14‏/03‏/2009

اسرائيليون يطالبون البابا بتدريس المحرقة في المدارس

مدينة الفاتيكان (رويترز) -
طلب زعماء دينيون اسرائيليون من البابا بنديكت يوم الخميس ان يجعل دراسة المحرقة النازية موضوعا مُقررا في المدارس الكاثوليكية قائلين ان هذا سيساعد على إخماد مشاعر معاداة السامية المُحتملة لدى الأجيال القادمة.
واستأنف هؤلاء الزعماء حوارا انقطع بسبب مسألة أسقف ينكر المحرقة والتي وصلت بالعلاقات الكاثوليكية اليهودية الى أدنى مستوى لها خلال نصف قرن.
وطالبوا بأن يتخذ الفاتيكان موقفا قويا ضد مشروع الإعلان الختامي لمؤتمر الأمم المتحدة المناهض للعنصرية الذي يعقد الشهر القادم والذي ترى بعض الدول انه معاد لاسرائيل.
وطلب الحاخام شير ياشوف كوهين من البابا خلال اجتماع في الفاتيكان مستخدما الكلمة العبرية للمحرقة "هل يمكننا ان نقترح عليكم ان يكون التاريخ والتأثير الاخلاقي للمحرقة ... موضوعا مقررا ضمن مناهج الدراسة في المدارس الكاثوليكية في جميع أنحاء العالم."
وقال كوهين وهو كبير حاخامين في حيفا ان مثل هذا الاجراء "سيعزز من موقفكم القوي ضد إنكار المحرقة واعلان ان معاداة السامية خطيئة ضد الرب."
وقال الحاخام دافيد روزين المدير الدولي لشؤون العلاقات بين الاديان في المؤتمر اليهودي الامريكي للصحفيين في وقت لاحق "يحدوني الأمل ان تصدر توصيات (من البابا بشأن دراسة المحرقة في المدارس الكاثوليكية) عن هذه الأزمة الأخيرة."
وكان من المقرر ان يعقد الاجتماع بين ممثلي حاخامين اسرائيل وبين مسؤولي الفاتيكان الذي جرى يومي الاربعاء والخميس في الشهر الماضي لكنه تأجل من الجانب اليهودي بسبب الجدل بشأن الاسقف ريتشارد وليامسون.
وكان البابا بنديكت قد رفع الحرمان الكنسي يوم 24 يناير كانون الثاني عن الاسقف البريطاني ريتشارد وليامسون وثلاثة أساقفة آخرين محاولا إنهاء انقسام يرجع الى 20 عاما بدأ بحرمانهم من الكنيسة لتنصيبهم دون إذن. وقال وليامسون انه لا يعتقد انه كانت هناك أفران للغاز وان عدد اليهود الذين قتلوا في معسكرات الاعتقال النازية لا يزيد عن 300 الف.
ومنذ ذلك الوقت اصدر البابا العديد من البيانات للتنصل من اراء وليامسون وإدانة معاداة السامية وإنكار المحرقة.
وطلب الوفد اليهودي ايضا من البابا ان يصدر تعليماته الى دبلوماسيي الفاتيكان لاتخاذ موقف قوي ضد المسودة الحالية للبيان الختامي لمؤتمر الامم المتحدة المناهض للعنصرية المقرر عقده في جنيف في الفترة بين 20 و24 ابريل نيسان والمعروف باسم دربان -2.
وقال الفاتيكان انه سيحضر المؤتمر لكنه يأمل في تغيير صيغة الاعلان الختامي.
وقالت كل من ايطاليا والولايات المتحدة انهما لن تحضرا ما لم يتم تغيير صياغة الوثيقة.

هناك 6 تعليقات:

غير معرف يقول...

3
بسم الله الرحمن الرحيم
مسألة صلب المسيح
لا شكّ أنّ كلّ مسلمٍ يعلَمُ أنّ رسالة الإسلام عالمية و أنّ رسول الله  فُضّلَ على غيره من الأنبياء أنّهم بُعِثوا لأقوامهم خاصّة و بُعِثَ إلى النّاس كافّة. لكن لِنَتَصَارح هل المسلمون اليوم في مستوى عالمية هذه الرسالة روحياً و خلُقياً و ثقافياً؟. و ما يهمّنا في هذا البحث هو المستوى الثقافي. تقول القاعدة الفقهية ما لا يتِمّ الواجب إلا به فهو واجب. و لنأخذ مسألة صلب عيسى عليه السلام التي هي موضوع كتابنا كمثال. كيف تستطيع أن تقنعَ أخاك الكتابي أنّ عيسى عليه السلام لم يُقتل و لم يُصلب؟
هذه المسألة حيوية بالنسبة للمسيحي . فهي النبأ السّار الذي تنبّأ به أنبياء بني إسرائيل و هي خلاصة الإنجيل و ذِروة سَنَام عَمَل المسيح و معنى البشارة بملكوت الله و لأجلها تجسّد ابن الله و نزل من السماء في شبه جسدٍ بشري ليموت على صليب العار مكفّرا عن خطايا البشر. و نُظّمت أصحاحات الإنجيل حولها. و كلّ إنسان غير مؤمنٍ بموت المسيح ليس له خلاصٌ و هو مُدان تحت عبودية الخطية. و قبل كلّ شيء فهذا حدثٌ تاريخي وقع على عهد بيلاطس البنطي والي الرومان على اليهودية. و قد شَهِدَ التلاميذُ بوقوعه و تنبّأ الأنبياء به و اتّفق الخصوم عليه. و دوّنته الإدارة الرومانية في وثائقها و نقله التاريخ لنا و احتمل آباء الكنيسة القدامى الموت حرقاً من أجله. و أبرزته جميع أسفار الإنجيل. و عاش به و من أجله ملايير المسيحيين منذ أكثر من ألفي عام. هذا ما يعتقدُه المسيحي و يراه. فكيف يصدّق الكتابي رجلا أمّيا خرج من برّية العرب
4
ليقول للنّاس :" و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبّه لهم و إنّ الذين اختلفوا فيه لفي شكّ منه ما لهم به من علم إلا اتّباع الظنّ و ما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه". ثم بعد كلّ هذا ما العيب أو الغريب في صلب عيسى ؟ ألم يذكر القرآن الكريم في عشر آياتٍ على الأقل أنّ اليهود قتـلوا أنبياءهم قال تعالى:" لقد سَمِعَ الله قول الذين قالوا إنّ الله فقيرٌ و نحن أغنياء سنكتب ما قالوا و قتلهم الأنبياء بغير حقّ و نقول ذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدّمت أيديكم و أنّ الله ليس بظلاّم للعبيد.الذين قالوا إنّ الله عهِدَ إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النّار قل قد جاءكم رسلٌ من قبلي بالبيّنات و بالذي قلتــم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين "(آل عمران182-183).
أمام هذا البون الشاسع بين القرآن و الإنجيل بخصوص مسألة صلب يسوع، و في غياب الأبحاث من جانب المسلمين في هذا الشأن أو نُدرَتها وجد المسيحي الإجابة الشافية في الإنجيل: لم يكن المسلم أوّل من استعظمَ الصلبَ على المسيح المُخلِّص فلقد كبُرَ خبرُه أيضاً على تلميذه سمعان بطرس و قال له :" حاشا لك يا رب ! لن يكون لك هذا " . فأجابه يسوع حسب زعم الإنجيل: " و قال لبطرس اذهب خلفي يا شيطان! فقد صِرْتَ لي شكّاً لأنّك ترى كما يرى الناس،لا كما يرى الربّ"(متى 16/21 – 23 ؛ مر 8/31 – 9/1 ؛ لو9/22). نعمْ! لقد وسوسَ الشيطانُ، في رأي المسيحي، من قبل و أوحى إلى أمير الحواريين أنّ هذا الأمر مُمتنعُ الحدوث. هكذا يفسّرُ المسيحي موقفَ المسلم.
و مَنْ أراد مِنَ المسلمين أن يجد تفسيراً لماذا تستبيح القوى العظمى دماءنا و تنتهكُ
5
مقدّساتنا فليتأمّل جيّدا النص السالف الذكر. فتلاميذُ الشيطان لا حقّ لهم.
و إذا أردنا أن نستبِقَ مضمون هذا البحث لأجلِ أن نفسّرَ لماذا يرفضُ القرآنُ الكريم صلبَ عيسى عليه السلام فنقول يجب أن ننظرَ للمسألة في سياقها الدّيني الاجتماعي . فنبي النّاصرة عليه السلام إسرائيلي بعثه الله إلى شعبه إسرائيل. و الفكرة المحورية في هذه القضية هي أنّ شريعة التوراة التي هي ضمير الشعب لا تُعَلّقُ رجلا على خشبةٍ إلاّ إذا كان مُجرماً عاتياً أو كافراً بالله تعالى مُجدّفاً. فإذا نجحَ خصُومُه في صلبِه فقد مَسّوا بمصدَاقيته و أقنعوا النّاس من شعبِهم أنّ هذا الرجلَ ليسَ إلا تلميذا للشيطان ، لم يفعلْ عجيبةً من عجائبهِ إلا بقوة بعل زبول .و يعني هذا من بين ما يعنيه أنّ الله تعالى قد انهزمَ و رسولَه ( تعالى الله عن ذلك عُلُواً كبيراً ).
و إذا ثبتَ لنا يقيناً من التاريخ أنّ رسالة سيّدنا عيسى عليه السلام استمرّت و اشتدّ عودُها بعده فلا تفسير لها سوى أنّه لم يُصلبْ.ولتقريب الفكرة دعوني أضرِبُ هذا المثل. هبْ أنّ رجلا مسلماً ادّعى الصلاح و الكرامات بين المسلمين فتَبِعهُ البُسطاء و السذّجُ و استطاع أن يصنع لنفسه مكانة مقدّسةً بينهم. ثم بمرور الأيام بدأت تُرفعُ إلى النائب العام شكاوى مِن مريديه تتّهِمُه بالنصبِ و الاحتيال و خيانة الثقّة و الشعوذة و الأخلاق الفاحشة. و أُوكِلَ التحقيقُ للشرطة و القضاة و جُمِعت عناصرُ الجريمة و اعترفَ المتّهمُ بجرائمه و قضتِ المحكمة الشرعية برَجْمِه جزاء بما قدّمتِ يداه.
لا شكّ أنّ هذا الرجلَ سيسقطُ في عيني النّاس و لا ريبَ أنّ ادّعاءاته ستنفضح. و سيتّضحُ لأتباعه أنّه كان مُغرّراً بهم.و لنفرضْ أيضاً أنّ رجُلا قام بعدَه و قال
6
ماتَ هذا المرجومُ من أجلِ خطايانا . فهل تجدُ هذه الدعوى بين المسلمين آذانا مُصغيةً ؟ لا شكّ أنّ محاولةً مثلَ هذه ستفشلُ فشلا ذريعاً. إذ كيف يموت هذا الفاسقُ المجرِمُ من أجلِ خلاصنا؟؟ و إذا نجحت هذه الدعوة فإنّها ستنجحُ لا محالةً بين غيرِ المسلمين من وثنيين و غيرهم. و هذا ما حدثَ بالفعلِ ففكرةُ المسيح المصلوب نجحَت لا بين اليهود إنّما بين الوثنيين من الإغريق و الرومان لأنّها فكرةٌ قريبةٌ من عقائدهم لكنّها بين شعب يسوع عليه السلام فضيحةٌ و جهالةٌ .
و هكذا نستطيعَ تلخيص هذا البحث : يُسلِّمُ اليهودي المؤمنُ بمسيحٍ مصلوبٍ لمّـا يسلِّمُ المسلمُ بصلاح و تقوى رجلٍ مَرجُومٍ.هذا ملخّصُ البحث الذي أضعه أمامكم ، إخواني مسلمين و مسيحيين، ليحلّ الإشكالية في إطارها السيّاسي و الديني الاجتماعي الذي عاشت في ظلّه الأرض المقدّسة منذ أكثر من ألفي سنة.
ما أهمية الدراسات الكتابية للمسلمين؟
من الأسئلة الهّامة التي يطرحها عامّة النّاس ما ضرورة دراسة كتب محرّفة بإجماع المسلمين؟ ما مصلحة المسلم في ذلك ؟ ما هو هدي السلف الصالح بخصوص هذا الشأن؟
يجب ألا يغيب عن أذهاننا،نحن كمسلمين، أنّ القرآن الكريم يقصّ على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، و أنّه كتابٌ مصدّقٌ لما بين يديه و مهيمنٌ عليه. و على ضوء الهدي القرآني اعتبر المسلمون أنفسهم مخوّلين شرعا أن يدرسوا الكتاب المقدّس و يبيّنوا فيما أصاب و فيما زلّ. فلا غرابة أن نرى عبد الله بن عمر رضي الله عنه يقرأ من التوراة. و قد أورد إبن سعد في طبقاته أخبارا
7
مرفوعة إلى كعب الأحبار و عبد الله بن سلام و عبد الله بن عمر رضي الله عنهم تنعت رسول الله  بنصوص صريحة من التوراة.فحسب كعب الأحبار جاءت صفة النبي: " محمد عبدي المختار لا فظ و لا غليظ و لا صخّاب في الأسواق و لا يجزي السيئة بالسيئة و لكن يعفو و يغفر، مولده مكّة و مهاجره المدينة و ملكه الشّام". و نعته عبد الله بن سلام بمثل ذلك . قال: " يأيّها النبي إنّا أرسلناك شاهدا و مبشّرا و نذيرا و حرزا للأمييّن . أنت عبدي و رسولي سمّيتك المتوكل ، ليس بفظ و لا غليظ و لا صخّاب بالأسواق. و لا يجزي السيئة بالسيئة و لكن يعفو و يصفح. و لن أقبضه حتى أقيم الملّة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله. فيفتح أعينا عمياء و آذانا صمّاء و قلوبا غلفا".و قد أورد الإمام البخاري رضي الله عنه الحديثين في صحيحه. و هذا النص صريحٌ من نبوة أشعياء الأصحاح 42. و أقدم نصّ صريح ، مبشّر برسول الله  من الإنجيل، وصلنا عن طريق إبن هشام في سيرته الشهيرة1. و هو الأصحاحات 14؛ 16 ؛ 17 من إنجيل يوحنا الذي وعد بإرسال البارقليطس أو المنحمنّا، و لن يكون إلا النبي محمد  كما أجمع الباحثون.
و الضرورات التي تلزم الدّارسين من المسلمين للكتاب المقدّس تتلخص في النقاط التالية:
ـ ضرورة دينية: لمعرفة التفاصيل التاريخية و الجغرافية و البيوغرافية. فهذا ما
لا سبيل إليه إلا بالكتاب المقدّس. و قد أقرّ تعالى ذلك بقوله: "سل بني إسرائيل"
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- ( الفكر الإسلامي في الرد على النصارى ص 481)
8
( البقرة الإسراء110) و قد ورد في تفسير الفخر الدّين الرازي بشأن هذه الآية ما يلي: {ولقد ءاتينا موسى تسع ءايـات بينات } ـ إذ جاء بني إسرائيل فاسألهم ـ وعلى هذا التقدير فليس المطلوب من سؤال بني إسرائيل أن يستفيد هذا العلم منهم بل المقصود أن يظهر لعامة اليهود وعلمائهم صدق ما ذكره الرسول فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد.. و قال رسول الله  في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: " حدّثوا عن بني إسرائيل و لا حرج". لكن حتّى لا نقع فيما وقع فيه سلف هذه الأمّة من أخذهم دون تمحيص الغثّ من السّمين، و لا فيما يحاول خَلفُها من تطهير التفاسير ممّا يُسمّى بالإسرائيليات و نخالف ما أمر به الله تعالى و رسوله فعلى المستأنس بروايات الإسرائيليات أن ينضبط بضابطي الشرع و العقل. فلا يمكن بحال أن تُقبلَ الإسرائيليات التي تنتقص من كمال الله تعالى و لا تلك التي تقدح في عصمة الأنبياء عليهم السلام. كما لا ينجسم في عقل عاقل تلك الروايات الفاقدة للمنطق ، أضف إلى ذلك ما أثبت التاريخ بطلانه. و من الروايات التي أرى لا محيصا عنها كتلك الروايات التي تذكر أسماء ملوك إسرائيل و أسماء الأنبياء الذين أشار إليهم القرآن الكريم و التفاصيل التاريخية و الجغرافية و الاجتماعية و الأزمات التي أحاطت بحياتهم عليهم السلام.
ـ ضرورة دعوية: يمثل المسيحيون أكثر من 35% من مجموع سكان العالم. و لو لم يكن غير هذا السبب لكان هذا كافيا لدراسة أدابهم و دينهم و ثقافاتهم لدعوتهم إلى دينهم دين التوحيد. فكيف إذا كانوا إلى جانب هذا القوة السياسية الأولى و التكنولوجية و العسكرية و الاقتصادية. و الكلّ يعلم أنّ رسالته للعالمين كافّة قال تعالى:" و قل للذين أوتوا الكتاب و الأمّيين أأسلمتم" ( آل عمران 20)
9
ـ ضرورة سياسية:غموض بعض المسائل الخلافية لدى المسلمين يجعلهم محلّ ريبة و شكّ من طرف المسيحيين. كمثال على ذلك يرى المسيحي أنّ صلب عيسى عليه السلام تمّ بترتيب إلهي منذ الأزل لخلاص البشرية إضافة إلى كون الحادثة ، في نظره، حادثة تاريخية أجمعت عليها المصادر المسيحية و اليهودية و الرومانية. لهذا يرون أنّ المسلمين أسّسوا هرطقة عن سبق إصرار لا لشيء سوى لهدم المسيحية رسالة الخلاص. و هذا الموقف المسيحي من المسلم قد أضرّ كثيرا بالمسلمين سياسيا. ففي نزاع العرب مع الكيان الإسرائيلي لا حقّ لهم. و بحكم أن المسيحيين يقتسمون مع إسرائيل الإيمان بأسفار العهد القديم و بإعتبار أن المسيح المخلص ابن الله خرج من إسرائيل، فإسرائيل في نظر المسيحيين شعب الله و المسلمون هراطقة معادين لرسالة الخلاص التي جاء بها عيسى.
اعتراضات المسيحي على أهم مسألة خلافية بين الإسلام و المسيحية:
لدى المسيحي ثلاث أسئلة مشروعة . و المسلم ملزم أخلاقيا و دينيا بالإجابة عنها لأنّه هو من ينفى مسألة الصلب.
ــ السؤال الأول: هل يوجد مسلمٌ واحدٌ يعتقد أنّ الله تعالى علوا كبيرا ضحك على عباده: يهيأ لهم أنّهم صلبوا عيسى و هم لم يصلبوه؟ فما بالكم، يعترض المسيحي، لو قلنا لكم: لقد هيأ الله تعالى للمسلمين أنّهم سمعوا القرآن من محمد
و ما سمعوه إنّما شبّه لهم؟ قولك، يا مسلم، بإلقاء الشبه سيشكّل مطعنا فيما تواتر عن النّاس؛ فلا تصحّ نبوة و لا أنبياء و لا شرائع و لا قانون.
ــ السؤال الثاني:لقد قرّر القرآن الكريم أنّ اليهود قتلوا أنبياءهم في أكثر من عشر
10
آيات فلماذا يستثنى عيسى ؟
ــ السؤال الثالث: لنفرض أنّ ما جاء به القرآن هو الصحيح من أنّه شبّه لهم أنّهم صلبوا عيسى لكن ما هي الحكمة من ذلك؟ اليهود ابتهجوا بتعليقهم جسد عيسى على الخشبة و اعتقدوا أنّهم انتصروا عليه . تلاميذُه رأوا بأمّ أعينهم أنّ معلّمهم عُذّب شرّ عذاب و انتهت حياته على الأرض بمأساة. السلطة الرومانية أصدرت قرارها بصلب يسوع. قد يعترض مسلم و يقول قد حصلت معجزة بنجاة عيسى و يقول المسيحي ليس في هذا أيّ معجزة. المعجزة تصحّ لو رُفع يسوع أمام أعينهم إلى السماء و هم جادّون في طلبه لكانت نجاته منهم بهذه الوسيلة حقا معجزة.
ما مصلحة رسول الله  من رفضه للصلب:
رسول الله  أمّيٌ خرج من قرية أمّية و كانت المسيحية منتشرة في ثلاث قارات:شمال إفريقيا ، أوروبا و آسيا. وجدهم متّفقين جميعا على أنّ عيسى مات مصلوبا تكفيرا عن خطايا البشر. و كان  حريصا على أن يؤمن به النّاس فهل من الدبلوماسية المعهودة في الحسابات البشرية أن يواجه وحده جميع المسيحيين و يخسر تعاطفا ممكنا إن لم يكن من الكلّ فعلى الأقل من البعض .
المنطق يقول أنّ رسول الله  لم يكن لديه أيّة مصلحة في نكران صلب عيسى و لو لم يكن لديه اليقين العميق من أنّ مصدره متين، أقوى من اعتقاد جميع المسيحيين آنذاك، ما أقدم على قول شيء قد يظهر خطئه بعد حين. خصوصا أنّه

