م /الدخاخني
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين
وبعـــــــــــــــــد

هذا بحث قيم منقول من منتدي الفرقان نقلته لنا الأخت الفاضلة / mariem



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين
أما بعد


• حقــــــــــــائــــــــــــق *

الحق أن هذه المرأة عانت معاناة كثيرة ، بل كانت ضحية كل نظام ، وحسرة كل زمان ، صفحات الحرمان ، ومنابع الأحزان ، ظلمت ظلماً ، وهضمت هضماً ، لم تشهد البشرية مثله أبداً


• صفحــــات من العـــــار *



إن من صفحات العار على البشرية ، أن تعامل المرأة على أنها ليست من البشر ، لم تمر حضارة من الحضارات الغابرة ، إلا وسقت هذه المرأة ألوان العذاب ، وأصناف الظلم والقهر


فعند الإغريقيين قالوا عنها : شجرة مسمومة ، وقالوا هي رجس من عمل الشيطان ، وتباع كأي سلعة متاع

وعند الرومان قالوا عنها : ليس لها روح ، وكان من صور عذابها أن يصب عليها الزيت الحار ، وتسحب بالخيول حتى الموت
وعند الصينيين قالوا عنها : مياه مؤلمة تغسل السعادة ، وللصيني الحق أن يدفن زوجته حية ، وإذا مات حُق لأهله أن يرثوه فيها


وعند الهنود قالوا عنها : ليس الموت ، والجحيم ، والسم ، والأفاعي ، والنار ، أسوأ من المرأة ، بل وليس للمرأة الحق عند الهنود أن تعيش بعد ممات زوجها ، بل يجب أن تحرق معه


وعند الفرس : أباحوا الزواج من المحرمات دون استثناء ، ويجوز للفارسي أن يحكم على زوجته بالموت

وعند اليهود : قالوا عنها : لعنة لأنها سبب الغواية ، ونجسة في حال حيضها ، ويجوز لأبيها بيعها

وعند النصارى : عقد الفرنسيون في عام 586م مؤتمراً للبحث: هل تعد المرأة إنساناً أم غير إنسان؟ ! وهل لها روح أم ليست لها روح؟ وإذا كانت لها روح فهل هي روح حيوانية أم روح إنسانية؟ وإذا كانت روحاً إنسانية فهل هي على مستوى روح الرجل أم أدنى منها؟ وأخيراً" قرروا أنَّها إنسان ، ولكنها خلقت لخدمة الرجل فحسب". وأصدر البرلمان الإنكليزي قراراً في عصر هنري الثامن ملك إنكلترا يحظر على المرأة أن تقرأ كتاب (العهد الجديد) أي الإنجيل(المحرف)؛ لأنَّها تعتبر نجسة

وعند العرب قبل الإسلام : تبغض بغض الموت ، بل يؤدي الحال إلى وأدها ، أي دفنها حية أو قذفها في بئر بصورة تذيب القلوب الميتة


تحــــــــرير المـــــــــرأة



ثم جاءت رحمة الله المهداة إلى البشرية جمعاء ، بصفات غيرت وجه التاريخ القبيح ، لتخلق حياة لم تعهدها البشرية في حضاراتها أبداً
جاء الإسلام ليقول (( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْــــــــــــــــــرُوف ))
جاء الإسلام ليقول ((ٍ وَعَاشِــــــــــــــــرُوهُــنَّ بِالْمَعْــــــــــــــــــرُوفِ))
جاء الإسلام ليقول (( فَـــلا تَعْضُــــــــــلـُـــــــــــــــــوهُـــــــــــ ـــــــنَّ ))
جاء الإسلام ليقول (( وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَـدَرُهُ))
جاء الإسلام ليقول (( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْــثُ سَكَنْتُــمْ مِنْ وُجْدِكُــــــــــمْ ))
جاء الإسلام ليقول (( وَلا تُضَــــــــارُّوهُنَّ لِتُضــــَيِّقُــوا عَلَيْهِــــــــــنَّ ))
جاء الإسلام ليقول (( فَآتُـــوهُنَّ أُجُـــــورَهُنَّ فَــرِيضَـــــــــــــــــــــــة ))
جاء الإسلام ليقول ((وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُــــونَ ))
جاء الإسلام ليقول (( وَلِلنِّسَــــاءِ نَصِيــــــبٌ مِمَّا اكْتَسَبْـــــــــــــــــنَ ))
جاء الإسلام ليقول (( وَآتُوهُـــــمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُــــــــــــــــــم ))
جاء الإسلام ليقول (( وَأَنْتُــــــــــــمْ لِبَــــــــــــــــاسٌ لَهُـــــــــــــــــنّ ))
جاء الإسلام ليقول (( هَـــــؤُلاءِ بَنَـــــاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُــــــــــــــــــــمْ ))
جاء الإسلام ليقول (( فَلا تَبْغُـــــــــوا عَلَيْهِــــنَّ سَبِيــــــــــــــــــــــلاً ))
جاء الإسلام ليقول (( لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهـــــــــــــــــــاً ))
جاء الإسلام ليقول (( وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُــــن ))
جاء الإسلام ليقول ((ِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيــــحٌ بِإِحْسَــــــــــانٍ ))


وجاء الرسول الكريم ليبين لنا مكانة المرأة فسئل صلى الله عليه وسلم من أحب الناس إليك ؟ قال : " عائشة "
وكان يؤتى صلى الله عليه وسلم بالهدية ، فيقول : " اذهبوا بها على فلانة ، فإنها كانت صديقة لخديجة "


وهو القائل : (( استوصــــــــــــــوابالنســــــــــــاء خيــــــــــــــــــــــــراً ))
وهو القائل : (( لا يفرك مؤمن مؤمنه إن كره منها خلقا رضى منها آخـر ))
وهو القائل : (( إنما النـســـــــــــاء شقـــــــــــائق الرجــــــــــــــــــــــال ))
وهو القائل : (( خيركم خيركم لأهــــــله وأنا خيركــــــــــــم لأهــــــــــلي ))
وهو القائل : (( ولهن عليـــكم رزقهــــن وكسوتهـــــن بالمعــــــــــروف ))
وهو القائل : (( أعظمها أجرا الدينـار الذي تنفقــــــه علـــــــــــى أهــــلك ))
وهو القائل : (( من سعــــــــــادة بن آدم المــــــــــرأة الصــالحـــــــــــــة ))
ومن هديه : ((عن عائشة قالت كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ))
وهو القائل : (( وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك ))


ومن مشكاته : (( أن امرأة قالت يا رسول الله صل علي وعلى زوجي فقال صلى الله عليه وسلم صلى الله عليك وعلى زوجك ))



وهناك الكثير والكثير من الأدلة والبراهين ، على أن الإسلام هو المحرر الحقيقي لعبودية المرأة ، وحتى يُعلم هذا الأمر بصورة أو ضح ، سأبين حفظ حقوق المرأة في الإسلام وهي جنين في بطن أمها إلى أن تنزل قبرها



.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*

بيانـــــــــات وآيــــــــات

1. حفظ الإسلام حق المرأة :- وهي في بطن أمها ، فإن طُلقت أمها وهي حامل بها ، أوجب الإسلام على الأب أن ينفق على الأم فترة الحمل بها (( وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُن))


2. حفظ الإسلام حق المرأة :- بحيث لا يُقام على أمها الحد ، حتى لا تتأثر وهي في بطن أمها (( ولما جاءت الغامدية وقالت يا رسول الله طهرني فقال لها : حتى تضعي ما في بطنك ))

3. حفظ الإسلام حق المرأة :- راضعة ؛ فلما وضعت الغامدية ولدها ، وطلبت إقامة الحد قال صلى الله عليه وسلم (( اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه ))
4. حفظ الإسلام حق المرأة :- مولودة من حيث النفقة والكسوة (( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف ))

5. حفظ الإسلام حق المرأة :- في فترة الحضانة التي تمتد إلى بضع سنين ، وأوجب على الأب النفقة عليها في هذه الفترة لعموم أدلة النفقة على الأبناء

6. حفظ الإسلام حق المرأة :- في الميراث عموماً ، صغيرة كانت أو كبيرة قال الله (( فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ))

7. حفظ الإسلام حق المرأة :- في اختيار الزوج المناسب ، ولها أحقية القبول أو الرد إذا كانت ثيباً لقوله عليه الصلاة والسلام (( لا تنكح الأيم حتى تستأمر ))

8. حفظ الإسلام حق المرأة :- إذا كانت بكراً فلا تزوج إلا بإذنها لقولهعليه الصلاة والسلام (( ولا تنكح البكر حتى تستأذن ))

9. حفظ الإسلام حق المرأة :- في صداقها ، وأوجب لها المهر (( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ))



10. حفظ الإسلام حق المرأة :- مختلعة ، إذا بدَّ لها عدم الرغبة في زوجها أن تخالع مقابل الفداء لقوله عليه الصلاة والسلام (( أقبل الحديقة وطلقها ))


11. حفظ الإسلام حق المرأة :- مطلقة ، (( وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ))

12. حفظ الإسلام حق المرأة :- أرملة ، وجعل لها حقاً في تركة زوجها ، قال الله (( وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ))



13. حفظ الإسلام حق المرأة :- في الطلاق قبل الدخول ، وذلك في عدم العدة ، قال الله (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ))


14. حفظ الإسلام حق المرأة :- يتيمة ، وجعل لها من المغانم نصيباً ، قال الله (( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى )) وجعل لها من بيت المال نصيباً قال الله (( مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى)) وجعل لها في القسمة نصيباً (( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى )) وجعل لها في النفقة نصيباً (( قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى ))

15. حفظ الإسلام حق المرأة :- في حياتها الاجتماعية ، وحافظ على سلامة صدرها ، ووحدة صفها مع أقاربها ، فحرم الجمع بينها وبين أختها ، وعمتها ، وخالتها ، كما في الآية ، والحديث المتواتر

16. حفظ الإسلام حق المرأة :- في صيانة عرضها ، فحرم النظر إليها (( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ))



17. حفظ الإسلام حق المرأة :- في معاقبة من رماها بالفاحشة ، من غير بينة بالجلد (( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ))


18. حفظ الإسلام حق المرأة :- إذا كانت أماً ، أوجب لها الإحسان ، والبر ، وحذر من كلمة أف في حقها

19. حفظ الإسلام حق المرأة :- مُرضِعة ، فجعل لها أجراً ، وهو حق مشترك بين الراضعة والمرضعة (( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ))


20. حفظ الإسلام حق المرأة :- حاملاً ، وهو حق مشترك بينها وبين المحمول (( وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ))

21. حفظ الإسلام حق المرأة :- في السكنى (( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ))

22. حفظ الإسلام حق المرأة :- في صحتها فأسقط عنها الصيام إذا كانت مرضع أو حبلى

23. حفظ الإسلام حق المرأة :- في الوصية ، فلها أن توصي لِما بعد موتها (( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ))


24. حفظ الإسلام حق المرأة :- في جسدها بعد موتها ، وهذا يشترك فيه الرجل مع المرأة لقوله صلى الله عليه وسلم (( كسر عظم الميت ككسره حيا ))

25. حفظ الإسلام حق المرأة :- وهي في قبرها ، وهذا يشترك فيه الرجل مع المرأة لقوله صلى الله عليه وسلم (( لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلي جلده خير له من أن يجلس على قبر ))
والحق أنني لا أستطيع أن أجمل حقوق المرأة في الإسلام فضلاً عن تفصيلها

.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*

الحضــــارة الغربيــــــة

والسؤال هنا لأي شيءٍ دعت الحضارة المدنية اليوم ؟ وماهي الحقوق التي ضمنتها للمرأة ؟
1. أجمل لك القول أن الحضارة الغربية اليوم هي : ضمان للمارسة قتل هوية المرأة ، وهضم لأدنى حقوقها .

2. المرأة الغربية حياتها منذ الصغر نظر إلى مستقبل في صورة شبح قاتل ، لا تقوى على صراعه ، فهي منذ أن تبلغ السادسة عشرة تطرد من بيتها ، لتُسلِم أُنوثتها مخالب الشهوات الباطشة ، وأنياب الاستغلال العابثة ، أوساط الرجال

3. فما إن تدخل زحمة الأوهام الحضارية ، وإذا بأعين الناس تطاردها بمعاول النظر التي تحبل منها العذارى

4. تتوجه نحوها الكلمات الفاسدة ، وكأنها لكمات قاتلات ، تبلد من الحياء ، وتفقدها أغلى صفة ميزها الله بها ، هي : " حلاوة أنوثتها " التي هي أخص خصائصها ، ورمز هويتها

5. تُستغل أحوالها المادية ، فتدعى لكل رذيلة ، حتى تصبح كأي سلعة ، تداولها أيدي تجار الأخلاق ، وبأبخس الأثمان ، فإذا فقدت شرفها ، وهان الإثم عندها ، هان عليها ممارسته



6. يخلق النظام الأخلاقي الغربي اليوم في المجتمعات ثمرات سامة لكل مقومات الحياة ، أولها الحكم على هوية المرأة بالإعدام السريع ، على بوابة شهوات العالم الليبرالي ، الديمقراطي ، والرأسمالي


7. فالمرأة اليوم أسوأ حالاً مما مضى ، كانوا من قبل يقتلون المرأة ، فاليوم يجعلون المرأة هي التي تقوم بقتل نفسها

.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*

• شهـــــادات الأعــــــداء *



شهد القوم على فساد نهجهم

• تقول " هيليسيان ستانسيري " امنعوا الاختلاط ، وقيِّدوا حرية الفتاة، بل ارجعوا إلى عصر الحجاب ، فهذا خير لكم من إباحية وانطلاق ومجون أوربا ، وأمريكا






• وتقول " بيرية الفرنسية " وهي تخاطب بنات الإسلام " لا تأخذنَّ من العائلة الأوربية مثالاً لكُنَّ ، لأن عائلاتها هي أُنموذج رديء لا يصلح مثالاً يحتذى


• وتقول الممثلة الشهيرة "مارلين مونرو" التي كتبت قبيل انتحارها نصيحة لبنات جنسها تقول فيها : " إحذري المجد …إحذري من كل من يخدعك بالأضواء …إنى أتعس امرأة على هذه الأرض… لم أستطع أن أكون أما … إني امرأة أفضل البيت … الحياة العائلية الشريفة على كل شيء … إن سعادة المرأة الحقيقية في الحياة العائلية الشريفة الطاهرة بل إن هذه الحياة العائلية لهي رمز سعادة المرأة بل الإنسانية " وتقول في النهاية " لقد ظلمني كل الناس … وأن العمل في السينما يجعل من المرأة سلعة رخيصة تافهة مهما نالت من المجد والشهرة الزائفة " .


• وتقول وتقول الكاتبة " اللادى كوك " أيضا : " إن الاختلاط يألفه الرجال ، ولهذا طمعت المرأة بما يخالف فطرتها ، وعلى قدر الاختلاط تكون كثرة أولاد الزنا ، ولا يخفى ما فى هذا من البلاء العظيم عن المرأة ، فيه أيها الآباء لا يغرونكم بعض دريهمات تكسبها بناتكم باشتغالهن فى المعامل ونحوها ومصيرهن إلى ما ذكرنا فعلموهن الابتعاد عن الرجال ، إذا دلنا الإحصاء على أن البلاء الناتج عن الزنا يعظم ويتفاقم حيث يكثر الاختلاط بين الرجال والنساء . ألم تروا أن أكثر أولاد الزنا أمهاتهن من المشتغلات فى المعامل ومن الخادمات فى البيوت ومن أكثر السيدات المعرضات للأنظار .. ولولا الأطباء الذين يعطون الأدوية للإسقاط لرأينا أضعاف مما نرى الآن ، ولقد أدت بنا الحال إلى حد من الدناءة لم يكن تصوره فى الإمكان حتى أصبح رجال مقاطعات فى بلادنا لا يقبلون البنت ما لم تكن مجربة ، أعنى عندها أولاد من الزنا ، فينتفع بشغلهم وهذا غاية الهبوط فى المدينة ، فكم قاست هذه المرأة من مرارة الحياة .




• وتقول . تقول الكاتبة الإنجليزية " أنى رود " عن ذلك : " إذا اشتغلت بناتنا فى البيوت خوادم أو كالخوادم خير وأخف بلاء من اشتغالهن فى المعامل حيث تصبح البنت ملوثة بأدران تذهب برونق حياتها إلى الأبد ... أياليت بلادنا كبلاد المسلمين حيث فيها الحشمة والعفاف والطهارة رداء الخادمة والرقيق اللذين يتنعمان بأرغد عيش ويعاملان معاملة أولاد رب البيت ولا يمس عرضهما بسوء . نعم إنه عار على بلاد الإنكليز أن تجعل بناتها مثل للرذائل بكثرة مخالطتهن للرجال ، فما بالنا لا نسعى وراء ما يجعل البنت تعمل ما يوافق فطرتها الطبيعية كما قضت بذلك الديانة السماوية وترك أعمال الرجال للرجال سلامة لشرفها

• نشرت صحيفة الأخبار المصرية ( في عددها الصادر في 20/10/1972م ، ص 4) : أنه قد أقيمت في هذا الأسبوع الحفلة السنوية لسيدة العام وحضرها عدد كبير من السيدات على اختلاف مهنهن .. وكان موضوع الحديث والخطب التي ألقيت في حضور الأميرة ( آن ) البريطانية هو حرية المرأة وماذا تطلب المرأة .. وحصلت على تأييد الاجتماع الشامل فتاة عمرها 17 عاماً رفضت رفضاً باتاً حركة التحرير النسائية وقالت أنها تريد أن تظل لها أنوثتها ولا تريد أن ترتدي البنطلون بمعنى تحدي الرجل . وأنها تريد أن تكون امرأة وتريد زوجها أن يكون رجلاً . وصفق لها الجميع وعلى رأسهن الأميرة ( آن ) ( كتاب المرأة العربية المعاصرة إلى أين ؟! ص 50 ) .