11
عليه الصلاة و السلام لم يكن لديه أيّ دليل تاريخي أو نصّي أو أيّ شيء آخر يدعم به موقفه سوى اعتقاده أنّه ينقل خبرا من لدن الحكيم الخبير. و لتوضيح الأمر على ما يمكن أن تكون عليه خيبة المسيحي من عقيدة المسلم نضرب هذا المثل:لنفرض أنّ سياسيا من الصومال أراد أن يكسب الشعب الجزائري صديقا لقضيته ، فهل يجرؤ على التشكيك في أعزّ ما يفخرُ به الجزائريون و هو الثورة التحريرية التي هزمت ثاني قوة في العالم آنذاك و يقول لهم: ما ثرتم و لا استعمرتم إنّما شبّه لكم؟ فتصوّر أخي القاريء كيف يستحيل في منطق البشر و يتعذّر أن تجمع بين إرادتك في كسب أصدقاء مع تكذيبك لأعزّ ما يتمسّكون به.
و الحقيقة الجلية أنّ تكذيب القرآن لصلب عيسى كان من شأنه أن يصنع أعداءً لرسولنا  و لا يمكن أن يصنع له أصدقاء. و هذا دليلٌ حاسم في أنّ محمد  كان مُبلّغا عن ربّه ليس إلا،لا يرجو مصلحة خاصّة من ذلك.
معالجة القرآن الكريم لمسألة الصلب
من الأشياء التي تشدّ انتباه المحقّقين في مثل هذه المسائل، نجد أنّ ما تعتبره الكنيسة جوهر العقيدة و الذي أطنب في تفسيره سبع و عشرون سفرا في الإنجيل لم يَرُدّه القرآن الكريم إلا بآية وحيدة في سورة النساء 157. ما هي الدروس المستخلصة؟
ــ أمّية رسول الله : و هذا هو الدرس الأوّل . ليس من منطق البشر إذا أرادوا تفنيد شيء أن يكتفوا بالقول :" هذه القضية لم تحدث"، بل عليهم أن
يأتوا بالبيّنات و الدلائل على صدق ما يدّعون. و لو سألنا رسول الله  ما
12
دليلك على أنّ عيسى لم يُقتل و لم يُصلب فسيقول أخبرني العليم الخبير. و نِعمَ بالله، فلا علم و لا تاريخ و لا منطق يعلو فوق كلام الله تعالى.
ــ عدالة القرآن: و هو الدرس الثاني. و المسلم لمّا يستند إلى القرآن الكريم في تفنيد صلب المسيح عيسى عليه السلام سيُواجه من قِبَلِ المسيحي بنصوص إنجيلية تثبت العكس. و أمام هذه المعضلة سيحاول المتجادلان البحث عن مصدر مستقلٍّ يحتكمان إليه. لكن لا توجد وثائق تاريخية ذكرت أو حتّى أشارت إلى اسم يسوع عليه السلام. و لمفاجئة الجميع سنرى أنّ الأناجيل التي بين يدينا هي التي تفنّد صلبه. و بهذا تتحقّق عدالة القرآن الكريم في إقامة الحجّة على المنكرين من كتُبهم التي يطمئنون إليها. و لن يجد المسيحي خيرا له من نصوصه المقدّسة في علاج هذه المسألة. و هذا أسلوبٌ ربّاني.فقد احتجّ الله تعالى على اليهود بتوراتهم. قال تعالى: "قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين". و قد قال تعالى:" و لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن". فلا شيء أحسن و لا أمضى حجّة من نصوص الكتاب المقدّس عند محاورة إخواننا أهل الكتاب.
ــ معجزة القرآن: من تصفّح ردود المسلمين في مسألة الصلب يتّضحُ جليا أنّ المسألة تتجاوزُهم. فلم يفهموا لماذا رفض القرآن الكريم صلب عيسى عليه السلام و لا أتوا بشيء جديدٍ يدعم إيمانهم . و إذا اتّضح من الأبحاث و الدراسات النقدية و التاريخ و الآثار التي اكتشفت في نهاية القرن التاسع عشر و القرن العشرين أنّ عيسى لم يصلب و لم يُقتل فهذه معجزة المعجزات.
أراء المسلمين في مسألة الصلب
اختلف المسلمون في هذه المسألة اختلافا كبيرا. و ليس في هذا عيبٌ ، بشرط ألا
13
يخرجوا عن مُحكَم النصوص . و لا يوجد فيما لم يرِدْ ذكرُه صراحة في نصوص الشرع رأيٌ مقدّسٌ. و إليك مذاهب المسلمين في هذا الخصوص.
ــ المذهب الأول: هو المذهب القائل بإلقاء الشبه. لكنّ اختلفوا في هوية من ألقي عليه الشّبه. فبعضهم يرى أنّه يهوذا الإسخريوطي ، و آخرون هو طيطانوس و بعضهم هو سرجس. و آخرون هو تلميذ غير معروف تطوّع ليموت مكان عيسى عليه السلام. و منهم من قال أنّه لمّا فشل اليهود في طلب عيسى عليه السلام ألقى اليهودُ القبضَ على رجلٍ و قتلوه و أوهموا الناس أنّهم قتلوا المسيح. و آخر هذه الآراء يتزعّمها السيّد رضوان السيّد: أنّ الظاهرة كلّها هُيّئت لهم. و لم يتمّ صلبٌ أو إلقاء شبهٍ على غيره. و نستطيع أن نقول ، بغض النظر عن هذه الاختلافات، أنّ هذا هو الرأي المعبّرُ عن المسلمين. لكنّ عيبَه أنّه لا يستطيع مواجهة رواية متّفقٍ عليها من النصارى. كما لم يبيّن ما الحكمة من إلقاء الشبه. و يبدو لأهل الكتاب أنّه طرح إشكالات أكثر ممّا حلّ ؛ فهل يجوز في حقّ الله تعالى أن يضلّ النّاس؟
ــ المذهب الثاني: يقول بصلب المسيح لكن بعدم موته. و هذا ما تقول به الطائفة القاديانية و هو ما حاول الشيخ أحمد ديدات رحمه الله إثباته . و يتخذ هذا المذهب من رأي الرازي و الزمخشري مُستندا له حيث قالا في سياق تفسير آية النساء157: "شُبّه" مُسندٌ إلى مَن؟ إن أسند إلى المسيح ، فالمسيح مُشبّهٌ به و إن أسنِدَ إلى المقتول فلم يجر له ذكرٌ."
و يعدّد هذا المذهب حججه في رفض إلقاء الشبه كما يلي: نظرية إلقاء الشبه على يهوذا وردت في انجيل بارنابا ، و لا يصحّ الاحتجاج به لأنه مـــن
14
أناجيل الأبوكريفا، التي لا يعترف بها المسيحيون. و لا دليل على نظرية إلقاء الشبه. و تنهض الأدلّة كلّها على عدم صحّتها. و إنكار وضع المسيح على الصليب يتعارض مع شهادة شهود العيان. أضف إلى ذلك عدم قدرة المفسرين على تحديد هوية الذي ألقي عليه الشبه. و هذا يشكّك، حسب هذا الرأي، في الفرضية إلى حدّ الانهيار. و ضمائر الغائب في الآية الكريمة، عند أصحاب هذا المذهب، يستحيل أن تُنسب كلّها للمسيح. فإذا وصلنا إلى قوله تعالى: و إن الذين اختلفوا فيه لفي شكّ منه" يستحيل أن تُنسب إلى المسيح. لأنهم لو شكّ اليهود فيه لتحرّوا الدقّة و الأمر سهلٌ ميسورٌ و يتحقّق بسؤاله فقط. لكن هذا لم يحدث. إذن ما معنى " شُبّه لهم": معناها أنه اختلط عليهم الأمر في شأن المسيح ؛ هل مات على الصليب أم لم يمت على الصليب. و يقول أيضا جدير بنا أن نُدقّق في معنى الصلب. لو وُضع شخصٌ على الصليب و لم يمت فلا يجوز أن نقول عنه أنّه صُلبَ.؟ و بهذا يعتقد هذا المذهب أنّه استطاع أن يوفّق بين تاريخية صلب المسيح و عدم إيمانه بالفداء.
و يُردّ على هذا الرأي إن كان التاريخ هو نصوص الإنجيل، فنصوص الإنجيل أكّدت موت يسوع على الصليب. فما مبرّر هذا الانتقاء؟. و إن كان يريد بالتاريخ مصادراً أخرى فلا نعلم أن هناك مصادرا مستقلة كتبت عن صلب المسيح. و كلّها متأثر بالنص الإنجيلي و منسوخ عنه.
و لو كان القرآن يدعم هذه النظرية لقال : و ما قتلوه و لكن شبّه لهم. لكن النصّ القرآني يميّز بين الصلب و الموت و يقول :" و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبّه لهم".و يعني أنّ عيسى عليه السلام لم يُسمّرُ أصلا على الصليب و لم يُقتل.
15
ــ المذهب الثالث:و هو القائل بصلب المسيح و موته مثل أراء د. عبد المجيد شرفي ، إخوان الصفا، و غيرهم كثير. و يرى أنّ مسألة الصلب مسألة تاريخية. و الآية " و ما قتلوه و ما صلبوه" قد تعني أنّ اليهود ما قتلوه و ما صلبوه لكن هذا لا يعني أنّه لم يصلب و لم يمت، بل صُلبَ و قُتِل على أيدي الرومان. و لا يستبعد د. عبد المجيد شرفي أن يكون نفي الصلب مقصود منه مجادلة اليهود لاستنقاص شأنهم لا غير1. كما يرى القائلون بهذا الرأي أنّ القصة القرآنية لم يُقصد بها التاريخ: و لا يلزم أن يكون هذا هو الحق و الواقع.و القرآن لا يطالب بالإيمان برأي معين في هذه المسائل. بل يمكن أن نخالفه إذا انتهى البحث و التاريخ إلى حقيقة تخالف ما جاء في القرآن. لأن القرآن يقصد العظات و العبر من هذا القصص لا غير. و دليله في هذا ما يلي:
ــ القصّة القرآنية تفتقد إلى مقومات التاريخ مثل المكان و الزمان.
ــ هناك أقوال لم ترد على لسان الأشخاص إنما أنطقهم بها القرآن. مثل: و بقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله" . فلا يصح في رأيه أن يكون اليهود قد قالوا هذا. و ينتهي إلى قوله: القرآن لم يطلب منا الإيمان بعدم صلب و
قتل المسيح. فإذا ثبت لنا من التاريخ و الكتاب المقدّس أنّ المسيح قُتل و صُلب وجب الإيمان بصلبه و قتله.
و الرأي هذا بعيدٌ جدّا عن الإسلام. و لا يجوز من مسلمٍ بأيّ حال أنّ يعتبر القصص القرآني غير تاريخي، و قد قال تعالى : " و إنّه لكتابٌ عزيزٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيلٌ من حكيم حميد" (فصلت 42) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- الفكر الإسلامي في الرد على النصارى ص 119
16
ماذا يستهدف القرآن الكريم بنكرانه صلب المسيح
اختلف المسلمون أيضا في هذا الشأن. و لهم رأيان بهذا الخصوص .الرأي الأوّل يرى أنّ القرآن الكريم رفض الصلب من باب التكذيب التاريخي. يعني أنّه نفى وقوع هذه الحادثة. و أصحاب هذا الرأي ملزمون بتفسير حكمة هذا التكذيب. و لا أعتقد أنّهم سيستطيعون. و أصحاب الرأي الثاني يقولون أنّه شاءت سُنّة الله تعالى أن ينجّي عباده المؤمنين و ينصرهم على أعدائهم. و يُردّ عليهم بأنّ نصوص القرآن المستفيضة تذكر صراحة أنّ أنبياء الله يُقتلون و قد قُتِلَ الكثير منهم. و رأينا،و الله أعلم،أنّ القرآن الكريم يستهدف التالي:
• عيسى عليه السلام ليس ملعونا بل نبيا مُباركا. و هذا ردّ على اليهود.
• نفي عقيدة الخلاص، و إقرار أنّ كلّ إمرىء بما كسب رهين. و هذا ردّ على النصّارى.
• نفي عقيدة التجسّد القائلة ببنوة عيسى لله تعالى .
• نفي نسخ عيسى عليه السلام لشريعة التوراة.
• نفي أنّ الإنجيل هو العهد الجديد. بل هو آخر أسفار العهد القديم.
• أنّ عيسى لم يؤسّس مملكة الله ، بل بشّر بها فقط.
• عيسى عليه السلام ليس هو خاتم الأنبياء.
• إثبات أنّ الإنجيل عبثت به أيدي الضّالين.
كلّ هذه الأفكار التي عدّدناها تفسّرها حادثة الصلب. فإذا انهارت عقيدة الصلب ستنهار كلّ هذه الأفكار تباعا لها.
السياق السياسي و الدّيني الاجتماعي زمن عيسى
17
لفهم المسألة فهما جيّدا فعلى القاريء أن يستحضر جملة من القضايا السيّاسية الإدارية و الدّينية و الحالة النفسية لشعب إسرائيل التي شكّلت مضمار المعترك الذي عاش فيه النبي عيسى عليه السلام مع شعبه.
1- كانت فلسطين آنذاك مستعمرة رومانية. مقسمة إلى ولايتين. ولاية الجليل في الشمال تحت حكم هيرودس أونتيباس و ولاية اليهودية في الجنوب و يحكمها بيلاطس البنطي و عاصمتها أورشليم. و قد كانت السلطة الرومانية قد اتّفقت مع اليهود إثر أزمة ثورة المكابيين في القرن الثاني قبل الميلاد على أن تحترم معتقداتهم الدينية و أعيادهم و ختانهم و سبوتهم و أن يُنصّبوا كاهنا عليهم ممن يرضونه في مقابل ألا يطلبوا الإستقلال و ألا يُجنّدوا في الجيش الروماني و أن يدفعوا الضريبة لقيصر و ألا ينفذّوا وحدهم قرارات كبيرة من شأنها المساس بالأمن و الاستقرار كتنفيذ حكم الإعدام مثلا.
2- الحالة النفسية لشعب إسرائيل: كان شعب إسرائيل يعتقد أنّه شعب الله المختار. لكن الواقع يكذّب المعتقد، فقد كان يعيش تحت السلطات الوثنية منذ 600 سنة ، و كانوا يسمّون الأمم بالكلاب و الخنازير. فكان الشعب يغتلي شوقا لوعد الله بأن يرسل إليهم المسيح المخلّص الذي يبيد الظالمين و يردّ لهم سلطانهم و مجدهم المسلوب.
3- لقب المسيح و معناه في الثقافة الإسرائيلية: تنبّأ أنبياء إسرائيل منذ إبراهيم عليه السلام على أنّ الله تعالى وعد شعبه بأن يرسل إليه المسيح.و المسيح لشدّة قربه و مكانته عند الله تلقّبه الأسفار المقدّسة " ابن الله" مجازا. و من معانيه السياسية المَلِك. جاء عيسى عليه السلام و كان إسمه المسيح( و هذا مجرد إسم و
18
لم يكن عيسى عليه السلام لا أوّل و لا آخر من تسمّى به). و كان عليه السلام وُلد من غير أب وهذا من شأنه أن يترك التباسا يسهل استغلاله من طرف خصومه. فسهل جدّا أن يُلفق ضدّه أنّه يدّعي أنّه ابن الله بالمعنى الحقيقي.
4- الصدام بين تعاليم عيسى عليه السلام و كبرياء إسرائيل: أول شيء رفض عيسى عليه السلام هو الثورة ضد روما و قال قولته الشهيرة:" أعطوا و لقيصر ما لقيصر و لله ما لله " و يعنى أنّه على إسرائيل الصبر فوقت الخلاص لم يحن بعد. ثانيا: "قال سيؤخذ منكم ملكوت الله و يُعطى لشعب آخر" و يعني هذا أنّ الله قرّر ألا يكون إسرائيل شعبه بعد اليوم .ثالثا وصف السلطات الدينية بالمنافقين و المرائين و الجشعين و اليهود ككل بسلالة الأفاعي قتلة الأنبياء. لكن هذا العدّو الجديد لإسرائيل ما فتئت تزداد شعبيته يوما بعد يوم لأنّه يحيي الموتى و يبرأ الأكمه و الأبرص و يقيم المفلوجين و المقعدين و يطرد الأرواح الشريرة و يسكت الرياح و يٌكثّر الطعام. فما السبيل إلى التخلّص منه ومن بدعته ؟ كان أمام اليهود خياران. أوّلهما أسهل من شربة ماء، و هو اغتياله في شِعبِ أو واد أو في أحد طرق أسفاره الكثيرة. لكن الخطورة هي إن اغتالوه فسيعيش شهيدا في ذاكرة من آمن به. و هكذا لا يتمّ القضاء على بدعته، كما يراها اليهود. ثانيهما بالغ الصعوبة و هو تقديمه للعدالة أمام مجلس الشيوخ أولا ثم أمام بيلاطس البنطي ثانيا حتى يسمح لهم بقتله و تعليق جثّته على خشبة كما يُقتلُ المجرمون. و هذا هو الطريق الأمثل للتخلص منه و من دعوته.
إرهاصــات الأزمــة بين عيسى و شعبه
ما ميّز زمن عيسى عليه السلام هو الثورات و التمرّد و الفوضى في فلسطين.
19
و حادثة الصلب عنوان لذلك، فهي حادثة تاريخية أجمع عليها الإنجيل و القرآن1 وأيّدها التلمود البابلي 2 و لا خلاف فيها،إلاّ في هوية المصلوب. فهو يسوع الناصرى عند اليهود و كنيسة بولس3،و هو رجل ألقى الله عليه شبه يسوع4 عند المسلمين 5.و الشيء الذي يمكن أن نستخلصه بدون منازع هو:أنّ اليهود حرصوا على قتل يسوع صلباً.و لنبدأ مناقشة الفكرة من هنا .
ولفهم الحقيقة يجب علينا أن نحلّل الوضع السياسي و الدّيني الاجتماعي للأرض المقدّسة زمن صاحب البشارة عليه السلام. فلسطين في هذا الزمان كانت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-قال تعالى :" و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبّه لهم ً ( النساء 157 ) . فاليهود في نظرهم لم يصلبوا إلا يسوع ، رغم ما كان يعتري بعضهم الشك في أنّ هذا المقبوض عليه ليس يسوع. و قد إختلف الرعيل الأوّل من الكنيسة حول هوية المصلوب فالكنيسة الرسولية لم يكن لديها أدنى شك في أن المصلوب هو يهوذا الإسخريوطي الذي جازاه الربّ عز وجل بالعدل على خيانته كما تأثّرت بعض الكنائس بها ورفضت أن يكون المصلوب هو يسوع لكنها قالت أن المصلوب هو سمعان القيرواني حامل الصليب ومن أشهر القائلين بهذا القول هو بازليد صاحب الإنجيل الذي عرف بإسمه و الذي إكتشفه بعض علماء الأثار في نجع حمادي في صعيد مصر.
2- Le fondateur du christianisme. Avant p25
3-بولس هو الذي علّم أن يسوع صُلب لأجلنا كفارة عن الخطايا ، و كنيسته هي التي أدمجت تعاليمه في أسفار الإنجيل التي لم تعلّم أبداً أن يسوع صُلب و تم هذا الإدماج عند ترجمة الأسفار إلى اليونانية. وقد شهد مؤرخو النصارى أنّ نصوص آلام المسيح لم تكن موجودة أصلا في الأناجيل، إنما كانت في كتيبات مستقلة.
4- يتفق المسلمون على أن المصلوب هو رجل ألقى الله عليه شبه يسوع . و لم يختلفوا إلا في هويته . فعند بعضهم : هو تلميذ من تلاميذه إختار طواعية أن يلقى عليه شبه عيسى عليه السلام . و عند بعضهم لما رفع الله عيسى عليه السلام و لم يجدوه ، أخذوا رجلا من أصحابه فألبسوه ثيابه و ستروا وجهه ثم قتلوه و صلبوه و أو هموا الباقين أنهم قتلوا المسيح ( الفكر الإسلامي في الرد على النصارى ص 385 ) . و هذا الكلام غير مقنع من وجهة نظر قرآنية لان الله تعالى قال :" و مكروا و مكر الله و الله خير الماكرين "(آل عمران 54 ) فلا معنى للمكر الذي مكره الله إن كان مصلوب رجلا بريئاً صُلب طواعية أو كرها .
5-أقصد بالمسلمين الذين إتبعوا عيسى عليه السلام بإحسان و هذا النبي الأمي صلى الله عليه و سلم .
20.
مستعمرة رومانية يحكمها في نصفها الشمالي الجليل،الملك هيرودس أونتيباس؛وفي
النصف الجنوبي، اليهودية، الوالي الروماني بيلاطس البنطي بمرسوم قيصري صادر عن السلطة المركزية في روما.
وقبل هذا تعاقبت عليها الادارات الوثنية منذ حملة نبوخذ نصّــر البابلي على رأس القرن السادس قبل الميلاد،مرورا بالفرس، فالإغريق و أخيرا الرومان سنة 63 ق،م. وقد عزّ على شعب الله المختار أن يعيش عيشة المهانة و الذلّ، يدفــع الجزية للخنازير و الكلاب.فاشتدّ شوقه وطال انتظاره إلى المسيح المخلّص ابن داوود. فظهر في هذا الزمان رجلٌ في ناصرة الجليل اسمه يشوع )الاسم العبراني( يبشّر شعبه بقرب مملكة يَهْوَهْ اله إسرائيل،وبقرب الفرج وينادي بعِتقٍ للمسبيين وتخلية للمأسورين وبِسَنَةِ الربّ المقبولة، وبانتقام الله ويعزّي جميع النائحين.وقد علّق عليــــــه الشعب أملا عظيما وظنّوا أنّه المسيح المخلّص. فرفض ذلك وانتهر الشعب ودعاهم لِمُسَالمة روما ودَفْعِ الجزية لها و دعاهم للصبر لأنّ وقت الخلاص
لم يحِنْ بعد، وفضح جشع ونفاق السلطة الدينية بالخصوص و الفرّيسيين على العموم.إذن فلاشكّ أنّ رجلا مثل يشوع سيشكّل خطرا، في أعين مَنْ نَصّبُوا أنفسهم أمناء و أوصياء على عقيدة وتقاليد الآباء، و متقاعسا عن انتزاع الاستقلال السياسي ومُهَدّدا لمصالح السلطة الدينية. فلا مناص من التخلّص منه بطريقة تكفل لهم الحيلولَة بينه و بين أتباعه وتمسَخُ اسمَهُ في ذاكرة الشعب.
ففكّر اليهود في قتلِ يسوع مصلوبا !؟… لكن لقتل رعية من رعايا الامبراطورية الرومانية بهذه الطريقة، و إقحام الوالي الروماني في قضية لا تعنيه مبدئيا، يجب للقضية أن تستند لِتُهمَة يُجرّمُـها القانــون الرومــاني، ولقتــل
21
إسرائيلي أمام الشعب يجب للقضية أن تستند لفتوى شرعية من مجلس الشيوخ )السنهدرين( . ومن غرائب الصُدَفِ أنّ اسم "المسيح"تتقاطع فيه التُهمَتَان السيّاسية و الدينية.
و لقد كان عليه السلام و تلاميذه فريسة سهلة لليهود لو أرادوا نَصْبَ كَمِينٍ له في أي مكان. فلقد كان عليه السلام رسولا مُتجوّلا و هذا ما يميّزه عن كثير من الرُسُل و الأنبياء.فكان لا يكاد يستقرّ في مكان حتى يغادِرَه إلى مكان آخر1 ليبشّرَ بمملكة الله . وكان يُحَرّم على نفسه و أصحابه حَمْلَ الزاد و النقود و السيف و حتى العِصِيّ2. فكان و الذين آمنوا به بدون سلاح . و اليهود جوّزوا لأنفسهم اغتيال المضايقين ، في أسفارهم المقدسة،و اعتبروه خلاصاً من الله و تخليصاً ممن اصطفاهم الربّ لهذه المهمة الجليلة3.و لو فعلوا ذلك في شِعْبٍ أو جَبَلٍ أو في أحد طُرُق أسفاره الكثيرة لَتَخلّصوا منه و خلّصوا الدهماء و السذّج و عامة إسرائيل من فتنة هذا الرجل الذي لم يكن في نظرهم سوى مضلاًّ(لو 23/2). و مشعوذًا ساحرًا4. أكَانَ خوفاً من السلطة الرومانية؟ كلاّ! فقد ثبت في الأناجيل الأربعة و سفر الأعمال أنّ الوالي الروماني كان متعاوناً مع اليهود إلى أقصى حدّ في لعبة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- تذكر الأناجيل أن يسوع كان كثير التنقل ليكرز بالبشارة . فيوم في الناصرة و آخر في كفرناحوم و منه إلى بحيرة طبرية،بيت صيدا ، المدن العشر السامرة بيت عانيا ، أورشليم ثم صور و صيدا.
2- متى 10/5 – 10 ، لو 9/3
3- لما صرخ بنو إسرائيل إلى الرب بعث لهم القاضي إيهود ليغتال عجلون ملك مؤاب (قض 3/20 – 21 ، قض 14/19 ، 15/5 ، 18/27 ، ويحكى أن أبناء دان أتوا إلى لايش إلى شعب مستريح مطمئن و ضربوهم بحدّ السيف و أحرقوا المدينة بالنار .
4-Le fondateur du christianisme pp20 ;140 et voir encore Jésus en son temps pp 67;68.
22
دخلت فيها الحسابات السياسية،وغاب عنها الضمير و الأخلاق و المشاعر الإنسانية.و رحم الله القائل:"إنّ السياسة لعبة قذرة !" فلقد استيقن بيلاطس البنطي من براءة المقبوض عليه- الذي ظنّوه يسوع – لكنّه رضخ أخيرا لإرادة اليهود و أسلمه للصلب.
فلماذا الإصرار على قتل عيسى مصلوبا ؟
لقد خاض المسلمون في هذه المسألة خوضا كبيرا و أجاب قديما القاضي عبد الجبار المعتزلي :" إنّ الأنبياء يجوز أن يُقتَلوا و يُصلَبوا ، بل قد قُتل قومٌ منهم ، و أيضا فليس في قتل المسيح طعناً عليه و لا قَدْحاً في أمرِه " . و علّق على كلامه الدكتور عبد المجيد شرفي منتقدا :" هذا يتعارض مع الرأي الشائع الذي مَفادُه أنّ إنكار الصلب راجعٌ أساسا إلى القالب الذي صَبّتْ فيه أخبار الأنبياء المتعاقبين ، و يكون الله في كلّ مرّة منقذاً لنَبيِّه من أعدائه"1. لكن مضمون الآية الكريمة:"و بكفرهم و قولهم على مريم بهتانا عظيما و قولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شّبه لهم" (النساء 157) ،لا تتّفق مع هذه الآراء.و قد شدّت انتباهي منذ زمنٍ بعيد!
ما هو الغريب في صلب يسوع،و هو لم يُصلب و لم يمت كمّا أكّد القرآن الكريم، حتىّ يتوعد الله اليهود بالعذاب الشديد : بقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله"،في الوقت الذي يذكرُ القرآن الكريم أنّ كثيراً من الأنبياء قتلهم اليهود و كأنّ الأمر عادي . قال تعالى :" و كأيّن من نبي قُتِلَ معه ربيون
ــــــــــــــــــــــــ
1-الفكر الإسلامي في الرد على النصارى ( ص 386 )
23.
كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله و ما ضعفوا و ما استكانوا و الله يحب
الصابرين و ما كان قولهم إلا أن قالوا ربّنا اغفر لنا ذنوبنا و إسرافنا في أمرنا و
ثبت أقدامنا و أنصرنا على القوم الكافرين"(آل عمران 146 – 147).و قال تعالى:" إنّ الذين يكفرون بأيـات الله و يقتلـون النبئين بغير حقّ و يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم"1 (آل عمران 22). فَقتلُ الأنبياء يجوز في حقّهم عليهم السلام والاستشهاد في سبيل الله أسمى أمانيهم .
إذن لا شكّ أنّ وراء صلب يسوع سرّاً!
وصل بنو إسرائيل،في تجربتهم الطويلة مع قتل الأنبياء،إلى القناعة أنّ قتلهم لا يزيد إلاّ في تأجيج مشاعر الاعتزاز و الفخر بهم،و بالتالي،في زيادة شعبيتهم.
فكثيرٌ من الأنبياء لم يُقِمْ لهم اليهود في حياتهم وزنا لكنهم لمّا صبروا على ما أوذوا به و قُتلوا،انتصروا و التفّ حول مآثرهم الشعب و اعترف أنّهم كانوا قدّيسين.أذكر على سبيل المثال ارميا،أشعيا و زكرياء . فرؤساء الشعب لم يكونوا أغبياء حتىّ يكرّروا تجربةً ثبت فشلها من قبل ، و يُهدوا يسوع نصراً بعد موته، قد لا يدرِكُه حتى في حياته.و كان حرص السلطة الدينية شديدا للقضاء على دعوته، و إطفاء حماس الجماهير التي آمنت به و اجتثات اسمه نهائيا من ذاكرة الشعب . فما السبيل إلى ذلك ؟ ألم يكن اسمه المسيح ؟و أخيراً اهتدوا إلى حيلة غاية في المكر و الدهاء . لقد وجدوا في كلمة المسيح مُبتَغَاهم ـ يجب ألاّ يخفى على القارىء الكريم أنّ في كلّ دينٍ مُحكَمٌ و مُتشَابِهٌ و أنّ تأويل الكلم تحكمه النيّة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- أنظر أيضاً آل عمران 183 . و قد ورد في السنة : أن شرّ الناس من قتل نبيا أو قتله نبي " فقتل الأنبياء جائز .
24
الحسنة أو السيئة ــ فمن الناحية الدينية تلقّبُ الأسفارُ المقدّسةُ العبرانية المسيحَ بابن الله مجازا1. و يسوع وُلِدَ من غير آب، فسهلٌ جدّا أن ينصرف المعنى المجازي إلى المعنى الحقيقي. وهذا ما أشاعه خصومُه وعلى رأســـــــهـم رئيس الكهنة ليجد مبرّرا لتكفيره ومن ثمّ قتله معلّقا على خشبة كما تأمر التوراة بقتل
المجرمين الملاعين. قالت التوراة:"إذا وُجِدت على إنسان جريمَةٌ حَقّهَا القَتلُ فَقُتِلَ و عُلِّقَ على خشَبةٍ فلا تَبِتْ جُثّتُه على الخشبة، بل في ذلك اليوم تَدْفِنْه لأنّ المُعَلّقَ مَلعُونٌ من الله فلا تُنَجِّسْ الأرضَ التي يُعطيك الرَبّ إلَهُك نصيبًا")تث21/22( .ولقد أجمعت الأناجيل الأربعة و الإجماع الرباعي نادر جدّا في أنّ يوسف الذي من الرّامة و هو عضــو في مجلــس السنهدرين، طلب الجثّة من بيـلاطس في اليـوم الـذي تمّ فيــه صَلْبَه و دَفنَـه (أنظر يو19/38، لو23/51، مر15/43،متى27/57(. لكن ليس حبّا في المصلوب كما ذهب إليه يوحنا اللاهوتي ومترجم متى )يو19/38،متى27/57( ،لكن لأجل ألاّ تتنجّس الأرض من إثم هذا الملعون.ودُفِن المصلوب في قبرٍ منعزلٍ في الصخر ولم يُدفن في مقابر اليهود ، كما يُوصي التلمود2 ،حتّى لا يتأذّى الموتى من اثمه، وهذا دليل آخر على أنّ المصلوب ملعون )أنظر يو19/41،لو23/53،مر15/46،متى27/60(.و أمّا من الناحية السياسية
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
1-أنظر II صم 7/14 ، أش 1 / 2 ، 43/6 ، 45/11 ، 63/16 ، 64/7 . إر 3 / 4 ، 3/19 ، 31/9 ، حز 16/20 ، 23/4 ، هو 2/1 ، 11/1 ، ملا 1/6 ، 2/10 ، 3/17 ، مز 89/27 ، 89/26 ؛أم 14/26 ، I أخ 17/13 ، 22/10 ، 28/6 ، 29/10 ، أس 8/16 ، يه 9/13 ، حك 2/13 ، 2/16 ، يش بن شيراخ 4/10 … و قد إختصرت الشهادات فهي أكبر من هذا بكثير .
Jesus en son temps(Daniel Rops) p 558 -2
25
فالمسيح معناه الملك1، وادّعاء الملك في القانون الروماني عقوبته الصلب معلّقا على خشبة.فإذا نجح اليهود في توريط السلطة الرومانية في قضية يسوع فإّنهم يضربون عصفورين بحجر : يتخلّصون منه من جهة ، و يصرفون الناس عن دعوته من جهة أخرى إذ بات في حكم اليقين أنّ هذا الملعون ، الذي ملأ الأرض من عجائبه ، لم يفعل واحدةً منها إلا بقوة بعل زبول2. فاللّعنةُ تُقصي يسوع حتىّ من أن يكون أبسط يهودي من عامة الشعب ، فكيف يدّعي أنّه نبّي مُرسلٌ3 ؟و يبدو أنّ اليهود استطاعوا لحدّ ما صرف فريق منهم عن بشارة ابن مريم عليه السلام.وتَجَرّأت ألسنَةُ الكُفرِ على لَعْنِ يسوع(أنظر I كو 12/3) . فلّم يغرّر – حسب اليهود – بنفسه فحسب بل حتىّ بتلاميذه و تناقل اليهود فيما بينهم أنّ الدعوة إلى مسيحٍ مصلوب جهالةٌ و فضيحةٌ( I كو 1/23 ). و لتلخيص اختيار اليهود الصعب و المكلف لصلب يسوع عليه السلام بدل من اغتياله بيُسرٍ في أيّ مكانٍ نقول أنّ اغتياله كان سيجعلُ منه شهيداً أمّا صلبه فيجعل منه ملعوناً.
بولس في مفترق الطرق.أيّ سبيل يسلُكُه ؟ ما هو الأيسر؟
أن يمشي باتجاه التّيار القائل أنّ يسوع الناصري صُلب،و هو ما شاع بين الوثنيين و اليهود بما فيهم يهودُ الشتات،أو أنّ المصلوب هو رجــل أُلـقي عـليه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- أتهم المقبوض عليه أمام السنهدرين بأنّه المسيح . و هي كلمة لا يعرف الوالي الروماني فحواها . أمّا في القصر فأتّهم بأنّه الملك . و هي تهمة سياسية ، لا تتسامح معها السلطات الرومانية .
2- هو اسم الشيطان . و اتّهم اليهود يسوع عليه السلام أنّه يعمل المعجزات بقوة الشيطان .
3-و هذا صدٌ عن سبيل الله :" فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيّبات أحلت لهم و بصدّهم عن سبيل الله كثيرا و أخذهم الربا و قد نهوا عنه و أكلهم أموال الناس بالباطل و اعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما " ( النساء 160– 161 )
26
شبه يسوع،وهو ما يعتقده الحواريون عليهم السلام.و لا نشكّ أبداً أنّ بولس كان يعلم هذا من الرسّل على الأقل . فلا خصومة في أنّ تبنيّ الفكرة الشعبية أسهل و الرجل الذي جعل من نفسه رسول المسيح إلى الأمم لا يغامر مطلقا بأن يسبح عكس التيار . فما كان منه ، و هو ابن الثقافة الهِلِنْستية1 ، إلاّ أن يُطَعّم فكرة الصلب بمعتقدات الخلاص التي سادت في معظم ديانات آسيا الصغرى في زمانه ، لِيُقدّمها للأمم على أنّها خلاصةُ رسالة يسوع .و يجب أن نتوقّف لحظة لِنُسجّل واحدةً من أخطر عقائد بولس : " أنّ المسيحَ مات مِن أجل خَطايانا".و هو أهمّ تعليم في الكنيسة الناشئة( أنظر I كو 15/3).
المسيح عيسى عليه السلام ملعون أم مبارك؟
لكن الإيمان بيسوع مصلوباً يعني الإيمان به ملعوناً ! و قد كان أتباع بولس في كورينْتُسْ يَلعَنُونَه ، بشكل عفوي ، و نهاهم بولس عن ذلك في رسالته إليهم و التي كتبها في ربيع 56 م:" فَلِذَلك أعْلِمُكم أنْ ليس أحَدٌ يَنطِقُ بِروح الله و يقول يسوع مَلعونٌ 2 و لا يستطيعُ أحدٌ أن يقول يسوع رَبٌّ إلاّ بالرّوح القُدس"( أنظر I كو 12/3). ثم بعد أقل من سنة يَنقلِبُ بولس رأساً على عقب ، و يكتب إلى أهلا غلاطية في شتاء 57 م لِيُعْلِنَ بوجهٍ لا يقبَلُ التأويل ، أنّ المسيحَ يسوع ملعونٌ :" فالذي افتَدَانا مـن لَعـنةِ النَّامــوس هـو المسيـحُ الـذي
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الثقافة الهلنستية هي ثقافة العالم المتحضر في زمن الإغريق و لا يشترط فيها أن يكون المرء يوناني العرق. و هي تمثّل ما تمثّله الثقافة الغربية اليوم.
2- الترجمات العربية تتحرج شديد الحرج من الكلمة و تضع مكانها " أناثيما " أو " مبسل " و الكلمة الأولى
لا يعرفها العرب و الثانية لطيفة . أما في الترجمات الفرنسية السبع التي أملكها فتضع " ملعون " .
27
صَارَ لَعنَةً لأجْلِنَا بِحَسَب مَا كُتِب مَلعونٌ كُلّ مَنْ عُلّقَ على خشبةٍ لِتكون على الأمَم بَركةُ ابراهيم في المسيحِ يسوع "( غلا 3/13). هذه فضيحة! و بالخصوص أنّ يسوع هو الله المتجسّد في دين بولس . لا يوجد في كلّ أديان الدنيا منذ أن ذرأ الله ذرية آدم على الأرض دينٌ يلعن رّبه و إلهه إلا بولس و أتباعه. حتّى عابد البقر لا يلعنُ بقرتَه.
أخي الكتابي ! هل تعلم أنّ علماءَك لا يَجرؤون أن يُصارِحوك أنّك تَلعَنُ المسيح ؟ ! هل تعلم أنّ لاعِنَ المسيح عيسى ملعونٌ ، و مُبارِكَه مُباركٌ ، قياساً على قول الله لعبده ابراهيم " و أبَارِكُ مُبارِكِيك و ألعَنُ لاَعِنِيكَ "( تك 12/3؛ 27/29). و أوحى الله لبلعام بن باعور :" لا تَلعَن الشّعبَ ( إسرائيل ) لأنّه مُبَارَكٌ " ( عد 22/12).
هل وعيت أخي الكتابي ! أنّ اللعنة و البركة لا تجتمعان إلاّ في فكر بولس السقيم . و قد علّم يسوع عليه السلام في إشارة لطيفة إلى أولي الألباب الذين تنَفعُهم الذكرى أنّ اللّعنةَ طردٌ من رحمة الله ، و ذهابٌ بالبركة و أنّ لاعنيه في ضلال مبين . يذكر إنجيلا متى و مرقس أنّ يسوع جاع فرأى شجرةَ تينٍ من بعيد عليها ورقٌ . و وصل إليها لعلّه يجد فيها شيئا . فلمّا وصلها لم يجد شيئا لأنّه لم يكن وقت التين . فقال لها :" لا يَأكُل أحدٌ مِنك ثمرا بعدُ إلى الأبد " . و في اليوم الآخر إذ كان يسوع و تلاميذه مجتازين رأوا التّينة قد يَبِست من الأصول. فقال الحواري بطرس"يا سيدي أنظر التينةَ التي لَعَنتَها قد يَبِسَتْ"1.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1-مر 11/12 – 14 ، 11/20 – 21