• ومن هذا صرح الدكتور " جون كيشلر " أحد علماء النفس الأمريكيين في شيكاغو ( أن 90% من الأمريكيات مصابات بالبرود الجنسي وأن 40% من الرجال مصابون بالعقم ، وقال الدكتور أن الإعلانات التي تعتمد على صور الفتيات العارية هي السبب في هبوط المستوى الجنسي للشعب الأمريكي . ومن شاء المزيد فليرجع الى تقرير لجنة الكونجرس الأمريكية لتحقيق جرائم الأحداث في أمريكا تحت عنوان ( أخلاق المجتمع الأمريكي المنهارة ) . ( المجتمع العاري بالوثائق والأرقام ، ص 11) .

.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*.*

• خاتمــــــــــــــــــــــــــــة *

يتضح لنا جلياً مما مضى أن الَّذين يدعون لتحرير المرأة من تعاليم الإسلام ينقسمون إلى ثلاثة أقسام


1- إما أن يكونوا أعداءً للإسلام وأهله ، ممَّن لم يدينوا بالملة السمحة ، ولزموا الكفر ، وهنا ليس بعد الكفر ذنب كما يقال .




2- وإما أن يكونوا تحت مسمى الإسلام من المنافقيين ، والعلمانيين ، لكنهم عملاء يتاجرون بالديانة ، ولا يرقبون في مخلوقٍ إلاً ولا ذمة .

3- أن يكون مسلماً لكنه جاهل لا يعرف الإسلام ولا أحكامه ولا يعرف معنى الحضارة القائمة اليوم ملبس عليه .




ولكن كيف يصل هذا البيان إلى نساء أهل الإسلام ، ليعلمنَ أنهنَ أضعنَ جوهرة الحياة ، ودرة الوجود ، ومنبع السعادة ، وروح السرور ، ونكهة اللذائذ ، عندما تركنَ تعاليم هذا الدين

ومن يخبر المسلمة ان الكافرات يتمنين أن يعشنَ حياتهنَ على منهج أهل الإسلام ؟*






من يقنع المسلمات اليوم أن الحضارة الغربية هي :- الحكم السريع بالإعدام على هوية المرأة
__________________

لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله
اللهم نجنا من القوم الظالمين والقوم الكافرين
_____________________________



أرحب بتعليقاتكم علي المقال في المنتدي علي هذا الرابط
http://www.imanway1.com/horras/showthread.php?t=3608

غير معرف يقول...

القضــاء والإســلام


إن مهمة القاضي من أصعب المهام في الإسلام، لما تتطلب منه الدقة والفصاحة، وأن تتوفر لديه كل الإمكانات المعرفية في الشريعة، ومع القدرة الشخصية في امتلاك البصيرة، والدقة في الأمر، لإنصاف الناس، وإرساء العدل بينهم. ومن أبرز الصفات التي يجب أن يتحلى بها القاضي التالي:
- قال الحسن البصري: أخذ الله على الحكام أن لا يتبعوا الهوى، ولا يخشوا الناس، ولا يشتروا بآياته ثمناً قليلاً. (22)
- وقال مزاحم بن زفر: قال لنا عمر بن عبد العزيز: خمس إذا أخطأ القاضي منهن خطة، كانت فيه وصمة: أن يكون فهيماً، حليماً، عفيفاً، صَلِيباً، عَالِماً سؤولاً عن العلم. (23).
- الحلم، وأن لا يقضي وهو غضبان. عن أبي بكرة أنه كتب لأبنه عبد الرحمن بن أبي بكرة (وكان بسجستان بأن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت النبي  يقول: [لا يقضين حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان] (24).
لذلك كان العلماء وفقهاء المسلمين الكبار يتهربون من مهمة القضاء خشية الوقوع في خطأ يغضب الله عز وجل، فيكون مصيره النار. ونذكر منها أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، طلب من عبد الله بن عمر بن الخطاب، أن يتولى القضاء بين الناس، فرفض. فقال عبد الله بن عمر: لا أقض بين رجلين ما بقيت. فرد عليه عثمان رضي الله عنه: لتفعلن فإن أباك كان يقضي، فقال لـه عبد الله: كان أبي أعلم مني وأتقى.
وتعرض أبو حنيفة الإمام الفقيه المجتهد للتعذيب، حين رفض طلب الخليفة المنصور بتولي القضاء في ولاية الكوفة. وسجنه الخليفة أحد عشر يوماً، وكان كل يوم يجلد عشرة جلدات بالسوط في سجنه، فتحمل العذاب على تولي القضاء. وحين قابل الخليفة، فطلب منه تولي القضاء، فقال له: أتق الله ولا ترع في أمانتك إلا من يخاف الله.. أنني لا أصلح لذلك.
قال الخليفة المنصور: كذبت! أنت تصلح. فوجدها أبو حنيفة مخرجاً له، فقال: لقد حكمت لي على نفسك، كيف يحل لك أن تولي قاضياً على أمانتك وهو كذاب؟. فسكت عنه الخليفة وتركه.
* الشهادة فرض لضرورة العدل
والإسلام كما أنه يرفض مطلقاً أن لا يحكم إلا بالعدل، كذلك أيضاً يطلب بناء الأحكام القضائية على الأدلة والبينة. وتأتي شهادة الشاهد على ما رأى، ولمس، وعرف باليقين الكامل البعيد عن الافتراء والتلفيق والتزوير والكذب من أولى مقومات النطق بالحكم، ومن أسس بناء قرار القاضي.
الشهادة في الإسلام هي فرض على المسلم، عليه الإدلاء بها أمام القاضي، إن طلبت منه، أو لم تطلب منه. وخاصة أن عرف بأن ظلماً قد وقع على بريء، وهو يعلم بذلك. فعليه الإدلاء بها، وإن كان القاضي لم يستدعيه، أو يجهل بأنه يعلمها. فهي في القرآن شهادة لله عز وجل. لذا طلب الله عز وجل من المسلمين، أن يقضوا بين الناس بالعدل، ويشهدوا بالحق. حتى وإن كانت هناك عداوة بينهم وبين أخوان لهم من المسلمين، أو بينهم وبين غير المسلمين.
فالعدل فرض وواجب إقامته، وكذلك الشهادة هي فرض وواجب الإدلاء بها، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبيراً بما تعملون (25).
لأن الشهادة هي إحدى أركان البينة، ومن أسس إقامة مدلولات الحكم، والمستند الرئيسي للقاضي في فصل القضية.
والإسلام فرض الشهادة على اتباعه، ودعاهم إلى تقديمها لتبيان الحقيقة.
وأولى تلك الشهادات هي الشهادة بوحدانية الله عز وجل، وهي حق على كافة أتباع الديانات السماوية، وعدم كتمان شهادة مبينة من حقوق الله عز وجل قال تعالى: قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أأنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد إنما هو إله واحد وأنني بريء مما تشركون (19) الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (20) ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون (21) (26).
وأشد الناس ظلماً من كتم شهادة عنده لله في وحدانيته، أو إخفاء ما جاء في كتبه المقدسة من حقائق المعرفة، أو كتم شهادة يعلمها في حق الله عز وجل، طلبت منه في مجلس أو مجمع للناس، أو غيرها من مجالس العلم والدين والتذاكر، أو كتمها بغية مجاملة لوجيه، أو ذو منصب، أو لمدارة فاسق، أو غيره من الطغاة والظلام من أجل محاباته، أو الخوف منه، أو لغاية أخرى قال تعالى: .. ومن أظلم من كتم شهادة عنده من الله.. (27).
ثم تأتى الشهادة بين الناس في المرتبة الثانية، التي أكد الله عز وجل على ضرورة الإدلاء بها، وعدم كتمانها، قال تعالى: ... ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه إثم قلبه والله بما تعملون عليم). (28). ففيها تبيان لحقوق الفرد والمجتمع، وفيها يتضح العدل، ويستطيع القاضي أو الحاكم رؤية حقيقة الذنب أو القضية من خلال الشهود والبينة، ويقضي بها.
والشهادة يجب أن يدلى بها بصورتها الواقعية دون زيادة أو نقصان، حتى وإن كانت تلك الشهادة على الوالدين أو الابن أو من ذوي القربى، وأن لا يخشى إلا الله عز وجل في قول الحق بشهادته، سواء كان المتضرر حاكماً أو غنياً أو فقيراً أو قريباً أو بعيداً، حتى وإن كان عدواً. قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً (29).
والشهادة كما العدل هي فرض من الله عز وجل على المسلم الإدلاء بها، كما هي في حقيقتها بما رأى باليقين وبالحقّ كما أشرنا سابقاً، والإدلاء بالشهادة، هي من صفات وسمات الإيمان في الإسلام، قال تعالى في وصفه للمؤمنين المصلين الدائمين على صلاتهم في سورة المعارج: والذين هم بشهاداتهم قائمون(30). وذكرت الشهادة هنا من ضمن سلسلة من الصفات الكريمة التي يجب أن يتحلى بها المصلي الدائم.
وأن تتسم تلك الشهادة بالحق، دون أن تأخذه عاطفة القربى أو الروابط العائلية أو الحزبية أو القومية أو غيرها من الروابط الأخرى المختلفة، قال تعالى: وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى(31).
وشدد الإسلام على محاربة شهادة الزّور في الدنيا والآخرة، واعتبرها من أكبر الكبائر. قال رسول الله (): [ألا أنبئكم بأكبر الكبائر. قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئاً فقال: ألا قول الزّور وشهادة الزّور، ألا قول الزور وشهادة الزّور. فما زال يقولها حتى قلت لا يسكت](32).
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ صـــور من العـــدل:


رفض الإسلام أن يقوم الناس أو مجموعة منهم أو أفراداً، مهما كانت صفتهم، أن يقوموا بالقصاص من الجاني. مهما كانت جريمته، إلا عبر محاكمة عادلة، يقضي بها قاض، يصدر عنه حكماً، وتقوم بتنفيذها السلطات الحاكمة.
وتذكر بعض السير وكتب التاريخ عن قصاص، نفذ من قبل أفراد في عهد رسول الله ()، فرفضها رسول الله () لمخالفتها أهم شروط أسس العدل التي أشرنا إليها. ومن تلك الحوادث ما قام به نفر من مسلمي خزاعة بعد فتح مكة، حين قتلوا مشركاً، فرفض رسول الله () هذا العمل وقال: [.. فمن قال لكم أن رسول الله قد قاتل فيها فقولوا إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحللها لكم يا معشر خزاعة].(33).
وفي العدل كان لعمر بن الخطاب الباع الطويل في إقامته على حرفيته، فسمي بالفاروق لعدله الحرفي بين رعيته والآخرين، حيث لم يكن يفرق في إقامة الحدّ، بين ابنه وبين بقية رعاياه. فالعدل يطبق على الجميع، ودون النظر إلى النتائج، ونذكر هنا قصة إقامة الحدّ على ولده عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب. التي يرويها عمرو بن العاص والي مصر أيام الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
(.. دخلا "عبد الرحمن بن عمر وأبو سروعة"، وهما منكسران، فقالا: أقم علينا حدّ الله، فإننا أصبنا البارحة شراباً فسكرنا، فزبرتهما وطردتهما. فقال عبد الرحمن: إن لم تفعل أخبرت أبي اذا أقدمت عليه.. فحضرني رأي وعلمت أني إن لم أقم عليها الحدّ غضب عليّ عمر في ذلك، وعزلني، وخالفه ما صنعت، فنحن على ما نحن عليه، إذ دخل عبد الله بن عمر، فقمت إليه، فرحبت به، وأردت أن أجلسه في صدر مجلسي، فأبى عليَّ، وقال: أبي نهاني أن أدخل عليك إلا أن أجد من ذلك بداً. "إن أخي لا يحلق على رؤوس الناس، فأما الضرب، فاصنع ما بدا لك".قال عمرو بن العاص: وكانوا يحلقون مع الحدّ، فأخرجتهما إلى صحن الدار، فضربتهما الحدّ، ودخل ابن عمر بأخيه إلى بيت الدار، فحلق رأسه ورأس أبو سروعة. فو الله ما كتب إلى عمر بشيء مما كان حتى إذا تجنبت كتابه إذا هو نظم فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاصي بن العاصي:
".. عجبت لك يابن العاص ولجرأتك على خلاف عهدي.. فما أراني إلا عازلك . تضرب عبد الرحمن في بيتك؛ وقد عرفت أن هذا يخالفني؟.. إنما عبد الرحمن رجل من رعيتك، تصنع به ما تصنع بغيره من المسلمين. ولكن قلت هو ولد أمير المؤمنين، وقد عرفت ألا هوادة لأحد من الناس عندي في حق يجب لله عليه، فإذا جاءك كتابي هذا، فابعث به في عباءة على قتب، حتى يعرف سوء ما صنع"..
قال: "فبعثت به كما قال أبوه، وأقرأت ابن عمر كتاب أبيه، وكتبت إلى عمر كتاباً أعتذر فيه، وأخبره أني ضربته في صحن داري ,بالله الذي لا يحلف بأعظم منه آتي الحدود في صحن داري على الذمي والمسلم، وبعثت بالكتاب مع عبد الله بن عمر".
قال أسلم: "فقدم عبد الرحمن على أبيه، فدخل عليه وعليه عباءة، ولا يستطيع المشي من مركبه. فقال: يا عبد الرحمن فعلت كذا؟ فكلمه عبد الرحمن بن عوف وقال: يا أمير المؤمنين قد أقيم الحدّ عليه مرة. فلم يلتفت إلى هذا عمر وزبره. فجعل عبد الرحمن يصيح: أنا مريض وأنت قاتلي! فضربه وحبسه، ثم مرض فمات رحمه الله).(34).
ورغم أن عمر بن الخطاب شديد في إقامة الحد حتى على نفسه، فأنه كان يرفض الغلو في أخذ الحدود، فقد غضب من أبي موسى الأشعري، وهو من كبار ولاته، لأنه غالى في جلد شارب خمر، وحلق شعره، وسوّد وجهه، ونادى في الناس ألا يجالسوه ولا يؤاكلوه.
فاشتكى هذا الرجل إلى عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، فأعطاه عمر مائتي درهم، وكتب إلى أبي موسى الأشعري: (لئن عدت لسودنَّ وجهك، ولأطوفن بك في الناس). وأمره أن يسحب أمره ليجالسه الناس ويأكلوا معه، وأن يمهله ليتوب، ويقبل شهادته إن تاب.(35).
وعدل عمر لم يقف عند طبقة معينة، فقد كانت لا تأخذه في الله عز وجل لومة لائم، فالجميع لديه في سوية واحدة أمام العدل والقضاء به. وهذا تطبيق عملي لأحد أهم مرتكزات الإسلام، وهو إقامة العدل على الجميع دون تمييز، مهما كانت مكانة الشخص المدان ومرتبة، بل أن يقام العدل، حتى وإن كانت نتائجه بتوقعات الآخرين خطيرة على أمن الدولة نفسها، أو قد يؤدي تطبيقه إلى اضطرابات داخلية فيها.
فحين عزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائد الجيش خالد بن الوليد رضي الله عنه، وهو المحبوب من جنده، وقائد الانتصارات العظيمة والباهرة على الفرس والروم، لم يلتفت إلى النتائج التي قد تنتج عنه من عصيان عسكري، أو امتناع القائد المعزز بقواته عن تنفيذه، أو استغلال من قبل العدو لانقسام قد يحدث في الجيش.
والسبب أن عمر رضي الله عنه أحصى عليه بعض المآخذ، ومنها إنفاقه من بيت المال في غير ما يرضاه، فأمر به أن يحاكم في مجلس عام، كما يحاكم أصغر الجند. وعزله عن قيادة الجيش، بعد مقاسمته فيما يملك من نقد ومتاع..)(36).
فالعدل كله واجب التطبيق في نظر عمر رضي الله عنه مهما كانت النتائج. ونفذ خالد بن الوليد رضي الله عنه قرار الخليفة برضى وطاعة، وقبل المحاكمة. والتحق بعدها بالجيش جندياً عادياً، ولم تؤثر عليه القضية برمتها، فكان باسلاً في المعارك كقائد وجندي، يؤدي رسالة الإسلام الهادفة لإقامة العدل في كل أنحاء الأرض.
ومن صور العدل والمساواة في الحق بين الأمير والمواطن العادي في الإسلام، ومن الأشكال التي تم تطبيقها في العهد الراشدي، نذكر هنا أيضاً كيف وقف عمر بن الخطاب مطبقاً للعدل، منتصفاً لأعرابي بسيط، لطمه الأمير جبلة بن الأيهم أمير الغساسنة وزعيمهم، فاشتكى لعمر من عمل الأمير، فحكم للأعرابي بلطم جبلة الأمير أمام الناس كما لطمه. فغضب جبلة بن الأيهم من هذا الحكم، فلم يستوعب أنّ أعرابي بسيط يقتص من أمير، ولم يدرك أن الإسلام ساوى في الحقوق بين الأمير والفقير في الحقوق، فلا تزال الأعراف الطبقية تعشش في ذهنه، فهرب إلى الروم، حين عرف أن الحكم لابد، أن ينفذ. ولم يتأثر الإسلام حين ارتد جبلة وهرب إلى الروم خوفاً من إقامة العدل، ولم يتهاوى الإسلام بهروبه، بل سجل التاريخ أن الإسلام يقيم العدالة على الأرض دون تمييز أو استثناء.
وكان من عدل عمر رضي الله عنه فيما ترد كل الروايات التاريخية، أنه كان يطوف في المدينة ليلاً، يتفقد أحوال رعيته، فيعالج أوضاع الناس من عوز وجور وظلم. فكان يجلب الدقيق على ظهره لأم وصبية جياع، ويقوم كل الليل من أجل توفير احتياجات امرأة تولد، وليس لها أحد يرعاها، ويسمع لامرأة تصحح لـه أمراً، أراد إصداره في تخفيض المهور، ويضع راتباً لكل يهودي ومسيحي عاجز مع خادم يخدمه. وتطول الروايات عن عدل عمر، ويمكن للقارئ أن يعود إلى العديد من مصادر التاريخ، ليعرف عن عدل هذا الخليفة العظيم.
ومن عدل الإسلام ما ردّ به الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على من عاتبه في مساواته بين الناس في العطاء، فقال: (اتأمُرونّي أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه، والله لا أطور به ما سَمَر سمير، وما أمّ نجم في السماء نجماً، ولو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وإنما المال مال الله) (37).
ومن كلام أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه في طلبه من رعيته بالعون على إقامة العدل، بإنصاف المظلوم، والأخذ على يد الظالم، قال: (لم تكُن بيعتكم إياي فلتة، وليس أمري وأمركم واحداً، إنّي أريدكم لله. وأنتم تريدوني لأنفسكمّ! أيها الناس أعينوني على أنفسكم، وأيم الله لأنصفن المظلوم، ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق، وإن كان كارهاً).(38).
ومن أروع النصائح ما كان يوصي به الإمام علي رضي الله عنه ولاته في الأمصار، وفيما كتبه إلى الأشتر النخعي لما ولاه مصر وأعمالها. ونقتطف بعض ما جاء في هذا الكتاب الجامع، الذي تضمن شروط الوالي العادل، والتي جاء فيها ما يلي: (فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك، وشحّ بنفسك عما لا يحل لك، فإن الشح بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو كرهت، وأشعر قلبك الرحمة بالرعية، والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخَلق...).
وقال له: (أنصف الله، وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إلا تفعل تَظلم! ومن ظلم عباد الله، كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حُجته، وكان لله حرباً حتى ينزع ويتوب، وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة (على ظلم، فإن الله يسمع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد). وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل، وأجمعها لرضى الرعية..)(39).
وسئل الإمام علي كرم الله وجهه: أيهما أفضل: العدل أو الجود؟ فقال رضي الله عنه: (العدل يضعُ الأمور مواضِعها، والجود يخرجها عن جَهتِها. والعدل سائس عام، والجود عارض خاص، فالعدل أشرفهما وأفضلهما).(40).
وسئل الإمام علي كرم الله وجهه عن العدل، فقال: (والعدل منها أربع شعبٍ: على غائِصِ الفَهمِ، وغَورِ العلم، وزهرةِ الحُكُمِ، ورِساخَةِ الحِلمِ، فمن فهِمَ عَلِمَ غور العلم، ومن علم غور العلم صدر عن شرائع الحكم، ومن حلم لم يفرط في أمره، وعاش في الناس حميداً.(41).
تلك صور من عدالة الإسلام، ومن دعوته الدائمة للعدل والمساواة، وسيادة القانون على الجميع دون استثناء، وأن يطبق على الحاكم والمحكوم، بل الإسلام لم يفرق في تطبيق العدل على المسلم وغير المسلم، فالعدل هو هدف في مكنوناته ملزم من اعتنق الإسلام، أن يطبق على نفسه وعلى غيره، وفق نظام مؤسسات الدولة، هذا هو الإسلام الذي يحاول المتصهينون في الغرب تشويه صورته، كما جاء في مقدمة البحث.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟* الملحق رقم (1)
الإعلان المشترك الفرنسي ـ الروسي ـ الألماني
حول العراق في 5/3/2003