.28
كنت أتصفّح الكتاب المقدس مرة ، فوقعتْ عيني على هذه القصّة . و قدّرتُها للأول وهلة أنّها قصّة " سخيفة".جاء يسوع إلي تينة،و الوقت ليس وقت تين ليأكل ؟ لا! جاء ليلعن ! و عرفت بعد تمهّلٍ ، أنّ هذه القصّة التي لا تزيد مثقال ذرة إلى العجائب التي صنعها يسوع بإذن الله – فأين مكانها من معجزة إحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص و العرج و العمي و تكثيره الطعام – أتت لتخبر أنّ لاعني المسيح ملعونون.و قد ذكرها متى و مرقس و تجنّبها لوقا تلميذ بولس لاعنُ المسيح . فمن هم أتباع المسيح أالذين يلعنونه أم الذين يباركونه !؟ قال تعالى في القرآن الكريم على لسان عيسى عليه السلام "قال إنّي عبد الله أتاني الكتاب و جعلني نبيا و جعلني مباركا أين ما كنت"( مريم 31 ).
و نعود إلى موضوعنا . ما هي دوافع بولس في تغيير موقفه من النهي عن لعن يسوع إلى الأمر به ؟ اقرأ، أخي، رسالة بولس إلى أهل غلاطية1 !.و تمعّن فيها جيدّاً تجد أنّ أول شيء استهلّ به رسالته هو توبيخ الغلاطيين الذين تحوّلوا إلى إنجيل آخر غير إنجيل النعمة2 الذي يعلّمُه بولس؛ ثانيا يُدافع عن رَسُولِيَته بأنّه ليس كاذبا، وثالثا يهاجم أمير الحواريين بطرس عليه السلام هجوما عنيفا.و أخيرا يؤكّد أنّ الشريعة نُسِخَت بنِعمة الصليب . و يحرّضهم للرجوع إلى إنجيله،بكلمات شديدة الوقع . فمن مضمونها نستطيع قراءة السّبب الذي كان من وراء كتابتها.إذ لكلّ ردّ فعلٍ فعلٌ سَبِقه ."و لا دخان بدون نار" كما يقول المثل
ــــــــــــــــــــــــــــــ
1- أهل غلاطية هم أهل شمال تركيا الحالية
2- إنجيل النعمة يعني به بولس أنّ شريعة موسى نسخت بموت يسوع الكفاري فلا خطيئة تتبعنا . و لا محرّمات و لا قوانين و لا طقوس.و يذكره بولس في مقابل الإنجيل الذي يتمسك بشريعة موسى .
29
الفرنسي. لقد عرّج إمام الحواريين إلى غلاطية حاملا البشارة بملكوت الله، داعيا للإيمان بالله و رسوله و العمل الصالح الذي تأمر به شريعة موسى عليه السلام ، بما في ذلك الختان . مُكذِّبا صَلب يسوع، لأنّ صَلبه يعني لعنه . فلم يجد رسول الأمم مخرجاً من ورطته التي وقع فيها بتعليمه : " أنّ المسيحَ مات من أجل خطايانا " إلاّ أن يهرب إلى الأمام بقوله : "صَارَ لَعْنَةً لأجلِنَا بِحَسَبِ ما هو مَكتُوبٌ مَلعُونٌ كلُّ من عُلّقَ على خَشَبة لِتَكُونَ على الأمَمِ بَرَكَةُ إبرَاهيم في المَسيح يَسوع".و الكلام هذا فارغ المضمون .و لا يُقنع إلاّ من عَمِيَت بصيرتُه إذ كيف تتبارك الأمم في مَلعُونٍ مَمْحُوق البَركة ؟ !
الليـلة الحاســمة:
تروي الأناجيل الأربعة أنّه لمّا احتفل سيّدنا يسوع عليه الصلاة و السلام بعيد الفصح مع تلاميذه في بيت الحواري مرقس بأورشليم ،خرج إلى جبل الزيتون في العَتَمَة ليقضي ليله في بستان جتسيماني. وكان يأوي إلى هذا المكان حَذراً من غدر اليهود . و بطلبٍ من رئيس الكهنة أرسل بيلاطس جنده يصحبُهم يهوذا الإسخريوطي – و كان قد كفر برسول الله يسوع – لِيَدُلّهم عليه إذ لا أحدٌ يعرف أين اعتاد أنّ يبيت ليله و أصحابه غيره. ابتداء من اللحظة التي وصل فيها يهوذا بصحبة العسكر إلى بستان جتسيماني بجبل الزيتون في ظلمة الليل البهيم ، تحدث الحادثة العجيبة التي أشارت إليها الأناجيل! لقد أُلْقِي القبضُ على الرجل الذي ألقى الله عليه شَبَهَ يسوع! واقتيدَ إلى قصر الكاهن الأعظم .و تَبِعَهُم الحواري بطرس من بعيد و استطاع الدخول إلى فناء القصر و الحضور لجلسة المحاكمة . و كيفية دخول إمام الحواريين إلى القصر هي المفتاح الذي يحلّ اللغز
30
العجيب. لا تخبرنا الأناجيل المتشابهة كيف دخل بطرس .وتتّفق في أنّه لمّا قيل له أنّك أنت أيضا مع يسوع الناصري أنكر و لعن و حلف بالله أنّه لا يعرف هذا الرجل ( مر 14/71، متى 26/74). و تريد هذه الأسفار أنّ تقنعنا أنّ نكران بطرس كان بسبب الخوف على نفسه من أن يلقى نفس مصير مُعَلّمه .لكن القصّة ، في سفر يوحنا ، رغم ما تبديه من تشابه يكاد يكون مطابقا مع تلك التي ترويها الأناجيل الثلاثة الأولى فإنّها، في الحقيقة، بعيدةٌ عنها بعد المشرق عن المغرب. ففي هذا السفر ، يُفسّر دخول بطرس إلى فناء القصر بتدخلّ تلميذ آخر لدى رئيس الكهنة ، و الذي كان يعرفه جيدا ، ليسمح لأخيه – الذي كان واقفا لحدّ تلك الساعة عند الباب في الخارج – أن يدخل إلى القصر و يحضر للمحاكمة ( يو 18/15 – 17).
إذن لمّا أنكر بطرس معرفة هذا الرجل الذي يُحاكم أمام السنهدرين لم يكن بسبب الخوف على نفسه ، لإنّه كان سلفا معروفاً هو و التلميذ الآخر من قِبَلِ الكاهن الأعظم من أنّهما تلميذان ليسوع ! فبطرس الحواري لم يَكذِبْ و لم يَحْلِفْ باطلا ، فالرجل الذي أمامه ليس له من يسوع إلا الصورة ! و أدعوك أخي للتأمل في سؤال حاشية القصر لبطرس و جوابه : تقول له الجارية أنت كنت مع يسوع الناصري . و هو يجيب باليمين أنّه لا يعرف هذا الرجل.و لم يقل : لا أعرف يسوع الناصري. ( أنظر مر 14/67 ؛ متى 26/71-72) . و التاريخ يؤكد هذه الرواية . فلقد ظهر في الصدر الأول للمسيحية مذهبٌ عُرِف بالمذهب الدوكيتي. تشعّبت بأهله الأهواء لكنّها تجمع أنّه لم يُصلَب من يسوع إلاّ صورَتُه.و رفضت الكنيسة الاعتراف بالأناجيل المنسوبة للحواري بطرس لسبب
31
أنّ فيها مسحة دوكيتية 1.
و لقد تأثرت الكنائس القديمة بهذا الرأي القائل أنّ يسوع لم يُصلب حقيقة إنّما صُلبت صورته. و من بين القائلين بهذا القول كنيسة فالنتين و سيرانت و مرقيون و باسيليد2.و قد ظهر هذا المذهب قديما . و لقد ظهر يقينا قبل نهاية القرن الأول،و قبل كتابة الإنجيل الرابع . و تذرّع هذا المذهب، لدعم معتقده، بأنّ حامل الصليب هو سمعان القيرواني كما تروي الأناجيل المتشابهة( لو 23/26 ؛ مر 15/21 ؛ متى 27/32) . و المحكوم عليه بالموت صلبا ،في القانون الروماني، هو الذي يجب أن يحملَ صليبَه كما كان معروفا ( أنظر 2599 ؛2433 TOB pp). و لأجل تجريد خصُومه من السلاح الذي قد يدعمون به مُعتقدهم وجد يوحنا اللاهوتي كاتب الإنجيل الرابع نفسَه في مأزق و اضطرّ أن يُخَالف ما أجمع عليه الإنجيليون الثلاثة الذين سبقوه، و يكتب أنّ حامل الصليب هو يسوع نفسه ( يو 19/17). و كَشَفت الآثار في نجع حمادي بمصر سنة 1945 عن أناجيل من بينها إنجيل باسيليد التي تقول أنّ سمعان القيرواني هو الذي صُلِب مكان يسوع3 ، و تعترف الترجمة المسكونية قي هذا الصدد أنّ إنجيل يوحنا متأثرٌ بالمذاهب الدوكيتية حيث تكتب :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- و يعترف دانيال روبس في كتابه " كنيسة الرسل و الشهداء " أن إنجيل بطرس كان منتشرا بين مجموعات كثيرة نصرانية . و ينقل عن أوسابيوس أنّ سيرابيون أسقف أنطاكية عُرض عليه إنجيل بطرس و سمح بتلاوته و لمّا عرف أنّه مصبوغ بالصبغة الدوكيتية حرّم قراءته.أنظر كتاب دانيال روبس الموالي . L’Eglise des Apotres et des martyrs p 310.
2- ظهر مرقيون و باسيليد في منتصف القرن الثاني للميلاد. بعني أنّه كان قريبا من مصادر الخبر. و هو الذي الذي إضطر الكنيسة لتحديد موقفها من الأسفار المقدّسة.
3- مقدمة د/عمار الطالبي لكتاب محضرات نصرانية ص 59 .
32
" حسب القوانين المعمول بها أيّام الرومان فإنّ المحكوم عليه يُكلّفُ بحمل صليبه ، و في الأناجيل المتشابهة فإنّ سمعان القيرواني هو حامل الصليب بينما في إنجيل يوحنا هو يسوع نفسه". و تتسآءل :" هل يمكن أن نفهمَ من التجَاهلِ المتعمّد ليوحنا الإنجيلي لسمعان القيرواني محاولةً منه لقطع الطريق على المذاهب الدوكيتية التي ترى إمكانية صلب سمعان القيرواني مكان يسوع "1. و هذه المذاهب ظهرت يقينا قبل نهاية القرن الأول و هو أمرٌ معروفٌ في التاريخ الكنسي كما جاء في الصفحة رقم 72 من كتاب شَعْبُ القرآن 2 – و هو كتاب للكنيسة الإنجيلية تقترحه على أتباعها في نقاشهم مع المسلمين لأغراضٍ تبشيرية ـ فمِنْ أين أتت فكرةٌ مثل هذه عند قـوم لم يَفصِلهم عن رفع يسوع إلى السماء إلاّ خمسون سنة على أقصى تقدير إن كان المصلوب هو يسوع ؟
و يعترف التاريخ من جهة أخرى أنّ قصّة آلام المسيح وصلبه لم تكـن في بادئ الأمـر في إنجيـلي مـــتىّ و مرقس بل كانت في كتيبات مستقلّة أُدمِجت للسفرين عند ترجمتهما إلى اليونانية . يقول دانيال روبس في كتابه كنيسة الرسل و الشهداء ما يلي:" بطلبٍ من جماعة المؤمنين في روما دوّن مرقس انجيـله كـمـا
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-"Selon la législation courante, le condamné devait porter lui même l'instrument de son supplice ; Jean omet intentionnellement la notice des synoptiques concernant l'intervention forcée, à un moment donné, de Simon de Cyrène ( Mt 27/32; Mc 15/21; Lc 23/26 ) ; jusqu'au bout, Jésus assume pleinement et seul sa Passion et sa mort. Faut-il voir ici une réaction contre une interprétation docète suivant laquelle Simon de Cyrène aurait été crucifié à la place de Jésus ? " voir Traduction oecumènique de la Bible p 2599 note t.
2-voir encore Le peuple du Coran p72.: "L'idée que Jésus aurait été remplacé sur la croix par un sosie a circulé bien avant l'Islam dans les cercles gnostiques.
33
سمعه من معلّمه الحواري بطرس. و أضاف إليه ما كان بحوزته من كتيبات مستقلّة تقصّ ألام المسيح"1. و من خلال هذه الشهادة من المؤرخين المسيحيين يتّضح أنّ بطرس الحواري لم يكن يعلم شيئا عن ألام المسيح و موته.
محـــــاكمة المقبوض عليه:
المقبوض عليه مثُلَ أمام محكمة جنائية حسب توصيف شريعة التوراة و القانون الروماني. و ككلّ قضية جنائية فإنّها تتركب من خمس عناصر، حتى و لو كانت السلط و الاختصاصات في ذلك الزمان غير مستقلّة بعضها عن بعض، هي الادّعاء العام و قاضي التحقيق و قاضي الحكم و المتّهم و التهمة. و لغرض التحقّق من سلامة الإجراءات علينا معرفة ما هي التُهمة و من هم قضاة المحكمة و المدّعي العام.
و نعود إلى سير المحاكمة لِنَثبُتَ أو نَنْفي أنّ الرجل هو يسوع أو غيره. تتّفق الأناجيل المتشابهة في أنّ اليهود لمّا لم يتّفِقوا على تُهمة معينة لإدانة الرجل الذي ألقي عليه القبض ، قام رئيس الكهنة ليسأل : " أأنت المسيح ابن الله الحي ؟ " ؛ لكنها تباينت جدًّا في الإجابة .و هذه إحدى الصعوبات الكبيرة التي تُقلِق علماء النصرانية ، كما يعترف بذلك شارل دود في كتابه مؤسس المسيحية 2 وقد أجمعت الأناجيل على أنّ المقبوض عليه أنكر أنّـه المسيـح،أمـام الكـاهن أوّلا إذ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-Daniel Rops rapporte dans son livre "l'Eglise des Apôtres et des martyrs"p 296: Sur la demande de la communauté romaine, entre 55 et 62, Marc met par écrit ce qu'il a entendu de Pierre. Il dispose, en outre, de quelques livrets aide-mémoire, notamment d'un récit de la Passion du Christ".
2-Le fondateur du christianisme. Apres p160
34
أجاب :"أنت الذي تقول هذا"1.و في نص لوقا: " أنتم تقولون أنّني أنا هُوَ". فعلّق اليهود:" إذن أنت ابن الله!". فقام الكاهن و مزّق ثيابه و قال :لقد كفر! ... لقد كفر! و ما حاجتنا إلى شهود". و الترجمة المسكونية التي أعدّها 139 عالماً يمثّلون مختلف الكنائس الناطقة بالفرنسية تكتب في الصفحة 2526 المذكرة d ، معلّقة على نص لوقا السالف الذكر و هو اعترافٌ لا يُقدّرُ بثمن:" مقبولٌ أن نُترجم : أنتم الذين تقولون هذا. ممّا يعني أنّ يسوع قد رفض هذا اللّقب"2. و يعني هذا أنّ المقبوض عليه لم يعترف أنّه يسوع ." أنت الذي تقول هذا !" تعني هذا ما تقوله أنت ! أمّا أنا فأقولُ لسْتُ المسيح!". و لا يوجد اسثناء الا في نص مرقس 14/62 حيث أجاب:" نعم أنا هو!" و الشّاذ لا يُقاس عليه.و قد أنكر شارل جينيبر وجود هذا النصّ في البدء في السفر. يجب ألا نمرّ حتى نبيّن العيوب الجوهرية في المحاكمة أمام الكاهن و التي تمسّ بمصداقتها من الأساس. حسب نصوص التوراة يجب أن يكون الحُكم مؤسّسا على التحقيق و الفحص العميق، و كما هو واضحٌ من تصريحات المحبوس أنّه لم يعترف بالتّهَم المنسوبة إليه بل لم يعترف أصلا أنّه من يريدون. و لقد كان الأولى أن يتحقّقوا من هويته أولا و هذا لم يتمّ. كما يبدو واضحا أنّ الكاهن ، و الذي لم يسبق له أن التقى مع يسوع و لا سمع منه مباشرة من قبل ، كان يمثّل الإدّعاء العام و قاضي الحكم و الخصم في نفس الوقت. و إذا كان الحال هكذا فلا يمكن للحكم أبدا أن يكون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- متى 26/ 63-64 ،لو22/70من الترجمة المسكونية أنظر النص الأصلي.
2-TOB p 2526 note d :on pourrait traduire : "C'est vous qui le dites; et cela signifierait que jésus refuse ce titre."
.35
نزيها. و أخيرا التّهمة التي انبنى عليها الحُكم بكُفر المتّهم و من ثمّ الإعدام لم تثبت على السجين، إنّما استنتجها الكاهن و مجلس شيوخ اسرائيل، كما هو واضح جليٌ من نصّ لوقا. و لهذا فالمحاكمة كانت صورية لا حقيقية. و قد كان اليهود بيّتوا النيّة الأكيدة سلفا على قتل من ظنّوه أنّه يسوع. و رغم المحاولات اليائسة للسجين في الدفع بأنّه ليس المسيح و لا ابن الله لكن من يُصدّقه!
ثمّ أجمعت الأناجيل مرّة أخرى أنّه أنكر أنّه المسيح أمام بيلاطس البنطي. قال الوالي الروماني للرجل :" أأنت ملِكُ اليهود؟".فأجاب:"أنت الذي تقول هذا!"
(متى27/11؛مر15/2؛لو 23/3 ،يو18/37.)1.الإجابة نفسها أمام رئيس الكهنة . وقد فَهِم بيلاطس هكذا بدليل أنّه برّأه ممّا نسبه إليه اليهود،فخرج ليقول : "إنيّ لا أجد في هذا الإنسان علّة ممّا تشتكون به عليه.و لا شيء يستحقّ الموت من أجله" (لو 23/4 ؛ مر 15/14 ؛ متى27/23 – 24،يو18/38). و لا أحدٌ يستطيع أن يُشكّكَ في نزاهة حكم بيلاطس. فهو المسؤول الأول عن الأمن و الإستقرار في اليهودية، أضف إلى ذلك أنّه لم يكن طرفا من هذه الشيعة و لا من تلك. و قد عمِل، بدافع الخوف من اليهود ، كلّ ما من شأنه حتى يعدلَ اليهود عن مشروعهم. فلمّا وجد من إصرارهم على قتله ما وجد،لجأ إلى حيلة قانونية حتى لا يكون مسؤولا عن سفك دمٍ برئٍ . و قال لهم لست مختصًّا إقليما،فهذا الرجل جليلي و الجليل من اختصاص هيرودس(لو 23/7) . و أرسله إلى والي الجليل و كان يومئذ في أورشليم .و لسوء حظّ بيلاطس رُدّ إليه الرّجلُ بعدما أُلبس لباساً يلخّص معاني الاحتقار و السخرية منه
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
1-(C’est toi qui dit que je suis roi) Voir TOB
36
لكنّ الحاكم أعاد الكرّة لعلّ اليهود يثوبون إلى رُشدهم قائلا – بمناسبة عيد الفصح ،و كان من عادته أن يطلق لهم سراح مسجون في هذه المناسبة – " أفتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود" (يو 18/39 – 40 ؛ لو 23/16 – 18 ؛ مر 15/9 – 11 ؛ متى 27/20 – 22 ). فصرخوا جميعهُم لا نريد هذا بل باراباس !و أشتدّ الخلاف بين الوالي و اليهود إلى درجة نفَذَ فيها صبُرُه ، و خاف على نفسه و منصبه لما هدّدوه برفع شكوى إلى قيصر إن هو أطلق من ظنّوه يسوع ، لأنّ كلّ من يتسامح مع رجل يدّعي أنّه ملك اليهود فهو متآمر على مُلك قيصر و على إستقرار الإمبراطورية ( أنظر يو 19/12) . و ما كان منه أخيراً إلاّ أن أذعن لإرادة اليهود،و غسل يديه أمام الملأ.لِيُعلِنَ براءته من دم المقبوض عليه،وأسْلَمَهُ للصلب .(متى 27/24 ). وإدّعاء المُلكِ تُهمَة سيّاسية خطيرة من شأنها أن تزعزع استقرار الإمبراطورية الرومانية وتدعو إلى العصيان المدني.و هو الأمر الذي لم تتسامح معه روما أبدا1.
ما مبرر نكران المقبوض عليه أنّه المسيح ؟
فَلِمَ يُنكر يسوع أنّه المسيح أمام السنهدرين و بيلاطس إن كان المقبوض عليه هو يسوع حقا ؟!…وللإجابة عن هذا السؤال نفترض ثلاثة فرضيات .و لا أعتقد أنّه يوجد أكثر .ثم نناقش كلّ واحدة لِنَرَ أيّها أصحّ .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1- الصلب عقوبة السرقة والقتل والخيانة وزعزعة الإستقرار في القانون الروماني زمن المسيح عيسى عليه السلام .وفي فلسطين ,زمن الرومان ,أعدم ألفان من اليهود الثائرين من قبل القائد العسكري كوانتيليوس فاروس ¬¬¬¬¬¬(50ق م –9 م) بعد موت هيرودس الأكبر.وفي السنة 7م صلب يهوذا الجليلي الذي قاد حركة التمرد ضد الرومان.(أنظر2433TOBP ).
.37
ـ الفرضية الأولى: يسوع لم يدّع أبدا أنّه المسيح قبل موتـه كـما افترض لوقا في سِفْرَيه1 وهذه الفرضية باطلة من الأساس.لأنه لا نستطيع حينئذ أن نفسّر كيف أتت فكرة اتهام اليهود ليسوع بالمسيح،و لما تقاطعت التُهمَتان الدينية والسياسية في كلمة "المسيح". فمعناها الديني هو "إبن الله"ولقد جدّف بإدعائه أنّه "إبن الله "هو الذي وُلِدُ من غير أب –على كل حال هكذا أرادوا أن يفهموها -.ومعناها السياسي"الملك"وقد يثير الفوضى و اللاستقرار في الإمبراطورية .إذن خلاصة القول لو لم يقل عليه السلام أنّه المسيح بشكل أو بآخر) وهو اسمه الثاني( لما وجد اليهود مبرّرا لإتهامه بالتجديف على الله من جهة، ولما إستطاعوا إقحام الوالي الروماني في قضية لا تعنيه مبدئيا من جهة أخرى .
ـ الفرضية الثانية : أنّه تحت وطأة الخوف من السنهدرين وبيلاطس أنكر أنّه المسيـح أو اسمه المسيح .وهذه أيضا فرضية باطلة .ويستحيل حتى في حقّ رجل شهم كريم أن يتنكّر لمبادئه وتعاليمه التي من أجلها ناضل طول حياته ،‎ليتخلّى عنها في لحظة خوفه ،وبخاصة من رجل علّم الإتّكال على الله وحده والخوف منه وحده قال :"لاتخافوا ممن يَقتلُ الجسَدَ ولا يستطيعُ أن يفعلَ بعد ذلك شيئا ،بل خافوا مِمّن إذا قَتلَ عذّبَ في نار لا تنطفئ"(متى 10/28 ؛ لو 12/5).
وقال أيضا عليه السلام "أليسَ خمسَة عصافيرَ تُبَاع بِفَلْسَينِ.وواحدٌ منها ليس مَنسيا أمام الله.بل شعرَ رؤوسِكم أيَضا مُحصَى.فلا تخافوا! أنتم أفضل من عصَافيرَ كثيرَةٍ "( لو 12/6 – 7 ؛ متى 10/29 – 31 ).
ــــــــــــــــــــــــــ
1- أنظر لو 24/26؛ 46 و أيضا سفر الأعمال 2/36.
38.
ــ الفرضية الثالثة:إذا تبيّن بطلان الإحتمالين السابقين بقي الإحتمال الأخير وهو أنّ الرجل المقبوض عليه ليس له من يسوع الاّ الصورة. ويذكر إنجيلا متى ومرقس أنّ الرجل المقبوض عليه كان جباناً شارد الفكر مُشَتّت القُوى مُنهَارُ الأعصَاب ،لا يُجيب بأيّ كلمة كأنّه مجنون .وبيلاطس نفسُه جَزَم أنّ تَبَكّم الرجل لا يتّفق مع شخصية يسوع الجذّابة وخطاباته القوية التي كانت تؤذي الذين كفروا به ولهذا تَعَجّبَ عجبا شديدا !( أنظر متى 27/12-14؛ مر15/5) … كيف لا يتعجّب من رجل صنع به الله عجائب لم يصنعْها أحَدٌ قَبْلَهُ : أحيا الموتى ، أبرأ البرص و العمى و العرج… و ملأت تعاليمه الأرض المقدسة . و منذ يومين فقط دخل الهيكل في عيد الفصح و طَرَد البَاعَة و قَلَب موائد الصَيارِفَة و كراسي بَاعَة الحمَام و قال : "مكتوبٌ بيتي بيتُ الصلاة يُدعى و أنتم جعلتُموه مغارةً للّصوص ! " ( متى 21/13 ؛ مر 11/17 ؛ لو 19/46). منذ يومين فقط ، صَدَع بالحقّ و جَابَهَ الفرّيسيين و الكَتَبَة بأغلظ الكلمات : " و يلٌ لكم أيها الكتَبَة و الفِرّيسيون المُرآؤون و المنافقون لأنّكم تُغلقون مَلكوت السّماوات قُدّام النّاسِ فلا تَدخُلون أنتم و لا تَدَعُون الدّاخلين يَدخلون . ويل لكم أيّها الكتبة و الفريسيون المرآؤون لأنّكم تأكلون بيوت الأرامل و لِعِلّة تُطيلون صَلواتكم . لذلك تأخذون دَينونةً أعْظم . ويل لكم أيّها الكتبة و الفرّيسيون المراؤون لأنّكم تطوفون البحر و البرّ لِتَكسِبوا دَخيلا واحدًا و متى حصل تَصنعونه إبنًا لجهنّم أكثرَ مِنكم مُضَاعفا . ويل لكم أيّها القادة العميان القائلون من حَلف بالهيكل فليس بشىءٍ ، و لكن مَنْ حَلفَ بِذَهَب الهيكل يَلتزِمْ .
39.
أيّها الجُهّال و العُميان أيّهُما أعْظمُ الذّهَبُ أمِ الهيكَلُ الذي يُقدّس الذَهَب . و مَنْ حَلف بالمذبحِ فليس بشيء . و لكن مَن حلف بالقُربان الذي عليه يلتزم . أيها الجهّال العميان أيّها أعظم القربان أمِ المذبحُ الذي يُقدّس القُربانَ.فإنّ مَنْ حلَف بالمذبحِ فقد حَلَف بِهِ و بِكُلّ ما عليه.و مَنْ حَلَف بالهيكَلِ فَقد حَلَف بِه و بالسّاكِنِ فيه.و مَنْ حَلَف بالسماء فقد حَلف بعَرشِ الله و بالجَالِسِ عليه ويل لكم أيّها الكتبة الفرّيسيون المراؤون لأنّكم تُعَشّرون النَعنَع و الشِّبِثَّ و الكَموُّن و تَرَكْتُم أثقَلَ النّامُوس : الحّق والرحمة والإيمان .كان ينبغي أن تعمَلوا هذه و لا تَتْرُكوا تلك .أيها القادة العميان الذين يُصَفّون عن البعوضة ويَبْلَعون الجَمَل . ويل لكم أيّها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنّكم تُنَقّون خارج الكأس و الصَحْفَة وهما من داخل مملوآن إختطافا ودعارة .أيها الفريسي الأعمى نـَقّ أولا داخل الكأس والصَحْفَة لكي يكون خارجهما أيضا نقيّا.
ويل لكم أيّها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنّكم تُشبِهون قبورًا مُبيّضة تظهرُ من خارج جميلة وهي من الداخل مملوءة عظامُ أمواتٍ وكلّ نَجَاسةٍ .هكذا أنتـم أيضا من خارج تظهرون للناس أبرارًا ولكنّكم من داخل مشحونون رياء وإثما .ويل لكم أيّها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تبنون قبور الأنبياء وتُزيّنون مدافن الصدّيقين ,وتقولون لو كنّا في أيام آبائنا لما شاركناهم في دم الأنبياء فأنتم تشهدون على أنفسكم أنّكم أبناء قتلة الأنبياء. فاملأوا أنتم مِكيال آبائكُم .أيّها الحيّاتُ أولادُ الأفاعي كيف تهربون من دَينونَة جهنم .لذلك ها أنا أرْسِلُ إليكم أنبياء وحُكماء وكَتَبة فَمِنهم تقتُلون وتَصلبون ومنهم تَجلِدون في مَجَامعكم وتطرُدون من مَدينة إلى مدينةٍ .لكي يأتي عليكم كلّ دم زكّي سُفِكَ على الأرض مِن دم هابيل
40
الصِّديق إلى دَم زكريا بن برخيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح"( متى23/13-36؛ لو11/39-52؛ مر12/40 ). فرجلٌ هذه شيّمه و خصالُه لا يخاف من الموت و لا يجزع منها.
من هو الذي صُلب مكان عيسى عليه السلام ؟
ينقل علي بوعمامة و د.شرفي عبد المجيد في كتابيهما1 عن أصحاب الردود المسلمين قولهم :" ألقِيَ الشَبَهُ على تلميذ من تلاميذ عيسى عليه السلام فظنّه اليهود أنهّ صاحبهم الذي يريدونه ".والفكرة هذه لا تُقنع . إذ كيف يخّلص الله يسوع ويُطهّره من الصلب لِيصلِبَ صِدِّيقا آخر مكانه ؟ أ هكذا يكون مكر الله؟ و إلقاء الشَبَه على رجل بريء ظُلمٌ ويستحيل الظلم على ربّ العالمين .وهو تعالى حرّم الظلم على نفسه ،وجعله محرمّا فيما بيننا… إذن يجب أن نصل مبدئيا ،على أساس الايمان بعدالة الله ،أنّ الذي ألقي عليه شبه يسوع يستحقّ الصلب واللعن جزاء بما كسبت يداه :"وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون") النحل33(. تذكر الأناجيل وسفر الأعمال بالإجماع أنّ تلميذًا من تلاميذ سيّدنا عيسى عليه السلام كفر بعد إيمانه وازداد كفرا،اسمه يهوذا الإسخريوطي . وتذكر أيضا أنّه اختفى .واختفاؤه يبدو من الأناجيل،أنّه كان لغزاً محيّراً.ولهذا السبب اختلفت الروايات وتضاربت الأخبار في هذا الشأن .وكان المفروض أن لا يُذكر خبر موته وجريمته لأنه لم يفعل إلاّ ما أراد الله في مشروعه الأزلي الذي قررّ أن يُرسل ابنه،ولا يشفق عليه،ليموت على الصليب كفّارة عن خطايا البشر حسب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-La littérature polémique musulmane contre le christianisme depuis ses origine jusqu’aux XIII siécle. P189 .
وأنظر أيضا الفكر الإسلامي في الرد على النصارى ص385
41
معتقد بولس فلماذا يُجهد لوقا و مترجم متّى نفسيهما لِيقُصّا خبراً متنا قضا عن نهاية هذا الخائن الأثيم ؟! يورد مترجم متىّ خبر موت يهوذا قبل خبر محاكمة يسوع أمام بيلاطس. ممّا يدلّ على أنّ اختفاءه كان متزامنا مع اختفاء يسوع.أمّا لوقا فيورد خبره في سفر الأعمال و يتناقض مع مترجم متىّ في أنّ الذي اشترى الحقل بدارهم الجريمة هو يهوذا نفسه الذي سقط فيه على رأسه و اندلقت أمعاؤه،و لهذا سمُيّ الحقل بحقل الدّم.أمّا في مترجم متىّ فالكهنة هم الذين اشتروا الحقل بدراهم الجريمة التي رماها يهوذا بعد ندمه ثم شنق نفسه (متى 27/3-8؛ أعمال 1 /18-19).
و يذكر شارل دود أنه كانت للكنسية الأولى قصّة أخرى مختلفة تماما عن هذه التي تروي نهاية هذا الشقي1. كلّ هذه الراويات المتناقضة،و معتقدات المذهب الدوكيتي القديم،و الحجج الإنجيلية التي أوردناها،و على أساس إيماننا بعدالة الله تعالى و مكره الشديد،نرشّح يهوذا أن يكون هو المصلوب و بالتالي الملعون الذي يستحقّ ذلك بعدل الله تعالى لأنّه أراد أن يسلم بارّاً للأثمة ، تكذبيا له و صدّاً عن سبيل الله .
و خبرُ صلب يهوذا الإسخريوطي مَكَانَ يسوع معروفٌ لدى المسلمين من أهل الكتاب الذين أسلموا- و الذين كانوا يقينا على غير مذهب بولس- منذ القرن الثالث للهجرة و ليس كما يدّعي المسيحيون منذ اكتشاف إنجيل بارنابا فقط حيث أورده إبن جرير الطبري المتوفي سنة 310 هجرية في تفسيره باسم " يودس زكريوطا" (الجزء السادس ص ص 11- 12.في تفسير قوله تعالى و مــا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 -Le fondateur du christianisme. P160
42
قتلوه وما صلبوه و لكن شبه لهم.) و واضحٌ إنّ ابن جرير رحمه الله كان ينقل الاسم مباشرة عن اللّغة اليونانية . لكن المسلمين المعاصرين أُشكِلَ عليهم هذا الاسم كأنّه لا يعني يهوذا الإسخريوطي. و الأمر يسهل تفسيره ذلك لأنّه في زمن الطبري لم تكن الترجمات العربية للكتاب المقدس1 إلا في بدايتها و لم يكن إجماع على ترجمة الأسماء. و مثل هذا حدث كثيراً عند المسلمين كاسم " يوحنّس" بدل "يوحنا" في سيرة ابن هشام.
و لو كان السنهدرين مُنصفاً عادلا خائفا من الله ، لكان هو القاضي بين يسوع و تلميذه المرتدّ ليقضي لصالح البارّ و يفعلَ بِشاهدِ الزّور مثلما نوى أن يفعل بالبريء بحسب حكم الله في التوراة:" إذا قام شاهدُ زورٍ على إنسان لِيشهدَ عليه بِزيغٍ . يقف الرجلان اللذان بينهما الخصومَة أمامَ الرَبّ أمَامَ الكَهنة و القُضاة الذين يكونون في تلك الأيام. فإنْ فَحَصَ القُضاة جيّداً و إذا الشّاهِدُ شاهدٌ كاذبٌ قد شَهِد بالكذبِ على أخيه. فافعلوا به كما نوى أن يفعلَ بأخيه فَتنزِعون الشَرّ مِن وَسَطِكم ".(تث19/16-20).
لكن لماّ يكون الحَكَمُ خصمًا فَمن يقضي بين الناس ؟ أليس هو الله العدل الذي يحبّ الاستقامة ويمقتُ الشرّ ؟ ! فالملعون وممحوق البركة و المطرود من رحمة الله هو يهوذا لا يسوع البارّ .
من أضلّ الله تعالى و ما الحكمة؟
ويتعجّب ويليام كامبل من هذا الإله الذي يضلّ! يهيئ للنّــاس أنهـم صَلـبوا يسوع وفي الحقيقة لم يصلبوه !… نعَمْ الله يَخدعُ ويُضلّ الظالمين لا المؤمنين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- لا توجد ترجمة عربية للكتاب المقدس قبل 737م أنظر Le peuple du Coran p 137
43
"إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم "(النساء 142). .وقال تعالى:"ويضلّ الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء"( إبراهيم 27.) .وورد مثل هذا في الكتاب المقدس .تقول الرسالة الثانية لأهل تسالونيكي: "و لأجلِ هذا سَيُرسِلُ إليهم الله عَمَلَ الضَلاّل حَتى يُصَدّقوا الكَذِبَ لكي يُدان الجميع الذين لم يُصَدّقوا الحّق بل سُرّوا بالإثم "( II تسا 2/11-12) . فلم يُشبّه للذين آمنوا بعيسى،لأنهم كانـوا يعرفـون أن المصلـوب هو يهـوذا الاسخريوطي .إنّما شُبّه للذين كفروا به ليزدادوا ضلالا و إثما.وقد شاءت حكمة الله أن يكون عبده عيسى عليه السلام حَجَرَة المَعْثَرَة التي وُضِعت في صِهيون لِسُقوطِ وقِيّام كثيرين في إسرائيل (1بط 2/8 ؛ لو 2/34) .كما تنبأ بذلك أشعيا النبي . " هاأنذا أؤسّس في صِهيون حجرًا ، حَجَر امتحانٍ حَجَرَ زَاوِيَة كَرِيمًا مُؤسسا مُوَثّقا مَن آمن به لا يتزعزع " ( إش 28/14-16 ). لكنّ اليهود كفروا به فتحتّم عليهم تصديق الكاذبين بعدما كذّبوا الصادقين. فظهر فيهم دجّالون و مسحاء كذبة سني 66 م و 132 م لعلّ أشهرهم سمعان باركوكبا الذي إدّعى أنّه المسيح و لقي إعترافا من الكاهن عقيبة بن يوسف، فقاد الثورة اليهودية ضد روما، التي انتهت بخراب أورشليم و زوال إسرائيل كشعب من فلسطين1 . . و دفعوا ثمنا باهضا لضلالتهم.
هل بشّـر يسـوع بصلـبه وقيـامته مـن بـين الأمـوات ؟
حسب تعاليم بولس أنّ المسيح نزل من السمّاء في شِبهِ بَشَر، طاعة لأبيه، ليموت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-Encyclopedia Judaica. Keter Publishing House, Jerusalem.
A History of the Jewish People. H.H Ben Sasson, Editor Harvard University press, Cambridge, Massachusetts, 1969
.44
على الصليب،لأجل مغفرة الخطايا .ونُظّمت كلّ أسفار الإنجيل حول هذه العقيدة والأناجيل بالخصوص ترتّب أحداث حياة يسوع بالشكل الذي تُبرز فيه موته الخلاصي في أورشليم. تبدأ بخبر اعتماده من يوحنا ، ثم كِرَازَتٍه في الجليل وسفره المفصّل إلى أورشليم لتبدأ أخبار ألآمه من ليلة الفصح الأخير حيث يّرسم سرّ الافخارستيا، فالقبض عليه،ومحاكمته ونكران بطرس له,و صلبه و قيامته من بين الأموات . و الأّناجيل تؤكّد بشدّة على أنّ المسيح عيسى بشّر بصلبه و قيامته من بين الأموات.فإنجيل متىّ يورد خبر هذه البشارة ثلاث عشرة مرّة؛مرقس تسع مرات،لوقا ثماني مرات،يوحنا ثلاث مرات . و أوّل إعلان، لهذا الخبر العظيم في معتقدات بولس،ورد في مترجم متىّ . حيث طلب الفرّيسيون من يسوع عليه السلام آية ليجرّبوه . فتنهّد و قال :" لا يُعطى لهذا الجيل آية إلاّ آية يونان . مثلما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام و ثلاث ليال كذلك ابن البشر يكون في الأرض ثلاثة أيام و ثلاث ليال"( متى 12/40).
و يقصد مترجم متىّ أنّ يسوع سيموت و يبقى في بطن الأرض ثلاث أيام و ثلاث ليال ثم يقوم قاهراً لألام الموت . إلا أنّ أول إعلان واضح و صريح كان في قيسارية فيليبُسّ حيث بدأ يسوع يبيّن لتلاميذه أنّه ينبغي أنّ يمضي إلى أورشليم و يتألّم كثيراً من المشايخ و الرؤساء و الكهنة و الكتبة،و يُقتل و يقوم في اليوم الثالث . فأخذه بطرس نحوه و بدأ يزجره قائلا حشا لك يا رب! لا يكون لك هذا.فألتفت و قال لبطرس اذهب خلفي يا شيطان ! فقد صِرْتَ لي شكّاً لأنّك ترى كما يرى النّاس،لا كما يرى الربّ"( متى 16/21 – 23 ؛ مر 8/31 – 9/1 ؛ لو9/22).ثم بعد ستة أيام بالتمام من هذا الإعلان العظيم ، صعِد يسوع عليه
45
السلام وتلاميذه إلى جبل في الجليل و أضاء وجهُه كالشمس و صارت ثيابُه بيضاء كالثلج.و تراءى له موسى و إيليا عليهما السلام . فلمّا نزلوا من الجبل أوصاهم يسوع ألاّ يقولوا لأحد شيئا مّما حدث حتى يقوم ابن البشر من بين الأموات (متى 17/9 – 12 ؛ مر 9/8 – 9).. و يزيد إنجيل مرقس: فَكَتَمَ التلاميذ هذا الكلام في نفوسهم سائلين بعضهم البعض ما يعني إذا قام من بين الأموات!بعد ستّة أيام فقط ينسى الحواريون أعظم خبر أخبره يسوع! خبرٌ نزل على الحواريين ،في شدّته، كأنّه طوفان نوح، ينساه التلاميذ بعد أسبوع واحد!...صحيح قد لا يتنبّه كثير من الناس للخلل في هذا الخبر. لكن الذي يعرف من هو المسيح في الكتب، ورجاء إسرائيل الذي تعلّق به و الحماسة التي تتّقد في قلب الشعب شوقا إليه و انتظارا له، لا يصدّق خبراً مثل هذا.
كان شعب إسرائيل ، زمن يسوع ، قد انتظر المسيح منذ ألف و خمس مئة سنة . و المسيح أعظم شخصية في أسفار الكتاب المقدس ؛ تنبّأ به كل الأنبياء ابتداءً من موسى عليه السلام .و لا يوجد إسرائيلي واحد قديما أو حديثا لم تُحدّثه نفسُه عن هــذه الشخصية التي تتمّ فيها بركات الله.و هو الذي يخلّص إسرائيل من مضايقيه ، و يكسر نير العبودية التي خضع لها شعب الله المختار منذ حملة نبوخذ نصّر البابلي إلى زمان يسوع، و يَرُدّ لهم سلطانَهم المغتصب، ويحكم من النهر إلى النهر و ينتقم الله على يديه من الظالمين و يكونون أمامه كالعُصَافة ، و تلحَسُ الدنيا غبار نعليه و تعطي له الأمم الجزية ، و يُزهر العدلُ و يَكثرُ الرّخاء في زمانه،و يقضي بالحقّ و يرفع الظلم عن البائسين،و يستحيي الوثني بوثنيّته و لا يُقال في زمانه : خَفِ الربّ! لأنّ الكلّ يعرف الربّ و
46
تمتلئ الدنيا بالأتقياء.فلو قال عيسى عليه السلام أنّه سيتألم ابن البشر من المشايخ و الكهنة و الكتبة و يُصلب،لكان هذا الخبر صدمة رهيبة على عقول الحواريين أشدّ من وقع قنبلتي ناغازاكي و هيروشيما على أبناء القرن العشرين، يستحيل نسيانه مدى الدهر.فكيف ينُسى بعد ستة أيام ؟!و ذلك للبون الشاسع بين المسيح الجبّار كما تنبّأت به الكتب و يسوع الذي يعلن عن نهايته الحقيرة الملعونة و يموت و شعبه يئنّ تحت وطأة الوثنيين . ولقد شدّ انتباهي مرّة على شاشة التليفزيون دخول الرئيس بيل كلينتون إلى محلٍّ في شرم الشيخ – و كان هناك بمناسبة القمة لأجل مكافحة الإرهاب – ليشتري بعض الهدايا . .. فخبرٌ مثل هذا رغم أنّه مضت على الحادثة أكثر من إثنتي عشرة سنة و أنّه لا يعنيني لا من بعيد و لا من قريب ، فإنيّ لازلت أذكره . و إنّي أتوقّع أنّ صاحب المحلّ لا ينسَ هذا مادام حيّاً و سيحكيها لأولاده ، و أولادُه لأولادِهم فكيف ينسى الحواريون خيبة الأمل في ملك الملوك على الأرض ألا و هو المسيح ؟!
و يذكر مترجم متىّ أنّ يسوع أعلن لرابع مرّة هذه البشارة في الجليل و يبدو من حزن الحواريين أنّه فهموا قصده جيّداً(متىّ 17/22 – 23 ؛ مر 9/30 – 31 ؛ لو 9/44 – 45). و لمّا بدأ رحلته الخلاصية إلى أورشليم أعلن لخامس مرّة هذا الخبر و يبدو من طلب أم ابني زبدى ، أن يجعل أحد ابنيها عن يمينه و الآخر عن يساره و مساءلة يسوع لها هل يستطيعان أن يشربا من الكأس التي هو مُزمعٌ أن يشربها ، أنّ التلاميذ فهموا جيدا(متىّ 20/20 – 24 ؛ مر 10/33 – 40 ؛ لو 18/31 - 34) . و قبل عيد الفصح بيومين فقط أعلن لهم لسادس مرّة أنّه يُصلب، و لمّا زار امرأةً في بيت عانيا سكبت طيبا على رأسه
47
و تقول الأناجيل أنّه قال : " إنما صَنعَت هذا لدفني"و هو سابع إعلان (متىّ 26/12 ؛ مر 14/8 ؛ يو 12/7 ؛ لو 7/36 – 37) .و من مكانه هذا أرسل تلميذين له إلى أورشليم لتحضير عشاء الفصح الأخير و قال لهم – كما تقول الأناجيل – "قولوا لصاحب الدار أنّ زماني قد اقترب " (متىّ 26/18 ). و هو ثامن إعلان له . و لما احتفل بعــيد الفصح مع خاصته عليهم السلام – تقول الأناجيل – أنّه قال : " إنّ ابن البشر ماضٍ كما هو مكتوبٌ عنه و لكن الويل لذلك الذي يُسلم ابن البشر "( متىّ 26/24 ؛ مر 14/21 ؛ لو 22/21) . و هو تاسع إعلان له . و رسّم سرّ الافخارستيا و هو أعظم سرّ بعد التعميد و لا يوجد اختلاف بين مسيحيين في أنّهما الرُّكنان الأساسيان في المسيحية و هو السرّ الذي يُذكّر المؤمنين بموته الخلاصي الذي جاء من أجله و لما خرج عليه السلام إلى جبل الزيتون ، بعد تناول عشاء الفصح تقول الأناجيل أنّه قال :"ولكن متى قُمْتُ سَبِقتكم للجليل"( متىّ 26/32 ؛ مر 14/27 – 28 ). وهو عاشر إعلان له. و نام أصحابه عليهم السلام ، و كان الليل قد لفّهم بظلامه البهيم و رَغِبَ عليه السلام في الصلاة ،وكان يصلّي في مكان بعيد بعض الشيء عن تلاميذه ، فلما رجع تقول الأناجيل أنّه قال : " ناموا الآن و استريحوا فقد اقتربت الساعة و ابن البشر يُسْلَمُ إلى أيدي الخطأة قوموا لِنَنْطلق فهو ذا قد قَرُبَ الذي يُسلمني"( متىّ 26/45 ؛ مر 14/41 – 42 ). و هو الإعلان الحادي عشر له و لما حضر يهوذا التلميذ الخائن تقول الأناجيل عن يسوع أنّه قال : " افعَلْ فِعْلَتك! "( متىّ 26/50) . و هو الإعلان الثاني عشر له . و استلّ أحد التلاميذ سيفه و ضرب أذن خادم الكاهن و تقول الأناجيل أنه قال:" أردُدْ سيفَك إلى غِمده
48
لأنّ كلّ من يأخذ بالسيف ، بالسيف يَهلك أتظن أنّي لا أستطيع أن أسأل أبي فَيُقيم لي في الحال أكثر من اثنتي عشرة جَوْقَةً من الملائكة و لكن كيف تتِمّ الكتبُ فإن هذا ما ينبغي أن يكون"(متىّ 26/54 ؛ مر 14/48 – 49). و هو الإعلان الثالث عشر عن موته مصلوبا و قيامته.و رغم أنّ السلطات الدينية اليهودية كانـت تخشى الجماهير الواسعة التي أتت مع يسوع من الجليل أو حضرت من كلّ مكان (مر14/1-2؛ لو 19/47 – 48)، لتحتفل بعيد الفصح – هذه الجماهير التي استقبلت يسوع لما دخل أورشليم استقبالا حاراً حيث فرشوا ثيابهم و قطعَ بعضُهم أغصانا من الشجر و هم يصرخون قائلين :"أوصنّا لابن داوود .مُباركٌ القادِمُ باسم الربّ،أوصّنا في الأعالي" (متى21/9 ؛مر11/9-10 ؛لو 19/38). إلاّ أن الأناجيل تتّفق في أنّ إلقاء القبض على الرجل كان في عيد الفصح .و رغم أنّ شعبية يسوع كانت واسعة ، لكنّ الأناجيل لم تذكر أيّ اضطراب حدث في تلك الليلة،و مرّت هادئة كأنّ شيئا لم يحدث.و الأعجب من هذا أنّ محاكمة الرجل لم يحضرها إلاّ اثنان من التلاميذ(متىّ 26/58 ؛ مر 14/54 ؛ لو 22/55 ؛ يو 18/15). ومحاكمة يسوع حسب عقيدة بولس ، هي بداية مَجْدِه الذي يبلغ أوُجّه على الصليب فهل هذا الموقف يتّفق و يتناسب مع الخبر الذي ما انفكّ يسوع أن بشّر به و الذي من أجله نزل من السماء؟!لاشكّ أنّ هذا الهدوء له ما يبرّره.فالمؤمنون علموا يقينا أّن المقبوض عليه ليس يسوع ... فهل نُصدّق بعد هذا أنّ يسوع بشّر بآلامه على يد المشايخ و الكهنة و الكتبة و صلبه و قيامته ؟! و المسيح الذي جاء خصّيصا ليتألّم على الصليب طواعية لا مُكرهًا ارضاءً للآب، وخلاصـا للبشريـــــة الــتي ورثـــــت
49
الخطيئة جزِعَ من الموت وصرخ وهو يقول : "إلهي …إلهي لماذا تركتني" فهل يقول هذا ابن الله الذي وَطّنَ نفسَه منذُ الأزل لهذه المهمّة. وقد تفطّن لوقا لخطر هذا الجزَعِ على عقيدة الخلاص فبدّل مقولة الضَجَر بمقولة الرِّضا وجعل في فم المصلوب قوله : "يا أبتاه اغفر لهم فإنّهم لا يعلمون" و لم يحضر له أحدٌ من الحواريين في آلامه لِيُعَاينَ ذِروة سنام عمله الخلاصي! … و لم يخص متىّ بالذكر إلاّ مريم المجدلية و مريم أم يعقوب و يوسي و أم ابني زبدى ؛ أمّا في نص يوحنا فلم يزد عدد الواقفين على صليبه عن أربعة : ثلاث نساء ، أمه السيدة مريم عليها السلام ؛ و أخت أمه زوجة كيلوبا و السيدة مريم المجدلية و التلميذ الذي يحبّه . ففي كلّ نصوص الأناجيل المتشابهة لم يحضر تلميذ واحد إلى خشبة الصليب ، إذا استثنينا إنجيل يوحنا الذي يذكر أنّه حضر تلميذ واحد مع ثلاث نسوة (متىّ 27/55 – 56 ؛ مر 15/40 – 41 ؛ لو 23/27 – 30 ، يو 19/25 – 26) .فهل نصدّق أنّه بشّر بموته كفارة عن خطايا البشر ؟ هذا الموت الذي فيه مُجّدَ الابن وصار ربّا و مسيحا،و إيذاناً بمجيء ملكوت الله!(اع 2/36 ). و تقول الأناجيل أنّ المسيح صُلب يوم الجمعة في عيد الفصح بعد الظهيرة ، و قُبِر في اليوم نفسه ، و مضى عليه السبت ميّتا و لكن كما بشّر أربع عشرة مرّة يجب أن يقوم في اليوم الثالث كما في الكتب أي (بعد ستا وثلاثون ساعة فقط).و هذا اليوم هو يوم ميلاده من الله بقوة روح القدس (رو 1/4) . لكن لسوء حظ كنيسة بولس ،أنه لم يحضر أحد من تلاميذه لمعاينة قيامة المسيح المجيدة ، ولم يحضر إلى قبره غير ثلاث نسوة : مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة، لا لمعانية مجد يسوع لمّا يقوم من بين الأموات، لكن
50
لأجل تحنيطه . ولم يذكر متّى إلا امرأتين ؛ وأمّا لوقا فذكر عددًا من النساء اللاتي زرن القبر وخصّ بالذكر منهن.: مريم المجدلية و يوّنا ومريم أم يعقوب لكن ليـس لمشاهدة قيامة المسيح ، لكن لتحنيطه.أما يوحنا فلم يذكر إلا زيارة مريم المجدلية لغرض الزيارة،لأنّها اندهشت لما رأت القبر فارغا . وكانت تبكي لأنّهم أخذوا سيّدها و لم تعلمْ أين وضعوه! (مر16/1-2؛ متى28/1 ؛ لو24/1 ؛يو20/1).و هذا يبّين بشكل قاطع أنّ فكرة قيامته لم تَدُر أبداً في خلدها . كلّ هذه النصوص تكذّب تكذيباً قاطعا أنّه بشّر بموته. و لمّا قام من بين الأموات وترآءى لمريم المجدلية و أخبرت التلاميذ لم يصدّقها أحد.و ترآءى لأثنين من الحواريين و لم يصدّقهما أحد. و لم يصدّق الحواريون كلّهم خبر ظهور يسوع للنساء.و مريم المجدلية نفسها لمّا ترآءى لها يسوع لم تصدّق هي أيضا عينيها. و توما هو أيضا لم يصدّق خبر قيامة يسوع حتى يضع أصبعه في موضع المسامير وحتى يلمس أضلعه (مر16/11-13؛ لو24/11؛ يو20/14؛ يو20/25-26) . كلّ هذا التكذيب من الحواريين لخبر قيامة يسوع كان بعد يومين فقط من ترسيم يسوع الرسم الأعظم في الكنائس كلّها ألا وهو رسم الأفخاريستيا، و بعد ستٍ و ثلاثين ساعةٍ فقط من صلبه . تقول الأناجيل: " وفيما هم (الحواريون) يأكلون أخـذ يسـوع خـبزاً وبـارَكَ و كَسّرَ و أعْطــاهُم وقال خُــذوا كُــلوا هذا هو جَسَدي.ثم أخَذَ الكأسَ و شَكَرَ و أعطاهُم فَشَرِبُوا منها كُلّهم وقال لَهُم هذا هو دَمي للعَهدِ الجديد الذي يُسفَكُ من أجل كثيرين"1.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-النص لمرقس14/22-23؛ متى26/26-30؛ لو22/15-20؛ يو6/51-54؛ 1كو11/23-25.