النص الكامل للإعلان المشترك الصادر عن فرنسا وروسيا وألمانيا حول العراق الذي نشر في باريس في 5/3/2003 عقب اجتماع وزراء خارجية الدول الثلاث (دومينيك دوفيلبان وزير خارجية فرنسا ـ ايغور ايفانوف وزير خارجية روسيا ـ يوشكا فيشر وزير خارجية ألمانيا):

إن هدفنا المشترك يبقى نزع سلاح العراق الفعلي والكامل وفقاً للقرار /1441/.
نعتبر أن هذا الهدف يمكن بلوغه سلمياً عبر عمليات التفتيش. ونلاحظ أن هذه العمليات تعطي نتائج مشجعة أكثر فأكثر:
ـ تدمير صواريخ صمود /2/ قد بدأ ويتقدم.
ـ العراقيون يقدمون معلومات في المجال البيولوجي والكيميائي.
ـ مقابلة العلماء العراقيين تتواصل.
إن روسيا وألمانيا وفرنسا يعلنون دعمهم الحازم للسيد هانس بليكس ومحمد البرادعي كبيري المفتشين الدوليين، ويعتبرون اجتماع مجلس الأمن الدولي في السابع من آذار مرحلة مهمة في العملية القائمة.
ندعو بحزم السلطات العراقية للتعاون بفعالية أكبر مع المفتشين على طريق إزالة الأسلحة بشكل كامل في بلادها.
إن عمليات التفتيش هذه لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.
ونود بالتالي أن تجري بوتيرة سريعة من الآن وصاعداً في إطار المقترحات الواردة في المذكرة، التي قدمتها دولنا الثلاث إلى مجلس الأمن الدولي. نحن نرغب في :
ـ توضيح المسائل العالقة وإدراجها بالتسلسل برنامجاً بعد برنامج.
ـ في المقابل وضع جدول استحقاقات مفصل.
وانطلاقاً، من هذا النهج سيتمكن المفتشون من أن يقترحوا بدون إبطاء برنامج عمل مرفق بتقارير مرحلية منتظمة إلى مجلس الأمن الدولي، ويمكن أن يتضمن هذا البرنامج بنداً يتعلق بتحديد موعد للسماح لمجلس الأمن بتقويم النتائج الكاملة لهذه العملية، في هذا الإطار لن ندع مشروع قرار يجيز اللجوء إلى القوة يمر في مجلس الأمن.
إن روسيا وفرنسا بصفتهما عضوين دائمين في مجلس الأمن ستتحملان كامل المسؤولية الملقاة على عاتقهما بخصوص هذه النقطة.
لقد وصلنا إلى منعطف، وبما أن هدفنا إزالة الأسلحة العراقية سلمياً وبشكل تام، لدينا اليوم إمكانية التوصل عبر السبل السلمية إلى تسوية شاملة في الشرق الأوسط، بدءاً من إحراز تقدم في عملية السلام، وذلك عبر نشر وتنفيذ خارطة الطريق. وتحديد إطار عام للشرق الأوسط يركز على الأمن والاستقرار، والتخلي عن مبدأ القوة ومراقبة التسلح، واتخاذ تدابير لإرساء الثقة.








* ملحق رقم
نص خطبة الخليفة الراشدي الأول
(أبو بكر الصديق رضي الله عنه).


(أما بعد، أيها الناس، فإني وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة. والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح(1) عليه حقه إن شاء الله، والقوي منكم الضعيف عندي، حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله، فإنه لا يدعه قوم إلا وضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم.. أيها الناس، إنما أنا مثلكم، وإني لا أدري لعلكم ستكلفونني ماكان رسول الله() يطيق، إن الله اصطفى محمداً على العالمين، وعصمه من الآفات، فإنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن استقمت فاتبعوني، وإن زغت فقوموني. وإن رسول الله() قبض، وليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة، ضربة سوط فيما دونها، ألا وإنما لي شيطان يعتريني، فإذا أتاني فاجتنبوني، لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم(2)، وإنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيِّب عنكم علمه، فإن استطعتم ألا يمضي هذا الأجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله. فسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال، فإن قوماً نسوا آجالهم، وجعلوا أعمالهم لغيرهم، فإنها كما أن تكونوا أمثالهم، الجدّ الجدّ، والوحَى الوحَى(3)، والنجاة النجاة، وإن وراءكم طالباً حثيثاً، أجلاً مره سريع، واحذروا الموت، واعتبروا بالآباء والأبناء والإخوان، ولا تغبطوا الأحياء إلا بما تغبط به الأموات.

إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد وجهه، فأريدوا الله بأعمالكم واعلموا أن ما أخلصتم لله من أعمالكم، فطاعة أتيتموها، وحظ ظفرتم به، وضرائب أديتموها، وسلف قدمتموه من أيام فانية لأخرى باقية، لحين فقركم وحاجتكم، واعتبروا يا عباد الله بمن مات منكم، وفكروا فيمن كان قبلكم.
أين كان أمس؟ وأين هم اليوم؟ أين الجبارون الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة ومواطن الحروب؟ قد تضعضع بهم الدهر وصار رميماً، قد تركت عليهم القالات، الخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات. وأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها، قد بعدوا، ونسي ذكرهم، وصاروا كـ"لا شيء".ألا إن الله قد أبقى عليهم التبعات، وقطع عنهم الشهوات، ومضوا والأعمال أعماله، والدنيا دنيا غيرهم، وبقينا خلفاً بعدهم، فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا. أين الوضاء الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؟ صاروا تراباً، وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم.
أين الذين بنوا المدائن، وحصنوها بالحوائط، وجعلوا فيها الأعاجيب؟ وقد تركوها لمن خلفهم، فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور، هل تحس منهم من أحد، أو تسمع لهم ركزا(4)؟ أين ما تعرفون من أبنائكم وإخوانكم.؟ قد انتهت بهم آجالهم، فوردوا على ما قدموا، فحلوا عليه، وأقاموا للشقوة أو السعادة فيما بعد الموت، ألا إن الله لا شريك له، ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيراً، ولا يصرف به عنه شراً إلا بطاعته واتباع أمره، واعلموا أنكم عبيد مذنبون، وأن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته.
ألا وإنه لا خير بخير بعده النار، ولا شر بشر بعده الجنة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

غير معرف يقول...

أولى حرية الإنسان في الإسلام كرامته.


كرم الله عز وجل الإنسان على سائر مخلوقاته في الأرض، ورفعه إلى مكانة عالية رفيعة، حين جعله خليفة في الأرض كما قال تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة..(10)، وزيادة في التكريم أمر الملائكة في السجود له. هذه المكانة العالية المعطاة من الله عز وجل دليل على تكريم الإنسان من قبله عز وجل، وإلى الاحترام الذي يحمله الإسلام لإنسانية الإنسان، بما تحمل من قيم وسلوكيات يجب احترامها وتعزيزها.
قال تعالى: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا(11).
واحترم الإسلام العقل، واعتبر التفكير والعمل هي الأداة الأساسية لمعرفة الخالق عز وجل ومخلوقاته في السماوات والأرض، حيث قال الله عز وجل: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب(12).
فالعلم الذي غرسه الرحمن عز وجل في الإنسان سواء في بداية خلقه لآدم، كما قال تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها..(13). أو في الأجيال المتلاحقة من البشر، حيث علم الإنسان من بعد ذلك العلوم والمعارف، وهداه لتعلم الكتابة، التي تعتبر أهم تحول تاريخي في حياة البشرية، قال تعالى: اقرأ باسم ربك الذي خلق(1) خلق الإنسان من علق(2) اقرأ وربك الأكرم(3) الذي علم بالقلم(4) علم الإنسان ما لم يعلم(5)(14).
فالعلم والتفكير العقلي من أهم الميزات التي ميز الرحمن عز وجل الإنسان على سائر مخلوقاته، وقد رعى الإسلام المعرفة وأصحابها، ووضع لها احتراماً خاصاً في سلوكيات اتباعه، الذين حضهم على المعرفة والبحث العلمي والفكري وسائر فنون المعرفة، حتى أنه رفض المساواة بين العلم والجهل رفضاً مطلقاً، قال الله عز وجل: .. قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب(15).
ومن خلال امتلاك الإنسان للعقل والتفكير، ترك الإسلام للإنسان حرية الاختيار بين الإيمان بوحدانية الله عز وجل واتباع تعاليمه، أو اختيار طريق الكفر والإلحاد، ولكنه وضع نتائج لذلك الاختيار، بين الفوز بالجنة أو الدخول إلى جهنم وبأس المصير، قال تعالى: قل الله أعبد مخلصاً لـه ديني(14) فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين(15)(16).
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ الإســــلام
أعطى الإنسان حرية الاعتقاد والاختيار


الحرية في الاعتقاد والاختيار هي الأساس الأول الذي قامت عليه رسالة الإسلام، فرفض الإسلام الإكراه والقسر في دخول الناس في الدّين. بل وضع مبدأ الاختيار الارادي أساساً في الدخول فيه، بعد أن يتمّ تبيان دعوته ورسالته، والأسس التي تقوم عليها لكافة الناس.
وأوضحت عدة آيات في القرآن الكريم مبدأ حرية الاعتقاد، وعدم إكراه الناس ليؤمنوا بالإسلام، نذكر منها قوله تعالى: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم(17). فأمر الله عز وجل واضح في هذه الآية الكريمة، فبعد أن اتضح مفهوم الإسلام وأهدافه للبشرية أجمع على مرّ الدهور والعصور، دعا الرحمن عز وجل أن يترك للإنسان حرية الاختيار بين طريق السلامة والأمن والاستقامة والراحة المادية والمعنوية في الدنيا والآخرة، وبين طريق الهلاك والآلام والندامة والحسرة والتيه والضلال، وبذلك تقع على الإنسان عاقبة هذا الاختيار ونتائجه، فإن أحسن نجا، وإن أساء هلك. وتعددت الآيات الكريمة، التي تحض على ترك حرية الاختيار الإرادي للإنسان في الدخول في الإسلام أو عدمه، ومن الآيات الكريمة التي بينت حرية الاختيار الإرادي قولـه تعالى: قل يا أيها الناس قد جاءكم الحقّ من ربّكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل(18).
أمر الله عز وجل رسوله الكريم محمد، أن يبلغ الناس كافة حقيقة الدعوة الإسلامية وأهدافها السامية العليا. ومن ثم ترك الأمر للإنسان بحرية قبولها أو رفضها، فهو حر في اختيار الهدى أو الضلالة، وليس الرسول مسؤولاً عن هذا الاختيار، بل تقع نتيجة الاختيار على الإنسان نفسه. قال تعالى: وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون(19).
وقال تعالى: وأن اتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فقل إنما أنا من المنذرين(20). وهذه الآية تطلب من الرسول، أن يقرأ على الناس القرآن، ويفسره، ويبين ما فيه من أحكام وسلوكيات، ووحدانية الله عز وجل، ويوم الحساب وغيرها من العقائد المختلفة، التي جاءت بها الرسالة المحمدية للبشرية جمعاء، وتترك بعد ذلك للإنسان حرية الاعتقاد والاختيار.
وما مهمة الرسول إلا التبليغ والتذكير والتنبيه والإنذار من عواقب الشرك والفساد وعدم الإيمان بوحدانية الله عز وجل وبيوم الحساب، كما كلفه بها الله عز وجل، وهذه مهمة كافة الرسل الذين أرسلهم الله عز وجل لكافة البشر، قال تعالى: وما نرسل المُرسلين إلا مبشرين ومنذرين...(21). يبشروا بضرورة الخلاص من الشرك والإلحاد، وبالرسالة السماوية المتسمة بالعدل والحق، وباليوم الآخر الذي ينصف فيه الأبرار من المؤمنين وذوي السلوك الحسن، وينال فيه كل حق حقه، وترد فيه المظالم، ويعاقب الظالم والمتجبر والفاسد والملحد وغيرهم، ممن زرعوا الأرض فساداً.
إن الله عز وجل أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى الناس كافة، حتى يكون حجة عليهم، ويدحض أي ادعاء بأنهم لم يبلغوا، وأنهم لا يعلمون، قال تعالى: رُسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس حُجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً(22).
وقال تعالى: يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربّكم فآمنوا خيراً لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليماً حكيماً(23).
وهكذا يظهر لنا الإسلام دين آمن بحرية اختيارات العقل للإنسان، مما يكذب كل ادعاء المستشرقين، الذين حاولوا أن يصوروا الفتوحات الإسلامية على أنها كانت لإكراه الناس بالدخول بالإسلام بحد السيف. ومن يراجع تاريخ الفتوحات الإسلامية شرقاً وغرباً، سيجد أن المسلمين لم يرغموا مسيحياً أو يهودياً على الدخول بالإسلام، والشواهد على محافظتهم على أماكن العبادة لليهود والنصارى، وسيجد حتى الوثنين من البوذيين والهندوس والسيخ وغيرهم، تركت معابدهم وهي شاهدة اليوم على ذلك رغم السيادة الإسلامية على تلك البلاد. وهذا ما يكذب ادعاء من قال عن الإكراه في دخول الإسلام، ويثبت على محافظة الإسلام على تطبيق مبدأ حرية الاختيار.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ الإســــلام
جاء لتحرير الإنسان من أغلال العبودية.