51
ويجب أن نؤكّد أنّ يوحنا لم يذكر سرّ الأفخارستيا لكن ذكر ما يقابله في غير ليلة الفصح.حيث يضع في فم يسوع:" أنا هو خبز الحياة "…" هذا هو الخبز النازل من السماء لكي يأكل منه الإنسان و لا يموت". فهل يُعقلُ أن ينسى جميع التلاميذ هذا الخبر بعد يوم و نصفٍ فقط؟ و هل تصمدُ هذه النصوص أمام النقد؟ .لا أشكّ من جانبي أنّ يسوع عليه السلام قد ترآءى للتلاميذ بعد حادثة الصلبِ و على رأسهم السيّدة مريم المجدلية و ذلك ليُكذبَ أنّه صُلبَ. و دلائلُ صدقِ الرواية قوية لأنّ الأتاجيل أجمعت على أنّ السيّدة مريم هي التي وقفت على الصليب ( يو 19/25 ؛ مر 15/40 ؛ متى 27/56) و هي التي زارت القبرَ في صبيحة يوم الأحد ( يو 20/1 ؛ لو 24/10؛ مر 16/1 ؛ متى 28/1) و هي التي ترآى لها يسوع ( يو 20/15-18 ؛ مر 16/9 ، متى 28/9). و يبدو أنّ القصّة منسجمة و متناسقة و تُفسّرُ بأنّ السيّدة كانت بالفعل تعتقدُ أنّ المصلوبَ هو يسوع ذلك أنّه لم يكن لديها علمٌ عن ملابسات القضية لأنّها قضت ليلتها في أورشليم و ليس مع يسوع و الإحدى عشر عليهم السلام في جبلِ الزيتون. لهذا كان واجبا على نبي الله أن يبيّن لتلاميذه أنّه لم يُصلب. إذ لو تُرِكَ الأمرُ كذلك لكفرَ التلاميذُ كلّهم بيسوع و وُئدَت دعوتهُ في المهدِ و هذا ما كان يريده خصومُه إذ يستحيلُ أن يؤمنَ يهوديٌ بصلاح و عدالة رجُلٍ مصلوبٍ مثلما يستحيلُ أن يؤمنَ مسلمٌ بصِدقية رجـــلٍ مرجومٍ.
هــل عـقيــدة الفــــداء كتــــابــــية؟
علّم بولس: "لأنّه بِمَا أنّ المَوتَ بإنسانٍ فَبإنسانٍ قِيامةُ الأمواتِ.فَكَمَا في آدم يَمُوت الجميعُ كذلك في المسيح يَحْيا الجميعُ".وهذه الفكرة الأساسية في معتقدات بولس
53
وقد وردت بوتيرة كبيرة في الإنجيل1.و يقصد بكلامه أنّ الجنس البشري وَرِثَ الخطيئة عن أبيه آدم.فالإنسان في المسيحية ليس مسؤولا عن خطيئته ولا عن تبريره…..فَخطىء لِخَطأ آدم و بُرّر بموت يسوع! و لو وَرِثَ البشَرُ خطيئةَ أبيهم آدم لكان أول من يَتَكَلّم عنها التوراة و الأنبياء و المزامير. فهل ورد شيء من هذا يؤكّد مقولة بولس؟ لا يوجد نبي واحد أو سفرٌ واحدٌ يقول أنّ الإنسانَ مَدينٌ منذ ولادته، بما فيهم يسوع عليه السلام. و تؤكّد التوراة على أنّ الإنسانَ مسؤولٌ عن خطيئتِه لوَحده؛ وأنّه لا يَحلّ أن يعاقب الأبناء بذنب أبائهم ؛أو الأباء بذنب أبنائهم:" لا يُقتَلُ الأباءُ بالبنين ولا يُقتَلُ البنون بالأباء بل كُلّ إمرِىء بَذنبه يُقتَل"( تث24/16). و يؤكّد النبي حزقيال هذه العقيدة العادلة بقوله: "مَا بَالُكُم تَتَمَثّلون بهذا المَثَلِ في أرض إسرائيل قائلين الأباءُ أكلوا الحِصْرِمّ و أسنانُ البَنينَ ضَرِسَتْ! حَيٌّ أنا يقول السيّد الربّ لا يكونُ لَكُم مِن بَعد أنْ تَتَمَثّلوا بهذا المَثَل في إسرائيل…..النفسُ التي تُخطِىء هي تَموت.الإبنُ لا يَحمِل إثمَ الأب و الأبُ لا يَحمِل إثْمَ الإبن .بِرّ البَارّ عليه يَعودُ، و نفِاقُ المنافِق عليه يَعود و المنافِق الذي تابَ مِن جميع خطاياه التي صَنَعَها وحَفِظَ جميع رسومي و أجْرَى الحُكمَ و العدلَ فإنّه يحيا حَيَاةً ولا يموت"(حز18/2-20) .و يُكذّب النبي داوود ادّعاء بولس الباطل، كأنّه عاَش في زمانه قال : "لا يَفْتَدي أحَدٌ أخاه أصلا ولا يُعطي كفّارةً عنه"(مز49/8 ) .
ــــــــــــــــــــــ
1- 1كو15/1-21؛ متى26/28؛ مر14/24؛ لو22/20؛أع13/27، أع13/38-39؛ رو3/25-26؛ 5/9؛ 15/12-13؛ 5/14؛ 5/19؛ 5/20؛ 6/6-7؛ 8/3؛ 8/32؛ 1كو10/16؛ 15/3-8؛ غلا1/4؛ 3/13؛ أف1/7؛ 5/2؛ يو1/29.
53
وهذا المزمور يدعّم ما جاء في التوراة و الإنجيل من أنّ الإنسان رهينٌ بما كسبَ، ولا يحمل خطيئة غيره.ففكرةُ الخطيئة و الفداء و الخلاص و المخلّص لا توجد رائحتها في الكتب المقدّسة مطلقا فمن أين أتت؟ يجب ألاّ ننسى أنّ مُعلّم النصرانية، التي تعيش اليوم، هو بولس الهِلِنِسْتي، لا يسوع الناصري عليه السلام. وقد استقى بولس من بيئته الوثنية في طرسوس و ما حولها من العالم الإغريقي الروماني المّادة الخام التي على ضوئها فسّر حياة يسوع حتى تلقى صدًا عند الوثنيين ويسهل عليه بالتالي تَلْمَذَتهم على يديه. و يعترف النصارى حتى الأقدمون منهم بوجود شَبَهٍ سَاطِعٍ بين عقيدتي التعميد و الإفخارستيا و شعائر الديانات التي عاشـت بين بلاد ما بين النهرين وآسيا الصغرى. وقد نقل جوستين الشهيد( 170م) أنّ أسرار ميثرا احتوت على نوع من الشعائر تفـرض
تقديم كأسٍ و قطعة خبزٍ إلى المؤمنين مع النُطق ببعض العبارات.و هو ما يفعله النصارى تماماً في تناول القربان. فالإله المنقذ في هذه الديانات يتعذّب و يموت لكنّه يقهر ألام الموت إذ يقوم من جديد. وحتى ينجو المؤمن يجب أن يشارك إلهه العذاب و الموت ثم القيامة ليجد معه الحياة الأبدية السعيدة1.
هــل بشّــر الأنــبيــاء بصــلــب المـسيــــح؟
قبل أن نبحث في هذا الباب، نقول أنّ القول بأنّ الكتب المقدّسة تنبّأت بصلب المسيح حماقةٌ و ليس خطأٌ. صلب يسوع عليه السلام مبادرة يهودية. فالحاكم الروماني لمّا اقترح لليهود بمناسبة عيد الفصح من يريدون أن يطلق سراحه يسوع أم بارباس، قالوا نريد باراباس . فسألهم و ماذا أفعل بيسوع الذي يدعى المسيح؟
ــــــــــــــــــــــــــــ
1-المسيحية نشأتها وتطوّرها ص ص74،77.
54
فأجابوه أصلبه!...أصلبه!( أنظرمتى 27/15-16؛ مر15/6-15؛ لو23/13-25؛ يو18/39-19/16 ). فكيف يُعقلُ أنّ مجلس علماء اسرائيل و على رأسهم الكاهن الأعظم يصلُبُ يسوع، و قد كفروا به و عملوا كلّ ما من شأنه التشكيك في دعوته ،إن كانوا موقنين من التوراة و الكتب المقدّسة أنّ المسيح يُصلب؟ هل تصل بهم الغباوة و الحماقة حتّى يؤكّدوا بجريمتهم هذه أنّ يسوع هو بالفعل المسيح المنتظر؟ .
في تعاليم بولس و كنيسته، بشّر الأنبياء بصلب المسيح وقيامته. وهذه سخافة، إذ كيف يبشّر الأنبياء بنبي ملعون؟!…فالملعون لن يكون إلاّ مجرماً مفتريا كذّاباً على الله و حاشا لسيّدنا عيسى عليه السلام أن افترى على الله كذباً.بل كان مَرجِع الطُهر و الإيمان و خشية الله و كان مَثَلا لبني إسرائيل. فأين النصوص من العهد القديم التي تتنبّأ أنّ المسيح يُصلب و يقوم من بين الأموات في اليوم الثالث؟! قال لوقا: "أنّه يَمضي كما هو مكتوبٌ"(لو22/22). و تعلّق الترجمة المسكونية على هذا النصّ بقولها: " إنّ لوقا بهذه العبارة يفسّر فكرة اليهود عن الكتابات التي تتمّ"1. وبدل أن تذكر لنا الكتابات التي يمضي حسْبَها ابن الإنسان مصلوبا، آثرت أن تسلك هذا السبيل حتى تُغطّي على المشكلة القائمة. وإذا كان اليهود يعرفون من الكتابات أنّ المسيح سيموت مصلوبا،فلن يكونوا أبداً أغبياء لهذه الدرجة ليعطوا يسوع سلاحا يستعمله ضدّهم: وهو صلبه.و هم الذين كفروا به و عمِلوا المستحيل للصدّ عن سبيله.وتعترف الترجمة المسكونية أنّه لا يوجد نص في العهد القديم يمسّ خيانة ابن الإنسان من قِبَلِ تلميذه، ولكن –
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- TOB p2523
55
تقول – قد يشير المزمور41/10 إليها بشكل عام: "بل صاحِبَ سَلامي الذي اتّكَلْتُ عليه و أكَلَ خُبزِي هو رَفعَ عَليّ عَقِبَه " و لا أسهل من بتر النصوص مـن أيّ كتاب دون مراعاة لسياقها التاريخي و النصّي وتفسيرها كيف ما يروق لنا. و التفسير المعتسف للنصوص و التأويل الباطني لها حِرفةٌ يُتقنها بولس و أتباعه كما سنرى. و لكن إذا أكملنا النصّ نجد : " بهذا أعلم أنّ هواك فِيّ أن لا يُشمِتَ بي عدوّي". و النبي داوود يتكلّم عن تجربته التي خرج منها منتصراً بتأييد الله، لكن يسوع أُسْلِمَ و شمَتَ به أعداؤه حسب الأناجيل. و أشهر نص يستدلّ به النصارى على ألآم المسيح هو نص أشعيا53/1-13 : " منْ آمَنَ بما سُمِعَ مِنّا ولمن أُعلِنت ذراعُ الربّ. فإنّه ينبتُ كفرخٍ أمامه و كجَرثومة من أرضِ قاحلةٍ.لا صُورَة له و لا بَهَاء فنَنظرَ إليه و لا مَنظَرَ فَنَشْتهيه، مُزْدَرىً ومَخذولاً من النّاس رجلُ أوجاعٍ و مُتمرِّسٌ بالعاهاتِ و مَثلُ ساترٍ وجهَه عنّا.مزدرىً فلم نعبأْ به، إنّه لقد أخذَ عاهاتِنا و حمَِل أوجاعَنا فحَسِبْناه ذا بَرَصٍ مَضروبًا من الله و مُذلّلاً.جُرِح لأجل مَعَاصِينا و سُحق لأجلِ أثآمِنا، فَتأديبُ سَلامِنَا عليه و بشِدْخِه شُفينا.كُلّنا ضَللنا كالغنم كلّ واحدٍ مَالَ إلى طريقه. فألقى الربّ عليه إثمَ كلّنا.قُدِّم وهو خاضِعٌ ولم يفتَحْ فاه.كَشَاةٍ سِيقَ إلى الذَّبح و كَحَمَلٍ صامتٍ أمام الذين يجزّونه ولم يفتح فاه .من الضيق و القضاء أُخِذَ ومن يَصف مولدَه.إنّه انقطع من أرض الأحياء ولأجلِ مَعصِية شعبي أصَابَتْه الضَربة فمُنِح المنافقون بقَبْرِه و الأغنياء بَمَوته لأنّه لم يصنعْ جَوْراً ولم يوجد في فمه مكرٌ. و الربّ رَضِي أن يسحقه بالعاهات.فإنّه إذا جعل نفسَه ذبيحةَ إثمٍ بَرَى ذُرّية و تطولُ أيّامُه و مرضاة الربّ تنجحُ على يده لأجل عَنَاء نفسِه يَرَى و يَشبَعُ و بعلمِه يبرّر الصدّيق عَبدِي كَثيرِين وهو يَحْمِل
56
آثامَهم. فلذلك أجعلُ الكثيرين نصيبا له و الأعزّاءَ غنيمتَه لأنّه أفاضَ للموتِ نفسَه و أُحصِي مع العُصاة وهو حَمِل خطايا كثيرين و شَفِع في العُصَاة" .و هذا النصّ ورد كثيراً أو أشارت إليه أسفار الأناجيل. تقول الترجمة اليسوعية :" هذا النصّ يتنبّأ بإهانات المسيح و ألآمه وما يتلوها من تمجيد وعَقدِ مُلكِه على جميع الشعوب1". أمّا الترجمة المسكونية فتقول: "عند البعض و خاصة في التقليد اليهودي النص52/13-53/12 يتكلّم عن شعب إسرائيل الوفيّ الـذي سُحق في الجلاء ببابل ثم افتقده الربّ برحمته و كرمه. أمّا يوحنا المعمدان و التقليـد الكنسي فيطبّق هذا النصّ على يسوع خادم الربّ البارّ القادر على حمَلِ و تحمّلِ و مَحوِ الخطايا لجميع الناس و أخيراً مُنتَصِرًا على الموت و جاذبا إليه ناسا كثيرين لأجـــل خلاصهم"2. و في رأينا لا هو شعب إسرائيل و لا يسوع المتنبّأ به في هذا النصّ. و النصّ يرسم صورة متكاملة للنبي إرميا عليه السلام، و كثير من نصوص هذه البشارة نسبها النبي إرميا لنفسه. و حجّتنا أقوى إن شاء الله.و لنحلل هذه النبوة إلى جزئياتها و سنرى إذا كانت تنطبق على شعب إسرائيل أو عيسى أو النبي إرميا عليهما السلام." لا صورة له ولا بهاء فننظر إليه و لامنظر فنشتهيه مزدرى مخذولا من الناس" نصّ مثل هذا لا ينطبق على يسوع عليه السلام لأنّه كان ذائع الصيت و قد ثبت أنّه وُلِد ميلاداً معجزاً، و بَكّتَ علماء الشريعة وهو في السنّ الثانية عشرة من عمره. و عمل المعجزات العجيبة. فقد أطعم من أربعة ألاف إلى خمسة ألاف من خبزتين و خمس سمــكات، و أحيــا
ــــــــــــــــــــــــــــــ
1-الترجمة اليسوعية ص537
2-الترجمة المسكونيةTOB p875
57
الموتى و أبرأ البُرص و العُمي و العُرج و مشى فوق الماء و أسكت الرياح. و من كلّ مكان أتت إليه الجموع لتطلب بركته و علمه. وكان الناس يسمّونه معلّما. فهل تصحّ هذه النبوة على عيسى عليه السلام؟بينما إرميا عليه السلام لم يفعل ولا معجزة واحدة. و كان يتنكّر له كلّ الشعب، وحتى خاصة أهل بيته( إر12/6)..ولمّا كتب نبوته إلى الملك مُنذرا له من العقاب المحُقّ على أورشليم مزّق كتابه و رماه في النار(إر36/23-26) . وكان الشعب كلّه يُهدّده بالموت، و أيضا سلطات الهيكل. وضُرب ضرباً مبرّحا1، وهُجّر بالقوة إلى مصر(إر43/6-7). " جُرِح لأجل معاصي شعبه وسُحق لأجل آثامهم". لأنّ الربّ قال لإرميا :"و ربّ الجنود الذي غرَسَكَ قد تكلّم عليك بِشَرّ لأجل شَرِّ آل إسرائيل و آل يهوذا الذي صنعوه لِيُسخِطُونَني بِتَقتيرِهِم للبَعل"( إر11/17) . وكان قد سمّاه الربّ عزّ و جلّ بالزيتونة الخضراء الجميلة ذات الثمر الأنيق. و يقول إرميا: "و لم أعلم أنّهم فكّروا عليّ أفكارًا أن لِنُتلِفِ الشجرة مع طعامها"( إر11/19) . ولهذا قال النبي أشعيا: " و كجرثومة أو جذرٍ في أرض قاحلَةٍ". جذرُ شجرة الزيتون في أرض قاحلة تمثّل جَفَاء إسرائيل الذي رفض الزيتونة الطيّبة المباركة التي يُستضاء بزيتها." كلّنا ضَلَلْنا كالغَنَم كلّ واحدٍ مَالَ إلى طريقه" لأنّ بني إسرائيل في زمانه انقسموا فئتين عظيمتين تجاه الخطر البابلي الذي يهدّد الأرض المقدّسة. فئة رأت من صالح إسرائيل أن تتحالف مع الفراعنة، و فئة أخرى تبنّت المقاومة الداخلية لإنتزاع الحرية و كان على رأسها إسماعيل بن نتانيا بن أليشاماع ، من عائلة ملكية. فإختلف بنو إسرائيل كالغنم التي ضلّت الطريق. و
ــــــــــــــــــــــــــ
1- أنظر على الترتيب إر12/1-6 ؛ إر26/6-12 ؛ إر37/15.
58
كان النبي إرميا وحده مع كاتبه باروك بن نيريا بن معسيا يريان في بابل عصا الربّ لتأديب شعبه، و لهذا فلا مناص من التسليم بها و قبولها. " لم يفتحْ فاهُ كَشَاةٍ سِيقَ للذَبحِ و كَحَمَلٍ صَامِتٍ أمَام الذين يجزّونه ولم يفتح فاه". وقد قال النبي إرميا عن نفسه مطبّقا كلام أشعيا عليه السلام: " وكنتُ أنا كَحَمَلٍ أليفٍ سيق إلى الذبح ولم أعْلَم أنّهم فَكّروا عليّ أفكاراً"( إر11/19). " إنّه إنقطع من أرض الأحياء و لأجل مَعصِية شعبي أصَابته الضَربة" وقد قال إرميا عليه السلام عن نفسه مصوّراً الظّالمين الذين تآمروا على قتله:" لِنُتلِفْ الشجرة مع طعامها و لِنَقطَعه من أرض الأحياء ولا يُذكر اسمُه بعد"( ار11/19). و الكلام غني عن كلّ تعليق." رَجُل أوجاعٍ و مُتَمِرّسٍ بالعَاهَات" . و قال ارميا :" ويلٌ لي يا أمي لقد ولدتيني إنسانَ خصامٍ و نِزاعٍ للأرض كلّها. إنّي لَم أقرِضْ و لم يُقرِضْني أحدٌ و كلّ واحِدٍ يَلعَنُني"(إر15/10) . وهذا الكلام يفسره قول أشعيا أيضا :" لم يصنع جوراً ولم يوجد في فمه مكرٌ "." و مَثَلُ ساتِرٍ وجهَه عنّا، مُزدرى لم نَعبأ به، إنّه قد أخَذَ عَاهَاتِنا و حَمِلَ أوجَاعنا فحَسِبنَاه ذا بَرصٍ مَضروبا من الله و مُذلّلا" كأنّه عليه السلام صاحب عاهة،انعزل عن الشعب،وحمل في قلبه ألآم شعبه الذي أراد له الخير لكنّه كافأه بالشَرّ. ولشدّة عزلته عن الشعب حتى كان كأنّه أبرص ـ و الأبرص نجِسٌ في شريعة التوراة لا يقربه أحد حتى لا يتنجّس ـ وقد أمره الربّ عزّ و جلّ أن ينعزل عن الشعب :" لا تتّخذ لك امرأة و لا يكن لك بنونا و لا بناتٍ في هذا الموضع.فإنّه هكذا قال الربّ على البنين و البنات المولودين في هذا الموضع وعلى أمّهاتهم اللاتي ولدنهم وآبائهم الذين ولدوهم في هذه الأرض. إنّهم سيموتون بالأمراض ولا يُندَبون و لا يدفنون بل يكونون زِبلا
59
على وجه الأرض"(إر16/1) . و أمره الربّ عزّ و جلّ أيضاً : " ولا تدخلِ بيتَ وَليمَة لِتَجْلِسَ معهم وتأكل و تشرب"(إر16/8) .وقال له أيضاً: " لا تدخل بيت صُياح و لا تنطلِق إليه لِلْنَدْبِ ولا تعزّهم فإنّي قد أزَلْتُ سَلامِي عن هذا الشعب"(إر16/5) .وهذا هو معنى نبوة أشعيا: " حسبناه ذا بَرَصٍ مَضروباً من الله و مُذلّلا" و يصف النبي صبره على إيذاء الظّالمين، و احتساب أجره عند الله بقوله :" إنّي لم أجلِسْ في جماعة اللاعبين ممازحاً،بل من أجل يدِك جَلستُ مُنفرِداً لأنّك ملأتني غضباً.لماذا صارت كآبتي مستديمة و ضَرْبَتي مُعضلةً تأبى الشفاء"(إر15/17-18).و :" صِرْتُ ضِحكَةً كلّ النهار فكلّ واحدٍ يستهزىء بي"( إر20/7). و تجربة النبي تفسّر قول أشعيا : "لأجل معصية شعبي أصابته الضربة ……و الربّ رضي أن يسحقه بالعاهات"." أفاض للموت نفسَه و أُحصِي مع العصاة " لأنّه مات في ظروف غامضة في مصر أين هُجّر بالقوة. و تحقّقت نبوته عليه السلام في أورشليم و الممالك المجاورة لها على يد بابل و اعترف الشعب أنّه كان بارّاً صدّيقاً فجزاه الله تعالى خير الجزاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخــلاصــــة
و إليكم مُلخّصاً للحجج الداحضة لصلب عيسى عليه السلام:
1-نكران المقبوض عليه أمام الكاهن أنّه المسيح، ممّا يدلّ على أنّه ليس يسوع ( أنظر ص33).
2-تبرئة بيلاطس البنطي للمقبوض عليه من التُهمة أنّه الملك يعني المسيح. و هذا تأكيدٌ للحجة الأولى و هذه حجّة قويةٌ لأنّه من صالح بيلاطس ألا يدخل في مواجهةِ مفتوحة مع اليهود (أنظر ص35).
3-نكران الحواري بطرس عليه السلام أنّه تلميذٌ للمقبوض عليه و لا يوجد ما يبرّر هذا النكران سوى أنّ المقبوض عليه ليس يسوع عليه السلام ( أنظر ص 30).
4-شخصية المقبوض عليه جبانة منهارة خرساء لا تتّفق مع شخصية يسوع ( ص 38).
5-ليلة القبض على المتّهم مرّت هادئة دون شغبٍ أو أي اضطراب (ص 48).
6-لم يحضر لمحاكمة المتّهم غير إثنان و هذا لا يتّفق مع تأكيده لخبر موته و قيامته (ص48).
7-لم يقف على الصليب إلا ثلاث نسوة و يوحنا (ص 49).
8- لم يذهب تلميذٌ واحدٌ إلى القبر صبيحة الأحد لمعاينة قيامة يسوع المجيدة (ص 49).
9- ثلاث نسوة فقط ذهبن إلى القبر لا لمعيانة قيامته بل لتحنيطه.(ص 49).
10-تكذيبُ السيّدة مريم المجدلية لعينها لمّا ظهر لها يسوع و تكذيب جميع التلاميذ لهذا الخبر بعد ستٍ و ثلاثين ساعة من الصلب و بعد يومين فقط من رسم الإفخارستيا.(ص 50).
11-المعلّق على خشبة ملعونٌ في شريعة التوراة. ( ص 24).
12-ظهور و شيوع المذاهب الدوكيتية في الصدر الأول للمسيحية و التي لا تعترف أنّ يسوع صُلِبَ بالحقيقة ، إنّما صُلِبت صورتُه.( ص 30).