جاء الدين الإسلامي كما قلنا سابقاً من أجل تحرير الإنسان من رق العبودية للطاغوت البشري أو الحجري وغيره، وإطلاقه إلى أفق مجتمع العدل والمساواة، الذي يتساوى فيه الغني والفقير في الحقوق والواجبات، وتكون فيه التكاليف على حسب القدرة والاستطاعة، وتحفظ للإنسان الكرامة والأمن على نفسه وماله وعرضه ودينه، ويرفض الإسلام من أين كان المساس بها إلا بالحق. وما قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخليفة الراشدي الثاني: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) إلا انعكاساً لتعاليم الإسلام بضرورة صون حرية الإنسان، وواجب الدولة والمجتمع المحافظة عليها وحمايتها.
جاءت رسالة الإسلام لتحطم الأغلال التي قيدت بها العديد من المجتمعات، ومنها أغلال الرذيلة والفساد والعدوان وكافة الخبائث التي تعيث فساداً في الأرض. وليدعوا إلى مجتمع إنساني يتحلى بالقيم الإنسانية الرفيعة العالية. وقد أوضحت الآية الكريمة التالية معنى تلك الحرية، قال تعالى: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعززوه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون(24).
وتوجهت رسالة الإسلام من الجزيرة العربية إلى بقاع العالم شرقاً وغرباً، تحمل أهم مضمون لها، وأولى أهدافها الدعوة إلى التوحيد في عبادة الله عز وجل، ورفض عبادة البشر والأصنام وغيرها، التي تتنافى مع العقل البشري.
والهدف الثاني هو تحرير الإنسان من العبودية، التي فرضها الطغاة من حكامه عليه، تلك رسالة الإسلام في شقيها التوحيدي والتحريري، التي كانت مهمة الفتح تبليغها للناس كافة.
ومن الشواهد التاريخية على ذلك، ما قاله زُهرة بن عبد الله بن قتادة بن الحويّة للقائد الفارسي الشهير رستم، وهو ينقل إليه رسالة الإسلام وغاية الفتح، فحين سأله رستم عن هذا الإسلام الذي يقاتل العرب من أجله فقال: (هو دين الحقّ لا يرغب عنه أحد إلا ذلّ، ولا يعتصم به أحد إلا عزّ) فقال رستم: ما هو؟ قال: أما عموده الذي لا يصلح إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله. قال: وأي شيء أيضاً؟ قال زُهرة: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله، والناس بنو آدم وحواء وأخوة لأب وأم. قال رستم: ما أحسن هذا)(25).
ولزيادة المعرفة برسالة الإسلام طلب رستم من قائد الجيش الإسلامي سعد بن أبي وقاص مبعوثاً من قبله، فأرسل إليه ربعي عامر وكان جندياً بسيطاً فحين سأله رستم: ما جاء بكم؟ قال ربعي: الله جاء بنا، وهو بعثنا، لنُخرج من يشاء من عباده من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. فأرسلنا بدينه إلى خلقه، فمن قبله، قبلنا منه، ورجعنا عنه، وتركنا أرضه دوننا، ومن أبى قاتلناه حتى نُفضي إلى الجنة أو الظفر)(26).
* تحرير الإنسان من رق الدّين
حارب الإسلام الربّا حرباً ضارية كونها تضع الأغلال في أيدي العديد من الفقراء والمحتاجين، وكان الناس يسترقون بسبب عدم القدرة على دفع الدين المتراكم من الربّا، حيث يتحولون من أحرار إلى عبيد، بسبب عسرتهم عن دفع ما ترتب عليهم من أموال الربّا.
وكانت لهذه الحرب التي شنها الإسلام ولا زال على الرّبا، لها الأثر الفعال في تحطيم قيود عبودية الرّبا، وفك رقاب العديد من الناس من الرقّ والتسول والإذلال، الذي يلاقونه من المرابي بسبب عدم قدرتهم على دفع المبالغ المدانين بها، أو الأقساط الواجب دفعها، أو الفائدة التي تتضاعف بسبب عدم القدرة على السداد.
وكم من أعراض انتهكت بسبب الرّبا؟ وكم من جريمة ارتكبت بسببها؟. وقصص العالم لا تزال تروي لهذا اليوم مآسي الرّبا، الذي حطمت بيوت كرماء، وأذلت أعزاء في قومهم، وخربت بيوت أغنياء، واستباحت دم الفقراء.
وكانت الرّبا ولا زالت من أهم الخبائث، التي تقيد العديد من المجتمعات في العالم.
وبسبب ما ترتكبه من جرائم شدّد الإسلام على إنهاء الربا، وحاربها محاربة عنيفة للقضاء والحد من شرورها، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الرّبا إن كنتم مؤمنين(278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلَمون(279)(27).
لقد استهدف الإسلام من محاربة الرّبا تحرير الإنسان من أغلال دين مال الرّبا، وإطلاقه من قيوده، وأعاد لـه كرامته ووجوده في عزّ وكرامة، وفرض على الأغنياء كفاية الفقراء من خلال أموال الزكاة المفروضة والصدقات، وحض الإسلام على الإنفاق، وآيات الزكاة والصداقات والإنفاق على الفقراء كثيرة هي القرآن الكريم، والتي وعدت المنفق دون منّة أو رياء الناس بالفوز بالجنة. وتعتبر الزكاة ركناً أساسياً من أركان الإسلام، ومن قرأ التاريخ يعرف السبب الرئيسي لحروب الردة، وهي إلى الامتناع عن دفع الزكاة، حين شن الخليفة الراشدي الأول أبو بكر الصديق حرباً ضروساً على الممتنعين عن دفع الزكاة.
* التحرير من أغلال الهوى القاتل والعدوان والأعراف والعادات السيئة.
جاء الإسلام أيضاً ليحرر الإنسان من قيود الشهوات المادية والعدوانية، ومن الأعراف السيئة التي فرضتها القبائل البدوية المتخلفة على أبنائها. فالإسلام رفض اغتصاب أموال الناس بدون حق، وحرم الرشوة للحكام لأكل أموال الناس بالباطل قال تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون(28).
ووضع قواعد للتعامل المالي برفض أكل الأموال عن طريق الخداع والنصب والسرقة والاغتصاب، وحبب التعامل في التجارة على قاعدة التراضي، وحرر الإنسان من قتل نفسه بانصرافه الكلي خلال حياته على جمع المال، وعدم الالتفاف إلى نفسه وصحته وأسرته، بل كرس حياته فقط لجمع المال من أي طريق كان، دون أن يعطي لنفسه حقها الاجتماعي والثقافي والروحي، أو قتل النفس كالانتحار وغيرها من الطرق الأخرى المؤدية إلى قتل النفس. قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً(29).
وحرر الإسلام أموال اليتامى والفقراء من الاغتصاب والنهب والسرقة من قبل الأغنياء والأوصياء، حيث كانت أموالهم مستباحة من قبل الأقوياء لمعرفتهم بضعف اليتيم، وعدم قدرته عن انتزاع حقه منهم، فشدد الإسلام على ضرورة إعادة أموال اليتامى إليهم، وحرم تحريماً مطلقاً أكل أموالهم بالباطل، وأنذرهم عذاباً شديداً، قال تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم سعيراً(30).
وطالب الأوصياء عليهم بإعادة أموالهم إليهم، وعدم اقتطاع أي مال منه إلا للضرورات في رعاية اليتيم، ومنع أخذ المال كاملاً، قال تعالى: وأتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حُوباً كبيراً(31).
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ تحرير المرأة الحقيقي في الإسلام