غير معرف يقول...

((((((((((((((((((((((((((((((((((عمانوئيل ليس يسوع يا محترم .!))))))))))))))))))))))))
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك السموات العلى والأرض وما تحت الثري نحمده ونستعين به ونرجوا رحمته ومغفرته رجاءا لا ينقطع فلا ملجأ ولا منجى منه الا اليه ربنا انك وعدت وانت الذي لا يخلف ابدا وعده ارحمنا واغفر لنا وارحمنا انت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين أمين .


دخلت احدى المنتديات التي منعت ان ادخلها كعضو والسبب الجميع يعرفه لأنه حال كل مسلم هناك فقرأت موضوع كنت اظن ان النصارى لن ولن يحاولوا ان يفتحوا له بابا لأنه عبارة عن نبؤة مفتراه من متى أو من من كتب انجيل متى واضح فيها التلاعب وضوح الشمس تصرخ وتقول (أنه ليس من عند الله)


لكن إن لم تستحيي فافعل ما شئت !


وما سبب الكفر إلا العناد ؟


ففتحت الموضوع ووجدت المحترم غاضب جدا ومستغرب كيف لم نفهم نحن المسلمين هذه النبؤة انها تنطبق على يسوع !


وكأنه يظن اننا عبارة عن مسوقين عقليا من قبل قساوسة لا يعرفون الله ولا يخافونه .. أو اننا نقدس اولئك من يسمون انفسهم كهنة وعلماء النصارى الذين استحبوا دس رؤوسهم في التراب بدلا من المواجهة .


امثال المحترم عبد المسيح بسيط .. وزكريا بطرس (المشلوح والمصاب بجميع انواع الأمراض النفسيه) .


ولكن قبل الرد او ذكر ما قال النصراني احب ان اعرض الأعداد في متى وفي اشعيا وقول العلماء فيها ثم نرى ما كتب السيد (كنوع من الترفيه ليس إلا) فهو لم يكتب الا ما هو مضحك ودليل على المحاولة المستميتة لأخفاء الفضيحة العظمى والتي هي واحده من الكثير !!! .


حسب متى الإصحاح الأول :


الترجمة العربية المشتركة


(18وهذِهِ سيرَةُ ميلادِ يَسوعَ المَسيحِ: كانَت أُمُّهُ مَريَمُ مَخْطوبَةً ليوسفَ، فَتبيَّنَ قَبْلَ أنْ تَسْكُنَ مَعَهُ أنَّها حُبْلى مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ. 19وكانَ يوسفُ رَجُلاً صالِحًا فَما أرادَ أنْ يكْشِفَ أمْرَها، فَعزَمَ على أنْ يَترُكَها سِرًّا.20وبَينَما هوَ يُفَكِّرُ في هذا الأمْرِ، ظَهَرَ لَه مَلاكُ الرَّبِّ. في الحُلُمِ وقالَ لَه: ((يا يوسفُ اَبنَ داودَ، لا تخَفْ أنْ تأخُذَ مَرْيمَ اَمرأةً لكَ. فَهيَ حُبْلى مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، 21وسَتَلِدُ اَبناً تُسمّيهِ يَسوعَ، لأنَّهُ يُخَلِّصُ شعْبَهُ مِنْ خَطاياهُمْ)).22حَدَثَ هذا كُلُّه لِيَتِمَّ ما قالَ الرَّبُّ بلِسانِ النَّبـيِّ: 23((سَتحْبَلُ العَذْراءُ، فتَلِدُ اَبْناً يُدْعى ((عِمّانوئيلَ))، أي اللهُ مَعَنا. 24فلمَّا قامَ يوسفُ مِنَ النَّومِ، عَمِلَ بِما أمَرَهُ مَلاكُ الرَّبِّ. فَجاءَ باَمْرَأتِهِ إلى بَيتِه، 25ولكِنَّهُ ما عَرَفَها حتّى ولَدَتِ اَبْنَها فَسَمّاهُ يَسوعَ.)


ترجمة سميث وفاندايك (البروتستانتية)


(1: 17 فجميع الاجيال من ابراهيم الى داود اربعة عشر جيلا و من داود الى سبي بابل اربعة عشر جيلا و من سبي بابل الى المسيح اربعة عشر جيلا


1: 18 اما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا لما كانت مريم امه مخطوبة ليوسف قبل ان يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس


1: 19 فيوسف رجلها اذ كان بارا و لم يشا ان يشهرها اراد تخليتها سرا


1: 20 و لكن فيما هو متفكر في هذه الامور اذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا يا يوسف ابن داود لا تخف ان تاخذ مريم امراتك لان الذي حبل به فيها هو من الروح القدس


1: 21 فستلد ابنا و تدعو اسمه يسوع لانه يخلص شعبه من خطاياهم


1: 22 و هذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل


1: 23 هوذا العذراء تحبل و تلد ابنا و يدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا )


الترجمة الكاثوليكية


(18أَمَّا أَصلُ يسوعَ المسيح فكانَ أنَّ مَريمَ أُمَّه، لَمَّا كانَت مَخْطوبةً لِيُوسُف، وُجِدَت قَبلَ أَن يَتَساكنا حامِلاً مِنَ الرُّوحِ القُدُس. 19وكان يُوسُفُ زَوجُها باراًّ، فَلَمْ يُرِدْ أَن يَشهَرَ أَمْرَها، فعزَمَ على أَن يُطلِّقَها سِرّاً.

20وما نَوى ذلك حتَّى تراءَى له مَلاكُ الرَّبِّ في الحُلمِ وقالَ له: ((يا يُوسُفَ ابنَ داود، لا تَخَفْ أَن تَأتِيَ بِامرَأَتِكَ مَريمَ إِلى بَيتِكَ. فإِنَّ الَّذي كُوِّنَ فيها هوَ مِنَ الرُّوحِ القُدُس، 21وستَلِدُ ابناً فسَمِّهِ يسوع، لأَنَّه هوَ الَّذي يُخَلِّصُ شَعبَه مِن خَطاياهم )).

22وكانَ هذا كُلُّه لِيَتِمَّ ما قالَ الرَّبُّ على لِسانِ النَّبِيّ: 23 ((ها إِنَّ العَذراءَ تَحْمِلُ فتَلِدُ ابناً يُسمُّونَه عِمَّانوئيل ))أَيِ ((اللهُ معَنا )). 24فلمَّا قامَ يُوسُفُ مِنَ النَّوم، فَعلَ كَما أَمرَه مَلاكُ الرَّبِّ فأَتى بِامرَأَتِه إِلى بَيتِه، 25على أَنَّه لم يَعرِفْها حتَّى ولَدَتِ ابناً فسمَّاه يسوع. )




هذا العدد في متى من عدة تراجم عربية


من الأعداد نفهم ان يوسف كان حائرا من أمر مريم عليها السلام فأراد الرب ان يخلصه من هذه الحيرة فأرسل له الروح القدس لحل هذه القضية فقال له ان مريم عليها السلام حبلى من الروح القدس وان هذا جاء عن نبؤة قديمه على لسان احد الأنبياء الا وهي علامة عمانوئيل .


وعندما قام المحققون بالبحث عن هذه النبؤة حسب قول متى وجدوها في اشعياء وهي كالأتي ولنأخذ الترجمة العربية المشتركة


(10وعادَ الرّبُّ فقالَ لآحازَ: 11((أُطلبْ لنفْسِكَ آيةً مِنْ عندِ الرّبِّ إلهِكَ، إمَّا مِنْ أعماقِ الهاويةِ وإمَّا مِنْ أعالي السَّماءِ)). 12فقالَ آحازُ: ((لا أطلُبُ ولا أُجرِّبُ الرّبَّ)).13أمَّا إشَعيا فقالَ: ((إسمَعوا يا بَيتَ داودَ! أما كفاكُم أنْ تُضْجروا النَّاسَ حتى تُضْجروا إلهي أيضًا؟ 14ولكنَّ السَّيِّدَ الرّبَّ نفْسَهُ يُعطيكُم هذِهِ الآيةَ: ها هيَ العذراءُ تحبَلُ وتلِدُ اَبنًا وتدعو اَسمَهُ عِمَّانوئيلَ. 15يأكلُ زُبْدًا وعسَلاً إلى أنْ يَعرِفَ كَيفَ يرفُضُ الشَّرَ ويختارُ الخيرَ. 16فقَبلَ أنْ يَعرِفَ الصَّبيُّ كَيفَ يرفُضُ الشَّرَ ويختارُ الخيرَ، تُهجرُ الأرضُ التي يُرعِبُكَ مَلِكاها. 17فعلى يَدِ ملِكِ أشُّورَ يَجلُبُ الرّبُّ علَيكَ وعلى شعبِكَ وعلى بَيتِ أبيكَ أيّامًا لا مثيلَ لها مِنْ يومِ اَنفصَلَت أفرايمُ عَنْ يَهوذا. 18في ذلِكَ اليومِ يصفِرُ الرّبُّ للذُّبابِ الذي في أقصى أنهارِ مِصرَ، وللنَّخلِ الذي في أرضِ أشُّورَ، 19فتأتي وتنزِلُ كُلُّها في الأوديةِ المُقفِرةِ ونخاريبِ الصَّخرِ، وفي كلِّ عُلَّيقةٍ، وفي المراعي جميعِها.20في ذلِكَ اليومِ يحلِقُ السَّيِّدُ الرّبُّ بِمُوسى مُستأجرةٍ في عَبرِ النَّهرِ، أي بمَلِكِ أشُّورَ، رأسَكَ وشَعرَ رِجلَيكَ ويَقُصُّ لِحيَتَكَ أيضًا. 21وفي ذلِكَ اليومِ يُرَبِّي واحدٌ عِجلَةً مِنَ البقَرِ وشاتَينِ، 22ولكثرَةِ اللَّبَنِ يأكلُ الزُّبْدَ، لأنَّ الزُّبْدَ والعسَلَ يأكلُهُما كُلُّ مَنْ أُبقيَ في الأرضِ.23وفي ذلِكَ اليومِ كُلُّ موضعِ فيهِ ألفُ كَرمةٍ ثمَنُها ألفٌ مِنَ الفضَّةِ يصيرُ عَوسَجا وشَوكًا. 24ولا يدخُلُ أحدٌ إلى هُناكَ إلاَ بالسِّهامِ والقَوسِ، لأنَّ الأرضَ كُلَّها تكونُ عَوسَجا وشَوكًا. 25وجميعُ الجبالِ التي كانَت تُنقَبُ بالمِعوَلِ لا يدخُلُها أحدٌ خوفًا مِنَ العوسَج والشَّوكِ، بل تكونُ مسرحًا لِلثِّيرانِ وموطِئًا للغنَمِ)).


وسبب اقتباسي من الترجمة العربية المشتركة هو ان هناك تلاعب من قبل النصارى في باقي التراجم والترجمة العربية المشتركة كانت على الأقل اكثر اعتدالا من غيرها


فمثلا حسب فاندايك


تجد العدد 14 هكذا


7: 14 و لكن يعطيكم السيد نفسه اية ها العذراء تحبل و تلد ابنا و تدعو اسمه عمانوئيل


وحسب الكاثوليكية


14فلِذلك يُؤتيكُمُ السَّيِّد نَفْسُه آيَةً: ها إِنَّ الصَّبِيَّةَ تَحمِلُ فتَلِدُ آبناً وتَدْعو آسمَه عِمَّانوئيل


فيستغل جهلاء النصارى هذه الترجمات لتلاعب بسيط بقولهم


(انه يقول يعطيكم نفسه اية أي هو بنفسه الأية أي هو الله بنفسه المولود (تعالى القدوس علوا كبيرا) ) وما قولهم هذا الا أية على افترائهم وكذبهم مع علمهم بالحق والويل لهم من عذاب اليم من رب عظيم .



قارن ايها القارئ العزيز بين متى وبين اشعيا ستجد فرق هائل جدا .


متى يذكر ان عمانوئيل هو يسوع الذي تنبأ به من قبل اشعيا


بينما في اشعيا نجدها انها علامة من الرب الى أحاز


وسبب هذه العلامة هو ان احاز كان خائفا من تأمر صَعِدَ رَصينُ ملِكُ آرامَ وفقَحُ بنُ رَمَلْيا ملِكُ إِسرائيلَ فأراد الرب ان يطمئن قلب أحاز على ان لن يقدروا على إيذائه فأرسل له اشعيا عليه السلام ليخبرة بذلك


ونفهم هذا من الأعداد الأتية في اشعيا التي تسبق علامة عمانوئيل :


7 وفي أيّامِ آحازَ بنِ يوثامَ بنِ عُزيَّا ملِكِ يَهوذا صَعِدَ رَصينُ ملِكُ آرامَ وفقَحُ بنُ رَمَلْيا ملِكُ إِسرائيلَ إلى أُورُشليمَ لمُحارَبَتِها، فما قَدِرا أنْ يستوليا علَيها.2فلمَّا وصَلَ الخبَرُ إلى بَيتِ داودَ، وقيلَ لَه إنَّ الآراميِّينَ نزَلوا في أرضِ شعبِ أفرايمَ، اَضطرَبَ قلبُهُ وقلبُ شعبِهِ اَضطِرابَ شَجرِ الغابِ في وجهِ الرِّيحِ. 3فقالَ الرّبُّ لإشَعيا: ((أُخرُج لمُلاقاةِ آحازَ، أنتَ وشآرَ ياشوب اَبنكَ، إلى آخرِ قناةِ البِرْكةِ العُليا في طريقِ حقلِ القَصَّارِ 4وقُلْ لَه: تَنَبَّهْ واَطمَئِنَّ ولا تخفْ ولا يَضعُفْ قلبُكَ. فما غضَبُ رصينَ ملِكِ آرامَ وفقَحَ بنِ رمَلْيا ملِكِ شعبِ إِسرائيلَ إلاَ كلَهَبِ ذنَبَينِ مُشتَعِلَينِ مُدخنَينِ. 5هُما وشعباهُما تآمَروا علَيكَ بالشَّرِّ وقالوا: 6نصعَدُ على يَهوذا ونُرعِبُها ونَقتَسِمُها ونُمَلِّكُ علَيها اَبنَ طَبْئيلَ)). 7وهذا ما قالَ السَّيِّدُ الرّبُّ: ((لا يحدُثُ ذلِكَ ولا يكونُ. 8فما دِمَشقُ إلاَ عاصمةَ آرامَ، وما رَصينُ إلاَ ملِكَ دِمشقَ. وبَعدَ خمسٍ وستِّينَ سنَةً ينكَسِرُ شعبُ إِسرائيلَ فلا يَبقى شعبًا. 9فما السَّامِرةُ إلاَ عاصِمةَ شعبِ إِسرائيلَ، وما اَبنُ رَمَلْيا إلاَ ملِكَ السَّامِرةِ. إنْ كُنتُم لا تُؤمِنونَ فلَنْ تأمَنوا.



فطلب الرب من أحاز أن يطلب علامة تؤكد هذا الوعد انه سيتحقق من عند الإله كما في الأعداد التي ذكرناها .


فرفض أحاز بدعوة انه لا يجرب إلهه لكن اشعياء قال :


13أمَّا إشَعيا فقالَ: ((إسمَعوا يا بَيتَ داودَ! أما كفاكُم أنْ تُضْجروا النَّاسَ حتى تُضْجروا إلهي أيضًا؟ 14ولكنَّ السَّيِّدَ الرّبَّ نفْسَهُ يُعطيكُم هذِهِ الآيةَ: ها هيَ العذراءُ تحبَلُ وتلِدُ اَبنًا وتدعو اَسمَهُ عِمَّانوئيلَ.


فعمانوئيل كان علامة للملك أحاز من الإله ليطمئنه وشعبه إن ملك آرام وحليفه لين يضروه شيئا !


كما هو واضح ولكن سبحان الله يأتي متى بعد كل هذه السنين العظيمة بينه وبين اشعيا ليقول إنها نبوءة عن يسوع ! .


أليس هذا كذب وغش وخداع وافتراء وتطاول .


أليس هذا هو التحريف بأم عينيه بل بأم أمه ! .


قول علماء النصارى في هذه النبوءة :


(حتى لا يقال انه رأي المسلمين فقط )


1_جاء في دائرة المعارف الكتابية التي كتبت تحت اشراف نخبة من علماء الكتاب المقدس كما يسمونه


في باب عمانوئيل


(جاء في نبوة إشعياء لآحاز ملك يهوذا ، كعلامة على أن الله سينقذ يهوذا من أعدائها (إش 7 : 14 ، 8 و 10) . وقد جاء في إنجيل متى أنها كانت نبوة عن " الرب يسوع المسيح " (مت 1 : 23) .)


هنا تلعب دائرة المعارف دور الصادق والمحرف.


فهي تؤكد على انها نبؤة لأحاز ان الرب سينقذه من اعداءه


وفي نفس الوقت ذكروا انها جاءت في انجيل متى انها كانت نبؤة عن يسوع


لاحظ طريقة (جاءت .. انها كانت ! )


ويحاول كتاب دائرة المعارف المسيحية كثيرا لحل هذه المشكلة التي وضعهم فيها كاتب انجيل متى ولكن لا مفر قيذكرون تارة


(إنها نبوة تشير إلى إحدى إمرأتين : إما امرأة إشعياء ، أو امرأة آحاز . وفي الحالة الأولى يكون المقصود " بعمانوئيل " هو " مهير شلال حاش بز " (إش 8 : 1-4) ، وأمه هي زوجة إشعياء الموصوفة بأنها " النبية " (إش 8 : 3) ، التي كان إشعياء على وشك الاقتران بها ، أي أنها كانت مازالت عذراء في وقت النطق بالنبوة ، ويؤيدون هذا الرأي بأن أولاد إشعياء كانوا رموزاً (انظر عب 2 : 13 مع إش 8 : 18) .)


وتارة اخرى


(أن النبوة تشير إلى المستقبل البعيد ، وبخاصة في ضوء ما جاء في إنجيل متى (1 : 23) عن العذراء مريم وابنها يسوع الذي " يُدعى اسمه عمانوئيل ، الذي تفسيره الله معنا " لأنه كان هو الله الذي " ظهر في الجسد " (1 تى 3 : 16) ، والذي " فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً " (كو 2 : 9) . ومع وأنه تفسير سليم بالنسبة لمرمى النبوة البعيد لكنه يتغاضى عن أن النبوة كانت علامة لآحاز .)


ولا استغرب فهذا هو العناد ويبقى الإعتراف انه كانت علامة لأحاز لا اكثر منهم وانه تغاضى عن كونها لأحاز.


فكيف فهموا ان هناك مرمى بعيد ومرمى قريب .



2_التفسير التطبيقي للكتاب المقدس



جاء في التفسير ما يلي


(جاءت كلمة " عذراء" ترجمة لكلمة عبرية تستخدم للدلالة على امرأة غير متزوجة، لكنهابلغت سن الزواج، أي أنها ناضجة جنسيا (ارجع إلى تك 24: 43 ؛ خر 2: 8 ؛ مز 68: 25 ؛أم 30: 19 ؛ نش 1: 3 ؛ 6: 8). ويجمع البعض بين هذه العذراء وامرأة إشعياء وابنهاالحديث الولادة (8: 1-4). ولكن هذا غير محتمل إذ كان لها ابن اسمه شآريشوب، كما لميكن اسم ابنها الثاني "عمانوئيل". ويظن البعض أن زوجة إشعياء الأولى كانت قد ماتت،وأن هذه هي زوجته الثانية. ولكن الأرجح أن هذه النبوة تمت مرتين : (1) أن فتاة منبيت آحاز لم تكن قد تزوجت بعد، ولكنها كانت ستتزوج وتلد ابنا، وقبل مضي ثلاث سنوات (سنة للحمل، وسنتين ليكبر الطفل ويستطيع الكلام) يكون الملكان الغازيان قد قضيعليهما. (2) يقتبس البشير متى في (1: 23) قول إشعياء (7: 14) ليبين إتماما آخرللنبوة في أن عذراء اسمها مريم حبلت وولدت ابنا : عمانوئيل المسيح.)


فحتى التفسير التطبيقي حاول لعب نفس الدور


لكنه جاء يكحلها عماها كغيرة


فيقول انه المرأة او العذراء قد تكون زوجة اشعيا الأولى او فتاة من بيت احاز ستتزوج وتلد هذا الولد .


لكن يذكر التفسير ان هناك اتمام اخر للنبؤوة وهذا كلام غير منطقي فالنبؤة تمت ! فأين النقص حتى يقول انها تمت مرة اخرى ولم يذكر في الكتاب ان لها اتمام أخر فهذه محاولة الصاق لا اكثر .


وطبعا يذكر هذا ليحاول تبرير جريمة متى .



ثم يعود ليناقض نفسه بذكره (ويجمع البعض بين هذه العذراء وامرأة إشعياء وابنهاالحديث الولادة (8: 1-4). ولكن هذا غير محتمل إذ كان لها ابن اسمه شآريشوب، كما لميكن اسم ابنها الثاني "عمانوئيل".)


ونسي ان يسوع لم يسمى ابدا عمانوئيل .


فكيف يحكم ؟!???=========================================================((((((((((((((((((((((((((((?مخالفة الكتاب المدعو مقدس لجميع الثوابت العلمية)))))))))))
* هل شرب الماء مضر ؟؟؟؟؟ *
رسالة بولس الأولي إلي تيموثاوس إصحاح 5 عدد 23( لا تكن في ما بعد شراب ماء بل استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة )!!! . وقد أجاب علي هذا السؤال القس منيس عبد النور في كتابه شبهات وهمية صـ410 بالآتي:( أوضح الرسول بولس بنصيحته لتيموثاوس جواز استعمال الخمر للدواء . فالمادة في ذاتها ليست شراً . لكن استعمالها يجعل منها ضارة أو نافعة . ولا يخفي أنه يجوز تعاطي السم بنسب معينة للعلاج . وكذلك الخمر , فالإكثار منه يضر . والقليل منه يستعمل كدواء متي رأي الطبيب ذلك . )!!!
وأقول وبالله التوفيق:حاول القس ألابتعاد عن أصل السؤال و المراوغة في إجابته . [ لا تكن في ما بعد شراب ماء ] وهذا هو الشق الأول: التحذير من شرب الماء . والشق الثاني :[ بل استعمل خمراً قليلاً ] . فهل شرب الماء مضر ؟أم هذا من الأعجاز العلمي لديكم .
* وفي سفر الميكابيين الثاني إصحاح 15 عدد 39 [ الترجمة العربية المشتركة ](فكما أن شرب الخمر وحدها مضر أو شرب الماء وحدها مضر بينما الخمر ممزوجة بالماء تطيب وتلذ لشاربها , هكذا الكلام الجميل يفرح قارئيه )!!!
* (هذا الكلام الجميل يفرح قارئيه)كلام سكارى يفرح السكارى أيضا. هل أوحي الله سبحانه وتعالي لأحد أنبيائه بما يخالف شرعه ؟ وهذا هو الشق الثاني من السؤال.وأضف سؤال أخر:هل عين الرب تدمع من الخمر؟والعياذ بالله .
هل هذه الصفة تليق بجلال الله سبحانه وتعالى ؟
مزمور 78- 5( فاستيقظ الرب كنائم كجبار محيط من الخمر )!
* من الذي أوحي بالنصوص السابقة ؟ ومن الذي أوحي بالنصوص الآتية ؟ وأيهما الأصدق ؟
1- سفر القضاة 13-14( من كل ما يخرج من جفنه الخمر لا تأكل وخمراً ومسكراً لا تشرب )!
2- سفر إرمياه 6:3( فقالوا لا تشرب خمراً لان يوناداب بني ركاب أبانا أوصانا قائلاً لا تشربوا خمرا أنتم ولا بنوكم إلي الأبد ) !
3- اللاويين 10-9( خمرا ومسكرا لا تشرب أنت وبنوك معك عند دخولكم خيمة الاجتماع لكي لا تموتوا . فرضاً دهرياً في أجيالكم )!
4- سفر التثنية 39:28( كروما تغرس وتشتغل وخمرا لا تشرب ولا تجني لأن الدود يأكلها )!
* نلاحظ : تناقض غريب( هل الحكم الشرعة عند النصارى – تحريم الخمر أم الأمر بشربها لفوائدها ؟.تحرم في القضاة وارميا واللاويين والتثنية, ويؤمر بشربها في رسالة بولس ,والميكابيين ؟ ثم يأمر بهذا النص :
أمثال 21: 6-7( أعطوا مسكرا لهالك وخمرا لمري النفس .يشرب وينسى فقره ولا يذكر تعبه بعد ) . هل كلام الله يتناقض؟ أي اله تعبدون ؟
وأي وحي تتحدثون عنه ؟ أم هو الضلال والكذب على الله ؟
* أليست هذه الأسفار التي تحرم الخمر من الكتب التي تدعون أنها شريعة موسى؟ عليه الصلاة والسلام. الذي قال فيها يسوع النصارى كما يدعي كاتب رسالةالعبرانيين 10-28( من خالف ناموس موسى فعلي شاهدين أو ثلثة شهود يموت بدون رأفة )!!!!( ويتناقض هذا الكلام في نفس الرسالة وتنسخ الشريعة كاملة )رسالة العبرانيين7- 18-19(الفانديك)( فإنه يصير أبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها . إذا الناموس لم يكمل شيئاً . ولكن يصير إدخال رجاء أفضل به يتقرب إلي الله )!!!
( الوصية ألسابقه ) هي (الشريعة)
وفى الترجمة اليسوعية الحديثة : (وهكذا نسخت الوصية السابقة لضعفها و قلة فائدتها . فالشريعة لم تبلغ شيئا إلى الكمال , وأدخل رجاء أفضل نتقرب به إلى الله)!!!
* فبما التقرب الأفضل إلى الله من الشريعة ؟ شرب الخمر ؟ وإباحة الزنا والدعوة إليه ؟ .( فهذا النص ناسخ لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام كاملة) : بل يتناقض أيضا مع ما نسب إلي يسوع النصارى ويكذبه .
إنجيل متى 5-17-18[ لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء . ما جئت لأنقض بل لأكمل . فأني الحق أقول لكم إلي أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل . فمن نقص احدي هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا يدعي أصغر في ملكوت السموات . وأما من عمل وعلم فهذا يدعي عظيماً في ملكوت السموات ] !
وأقول وبالله التوفيق :1- الناموس: أي [ الشريعة ] ولازالت الأرض والسماء موجودة وقد نسخ النصارى شريعة موسى كاملة . وتم التحريف بالزيادةوالنقصان .( فأي النصوص أصدق من غيرها ؟ وما الدليل ؟ وما سبب هذا التضارب , والتناقض ؟ )
2- وجاء في سفر المزامير[ المنسوب إلي سيدنا داود ] عليه الصلاة والسلام.مزمور 19-8:7[ ناموس الرب كامل يرد النفس . شهادات الرب صادقة تصُيرُ الجاهل حاكماً . وصايا الرب مستقيمة تُفرح القلبأمر الرب طاهر ينير العينين ]! .
. ولكن جاء بولس بما يخالف أقوال المسيح عليه السلام وأقوال جميع الأنبياء المنسوبة إليهم بالكتاب المقدس عند النصارى . .
رسالة بولس إلي غلاطية 2-16[ إذا تعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس بل بإيمان المسيح أمنا نحن أيضا بيسوع المسيح لنتبرر بإيمان يسوع المسيح لا بأعمال الناموس . لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما ]!!!
أي من هذه النصوص الموحي به من عند الله ؟
... هل للأرض أربعة زوايا وللسماء أعمدة ؟ ...
يوحنا 20-8 [ فانديك ]( ويخرج ليضل الأمم الذين في أربع زوايا الأرض جوج وماجوج بجمعهم للحرب ) !
أيوب 26-11 [ فانديك ]( أعمدة السموات ترتعد وترتاع من زجره ) .
أيوب 9-6 [فانديك ]( المزعزع الأرض من مقرها فتتزلزل أعمدتها ) !
... هل الغنم تتوحم ؟ ...
تكوين 30-39:38 [ فانديك ]( وأوقف القضبان التي قشرها في الأجران في ما في الماء حيث كانت الغنم تجئ لتشرب تجاه الغنم . لتتوحم عند مجيئها . فتوحمت الغنم عند القضبان وولدت الغنم مخططات ورقطا وبلقا )!
... هل للقمر ضربة كضربة الشمس ؟ ...
مزمور 121-6 [ فانديك ]( لا تضربك الشمس في النهار ولا القمر في الليل)! .
... هل يوجد طائر له أربع أرجل ؟ ...
اللاويين 11-23 [ فانديك ]( لكن سائر دبيب الطير الذي له أربع أرجل فهو مكروه لكم ) !
الترجمة اليسوعية الحديثة : ( وأما سائر الحشرات المجنحة التي لها أربع أرجل , فهو قبيحة لكم )!...هل يوجد حشرة لها أربع أرجل ؟
... هل النعامة قاسية علي أولادها وغبية ؟ ...
أيوب 39-18:13 [ فانديك ] ( جناح النعامة يرفرف . أفهو منكب رأوف أم ريش . لأنها تترك بيضها وتحميه في التراب . وتنسي أن الرجل تضغطه أو حيوان البريدوسه . تقسو علي أولادها كأنها ليست لها. باطل تعبها بلا أسف .لأن الله قد أنساها الحكمة, ولم يقسم لها فهما عندما تحوز نفسها إلي العلاء تضحك علي الفرس وعلي راكبه )!
. هل هذا من الإعجاز العلمي في الكتاب المدعو مقدس ؟
... هل النظر إلي الشمس خير للعينين ؟ ...
سفر الجامعة إصحاح11عدد7(النور حلو وخير للعينين أن تنظرا الشمس )!
... هل الحكمة تولد الغم ؟ ...
سفر الجامعة الإصحاح الأول عدد18( ففي كثرة الحكمة كثرة الغم ومن ازداد معرفة ازداد كآبه )!
... هل الأسد يأكل تبنا ؟ ...
سفر إشعياء إصحاح 11عدد7 :( والأسد كالبقر يأكل تبناً )!
هل الأرنب يجتر ؟
سفر اللاويين إصحاح 11عدد6:( والأرنب . لأنه يجتر لكنه لا يشق ظلفاً. فهو نجس لكم )! . يجتر : أي :إعادة بعض الطعام من معدة ثم يستكمل مضغه كالجمل على سبيل المثال .( ومن الثابت علميا أن الأرنب لا يجتر )
... هل الملح يزرع ؟ ...
سفر القضاة إصحاح 45:9( وحارب إبيمالك المدينة كل ذلك اليوم وأخذ المدينة وقتل الشعب الذي بها وهدم المدينة وزرعها ملحاً )!
... هل الإله يصفر للذباب ؟ ...
سفر إشعياء إصحاح 7-18( ويكون في ذلك اليوم أن الرب يصفر للذباب الذي في أقصي ترع مصر وللنحل الذي في أرض أشور ) !
• هل الذباب يسمع ؟ وما معني أن الرب يصفر للذباب ؟
... هل الثياب تصاب بالبرص ؟ ...
سفر اللاويين 13-47( وأما الثوب فإذا كان فيه ضربة برص ثوب صوف أو ثوب كتان )!. البرص : مرض معروف يصيب الإنسان .
... تناقضات في سفر التكوين ...
تكوين 1عدد5:3( وقال الله ليكن نور فكان نور . ورأي الله النور أنه حسن وفصل الله بين النور والظلمة ودعا الله النور نهاراً والظلمة دعاها ليلاُ . وكان مساء وكان صباح يوم واحد ) !
. بناء علي هذا النص: يقول النص :أن الله خلق النهار والليل أولاً
( قبل أن يخلق الشمس ولا القمر)وبعد ذلك خلق الشمس والقمر .
تكوين 1-16( فعمل الله النورين العظيمين . النور الأكبر لحكم النهار والنور الأصغر لحكم الليل ) !
وأقول وبالله التوفيق : إذا كان من الثابت علمياً أن الليل والنهار نتيجة عن دوران الأرض حول الشمس . فكيف يكون وجود الليل والنهار قبل خلق الشمس هل هناك مصدر للضوء والحرارة خلاف الشمس ؟ ألم يكن ذلك مخالف للحقائق الثابتة في الكون ؟ومن المؤسف أن نجد الردود علي هذه الأسئلة ردود وهمية ممن يدعون العلم ولقد وجدت رد علي هذا السؤال من أحد علماء النصارى فهو لا يتردد حتى في تغيير الحقائق العلمية الثابتة كالعادة ليقنع البسطاء من النصارى أنه أجاب علي السؤال وإليك إجابته :

في كتاب شبهات وهمية للدكتور القس منيس عبد النور الطبعة الثالثة صـ53 يقول : وللردنقول:[ الشمس ليست المصدر الوحيد للنور , ولابد أنه كانت هناك أنوار كونيه قبل أن تتشكل الشمس . فكانت أضواء الغيوم السد يميه تضئ الكون . ثم خلق الله الشمس والقمر والنجوم ]!
* يقول القس في رده :[ لابد أنه كانت هناك أنوار كونيه ]!!
إذاً : فهو يستنتج دون تقديم أي دليل علي إجابته: وهل يجوز أن يتحدث إنسان علي كتاب يُدعي أنه موحي به من عند الله باستنتاج شخصي بدون دليل ؟ . مخالف لما يقوله جميع البشر مسلم وغير مسلم . وهل هناك ما يسمى بالغيوم السد يميه ؟أين الدليل على إجابة القس ؟ أم الإجابة وهمية ؟
*بذلك أردت أن أوضح لك عزيزي القارئ : نموذج أيضا من ردود علماء النصارى , وجميع الردود بنفس الأسلوب الذي لا يحترم عقل الإنسان .
وليزال السؤال مطروح ونأمل في إجابة بأدلة تحترم العقل البشري والعلوم الثابتة. مما تدعون أنه مقدس .
* سفر التكوين 1عدد27( فخلق الله الإنسان علي صورته . علي صورة الله خلقه .ذكر وأنثي خلقهم )!!!
* يفيد النص:أن الله خلق الإنسان ذكر وأنثي في وقت واحد, وكيفية واحدة. *ويتناقض هذا النص مع سفر التكوين إصحاح 2عدد22-23( فأوقع الرب الإله سباتاً علي آدم فنام. فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً. وبني الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلي آدم )!
* إذا يوضح النص :1 - أن الله خلق الذكر أولا: ثم خلق الأنثى.
2 - أن المرأة خلقت من ضلع آدم .
3- يوضح النصين أن كل نص يتحدث عن قصة مختلفة عن الأخرى .فهل خلق الله لآدم عليه السلام أكثر من أمرأه ؟؟؟
و التناقض بين النصين واضح وإن حاول البعض التوافق بين الروايتين كذبا بأن يقول :الأولي أختصرها الكاتب لأنها ضمن قصة الخلق أما الرواية الثانية جاءت مفصلة. نقول : أين الدليل ؟هل هذا وحي من عند الله ؟?????????========================================================================)))))))))))(((((((الوحم .. في الكتاب المقدس))))))))))))))))))))))))))))))))
بين الحقيقة والخيال



ما هو الوحم ؟
تشهد فترة الحمل حدوث تغيرات انفعالية تكون واضحة تماماً في المرحلة المبكرة منه، مثل شعور بعض السيدات بعدم القدرة على التركيز والشعور بالدوار والإغماء، كما تصاب بعضهن بنوبات من الصدام أو الاكتئاب والحزن وحدة الطبع.
وهناك من يعتقد بان الحامل لو نظرت الي شخص معين إثناء وحمها... يأتي الطفل شبه هذا الشخص ...فإذا كان ذات عيون زرق أو خضر يأتي الطفل عينه زرقاء أو خضراء ..أو إن الحامل اذا أكلت أو أكثرت من أكل طعام معين تؤثر علي لون بشرة الجنين ..أو لون عينه ....فلو أكثرت الحامل من أكل الخضروات الخضراء ...يولد المولد ذات عيون خضراء ...وهكذا

اتفاقه مع العلم
هذا الكلام لا يتفق مع العلم مطلقا
سفهذا رأي احد الأطباء
علماً بأن الجنين لا يتأثر بنوع الوحم ولا بوجوده من عدمه
سويقول اخر
وعادة ما تكون الأورام الدموية التي تصيب الجنين لا علاقة لها بما حرمت منه إلام إثناء الحمل , كما تعتقد الكثيرات , حيث تعتقد الأم ان الورم الذي يظهر على جسم المولود بسبب عدم تناولها الفراولة أو التوت الذي اشتهته في اشهر الحمل وهذا لا يوجد فيه دليل
ساما الاعتقاد بان الحامل لو نظرت الي شخص معين إثناء وحمها ... يأتي الطفل شبه هذا الشخص ...أو أكلت أكل معين يؤثر على صفات الجنين ...كل هذا يخالف العلم ....فكل هذا ينتقل عن طريق الوراثة

سالوراثة هي انتقال الصفات الوراثية من الأسلاف الى الاخلاف , وبتعبير اخر هي انتقال الخصائص البيولوجية التي تتسبب في تشابه الذرية من جيل الى جيل بواسطة عملية التناسل .

سوالثروة الوراثية تكمن عند الانسان في نواة كل خلية على شكل جسيمات تسمى الكروموسومات او الصبغيات . وعبر هذه الكروموسومات وبوسطة ما تحمله من الجينات او الموروثات او الناسلات , تنتقل الصفات الوراثية منتقاه مختارة من الاسلاف الى الاخلاف , الشئ الذي يعطي كل مخلوق خصائصه وميزاته: كالفصيلة الدموية , كلون الجلد والشعر والعينين , كطول القامة او قصرها .. , اذا فالمورثات تحكم ادق تفاصيل تخلق الانسان منذ تكونه وحتى موته .
تقول لي ما علاقة هذا بالكتاب المقدس ؟
تابع معي باذن الله .. وسف تعرف ????يعقوب ....ووحم الماشية



؟يحكى ان ....ان يعقوب عندما سرق البركة من أخيه عيسو ....هرب وسكن عند خاله لأبان
وتزوج ابنتيه {ليئة و راحيل }مقابل العمل عنده بدون اجر مدة أربع عشر عاماً عن كل بنت سبع سنوات
وبعد ان قضى هذه المدة طلب من خاله الرحيل
ولكن خاله توسل اليه ان يبقى ويأخذ ما يطلبه من أجرة
فطلب يعقوب ان يأخذ كل أشاة و ماعز { رقطاء ..وبلقاء ..وسوداء} ....من مواشي خاله ...الحالية وما سوف يولد ..

؟وتم فرز المواشي
واخذ أبناء يعقوب نصيب والدهم
وظل يعقوب يرعى غنم خاله مقابل ان يحصل على المواشي التي تولد بالمواصفات التي حددها مع خاله
{ رقطاء ..وبلقاء ..وسوداء} بالنسبة للخراف
{رقطاء ..وبلقاء } بالنسبة الي الماعز


فماذا فعل يعقوب { كما يدعي الكتاب المقدس }؟

؟احضر قطعة خضراء من أشجار { اللُّبْنَى وَاللَّوْزِ وَالدُّلْبِ} ....وقلمها بخطوط بيضاء { وذلك بتقشير جزء فيظهر البياض الذي اسفل القشرة وترك جزء بدون تقشير وهكذا }....ثم وضع هذه القطعة من الأشجار التي قام بتقليمها عند مساقي الماشية حيث تتردد الماشية ....فتتوحم عليها الماشية حين تقبل لتشرب .....فتلد غنماً { مُخَطَّطَةً وَرَقْطَاءَ وَبَلْقَاءَ}

؟ليس هذا فحسب بل كان ينتقي الماشية القوية ....فينصب أمامها قطعة الخشب المقلمة ... فتتوحم فتلد غنم قوي { مُخَطَّطَةً وَرَقْطَاءَ وَبَلْقَاءَ} والضعيفة لا ينصب أمامها الخشب المقلمة فتلد شكلها وتكون لخاله

اقتباس:
25وَعِنْدَمَا وَلَدَتْ رَاحِيلُ يُوسُفَ، قَالَ يَعْقُوبُ لِلاَبَانَ: «أَخْلِ سَبِيلِي فَأَنْطَلِقَ إِلَى بَلَدِي وَإِلَى أَرْضِي، 26وَأَعْطِنِي نِسَائِي وَأَوْلاَدِي الَّذِينَ خَدَمْتُكَ بِهِمْ، وَدَعْنِي أَمْضِي، فَأَنْتَ تُدْرِكُ أَيَّةَ خِدْمَةٍ خَدَمْتُكَ». 27فَقَالَ لَهُ لاَبَانُ: «إِنْ كُنْتُ قَدْ حَظِيتُ بِرِضَاكَ فَأَرْجُوكَ أَنْ تَمْكُثَ مَعِي، لأَنَّنِي عَرَفْتُ بِالتَّفَاؤُلِ بِالْغَيْبِ أَنَّ الرَّبَّ قَدْ بَارَكَنِي بِفَضْلِكَ». 28وَأَضَافَ: «عَيِّنْ لِي أُجْرَتَكَ فَأُعْطِيَكَ إِيَّاهَا». 29فَقَالَ لَهُ يَعْقُوبُ: «أَنْتَ تَعْلَمُ كَيْفَ خَدَمْتُكَ، وَمَاذَا آلَتْ إِلَيْهِ مَوَاشِيكَ تَحْتَ رِعَايَتِي، 30فَالْقَلِيلُ الَّذِي كَانَ لَكَ قَبْلَ مَجِيئِي ازْدَادَ أَضْعَافاً كَثِيرَةً، فَبَارَكَكَ الرَّبُّ مُنْذُ أَنْ قَدِمْتُ عَلَيْكَ، وَالآنَ مَتَى أَشْرَعُ فِي تَحْصِيلِ رِزْقِ عَائِلَتِي؟» 31فَسَأَلَهُ: «مَاذَا أُعْطِيكَ؟» فَأَجَابَهُ يَعْقُوبُ: «لاَ تُعْطِنِي شَيْئاً. وَلَكِنْ إِنْ أَرَدْتَ، فَاصْنَعْ لِي هَذَا الأَمْرَ الْوَاحِدَ فَأَذْهَبَ وَأَرْعَى غَنَمَكَ وَأَعْتَنِيَ بِهَا: 32دَعْنِي أَمُرُّ الْيَوْمَ بَيْنَ مَوَاشِيكَ كُلِّهَا، فَتَعْزِلَ مِنْهَا كُلَّ شَاةٍ رَقْطَاءَ وَبَلْقَاءَ وَسَوْدَاءَ مِنْ بَيْنِ الْخِرْفَانِ، وَكُلَّ بَلْقَاءَ وَرَقْطَاءَ بَيْنَ الْمِعْزَى، فَتَكُونُ هَذِهِ أُجْرَتِي. 33وَتَكُونُ أَمَانَتِي شَاهِدَةً عَلَى صِدْقِ خِدْمَتِي فِي مُسْتَقْبَلِ الأَيَّامِ. فَإِذَا جِئْتَ تَفْحَصُ أُجْرَتِي، وَوَجَدْتَ عِنْدِي مَا لَيْسَ أَرْقَطَ أَوْ أَبْلَقَ بَيْنَ الْمِعْزَى وَأَسْوَدَ بَيْنَ الْخِرْفَانِ، يَكُونُ مَسْرُوقاً عِنْدِي». 34فَقَالَ لاَبَانُ: «لِيَكُنْ وَفْقاً لِقَوْلِكَ». 35وَعَزَلَ لاَبَانُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ التُّيُوسَ الْمُخَطَّطَةَ وَالْبَلْقَاءَ، وَكُلَّ عَنْزٍ رَقْطَاءَ وَبَلْقَاءَ، كُلَّ مَا فِيهِ بَيَاضٌ وَكُلَّ خَرُوفٍ أَسْوَدَ. وَعَهِدَ بِهَا إِلَى أَبْنَاءِ يَعْقُوبَ. 36وَجَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَعْقُوبَ مَسَافَةَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، وَاسْتَمَرَّ يَعْقُوبُ يَرْعَى مَوَاشِي لاَبَانَ.
37وَأَخَذَ يَعْقُوبُ قُضْبَاناً خَضْرَاءَ مِنْ أَشْجَارِ اللُّبْنَى وَاللَّوْزِ وَالدُّلْبِ وَقَلَّمَهَا بِخُطُوطٍ بَيْضَاءَ كَاشِفاً عَمَّا تَحْتَ الْقِشْرَةِ مِنْ بَيَاضٍ، 38وَنَصَبَ الْقُضْبَانَ الَّتِي قَلَّمَهَا تِجَاهَ الْغَنَمِ فِي أَجْرَانِ مَسَاقِي الْمَاءِ حَيْثُ تَرِدُ الْمَوَاشِي، فَتَتَوَحَّمُ عَلَيْهَا إِذَا مَا أَقْبَلَتْ لِتَشْرَبَ. 39فَكَانَتِ الْغَنَمُ تَتَوَحَّمُ عِنْدَ الْقُضْبَانِ، فَتَلِدُ غَنَماً مُخَطَّطَةً وَرَقْطَاءَ وَبَلْقَاءَ. 40وَفَرَزَ يَعْقُوبُ الْحُمْلاَنَ، وَجَعَلَ مُقَدِّمَةَ الْمَوَاشِي فِي مُوَاجَهَةِ كُلِّ مَا هُوَ مُخَطَّطٌ وَأَسْوَدُ مِنْ غَنَمِ لاَبَانَ، وَأَقَامَ لِنَفْسِهِ قُطْعَاناً عَلَى حِدَةٍ بِمَعْزِلٍ عَنْ غَنَمِ لاَبَانَ. 41فَكَانَ يَعْقُوبُ كُلَّمَا تَوَحَّمَتِ الْغَنَمُ الْقَوِيَّةُ يَنْصِبُ الْقُضْبَانَ أَمَامَ عُيُونِ الْمَوَاشِي فِي الأَجْرَانِ لِتَتَوَحَّمَ بَيْنَ الْقُضْبَانِ. 42وَحِينَ تَكُونُ الْغَنَمُ ضَعِيفَةً، لاَ يَضَعُ الْقُضْبَانَ أَمَامَهَا، فَصَارَتِ الضَّعِيفَةُ لِلاَبَانَ وَالْقَوِيَّةُ لِيَعْقُوبَ. 43فَاغْتَنَى الرَّجُلُ جِدّاً، وَكَثُرَتْ مَوَاشِيهِ وَجَوَارِيهِ وَعَبِيدُهُ وَجِمَالُهُ وَحَمِيرُهُ.....التكوين 30 / 25: 43


كما وضحنا سابقا .... الجنين لا يتأثر بنوع الوحم ولا بوجوده من عدمه..ولا تتأثر صفاته بما تشاهده الأم ......فالمتحكم في صفات الجنين هو عامل الوراثة ....فما قصه علينا الكتاب المقدس ليس له سند من العلم ....بل يتعارض معه??????????
ننظر للموضوع من الناحية الأخلاقية

> ما قام به يعقوب {طبقا للكتاب المقدس } يخالف الأخلاق السوية ويناقض الأمانة ....التي تعهد بها يعقوب لخاله {وَتَكُونُ أَمَانَتِي شَاهِدَةً عَلَى صِدْقِ خِدْمَتِي فِي مُسْتَقْبَلِ الأَيَّامِ }
اين هذه الأمانة ؟ > طلب ان تكون أجرته ...الغنم ذات لون معين .....فيستخدم الحيلة والغش ليجعل الغنم ينجب له هذا اللون ليستحوذ على اكبر عدد ممكن من الغنم
> كيف بنبي ابن نبي ابن نبي يفعل ذلك فهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ...عليهم السلام جميعا
بل أبو أنبياء بني إسرائيل جميعا ومنهم على سبيل المثال { يوسف ..موسى ..هارون ..يشوع ..داوود ...سليمان ....اشعياء ..زكريا ..يحيى ..عيسى } عليهم جميعا السلام
> اين القدوة .....اين اصطفاء الله تعالى ؟!!!!!!!!!!!
يعقوب عليه السلام ..برئ من هذا الافتراء كما وضحنا من ناحية العلم
يتبع بإذن الله
???????هذا كتابهم يخالف العلم ويقولون كلمة الله .....ويكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم الصادق الذي جاء بما يتفق مع العلم
واليك هذا الموضوع المنقول
الاسس العلمية للوراثة البشرية ودلالاتها في الاسلام


: الوراثة هي انتقال الصفات الوراثية من الاسلاف الى الاخلاف , وبتعبير اخر هي انتقال الخصائص البيولوجية التي تتسبب في تشابه الذرية من جيل الى جيل بواسطة عملية التناسل .

: والثروة الوراثية تكمن عند الانسان في نواة كل خلية على شكل جسيمات تسمى الكروموسومات او الصبغيات . وعبر هذه الكروموسومات وبوسطة ما تحمله من الجينات او الموروثات او الناسلات , تنتقل الصفات الوراثية منتقاه مختارة من الاسلاف الى الاخلاف , الشئ الذي يعطي كل مخلوق خصائصه وميزاته: كالفصيلة الدموية , كلون الجلد والشعر والعينين , كطول القامة او قصرها .. , اذا فالمورثات تحكم ادق تفاصيل تخلق الانسان منذ تكونه وحتى موته .

: وتجدر الاشارة الى ان الخلية الانسانية الجسدية تحتوي على 23 زوجا من الحاملات للصفات الوراثية: منها 22 زوجا من الصبيغات الجسدية , وزوجا واحدا من الكرموسومات الجنسية س س اي XX عند الانثى او س ص اي XY عند الذكر . فالانسان من الوجهة الوراثية , ويرجع في نصف ثروته الوراثية الاخر الى الاب او الذرية القريبة او البعيدة التي انحدر منها الاب . وهكذا فكل العمليات التي تحدد خلق الانسان وتعطيه خصائصه البيولوجية منذ نشأته وحتى مماته , تحكمها هذه الثروة الوراثية المؤلفة من 23 زوجا من الصبغيات التي وضعها الله سبحانه وتعالى في نواة الزيجوت او النطفة الأمشاج , بعد اندماج البويضة او نطفة المرأة الحاملة لـ 22 صبغيا جسديا وواحد جنسيا هو س أي (X) والحيوان المنوي او نطفة الرجل الحامل لـ (22) صبغيا جسديا وواحدا جنسيا إما س اي (X) او ص اي (Y) , ليتقرر عندئذ خلق انسان جديد بوجود خلية بشرية كاملة تحمل 46 كروموسوما . فقد صدق الله تعالى حين قال في الايات 17 و18 و19 من سورة عبس: (قتل الانسان ما اكفره * من اي شئ خلقه * من نطفة خلقه فقدره) .

: وعلم الوراثة هو دراسة الآليات التي تحكم انتقال الصفات الوراثية من المخلوق الى نسله , ولم تصبح الوراثة علما بالمعنى المتعارف عليه الان الا منذ اواخر القرن التاسع عشر الميلادي ,عام 1865م على يد العالم النمساوي (جريجور جوهان مندل) الذي عاش من سنة 1822م الى سنة 1884م , حيث تمثل اعماله القاعدة التي بنيت عليها القوانين الاساسية لعلم الوراثة هذا .

: وليس المقصود من التطرق هنا الى اساسيات الوراثة البشرية , الدخول في علم الوراثة الطبي , فبابه واسع جدا وفيه مؤلفات عديدة وبلغات مختلفة , ولكن المقصود هو اظهار إعجاز ما جاء به الاسلام في مجال علم الوراثة .

(فعن ابي هريرة رضي الله عنه ان اعرابيا اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي ولدت غلاما اسود واني انكرته ,فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل؟ قال: نعم . قال: فما ألوانها ؟ قال: حمر . قال: هل فيها من اورق . قال: ان فيها لورقا . قال: فأنى ترى ذلك جاءها ؟ قال: يا رسول الله عرق نزعها . قال: ولعل هذا عرق نزعه . ولم يرخص له في الانتقاء منه) .

وفي رواية اخرى (عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه اعرابي فقال: يارسول الله , ان امرأتي ولدت غلاما اسود ,فقال:هل لك من ابل ؟ قال: نعم قال: ما الوانها ؟ قال: حمر. قال: فيها من اورق؟ قال: نعم , قال: فأنى كان ذلك ؟ قال: أراه عرق نزعه. قال: فلعل ابنك هذا نزعة عرق).

: فهذا الاعرابي لما ولدت امرأته غلاما اسود , وليس السواد لونه ولا لون امه دخله الشك من زوجته ,فأتى الرسول صلى الله عليه وسلم الذي سأله عن لون ابله , فقال: حمر جمع احمر , قال صلى الله عليه وسلم: هل فيها اورق؟ اي اسمر او ما كان لونه كلون الرماد , فأجابه الاعرابي بأن فيها ورقا كثيرة جمع اورق ,قال صلى الله عليه وسلم: فمن اين ؟ قال ابو الولد لعله نزعة عرق اي جذبه لون كان في احد اصوله , فرد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم: وهذا كذلك , فمخالفة اللون لا تدل على ان الولد من الزنا فربما كان لونه في احد اصوله .

(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم مسرورا تبرق اسارير وجهه فقال: ياعائشة ألم تر ان مجززا المدلجي دخل علي فرأى اسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤسهما وبدت اقدامهما , فقال: ان هذه الاقدام بعضها من بعض).

: فالسيدة عائشة زوج النبي , تقول إنه صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهو مسرور يتهلل وجهه من الفرح فقال: اما علمت ان مجززا المدلجي , وهو شخص يعرف الشبه ويميز الاثر , رأى زيد بن حارثة وابنه اسامة مستوردين بقطيفة لكن ظهرت اقدامهما , فقال: ان هذه الاقدام بعضها من بعض , فزيد هذا كان لونه ابيض وولده اسامة كان لونه اسود لان امه بركة الحبشية كانت سوداء ,فكان بعض الناس يرتاب في نسبه لسواده وبياض ابيه , فلما قال المجزز هذه الاقدام بعضها من بعض اي فأحد هذين ولد للاخر فرح النبي صلى الله عليه وسلم لظهور الحق .