أسقط الإسلام القيود التي كانت تفرضها بعض العادات القبلية السيئة مثل زواج الولد لامرأة أبيه، وحرمه لما فيه من إساءة الولد لأبيه الميت، وفيه تقزز للنفس البشرية، قال تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً(32). وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته؛ إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً(33).
ووضع قواعد أخلاقية عليا في مسألة الزواج، حين حرم، ومنع الزواج من الأقارب الأصول قال تعالى: حرمت عليكم أمهاتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم الاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم الاتي في جحوركم من نسائكم الاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف وإن الله كان غفوراً رحيماً(34).
وأسقط عادة أخذ مال المهر من الزوجة بعد طلاقها، وبذلك فك القيد الاستغلالي من الحاجة إلى تسديد المهر من امرأة لم يعد لها أي وارد مالي إلا ما يحسن فيه إليها ذويها، وكانت رهينة لقيد سداد المهر، الذي أعطي لها حين تزوجت، وقد تكون قد تصرفت به، ولم يبق منه شيئاً، قال تعالى: وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وأتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً(20) كيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً(21)(35).
وحرر الإسلام المرأة من أغلال أعراف سيئة، كان يمارسها العرب في الجاهلية، وهي دونية المرأة في مجتمعها، الذي كان يرى السيادة والعز والفخار فقط في الذكورية، وأن العار المستقبلي والمحتمل في المرأة. ولهذا أوجدوا عرفاً، يقوم على وأد البنات، الذي يعتبر من أبشع الأعراف القبلية، التي عرفها تاريخ الجزيرة العربية ما قبل الإسلام. وصور القرآن الكريم حالة الرجل الذي يبشر بمولدة لـه أنثى، وكيف يشعر بالحرج والخجل بتلقي النبأ في مجلس وبين أصحابه؟ وكيفية ردة فعله تجاه هذا النبأ؟ فيقول الله عز وجل: وإذا بُشِّرَ أحدهم بالأنثى ظلَّ وجهه مسوداً وهو كظيم(58) يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون(59)(36).
لو تمعنا في هذه الصورة القرآنية الكريمة، لظهر لنا مشهد الرجل، وكيف يتلقى نبأ ولادة زوجته بنتاً له؟ فتصوره غاضباً وقد اسود وجهه من هذا النبأ، وكيف يحاول التخفي من الإحراج والتهكم والسخرية من قبل قومه لمولودته الأنثى، ومن ثم يزداد إحراجاً في القرار الذي يتطلب منه اتخاذه، فهو حائر بين أمرين، يجب أن يقرر إحداهما، هل يتركها تعيش مع عائلته، أم يقتلها حية وذلك يدفنها في التراب؟
وقد تحدثت بعض المصادر التاريخية عن جرائم وأد البنات في الجاهلية، ومنها القصة الذي ذكرها سيدنا عمر بن الخطاب حين ضحك وبكى مرة فسئل من قبل الحاضرين لماذا فعل ذلك؟ ذكر أنه ضحك حين كان يعبد صنماً من التمر، ويطلب منه المساعدة والعون، ولكنه حين يجوع يقوم بأكله، فيقول أنه ضحك كيف يعبد إلهاً ثم يقوم بأكله، ويرى إلى أي مدى وصل عقل الإنسان من الانحدار، بعدمية الإدراك والتمييز العقلي.
وذكر أنه بكى حين أخذ ابنته الصغيرة لوأدها إلى الصحراء، وأنه قام بحفر حفرة لدفنها فيها، وكيف كانت الطفلة الصغيرة تنفض الغبار المتطاير من الحفرة عن لحيته؟ ورغم هذا الفعل النبيل من تلك الطفلة، لم يرق لها قلبه، الذي كان جافاً بسبب جاهليته، بل دفنها وهي تسأله لماذا؟. لهذا بكى عمر بحرقة للقلب القاسي في الجاهلية، وكيف استطاع الإسلام أن يحوله إلى أرق القلوب الإنسانية التي عرفها تاريخ البشرية.
وهكذا كان حال البنات الصغيرات ما قبل الإسلام، يقتلن بدون ذنب ارتكب، ويدفن أحياء دون أي رادع خلقي وإنساني، فجاء الإسلام ليسقط هذا العرف القبلي الجائر، ويحرر البنت من جريمة لم ترتكبها، ويعيد لها مكانتها الاجتماعية والثقافية أسوة بالرجل. وشدد القرآن الكريم على عقوبة من يقوم بهذا الفعل الشنيع في قوله تعالى: وإذا الموءودة سئلت(8) بأي ذنب قتلت(9)(37).
جاء الإسلام ليعيد المرأة إلى مكانتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. قال تعالى: للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن(38). وحتى في الحروب كان للمرأة المشاركة فيها جنباً إلى جنب مع الرجل، ويذكر التاريخ العديد من النساء في هذا المجال بدءاً من أم عمارة مروراً بصفية عمة رسول الله وحتى الخنساء وخولة بنت الأزور وغيرها.
هذه المرأة المسلمة التي حررت من خلال تعاليم الإسلام منذ أربعة عشر قرناً، كانت المرأة في الغرب حتى قرون قريبة في وضع مزدرى ودونيّ عن الرجل، ونذكر قول لعباس محمود العقاد قال فيه: (ولقد تقدم الزمن في الغرب من العصور المظلمة إلى عصور الفروسية إلى ما بعدها من طلائع العصر الحديث، ولما تبرح المرأة في منزلة مسفهة لا تفضل ما كانت عليه في الجاهلية العربية، وقد تفضلها منزلة المرأة في الجاهلية.
ففي سنة 1790، بيعت امرأة في أسواق إنجلترا بشلنين لأنها ثقلت بتكاليف معيشتها على الكنيسة التي كانت تؤويها..
وبقيت المرأة إلى سنة 1882، محرومة من حقها الكامل في ملك العقار، وحرية المقاضاة.
وكان تعلم المرأة سبّة، تشمئز منها النساء قبل الرجال، فلما كانت اليصابات بلا كويل تتعلم في جامعة جنيف سنة 1849-وهي أول طبيبة في العالم-كان النسوة المقيمات معها يقاطعنها، ويأبين أن يكلمنها، ويزوين ذيولهن من طريقها احتقاراً لها، كأنهن متحرزات من نجاسة يتقين مساسها..
ولما اجتهد بعضهم في إقامة معهد يعلم النساء الطب بمدينة فلادليفيا الأمريكية، أعلنت الجماعة الطبية بالمدينة، أنها تصادر كل طبيب يقبل التعليم بالمعهد، وتصادر كل من يستشير أولئك الأطباء.

وهكذا تقدم الغرب إلى أوائل عصرنا الحديث، ولم تتقدم المرأة فيه تقدماً يرفعها من مراوغة الاستعباد، التي استقرت فيها من قبل الجاهلية العربية..
فماذا صنع محمد؟ وماذا صنعت رسالة محمد؟
حكم واحد من أحكام القرآن أعطى المرأة من الحقوق كفاء ما فرض عليها: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف(39).
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ الإسلام وتحرير العبيد من الرّق.


كثيرة هي الاتهامات ضد الإسلام من قبل كتاب وباحثي الغرب، ومنها أن الإسلام يؤيد استمرارية الرّق، ويشجعه. وهذا كذب وافتراء وتزوير ضد الإسلام، الذي جاء ليحرر الإنسان من الظلم والعبودية على مختلف أشكالها، كما بيّنا في بدايات هذا الفصل.
الإسلام ظهر ومجتمع الرّق يسود العالم قانوناً وعرفاً، فجاءت رسالة الإسلام حينئذ لتطرح مسألة المساواة بين مختلف أبناء البشر، على اعتبارهم يعودون جميعاً إلى أصل واحد، وأب واحد وأم واحدة، هما آدم وحواء عليهما السلام.
كما قال تعالى: خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها..(40)، وما جاء على لسان رسول الله محمد: [كلكم لآدم وآدم من تراب].
واعتبرت رسالة الإسلام، أن التفاوت بين البشر ليس بألوانهم وأصولهم وانتماءاتهم الطبقي، بل من خلال ما يقدم المرء من عمل صالح لنفسه ولمجتمعه ولدينه وللبشرية جمعاء. كما جاء في الحديث الشريف: [الناس سواسية كأسنان المشط، لا فرق بين عربي وأعجمي، ولا أسود ولا أبيض إلا بالتقوى].
لهذا كان الإقبال الأول على اعتناق الدعوة الإسلامية غالبيتهم من العبيد والضعفاء والمساكين، في نفس الوقت كانت تلاقي الرفض والعداء من أغنياء قريش وسادتها، لرفضهم المساواة بينهم وبين هذه الطبقة الضعيف