: فمن خلال ماورد في اقوال الرسول صلى الله عليه وسلم هذه , يتبين بأن الشبه بين المولود ووالديه قد يكون ظاهرا وقد يكون غير ظاهر بل بعيد كل البعد عن كلا الابوين , الشئ الذي اكده علم الوراثة حديثا . وتعليل ذلك علميا ومن الوجهة الوراثية دائما , هو انه عندما ينصهر الحيوان المنوي مع البويضة , تتكون النطفة الامشاج او الزيجوت حيث تتجمع صبغيات كل من الاب والام بما تحمله من صفات وراثية متعددة في جيناتها , هذه الجينات التي تحكم مستقبل الانسان البيولوجي اذ تمنحه الخصائص التي تميزه وتجعله يشابه تقريبا اباه جسديا او اجداده . ليس هذا فحسب بل ان هذه المورثات تعمل والى ابعد الحدود على اظهار الطباع المميزة الخاصة بالعائلة لفترة اجيال متوالية . وهكذا فتقدير صفات الانسان الوراثية وبالتالي تحديدها , منذ نشأته وحتى مماته , يعبران عن عمل الناسلات . وحسب قوانين الوراثة , فإن الصفات الوراثية عند شخص ما اما ان تكون مسيطرة او سائدة تظهر دائما في نسله المباشر , واما ان تكون منتحية او خاضعة فلا تظهر في النسل المباشر وانما بعد سلالات واجيال . ومن ثم يكون العلم الحديث قد كشف ان ضمن هذه الناسلات تكمن اسرار واسرار يظهرها الله متى يشاء , ومن ضمن تلك الاسرار الصفات والميزات الخلقية التي تعطي الفرد اوصافه وملامحه وشكله ولونه واستعداده السلوكي والعقلي , بل واستعداده لتقبل هذا الميكروب أو قدرته على مناعته وإمكانية اصابته بهذا المرض اوذاك . وهذا ما يجعل الزواج بين الاقارب من اولاد عم او خال او عمه او خالة , يظهر الصفات الوراثية المتنحية التي كانت مختفية . فالمتقاربون في النسب يحملون كثيرا من الصفات المشتركة والخاضعة التي لاتبرز عليهم , وبالزواج فإن احتمال ظهور هذه الصفات المتنحية يصبح كبيرا جدا عند بعض مولوديهم , لان الاب لن يعطي الا جينا واحدا فقط لكل صفة من الصفات , فإذا كانت هذه الصفة موجودة ايضا في البويضة , كان ذلك ايذانا بتكوين جين مكثف من كلا الوالدين , وفي هذه الحالة فقط تبرز الصفات المتنحية في الذرية التي يستلزم ظهورها وجود نفس الصفة مورثة من كلا الاب والام , وما عدا ذلك فيعتبر المولود حاملا للصفة فقط دون ان تظهر عليه هذه الاخيرة . وتجدر الاشارة الى ان الامر لا يتوقف دائما عند مجرد انتقال صفات وراثية عادية من جيل الى جيل كاللون مثلا , بل احيانا يتعداه الى انتقال امراض قد تكون خطيرة . ولمزيد من الايضاح , نستدل بشجرة النسب الاتية كنموذج , ولتكن الصفة المراد تتبع انتقالها عبر الاجيال هنا هي سواد لون الجلد .

: نلاحظ من خلال الشجرة النسب هذه , بأن الصفة المتنحية اي سواد لون الجلد عبر الجيلين الاول والثاني دون ان تظهر على احد الابناء رغم ان بعضهم يعتبر حاملا لها وهم المرقمون: 4 و8 و12 و15 و17 و20 . وبزواج صلبي بين 15 و17 برزت هذه الصفة المتنحية عند احد ابناء الجيل الثالث وهو المرقم 27 المتميز بلونه الاسود عن باقي افراد عائلته على مر ثلاثة اجيال . ونادرا جدا ما يقع زواج بين حاملي الصفة المتنحية من غير الاقارب كبين 19 و20 لنحصل على نفس النتيجة اي مولود اسود اللون وهو المرقم 30 . ومن ثم نفهم حديث الاعرابي الذي انته امراته بغلام اسود .

: فمما سبق , ندرك بأن ما جاء به الاسلام ومنذ القرن السابع الميلادي في مجال علم الوراثة البشرية يعتبر بحق اعجازا?????????????وأخيرا اليك هذه الابتسامة بخصوص موضوع الوحم
منقول

أستاذ مدرسة أجته بعثة على دول أوروبية،

فأخذ

مرته وراح ، وما في تسع شهور وإلا مرته حامل

وجابتله ولد أشقر

عيونه ملونة ، فاستغرب الاستاذ وسألها: شو

هاد.

فجاوبته:شو بدي ساوي أنت بتروح ع

المدرسة وأنا بقعد عالبلكون أوروبي رايح

وأوروبي جاية

الظاهر إني توحمت على شي أوروبي.

فهز راسه الاستاذ وقلها:ما في مشكلة إذا

هيك.

وبعد فترة أجته بعثة على دول جنوب افريقيا

وكمان

ما في تسع شهور وإلا مرته حامل وجابتله ولد

أسود

شفافه كبار

وشعره

مكزبر، نط الاستاذ وقلها: شوهاد يامرة.


قالت له: شو بدي ساوي أنت بتروح على

المدرسة وأنا بقعد بالبلكون جنوب إفريقي

رايح وجنوب

إفريقي

جاية

الظاهر إني توحمت على شي جنوب

إفريقي.

قلها إذا كان هيك ما في

مشكلة.

وبعد كل ها الشغل رجع على بلده على بيت

أهله وهونيك استقبلته أمه، واستغربت أشد

الاستغراب

وقالتله مين

هدول.

قلها:

ولادي،


قالتله:

وكيف هيك ،

فشرح

لها أن مرته مرة توحمت على أوروبي ومرة على

جنوب

إفريقي،

فهزت راسها وقالتله : بتعرف يا ابني أنا صار

هيك معي

وقت ولدتك

قلها: معقول ماما ولا مرة حكيتيلي ها

الشي.

قالتله : أبوك كان يروح على الأرض وأنا

قاعدة بأرض الدار، حمار رايح حمار جاية!!!?????هههههههههههههههههه
ملعوبة يا أبو تسنيم

طبعا وأكيد هذا الحمار تم الضحك عليه بعد أن إستشهدت حرمة المصون بنص الكتاب المقدس الذي ذكرته أخي الحبيب أبو تسنيم .

وعليه لا يحق له التشكيك في بنوة اللأولاد له وإلا يعتبر كافر بكتابه .

يعني من الآخر كده يا نصاري هذا النص في الكتاب المقدس يمكن للزانية ان تستشهد به لتخرج من ورطة الزنا .

--------------------------------------------------------------------

شوف بقي يا أخي الحبيب / أبو تسنيم :

الكلام ده ينفع نعمل بيه فيلم دعوي علمي
.
يتم فيه سرد الوقائع الأولي من قصة الحمار أقصد الأستاذ .

إلي أن نصل إلي دهشته لوجود الأولاد بهذا الشكل " الأشقر , الأسمر أبو شعر أكرد "
ثم يتغير الحوار بين شد وجذب بين الأستاذ وحرمة المصون .

فيتكلم هو بشكل علمي بحت عن العوامل الوراثية وتدخلها في شكل الجنين .

وتتكلم هي بالكتاب المقدس .


ثم ينتهي الفيلم بهذا الشريط .??????...............أيها النصاري ...............

هذا كتابكم الذي تقدســون ..............وهذا العلم الذي تدرســــــــون .

والله منحكم العقل لتفكرون ...............وبنعمة هذا العقل ستحاسبون .

وأعطاكـــم حرية الإختيــــار .............فإختاروا ماتشـــــــــــــــاؤن .

فقد إقيمت عليكم الحجــــــة .............حتـــــــــــــي لا تـــُظلمـــــون .????????بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين
وبعــــــــــــــــد


وللنصاري القراء للقصة أو المشاهدين للعرض حق الإختيار بين الحقائق العلمية والكتاب المقدس .

فمنهم من يختار طريق العقل ويعي ويفهم أن هذا الكتاب من تأليف البشر .

ومنهم من يختار الضلال ويقول كما قال علمائهم الضالين
(( أما فيما إذا كانت تعاليم الدين المسيحي تتوافق مع العلم الحديث وتؤيده نقول: "لا شك أن الدين المسيحي يتوافق مع العلم الحديث ولا ندري لماذا يعتقد البعض أن العلم والدين لا يتفقان. فالدين المسيحي مبني على كلمة الله، ونحن نعلم أن الله نفسه هو مبدع هذا الكون بما فيه علوم وفنون. فعندما نقول إن العلم والدين لا يتّفقان، فكأننا نقول بطريقة غير مباشرة إن الله يعرف أشياء دون الأخرى. وحاشا لله القادر على كل شيء والعليم بكل شيء أن يكون محدود المعرفة. ولكن ما يحدث أحياناً أن بعض الناس ينظرون إلى الكتاب المقدس ككتاب علمي ويتوقّعون أن يجدوا فيه بعض المعادلات الكيميائية، وأخبار الاكتشافات وغزو الفضاء وغيرها. وعندما لا يجدونها يعتقدون أن العلم والدين لا يتفقان وهذا خطأ. إذ أن الكتاب المقدس يحتوي على كلمة الله، ويحدثنا عن خلق الله للعالم ومحبته له وعن فدائه للبشر بواسطة المسيح، ولم يقصد به أن يكون كتاباً علمياً يتحدث به الله عن الاكتشافات والاختراعات. فكل ما يفعله الإنسان بهذا الصدد، يفعله بواسطة عقله الذي منحه إياه الله )) ?????? موضوع أكثر من رائع أخي أبوتسنيم

بارك الله فيك وفي علمك

________

يا سادة يا اهل العقل

يا أهل القرن الواحد والعشرين

فيه إله لا يعلم حقيقة ما يخلق؟!!!!

فيه إله يجهل أن الوحم لا يُورث صفة؟!!!!
______


والله يا ابوتسنيم ... نكتك وابتسامتك الأخيرة دي حثجة على كل نصراني

ويحق لكل خائة تخون زوجها أن تتعلل بانها توحمت برؤية جنوب أفريقي أو سويسري.....

أليس هذا هو العلم الإلهي التوراتي؟!!!!

لاحول ولا قوة إلا بالله

_________

بارك الله فيك ورعاك

ويعلم الله أني أحبك في الله

وأسأل الله أن يكفر كل نصراني بتلاعب الشيطان به

وأن يتوجه لله وحده بالإيمان



ولا إله إلا الله محمد رسول الله
والحمدلله على نعمة العقل
وعلى نعمة العلم ,
وعلى نعمة الإسلام.
__________________
_____________

"يا أيُّها الَّذٍينَ آمَنُوا كُونُوا قوَّاميِنَ للهِ شُهَدَاء بِالقِسْطِ ولا يَجْرِمنَّكُم شَنئانُ قوْمٍ على ألّا تَعْدِلوا اعدِلُوا هُوَ أقربُ لِلتّقْوى


رحم الله من قرأ قولي وبحث في أدلتي ثم أهداني عيوبي وأخطائي

********************************************

موقع نداء الرجاء لدعوة النصارى لدين الله
****
أبلغ عن موضوع مُخالف..أو أسلوب غير دعوي
****
حديث شديد اللهجة

********************************************

ضيْفتنا المسيحية ...الحجاب والنقاب ..حكم إلهي أخفاه عنكم القساوسة

يعقوب (الرسول) أخو الرب يُكذب و يُفحِم بولس الأنطاكي

الأرثوذكسية المسيحية ماهي إلا هرْطقة أبيونية ?????? الاخ الحبيب أبوتسنيم ..و الله انها لمقالة أكثر من رائعة...انها نموذج صارخ على الهرطقات الغريبة الموجودة فى الكتاب (المقدس ).. و جزاك الله خيرا عن الوقت الذى تقضيه لقراءة هذه " المضحكات " و ايصالها لنا جاهزة بدون مجهود منا ..و لا أجد هنا الاالمقارنة ببعض مما قاله الله سبحانه و تعالى فى القرآن الكريم و هى تظهر تماما الفرق بين الشىء الحقيقى و الشىء المزور

بسم الله الرحمن الرحيم
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ


بسم الله الرحمن الرحيم

هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }الحشر


بسم الله الرحمن الرحيم
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ??????
اقتباس:
بواسطة نور الامل
ما شاء الله و الله ان يقيني ليزداد و اني احبكم جميعا . و الله اني سعيدة . جزاكم الله الواحد الاحد الصمد الذي لا اله غيره كل الخير.
اننا نحن السعداء ، ان الذين يؤمنون بالحق و لا يخشون فى الله لومة لائم ، هم أصحاب القلوب الورعة و الضمائر الحية التى لا تخشى من اعتناق الحقيقة و لديهم الشجاعة التى يفتقدها معظم الناس ، و انت قد كسبت محمدا عليه الصلاة و السلام و لم تخسرى المسيح لان الاسلام يؤمن به ولكن بحقيقته كرسول و نبى و برسالته ( الحقيقية)، انى ادعوك لتدبر قول الله عز و جل فى كتابه الكريم :

بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ{30} نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ{31} نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ{32} وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ?????

غير معرف يقول...

جمال البنَّا
علام يعدُّونه مفكراً إسلامياً؟!
خبَّاب بن مروان الحمد
Khabab00@hotmail.com

الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فحينما تختلف مع عالم أو مفكِّر وتجد عنده رؤية منبعثة من الدليل، فإنَّك قطعاً ستحترم قوله ما دام أنَّه يدور داخل حدود الشريعة ولم يخرج عن مدارها.
لكن حينما تجد أهل الهوى وضعاف الفهم يتحدَّثون في ديننا الإسلامي ، ويحرِّفونه بقالب التجديد، وينقضونه باسم النقد، وينسفون منهج السلف الصالح في التعامل مع النصوص بحجَّة إعادة قراءة النص وما إلى ذلك من شبهات وأهواء؛ فلن تستطيع أن تجد لهؤلاء عذراً...
حين تتحدَّث مع متخصِّص يعي حقيقة الشريعة ومقاصدها ، وينطلق من مصادر التلقي المعتمدة لدى أهل السنَّة والجماعة ، يسهل عليك أن تناقشه، ولكنَّك حين تتحدَّث مع من ليست لديه أهلية للحديث في القضايا الشرعيَّة، أو أنَّه يتحايل على دين الله ، ويلتوي ويتغيَّر كالحرباء مع كل موقف وقضيَّة، فإنَّك تحتار لتفهم منطلقاته؛ لأنَّه ينطلق بلا قيم أو مبادئ؛ وقد لا تخرج بشيء لأنَّ الهوى جثم على قلبه، فـ:
من كان يخلق ما يقول*** فحيلتي فيه قليلة
ومن بين هؤلاء المحرِّفين لديننا ومبادئنا وثوابتنا(جمال البنَّا) شقيق الشيخ حسن البنَّا ـ رحمه الله ـ فتستغلُّ أخوته للشيخ حسن ليظهر في الوسائل الإعلاميَّة، ويطلق عليه بعدئذٍ بالمفكِّر الإسلامي!
والمراقب لطروحات(جمال البنا) أو المتتبع لها سيجد أنَّه يخرج بين فينة وأخرى بآراء فكريَّة عجيبة غريبة، يبدي من خلالها مخبآت الأفكار المكنوزة في عقليته، ومن أحسن من رأيته قد كتب عنها وفضح صاحبها، الدكتور محمد زنجيرـ وفقه الله ـ في كتابه:(اتجاهات تجديديَّة متطرفة)، والدكتور محمد إبراهيم مبروك؛ فقد كتب أربع حلقات عنونها بـ:(جمال البنَّا مفكِّر إسلامي أم علماني؟!)، والأستاذ عقيل الشمَّري في بحثه المتخصِّص:(جمال البنا ومنهجه في التفسير) فأسأل الله ـ تعالى ـ أن يثيبهم على جهدهم في الدفاع عن حوزة الدين وحياض الشريعة.

• نماذج من الفتاوى والآراء التي يراها جمال البنا مع مناقشتها:
المتابع لفكر جمال البنَّا، سيدرك أنَّه ينطلق برؤية لا منهجيَّة لها، وأنَّ جملة كثيرة من أعماله قائمة على الشذوذات والأوهام الفكريَّة، وقد استقرَّت لدي هذه النتيجة بعد متابعتي لفكره وكتاباته، ووجدت أنَّ أفكاره قائمة على مشكلات عدَّة خطيرة، وهي كما يلي:
1) هدم السنَّة بحجَّة أنَّ قلَّة قليلة من أحاديثها صحيحة، والبقية منكرة وشاذة وموضوعة، وعدم الأخذ بأحكام الأحاديث النبويَّة الصحيحة عنده، إلاَّ بما وافق القرآن حسب زعمه.
2) التحايل على الشريعة وأدلتها من نصوص الوحيين ، وتحكيمه الكامل لهواه فحسب، باسم المصلحة والضرورة وعموم البلوى وغير ذلك!
3) نقض الشريعة بحجَّة النقد البناء!
4) انتهاجه وانتهازه لزلاَّت بعض العلماء، وترويجها بين عوام الناس، ونثرها في مؤلفاته وكأنَّها أقوال لا مغاير لها ولا مخالف!
ومن المعلوم لدى أهل العلم؛ أنَّهم كانوا يعدُّون من تتبع رخص العلماء وزللهم بأنَّه تزندق، وأنَّه خلع ربقة الإسلام من عنقه، وأنَّه يهلك ويُهْلِك، ويقرِّرون أنَّ تتبُّع زلاَّت العلماء ورخصهم ليس من العلم في شيء، بل ذكر الشيخ الفقيه الطوفي في شرحه لحديث:(لا ضرر ولا ضرار)، أنَّ(من اتَّبع رخص المذاهب إذا اختلفت وتعدَّدت فقد أفضى فعله ذاك إلى الانحلال والفجور، كما قال بعضهم:
فاشرب ولط وازن وقامر واحتجج *** في كل مسألة بقول إمام
يعني بذلك شرب النبيذ، وعدم الحد في اللواط على رأي أبي حنيفة، والوطء في الدبر على ما يُعزى إلى مالك، ولعب الشطرنج على رأي الشافعي)
وسأضرب مثلاً للقرَّاء ليعرفوا من خلاله قبح تتبع الرخص من زلاَّت بعض العلماء:
فلو أنَّ رجلاً ادعى أنَّه فقيه وقال: يجوز للرجل أن يتزوج بنكاح المتعة ـ أضف إلى ذلك ـ دون ولي ولا شهود ، كما يجوز له أن يكشف عن فخذيه إلى قرب عورته ، وأنَّ المرأة يجوز لها أن تكشف عن شعرها، وأنَّه يجوز حلق اللحية بالكليَّة، وأنَّه يجوز إتيان المرأة في دبرها، وأنَّه يجوز شرب النبيذ، وأنَّ ربا الفضل جائز، وأنَّ الاستماع للموسيقى جائز، وأنَّه يجوز إمامة المرأة للرجال، و يجوز شرب الدخان لمن يقدر على شرائه، وأنَّه لا ينبغي إقامة حدِّ الردَّة على المرتد، وأنَّه يجوز للرجل تقبيل المرأة ومصافحتها، كما يجوز النظر بصورة فوتوغرافيَّة أو(فيديو) لامرأة عارية بحجَّة أنَّه لا يراها حقيقة بل يرى صورتها، وهكذا!
لو جاءنا رجل يدِّعي الفقه وقال: أختار القول بجميع هذه الآراء التي قال بها بعض الفقهاء، ثم أراد للأمَّة المسلمة أن تنتهج هذا المنهج في هذا الزمان ؛ فما الذي سيقوله العقلاء في ذلك؟!
أدع الجواب للقارئ الكريم !!
ولو عُرِضَ صاحب هذه الأقوال وجامعها على السابقين من أهل العلم والدين، لقالوا فيه الأقاويل واتَّهموه بفساد النيَّة وسوء القصد.
بل قرَّر العلماء المحقِّقون أنَّ بعض أهل العلم الذين زلُّوا في مسألة ، أو اختاروا قولاً من هذه الأقوال، لم يمتطوا الترخص منهجاً في تلقي الفقه ، أو الإفتاء به، فمن كان يقول بقول لا يقول بالقول الآخر ، ومن زلَّ في مسألة بعينها لم يزلَّ في الأخرى، وإلاَّ لكان للعلماء دور في توضيح وتحديد موقفهم تجاه من أخذ بهذه الأقوال كليَّة، وقد ورد في سنن البيهقي عن إسماعيل القاضي قال:"دخلت على المعتضد بالله فدفع إليّ كتابًاً، فنظرت فيه، فإذا قد جُمِعَ له من الرُّخص من زلل العلماء، وما احتج به كل واحد منهم؛ فقلت: مصنِّفُ هذا زنديق! فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر النبيذ لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر، وما من عالم إلا وله زلّة، ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب" .
وعليه فمن تأمَّل فكر (جمال البنَّا) فسيوقن أنَّه يتبنَّى عدَّة أقوال، بعضها رخص وزلاَّت زلَّ بها بعض العلماء، وبعضها الآخر بل الأكثر(ضلالات وجهالات) استقاها من عقله المضطرب فأورثت هذا المنهج الضال الذي ينشره بين الناس، ومنها :
(1)
رفضه قواعد المحدِّثين، وقوله بعدم عدالة الصحابة
ـ يرفض الأستاذ (جمال البنا) قواعد المحدثين في الجرح والتعديل التي من خلالها يثبت الحديث، وعلى رأسها "عدالة الصحابة"؛ حيث ينفي وجوب تعديلهم إلزاماً كما استقر المنهج عند أهل السنة والجماعة، ويرى أنهم قد يكذبون في الحديث، وإذا لم يكذبوا فهم ينسون، والنسيان أخو الكذب، وكثرة رواية الصحابي للحديث عنده تجرحه؛ إذ إن أفاضل الصحابة وكبارهم عنده أقلهم رواية للحديث، والعكس بالعكس!
والجواب على ذلك؛ فإنَّه بناء على هذا الرأي فإنَّه سيكون من ورائه هدم أحاديث كثيرة بل ستهدم السنَّة، بحجَّة خطأ قواعد الجرح والتعديل التي تداولها العلماء القرون تلو القرون ، وانطلقوا من خلالها ، وحكموا بضوئها على الأحاديث!
ثمَّ إذا نفينا قواعد الجرح والتعديل التي أطبق عليها المحدِّثون؛ فإلى أي قواعد جرح وتعديل نستند؟
هل لآراء (جمال البنَّا)؛ التي يختلف معه فيها كل علماء الجرح والتعديل سلفاً وخلفاً؟
وهل كان المسلمون يتعبَّدون الله ـ تعالى ـ بدين باطل قائم على جملة من الأكاذيب حتى جاء جمال البنا بكشفها؟
وأين دليل الكذب من صحابة رسول الله على رسولنا محمد صلَّى الله عليه وسلَّم ؟
ثمَّ لو كذب أحد منهم ـ وحاشاهم ـ هل سيوافقه جميع الصحابة على كذبته تلك؟
إنَّها لإحدى الكبر!
هل يرضى (جمال البنَّا) أن يُقول القائل عنه شخصياً: ما الذي أدرانا بأنَّك لا تكذب على الناس في آرائك وفتاويك؛ لأنَّك إنسان ويجوز عليك الكذب والنسيان!! فهل يرتضي ذلك على نفسه إذا ارتضى ذلك للصحابة الكرام !
وأمَّا قوله:(إذ إن أفاضل الصحابة وكبارهم أقلهم رواية للحديث، والعكس بالعكس!).
فلا يعني هذا أن يكون المكثر من الرواية كذاباً ، فإنَّ الذين أكثروا من رواية الحديث كانوا معنيين بسماعها وإسماعها، وكثير منهم كان أكثر مخالطة لرسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من غيرهم من الصحابة ، وكثير منهم نال بركة دعاء النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بالحفظ والفقه؛ فقد دعا ـ عليه الصلاة والسلام ـ لابن عبَّاس بأن يفقهه الله في الدين، و دعا لأبي هريرة بحفظ الحديث ، و كان عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ يكتب أحاديث رسول الله ولا ينكر عليه رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فعله ذاك ، وكانت عائشة ـ رضوان الله عنها ـ زوج رسول الله؛ تعلم عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أموراً لم يعلمها الصحابة ، وهكذا الأمر ممَّن أكثروا الرواية عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
ولقد ذكر علماء الحديث أنَّ إكثار بعض الصحابة من رواية الحديث كان بعد عهد الخلفاء الراشدين عندما اقتضى الأمر جمع حديث رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ خشية ذهاب الصحابة ووفاتهم، حيث إنَّ بعضهم كان يتورع عن الرواية ، وحين شعر الصحابة الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ أنَّ كثيراً من الصحابة قد توفاهم الله، قاموا يروون الحديث ليبلغوا لنا الدين حتى لا تندرس آثاره ، وتنطمس حججه.
ونحن على يقين بأنَّ الصحابة الكبار ـ رضوان الله عليهم ـ لو علموا أنَّ أحداً من الصحابة الصغار كذبوا ـ حاشاهم ـ لوقفوا في وجوههم ، وبيَّنوا الحقيقة والصواب.
والمعلوم عن الصحابة الكبار أنَّهم كانوا يحترمون مجالس أولئك الصحابة الحفظة والنقلة لأحاديث رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وكان الصحابة الكبار كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ مشغولين بهموم الأمَّة العامَّة ، وشؤون الخلافة وهموم رعيَّتهم، وليسوا كأولئك الصحابة الذين كان يتوفر لهم وقت في التعليم والتدريس ما لا يتوفر لغيرهم.
والحاصل أنَّ الأستاذ (جمال البنا) خالف القطعيات القرآنية الصريحة في تعديل الله عز وجل وتزكيته للصحابة، فجوَّز عليهم إمكانية الكذب، ولعله لما شعر أنه بهذا قد خالف القرآن الكريم، عاد فجوَّز عليهم النسيان، ليُسْقِطَ بذلك روايتهم حسبما يريد، وتلك خطيئة أكبر من أختها؛ فالأولى تخالف نصَّاً قطعياً قرآنياً، والثانية تخالف نصَّاً قطعياً آخر؛ لأن القرآن الكريم قد نص صراحة على تعهُّد الله بحفظ الوحي(القرآن والسنة) والذي يُجوِّز على مجموع الصحابة الكذب أو النسيان على معالم الدين، وأصول الشريعة؛ فإنَّه يخالف النصوص القطعية في القرآن الكريم في تزكية الصحابة بمثل قوله تعالى: "رضي الله عنهم ورضوا عنه" وفي التعهد بالحفظ للدين في قوله تعالى: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".
ولنكن أكثر صراحة من أولئك الذين يستخفون خلف الشعارات ويرفضون التصريح بمقاصدهم فنتساءل:
هل المقصود الكلام عن شخص الصحابة ومكانتهم عند ربّهم؟
أم المقصود الكلام عن روايتهم للدين؟
إن كان الأول فمعناه تكذيب الوحي الذي جاء بالترضي عنهم ، وذكر ممادحهم وفضائلهم.
وإن كانت المسألة عن روايتهم للدين فقد حسم دين الإسلام القضية عندما تعهد الله عز وجل بحفظ دينه فلابد أن يكون الدين محفوظا، فالذي يرفض روايات الصحابة ويُجوِّز عليهم الكذب أو النسيان فلا مفر له من أمرين: إما أن يأتينا بروايات أخرى وأناس آخرين يحملون لنا الدين، ولم يوجد ولن يوجد، فإن لم يستطع ولن يستطيع، فعليه أن يُنكر القرآن والسنة ويُنكر الدين نفسه ، وبهذا أو ذاك، فهو خارج نطاق العقل والمعقول لأن الذي اتفقت عليه عقول البشر قاطبة مسلمهم وكافرهم أن هناك ديناً اسمه الإسلام رواه قوم اسمهم الصحابة فهذه حقيقة مسلَّمة حتى لدى الكافرين!

(2)
التشكيك بصحَّة كثير من أحاديث الصحيحين
ـ يضعِّفُ الأستاذ (جمال البنَّا) جمعاً من الأحاديث التي تواترت صحتها عن علماء الحديث النقاد والمدققين ؛لأنَّه يراها تصطدم بالقرآن؛ فهو يرى أنَّ كل كتب السنة تعج بالموضوعات، بما فيها صحيحا البخاري ومسلم ، ولهذا فقد ألَّف كتاباً في نقدهما سمَّاه:(تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم)!
والجواب على ذلك أن يُقال:ما يدَّعيه الأستاذ (جمال) بأنَّ هناك أحاديث تصطدم بالقرآن ، فإنّها في الحقيقة تصطدم بعقله المضطرب ليس إلاَّ؛ فمن طالع كتبه ومقالاته وسمع أقواله، فسيعلم حقيقة ما أقول، ومن علم حجَّة على من لم يعلم.
لقد وضَّح علماء الإسلام أنَّه لا يتعارض حديث مع آية ، وكان لعلماء المسلمين طرائق منهجيَّة في التعامل مع النصوص القرآنية والنبويَّة التي قد يُشكِلُ ظاهرها، أو يتوهم بعض الناس تعارض بعضها مع بعضها الآخر، وإذا كان التعارض يدور في عقل (جمال) فليس له أن يضعِّف أحاديث اتَّفق العلماء على تصحيحها أو تحسينها وبيَّنوا وجه الدلالة منها ، بل عليه أن يتَّهم عقله، والذي لم يستطع أن يجمع بين تلك الأحاديث والآيات التي ظاهرها التعارض لديه ، وعليه أن يرجع إلى كتب العلماء ليتعلَّم كيف يتعامل مع النصوص التي ظاهرها التعارض.
وأمَّا قوله بأنَّ كتب السنَّة تعجُّ بالموضوعات ، فإنَّ هذا قول مجمل ! فأي كتب السنَّة يقصد؟ ثمَّ ما الأحاديث الموضوعة التي تعج وتضجُّ منها تلك الكتب بزعمه والتي يدعو لاستخراج ما بها من أحاديث مكذوبة وموضوعة حتَّى لا تفسد العقول؟
أليس أهل العلم والحديث المتخصِّصون قد بيَّنوا الأحاديث الموضوعة والضعيفة، وأفردوها بكتب وأسفار خاصَّة بذلك ؟
فما الذي سيأتينا به الدخلاء على علم الحديث وأهله؛ حتَّى يوضِّحوا الأحاديث الموضوعة والمكذوبة المنتشرة في كتب السنة ؟
ومن ثمَّ فليبينوا ما القواعد التي سينتهجونها ولا يكون فيها تعارض ؟
ومن الذين يوافقونهم على ذلك؟ حيث إنَّ الأمَّة لا تجتمع على ضلالة!
والذي يظهرـ وللأسف ـ أنَّ جمال البنَّا يريد من كلامه المضي قدماً للطعن في أصح كتابين بعد كتاب الله، وحينها فسيحلو لأهل الأهواء التلاعب بنصوص الكتاب والسنَّة وضرب بعضها ببعض، استناداً لأهوائهم!
ومِمَّا يبيِّن ما أقوله أنَّ (جمال البنا) قال: إنَّ هناك أحاديث في صحيحي البخاري ومسلم لا تلزم ، وليته اعتمد منهج أهل الحديث في التصحيح والتضعيف ، بل كان تضعيفه قائماً على الهوى والحكم المطلق لما يمليه عليه عقله، وهو بهذا يريد أن ينقضَّ على الكتب الصحيحة ويبدأ بمعاوله في نقضها قبل غيرها، حتَّى يُشعِر الناس أنَّ دينهم الذي قاموا عليه عماية وضلالة، وأنَّ تعبدهم لله قائم على الجهل ، إلى أن أتى (جمال البنَّا) فكشف الله به الضلال الذي كانوا عليه !!

(3)
دعوته إلى الاحتكام بما في صحيح السنَّة إلى صريح القرآن
ـ يدعو(البنا) إلى الاحتكام بما في صحيح السنَّة إلى الصريح من القرآن ! وهي المرجعية الإسلامية الملزمة عنده فقط،ولنتأمَّل قوله عن المرجعيَّة الملزمة لنا بأنَّها:"القرآن الكريم والصحيح المنضبط من السنة النبوية أما أحكام الفقهاء وأئمة المذاهب والصحابة إلخ.. فلا تعد ملزمة"
وإجابة على ذلك؛ فإنَّ معنى هذا أنَّ أي حديث لم يأتِ عليه دليل من كتاب الله فليضرب به عرض الحائط، ولا يستدلَّ به، وكلام(جمال البنَّا) في هذا المجال يشبه قول القرآنيين الذين نسبوا أنفسهم إلى القرآن وقالوا: لا نأخذ إلا به وأنكروا السنة، وقد كفرهم الأزهر وغيره من المؤسسات الدينية في دعواهم الأخذ بكتاب الله وترك الاحتجاج بكتب السنَّة!
و(جمال البنَّا) عبر كلامه هذا يبطل الآيات والأحاديث التي جاءت بالأمر بالأخذ بالأحاديث؛ لأنَّها وحي يوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال ـ تعالى ـ: (( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )) (الحشر: 7)) ومن الآيات التي تدلُّ على أنّ السنة وحي قول الله ـ عزَّ وجل ـ : (( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَاب وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) آل عمران(164).
وقد أخرج الإمام البخاري عن عبد الله بن مسعود قال :"لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله" فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب ، فجاءت فقالت : إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت ! فقال : وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هو في كتاب الله ؟ فقالت : لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول ، قال : لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه؛ أما قرأت : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ؟ قالت : بلى ، قال : فإنه قد نهى عنه. .
وفي هذا الحديث دليل واضح على أنَّ الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ استيقنوا بأنَّ السنَّة شارحة للقرآن ومبيِّنة له ، استنباطاً منه وأخذاً بقوله ـ تعالى ـ:(وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).
وأخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن المقدام بن معد كرب:"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن؛ فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ! ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله" .
يقول الإمام الشافعي:" فذكر الكتاب وهو القرآن ، وذكر الحكمة فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول : الحكمة:سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم"
فكل هذه الآيات والأحاديث والآثار ترد على (جمال البنا) الذي لا يرى أنَّ أحاديث السنَّة الثابتة عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ حجَّة يلزم الأخذ بها وتصديقها ، إلاَّ الأحاديث التي جاءت بما جاء به كتاب الله ، ولم تضف شيئاً جديداً! وهذا يعني أنَّ كثيراً من العبادات التي نتعبَّد بها الله ـ جلاَّ وعلا ـ ستكون غامضة لأنَّ تفصيلاتها وتفريعاتها موجودة في كتب السنَّة، حيث إنَّها شارحة وموضحة لما في كتاب الله تعالى.
(4)
دعوته لنسف الثوابت
ـ يدعو (جمال البنَّا) لنسف الثوابت إذ يقول:( أهم ما يفترض أن تتجه إليه الحرية هو هذه الثوابت بالذات التي وإن كانت تقوم بالحفاظ والاستقرار للمجتمع وتمسكه من الانزلاق أو التحلل، إلا أن عدم مناقشتها يجعلها تتجمد، بل وتتوثن وتأخذ قداسة الوثن المعبود؛ هذا كله بفرض أن الثوابت هي دائماً صالحة ولازمة؛ ولكنها لا تكون كذلك دائماً)
وتعقيباً على ما قال، فإني أضع بين يدي(جمال البنا) سؤالاً ينبغي أن يجيب عنه، فأقول له: ما الثوابت التي لا تريدنا أن نتعبَّد الله بها؟
وهل يمكن أن تكتب كتاباً يفصِّل هذه الثوابت التي جعلتك تنتفض عليها حينما رأيتها ثابتة على قلبك فأردت نسفها بحجَّة التجديد والنهضة! حتَّى نعرف رأيك كاملاً ولا يكون منها ما هو مختبئ في الجحور وإن كنت قد أبديت بعضاً منها!
نعم ! جميل قولك بأنَّ (الثوابت تقوم بالحفاظ والاستقرار للمجتمع وتمسكه من الانزلاق أو التحلل) ولكن... هل يعني ذلك حين تقوم بنقض هذه الثوابت أنَّنا سنعيش فيما بعد بقلق وعدم أمن، وفساد وإفساد، وتحلل خلقي، وانزلاق قيمي؟ وكلُّ هذا أتى من تحت قلمك الذي دعا لكسر الثوابت ، فيكون المجتمع منحلاً بإرادتك؟! وهو الذي سيكون!
ما أنت بالحكم الترضى خصومته * ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل

(5)
نفيه أن يكون الإسلام ديناً ودولة
ـ يرى(جمال البنَّا) نقض مفهوم:(الإسلام دين ودولة) ويرى أنَّ الصحيح (الإسلام دين وأمة)،وليس ديناً ودولة، حتى بلغ به الأمر لأن يصدر كتاباً بهذا العنوان كان قد نشر معظمه بجريدة القاهرة ، وفيه دعا للفصل بين الدين والسلطة!
وحقاً فما أجمل بك أن تقول: جمال البنَّا والعلمانيون (تشابهت قلوبهم)! لأنَّ الرأي الذي ذكره (جمال البنا) تأصيل لعداوة العلمانيين للإسلام ودعاته؛ بل هو يتطابق مع العلمانيين حين يقولون: الإسلام لا دخل له بالسياسة، بل هو محصور في زوايا المسجد ، وتكايا الذكر، ويعني ذلك أن ننسف كلَّ تاريخ الإسلام، الذي كان قائماً على حفظ السياسة الشرعيَّة للمسلمين، وعلى حماية دولهم ، بل حتَّى الدولة التي أقامها رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في المدينة المنوَّرة والتي كانت منطلقاً للجيوش الإسلاميَّة لفتح الدول التي صدَّت عن الإسلام أو قاومت جيوشه، فهذه الدولة بمقتضى آراء جمال البنَّا كانت خطأً شنيعاً وذلك لأنَّ الأصل أن تقوم هذه الدولة بالفصل بينها وبين الدين؛ لأنَّ الإسلام في نظره (دين وأمَّة) وليس(ديناً ودولة) وهذه توصية من( جمال البنا) للإسلاميين بأن يتقزَّموا ويتقوقعوا على أنفسهم وألاَّ يتدخَّلوا في قضايا السياسة،أو أن يسعوا لإقامة دولة الإسلام ، فهذا حرام عليهم ، أمَّا على العلمانيين والليبراليين فحلال لهم ذلك !فليحكمنا العلمانيون والزنادقة ، وليكن الإسلاميون مقتصرين على السبحة والدروشة فقط!

(6)
تقديمه للعقل(الهوى) على النصوص الشرعيَّة
ـ يرى (جمال البنا) أنَّه لا مانع أن يكون العقل حاكماً على القضايا الدينيَّة والشرعيَّة، وكان هذا واضحاً من خلال مناظرته مع الأستاذ محمد إبراهيم مبروك في قناة الجزيرة ببرنامج (الاتجاه المعاكس) ، وكذلك في عدد من كتاباته، فهو يرى إعمال العقل في كل ما يتعلق بالدين والدنيا والإيمان بالقيم،حيث يقول:(إنَّ كل ما يتعلق بالشريعة من علاقات يفترض أن تتفق مع العقل أولا ولا يكون الوحي إلاَّ مؤكداً ومكمِّلاً له، أي إعمال العقل في فهم النص، وهذا يجعل العقلانيَّة هي المرجعيَّة الإسلاميَّة فيما يتعلَّق بالشريعة) !!ومن هنا فإنَّ هذا الأمر قد أثر تأثيراً بالغاً على منهجه في التفسير بحيث إنه لا يعتد بتفسير أهل العلم، ولا يقيد القرآن بالسنة، بل يكون العقل ـ أي الهوى ـ هو الحاكم على نصوص الكتاب والسنَّة .
كما يرى أنَّ المسائل التي يحصل فيها خلاف بين الفقهاء والعلماء؛ فإنَّ أفضل حل أن يكون الرجوع ليس لنصوص الكتاب والسنَّة بالفهم الصحيح، بل بالرجوع إلى العقل فحسب!
إذ يقول عن القرآن والسنة:(وأقوى منهما جميعا الرجوع إلى العقل وتحكيم المنطق السليم وطبيعة الشريعة ومقاصدها ،حتى وإن كان الموضوع عباديا، لأنه مادام بعيدا عن ماهية الله تعالى وعالم السمعيات فإنه يخضع لحكم العقل والنظر، وما يهدي إليه المنطق السليم والقول بذلك يحرم الناس من استخدام عقولهم، ويعطل ملكات التفكير ويجعلهم أسرى للروايات) .
والجواب عن دعواه أن نقول:من المقطوع به أنَّ للعقل دوراً في بلورة الأفكار، إلاَّ أنَّ النص القرآني أو النبوي حاكم العقل، فالحكم يكون مقدَّماً لشريعة الإسلام على عقل الإنسان ، وليس العكس، ثمَّ لو تحاكمنا للعقل فلأي عقل نتحاكم ونحتكم؟أإلى عقلك يا أستاذ(جمال) أم إلى عقل مَنْ ؟
إنَّ العقول مختلفة ، والآراء بعدها ستكون متضاربة ، وإنَّ أفضل حل أن نجعل الوحي والنقل هو الحكم على اختيارات العقل ، فهناك عقول كبيرة وعقول صغيرة ، وهناك عقول كليلة وعقول صحيحة، وهناك عقول ذكيَّة وعقول غبيَّة ، فأفضل طريق لنا لكي نوحد مصدر التلقي أن تكون الشريعة والوحي حاكماً على العقل ، ولن يتعارض العقل الصحيح مع النقل الصريح كما قرَّره علماء الإسلام.
وللَّه درُّ الإمام ابن قتيبة حيث قال عن هؤلاء المتَّبعين لمنهج تقديم العقل على النقل: (وقد كان يجب - مع ما يدَّعونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر - ألا يختلفوا كما لا يختلف الحُسَّاب والمسَّاح والمهندسون، لأن آلتهم لا تدلُّ إلاَّ على عدد واحد، وإلا على شكل واحد، وكما لا يختلف حذَّاق الأطبَّاء في الماء وفي نبض العروق؛ لأنَّ الأوائل قد وقفوهم من ذلك على أمر واحد؛ فما بالهم أكثر الناس اختلافاً، لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحد في الدين) (انظر:تأويل مختلف الحديث/ص63). وصدق الله: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً).

(7)
السنَّة في نظره موضع شك وريبة
ـ يقول جمال البنَّا:" إن السنة بما دخلها من الوضع وبما أدرجه رواة السنة الموثقون من كلامهم في متن الحديث وما لحق الحديث من شذوذ واضطراب ورواية بالمعنى ، كل هذا جعل السنة كلها في موضع الشك والريبة بحيث لم تعد محلاً للثقة والاعتماد"
قد يرى بعضهم أنِّي قد بالغت في اتهامي لجمال البنا بإنكاره لما انفردت به السنَّة النبويَّة المطهَّرة بالأحكام عن القرآن، أو أنَّها جاءت بتفصيلات إضافة على ما في كتاب الله ـ عزَّ وجل، ولكن ما ذكرته آنفاً نصُّ كلامه ، وهنا يتَّضح مراد هذا الرجل؛ حيث إنَّه ينظر النظرة الكالحة للسنَّة النبويَّة المطهرة، ويرى أنَّها اخترقت من الرواة ، وأدرجوا فيها كلامهم، وعلى هذا فإنَّ أفضل حل عنده أن يجعل السنَّة محلّ شك وارتياب ـ عياذاً بالله ـ، وأنَّه لا يجوز روايتها؛لأنَّها لم تعد محلاً للثقة والاعتماد ، وصدق من قال :
يقولون :هذا عندنا غير جائزٍ * ومن أنتم حتَّى يكون لكم عند؟!
فليبيِّن إذاً ما المواضع التي حصل فيها شذوذ واضطراب ؟ ولا يلق الكلام جزافاً ، فإنَّ له أهل الحديث المتخصِّصين الذين سيفرمون أقواله فرماً، ويوضِّحون عورها وضلالها.
ومن كانت لديه أدنى إلمامة من هذا العلم فسيعلم أنَّ الأستاذ جمال يتحدَّث فيما لم يعلمه ولم يتقنه، وعلى غير قواعد علماء الجرح والتعديل، فهو يحكم بالشذوذ والاضطراب والضعف والنكارة على أحاديث بمقتضى ما يمليه عليه هواه ، دون أثارة من علم، ولا مستند من قواعد منهجيَّة وأصول مرعيَّة حكاها أهل العلم أو أجمعوا عليها.
فمن أين أو أنَّى وكيف ضلالهم * هدى، والهوى شتَّى بهم متشعِّب؟!

(8)
إلغاؤه لجهاد القتال
ـ يرى (جمال البنا) أنَّ الجهاد في سبيل الله أُلغِيَ؛ فيقول:" أمَّا جهاد اليوم بلفظه فهو جهاد بلا قتال، وإنَّ جهاد القتال أُلغي!"
وجواباً عليه؛ فلا أدري أين سيذهب الأستاذ (جمال البنَّا) بمئات الآيات والأحاديث التي تأمر بجهاد الكفَّار والذي يعني القتال في سبيل الله، والتي توضِّح أنَّ علم الجهاد لا يزال قائماً حتَّى قيام السَّاعة، ومن ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الجهاد من حديث ثوبان ـ رضي الله عنه ـ أنَّ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ).
و روى الصحابي الجليل عقبة بن عامرـ رضي الله عنه ـ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك)
وفي حديث جابر بن سمرة مرفوعاً إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنَّه قال:( لن يبرح هذا الذين قائماً يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة ) وكلُّ هذه الأحاديث في صحيح مسلم !
وفيها برهان واضح أنَّ راية الجهاد والقتال في سبيل الله ستكون خفَّاقة عالية مرفوعة إلى قيام السَّاعة،والله تعالى يقول في محكم التنزيل:(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنَّ الله لا يحب المعتدين)(البقرة:190) وفي هذه الآية برهان واضح، ودليل ساطع على وجوب الدفاع عن أراضي المسلمين، وذلك حين يحتل الكفَّار أراضي المسلمين وديارهم، والخلاصة التي نستوحيها ونفهمها من كلام الأستاذ(جمال البنَّا) أن ننبطح تجاه المحتل الأمريكي والصهيوني والروسي والهندوسي الغاشم في بلاد الإسلام (فلسطين ـ العراق ـ أفغانستان ـ الشيشان ـ الصومال ـ كشمير) ويهنأ الكافر المحتل في احتلاله لبلاد المسلمين بلا مقاومة جهاديَّة عسكريَّة !!

(9)
تجويزه نكاح المتعة بدون ولي ولا شهود
ـ تجويزه لنكاح المتعة ، كما يرى جواز الزواج بدون ولي ولا شهود!
بهذه الفتوى يبيح (جمال البنَّا) لعموم المسلمين الزنى ـ عياذاً بالله ـ على شكل مبطَّن (حيث نكاح المتعة بلا ولي أو شهود) ، مع أنَّ جماهير علماء المسلمين أطبقوا على نسخ نكاح المتعة ، وأنَّ الأحاديث المجيزة له قد نسخت إلى يوم القيامة؛ فقد أخرج البخاري ـ رحمه الله ـ من حديث علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أنَّ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحُمُر الإنسيَّة) ، وفي حديث الربيع بن سَبْرَة عن أبيه أنَّ النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ نهى عن نكاح المتعة .
والحقيقة أنَّ (جمال البنَّا) قد شابه الروافض الشيعة الإماميَّة في قولهم بجواز نكاح المتعة بدون ولي أو شهود، وكتبهم تطفح بذلك، فليرجع لها من أراد التوثق من ذلك، وليهنأ (جمال البنَّا) بمشابهته لهم، والحمد لله :
ففي السماء طيور اسمها بقع * إنَّ الطيور على أشكالها تقع!

(10)
تجويزه لكشف المرأة عن شعرها وصلاتها كاشفة الشعر
ـ تجويزه للمرأة المسلمة لتكون سافرة عن شعر رأسها ، واعتبار شعر رأس المرأة ليس من الزينة المأمور بتغطيتها ، ولهذا فإنَّه يرى أنَّ شعر المرأة ليس عورة، حيث قال:(القرآن الكريم لم يأمر صراحة إلاَّ بستر الجيوب أي فتحت الصدور وإدناء الأزياء) بل يمكنها برأي (جمال) أن تؤدي صلاتها بمفردها وهي كاشفة الشعر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
حين يستجمع المرء شُعَبَ الضلال فحتماً فإنَّه سيرتكس في حمأة الأقوال الضالَّة؛ فمن أين أتى جمال بجواز كشف المرأة عن شعر رأسها؟
وما دليله على ذلك؟ مع أنَّه سبحانه وتعالى يقول:(وليضربن بخمرهنَّ على جيوبهنَّ ولا يبدين زينتهنَّ إلا لبعولتهنَّ) وقد روى عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :" المرأة عورة ؛ فإذا خرجت استشرفها الشيطان" وقوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن المرأة بأنَّها عورة؛ لفتنتها للرجال؛ فكيف تبيح الشريعة إخراج شعرها أمام الرجال، والشعر زينة للمرأة، بل هو علامة على جمالها؟
ثمَّ ما دليل الأستاذ جمال على جواز كشف المرأة في الصلاة عن شعرها ؟ مع أنَّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال كما في حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ:"لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" أخرجه الخمسة إلا النسائي .
والحائض هي المرأة البالغة ، قال ابن قدامة في المغني:"أجمع أهل العلم أن المرأة تخمر رأسها إذا صلت ؛ فإن صلت وجميع رأسها مكشوف فقد أجمع أهل العلم على وجوب إعادة الصلاة" وقال الشوكاني ـ رحمه الله ـ "والحديث استدل به على وجوب ستر المرأة لرأسها" ولهذا فإذا صلَّت المرأة وكشفت عن شعرها في الصلاة فإنَّ صلاتها باطلة على رغم أنف جمال بإجماع العلماء!
هذا عرض مع مناقشة يسيرة لبعض الأقوال الضالَّة لهذا المدعو زوراً بالمفكِّر الإسلامي، مع أنَّ له أقوالاً وضلالات كثيرة ومنها:
تجويزه لإمامة المرأة للرجال مطلقاً، وقد ذكر ذلك في كتابه:( جواز إمامة المرأة للرجال) والكتاب واضح من عنوانه!
وقوله بأنَّ التدخين لا يفسد الصوم!
وتأييده الأخذ من فوائد البنوك(الربا) إن كانت للمودع؛ بدعوى ربطها بعدم الاستغلال إن كانت للمقترض!
و إنكاره لحدِّ الرجم للزاني المحصن!
وإنكاره لحدِّ السارق !
وتجويزه بأن تتزوج المسلمة من نصراني أو يهودي!
وسبُّه لجمع من صحابة رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ومنهم الصحابي وكاتب وحي رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ حيث قال عنه:(معاوية بن أي سفيان لو لعن من سنة 40 هجرية ،عندما جعل الخلافة ملكا عضوضا، حتى اليوم فهذا إنصاف، لأنه من سن سنة سيئة عليه وزرها حتى يوم القيامة، خاصة عندما يحول الملك الشوري القائم على المبايعة والشعب يراقب الحاكم ويعزله عند الضرورة إلى ملك عضوض يقول الرجل فيه من قال لي اتق الله قطعت عنقه(
وكذلك من الأقوال الشنيعة التي قالها الضال جمال البنا عن الصحابي معاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنه ـ ما نصُّه :(معاوية بن أبي سفيان الذي يترضَّى عليه السلف :(أي يقولون رضي الله عنه) لأنَّه من الصحابة ! كان الرجل الذي انبعث كما انبعث أشقاها ليشق صفوف المسلمين ويفرقهم ويجعلهم يحاربون بعضهم بعضاً...)
ومن أقواله الغريبة والمضحكة في الوقت نفسه، والتي لا تحتاج لنقد بل لاستغراب وتعجُّب؛ ما أفتى به قائلاً:( ويجوز للمرأة أن تتيمم بدلا من الوضوء بالماء إذا كان الماء يؤذي جمال وجهها،كأن يظهر من أثر الوضوء في الشتاء ما يشين هذا إذا كان الوضوء يؤثر على جمال المرأة في وجهها " ا.هـ .
قصدت من ذكر هذه الآراء للتنبيه على الآراء الخطيرة التي يحملها (جمال البنا)، وخصوصاً أنَّه يطرحها ويسوِّقها في وسائل الإعلام.
ومع أقواله تلك التي بان ضلالها وفسادها، فإنَّنا ـ وللأسف ـ نشاهد مقابلات إعلاميَّة أو صحافيَّة معه يصفه فيها ـ كثير من الإعلاميين والصحافيين ـ بأنَّه مفكِّر إسلامي ، أو رجل ذو ثقافة واسعة!
وما هو إلاَّ محتال على دين الله، ومتتبع لزلاَّت العلماء ورخصهم، ومحرِّف لمراد الله ومراد رسوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فشتَّان بينه وبين أهل العلم أو الفكر الراسخين!

• هل جمال البنَّا مفكر إسلامي؟
من المعروف أنَّ (جمال البنا) اشتُرِيَ من قِبَلِ أرباب الضلال، وأعطي شهادات وألقاباً حيث إنَّه لم ينل الشهادة الثانويَّة، وذلك ليضرب الإسلام من الداخل، مع أنَّه في حقيقة الأمر لم يستطع سوى إثارة فرقعات ليس إلاَّ !
كما أنَّ اسمه قد استُغلَّ ليظهر في الوسائل الإعلاميَّة؛ باعتباره أخاً شقيقاً للشيخ حسن البنا ـ رحمه الله ـ، مع أنَّنا حين نراه يتحدَّث في وسائل الإعلام، ندرك أنَّ الرجل أقرب إلى السذاجة والهوى من الطرح العقلاني.
كما أنَّ من يتابع سيرة هذا الرجل فسيدرك عمق اتِّصالاته مع مركز ابن خلدون الذي يديره ويشرف عليه العلماني سعد الدين إبراهيم، بل لقد اعترف جمال البنَّا بأنَّه عضو من أعضاء مجلس الأمناء في هذا المركز العلماني، في حوار أجراه معه موقع اسمه:(عربهم) فاعترف أنَّه عضو في المركز وأمين من أمنائه !
ومركز ابن خلدون مشتهر ومعروف عنه عمق الصلة مع الجهات الأمريكيَّة، والمدعوم من قِبَلِها كما أنَّ(جمال البنا) ممَّن يُشهد لهم ويُعرفون بحضورهم المؤتمرات الأمريكيَّة عميقة الصلة مع مؤسَّسة (راند) التي أقيمت بمصر.
(جمال البنَّا) صدرت فيه تقارير من مجمع البحوث الإسلاميَّة في مصر ، والتي حكمت بكفر بعض أقواله التي جاءت في بعض كتبه التي خاضت في الزندقة والفساد والفكري، بل إنَّها منعت وأمرت بمصادرة كتابه:(مسؤولية فشل الدولة الإسلاميَّة في العصر الحديث) ومنعه من الطبع والتوزيع، للضلالات والترَّهات التي قيلت فيه !
ومع هذا فالعجب العجاب أن نقرأ عنه في وسائل الإعلام أنَّه مفكر إسلامي! فأي تفكير إسلامي يحمله هذا الرجل، وهو ينسف عرى الإسلام عروة عروة؟!
لقد فضح (جمال) نفسه ، في مقابلة مع "رويترز" حين سئل عن علاقته بأخيه الشيخ حسن البنَّا ـ رحمه الله ـ فقال:(كنت دائماً مستقلاً. أنا وأخي لدينا وجهات نظر مختلفة. لقد كان مسلماً تقليدياً تماماً ، بينما تلقيت أنا تعليماً علمانياً" !!
وهذا نصُّ ما قاله (جمال البنَّا) عن نفسه ، فكيف إذاً نطلق على هذا الذي تلقَّى تعليماً علمانياً، ونقول عنه بأنَّه مفكِّر إسلامي ؟!
نعم ! لا يلام بعض الإعلاميين حين يطلقون عليه ذلك ؛ لجهلهم وعدم معرفتهم بحقيقة هذا الرجل، وأقواله الضالَّة، وكما قيل:فاقد الشيء لايعطيه!
ولكنَّ هناك كثيراً منهم يتلقَّط هذه الفتاوى، ليسيء بها أسماعنا نحن المسلمين ، وحقيق بـ (جمال البنَّا) أن يقال فيه ما قاله بعض العلماء في فقهاء الجهل والضلالة :
وقال الطانزون له: فقيه * فصعَّد حاجبيه به وتاها
وأطرق للمسائل :أي بأني * ولا يدري لعمرك ما طحاها

• الدور المأمول من علماء المسلمين ومفكريهم:
من هذا المقال فإنِّي أوجه دعوة للعلماء والدعاة بأن يقوموا بنقض أقواله، ليعرف قبح ما رأى وفساد ما قاله ! وعلى رأسهم مجمع الفقه الإسلامي فهو على رأس القائمة، التي ينبغي عليها أن تمتطي الذب والدفاع عن مبادئ الإسلام، وكشف عوار المتسلِّقين والساطين على نصوصه وتعاليمه.
إنَّ من المهم بمكان أن يقرأ العلماء كتب هذا الرجل ، ويصدروا الحكم اللائق به، ويثبتوه عليه في المحاكم ـ هذا إن حكمت عليه بما قيل عنه ـ ثمَّ ينال جزاء ما قاله وكتبه من أقوال ضالَّة؛ فقد ارتقى مرتقىً صعباً أنَّى له الوصول إليه، وهو ما بين وقت وآخر يستصدر حكماً من عقله(المضطرب) لإلغاء قضيَّة من قضايا الشريعة.
وما زالت قناعتي تزداد بأنَّ هذا الليبرالي أولى أن يسمَّى بـ(جمال الماجن)، ولقد عقد قديماً بعض علماء الحنفيَّة فصولاً في كتب الفقه في باب (الحجر) حول ضرورة الحجر على من أسموه بالمفتي الماجن ، بل لقد جعل الإمام أبو حنيفة (المفتي الماجن) أحطّ من منزلة السفيه، مع أن مذهبه عدم الحجر على السفيه إن كان حراً عاقلاً بالغاً، وإنما استثنى (المفتي الماجن) من ذلك لعموم الضرر به في الأديان؛ فإنه يفسد دين المسلمين ، ومن كان باحثاً فليرجع لبدائع الصنائع للكاساني ، وتبيين الحقائق للزيلعي ، وغيرهما من كتب الفقه الحنفي.
وقد نقل الإمام ابن القيِّم عن أبي الفرج ابن الجوزي قوله:"... وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق , وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة , وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطبب الناس , بل هو أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم , وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى ؛ فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة, ولم يتفقه في الدين ؟".
ثمَّ قال ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ عن شيخه ابن تيميَّة : "وكان شيخنا ـ رضي الله عنه ـ شديد الإنكار على هؤلاء , فسمعته يقول : قال لي بعض هؤلاء : أجعلت محتسباً على الفتوى ؟! فقلت له : يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب ؟!" .
فأين المؤسَّسات والمجاميع والهيئات العلميَّة والعلماء الذين يستطيعون فضح هذا الرجل وإسكاته أو الحد من خروجه في وسائل الإعلام للتحدث في كل مسألة وكأنَّه بها إمام ، وفي فهمها همام ، وما هو إلاَّ مخرِّب وللدين هدَّام.
وأخيراً: ما أحسن أن نروِّح عن أنفسنا بقوله ـ تعالى ـ:(يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون * هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) الصف.
ولو أنَّ(جمال البنَّا) عرض تلك الآراء على علماء الشريعة المتخصِّصين، حتَّى يعلم جرم ما قاله وأن فهمه كان مخالفاً للصواب، لكنَّه وللأسف لا يعتدُّ إلاَّ برأيه، بل نظرته للفقهاء المعاصرين نظرة سيئة للغاية، حيث لا يرى أحداً منهم يستحق أن يعرض فكره ورأيه عليه، أو أن يشاوره به، وهذا أمر ملاحظ في كتاباته، وخرجاته الفضائيَّة.
كتبت هذا التعقيب والتوضيح في التنبيه على ضلالات:(جمال البنَّا) ولم أقصد منه شماتة به ـ معاذ الله ـ، بل توضيحاً لضلال من ضل ، خشية أن يفتتن به بعض الناس، ورداًَ وذباً عن حمى الشريعة.
نعم... قد يكون في الكلام قسوة ، وفي النقاش شدَّة ، بيد أنَّ من قسا على الشريعة ، وأراد ضربها بمعاوله الرديئة ، فينبغي أن يُقْسَى عليه، وقد قيل:
خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري
لا بدَّ يوماً أن تُصادي فاصبري
كما ينبغي أن يُعْلَم أنَّ خلافنا مع جمال البنَّا، ليس خلافاً يسيراً يُعذرُ المخالف بمخالفة المسلمين فيه، بل خلاف في مبادئ الشريعة وثوابتها أصلاً!
اللهم إنِّي أسألك بهذا التوضيح لضلالات هذا الرجل القبول والأجر، وأسألك الثبات حتَّى الممات، وأن تحمينا وتعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، والحمد لله حمدا كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحبه ربنا ويرضاه.

غير معرف يقول...

(((((((((((((((اختلاف اللصوص وظهرت السرقة)))))============-بالرغم من بعض الفروقات غير الأساسية، لقد حفظ دائماً أساقفة روما القديمة الشركة مع أساقفة روما الجديدة والشرق لغاية 1009 – 1014، حين للمرة الأولى استولى الأساقفة الإفرنج على كرسي روما القديمة. لغاية العام 1009، كان بابوات روما وبطاركة القسطنطينية متحدين بصراع مشترك ضد الأمراء الإفرنج وأساقفتهم الذين كانوا في ذلك الوقت هرطوقيين.
لقد أدان الإفرنج في مجمع فرانكفورت عام 794 قرارات المجمع المسكوني السابع والإكرام التبجيلي للأيقونات المقدسة. وعلى المنوال نفسه، أدخل الإفرنج في العام 809 الفيليوكفيه (لاتينية معناها "والابن") إلى دستور الإيمان، أي عقيدة انبثاق الروح القدس من الآب ومن الابن. في ذلك الحين أدان البابا الأرثوذكسي هذه الإضافة. في مجمع القسطنطينية الذي ترأسّه فوتيوس الكبير وشارك فيه ممثلون للبابا الأرثوذكسي، أُدين كل مَن أدان مقررات المجمع المسكوني السابع مع كل مَن أضاف الفيليوكفيه إلى دستور الإيمان. مع ذلك، أضاف البابا الفرنجي سرجيوس الرابع عبارة "والابن" إلى دستور الإيمان في رسالة تنصيبه عام 1009. من بعده أدخل البابا بنديكتوس الثامن دستور الإيمان مع عبارة "والابن" إلى خِدَم العبادة الكنسية وعندها حُذِف البابا من ذبتيخا الكنيسة الأرثوذكسية.
الفرق الأساسي بين الكنيسة الأرثوذكسية والبابوية موجود في العقيدة المتعلّقة بطبيعة الله غير المخلوقة وقوته غير المخلوقة. ففيما يؤمن الأرثوذكس أن لله طبيعة غير مخلوقة وقوة غير مخلوقة وبأن الشركة بين الله والخليقة والناس هي من خلال قوته غير المخلوقة، يؤمن البابويون أن لله طبيعة غير مخلوقة تتماهى مع قوته غير المخلوقة (acrus purus) وبأن شركة الله مع الخليقة ومع الناس هي من خلال قواه المخلوقة، وحتى أنّهم يؤكّدون أن في الله قوى مخلوقة. وعليه فإن نعمة الله التي يتقدّس بها الإنسان هي نعمة مخلوقة. لكن على هذا الأساس، لا يمكن أن يتقدّس الإنسان.
ينشأ من هذه العقيدة الأساسية التعليم حول انبثاق الروح القدس من الآب ومن الابن، المطهر وأولية البابا وغيرها. وإلى جانب هذا الفرق الرئيسي بين الكنيسة الأرثوذكسية والبابوية، في موضوع طبيعة الله وقوته، هناك فروقات كبيرة أدّت إلى نشوء مواضيع الخلاف اللاهوتي، ومنها:
• الفيليوكفيه، أي أن الروح القدس ينبثق من الآب ومن الابن ما ينتج عنه الحط من رئاسة الآب، وتعريض المساواة بين أقانيم الثالوث للشبهة، فالابن ينقص في شخصه كونه مولوداً، إذ في حال كان هناك وحدة بين الآب والابن يكون الروح القدس خاضعاً وليس مساوياً في القوة والمجد للأقنومين الآخرين، ما ينتج عنه أن يكون "الأقنوم غير المسبِّب (steiro)".
• استعمال الخبز الفطير في القداس الإلهي ما يخالف الطريقة التي أتمّ بها السيد المسيح العشاء السري
• تقديس التقدمة التي لا تتمّ باستدعاء الروح القدس، بل بإعلان كلمات المسيح التأسيسية "خذوا كلوا... اشربوا منها كلكم..."
• النظرة إلى تقدمة المسيح على الصليب على أنها إرضاء للعدالة الإلهية، والتي تصوّر الله الآب كسيّد إقطاعي متغاضية عن القيامة
• النظرة إلى استحقاقات المسيح التي يوزعها البابا، إلى جانب النعمة الغزيرة التي للقديسين
• فصل أسرار المعمودية والميرون والمناولة الإلهية وعزلها عن بعضها البعض
• عقيدة وراثة المعصية من الخطيئة الجدية
• الابتداعات الليتورجية في كل الأسرار (المعمودية، الميرون، الكهنوت، الاعتراف، الزواج، ومسحة المرضى)
• ممارسة عدم مناولة الشعب من "دم" المسيح
• أولية البابا، التي بحسبها يكون البابا "أسقف الأساقفة" (episcopus episcoporum) ومصدر الكهنوت والسلطة الكنسية، وهو الرأس المعصوم والقائد الأوّل للكنيسة التي يحكمها بطريقة ملكية كممثل للمسيح على الأرض. بهذا المفهوم يرى البابا نفسه خليفة للرسول بطرس الذي أخضع له الرسل الباقون أنفسهم، بمن فيهم بولس
• غياب التكافل في ممارسة الخدَم
• عصمة البابا
• عقيدة الحبل بالعذراء بلا دنس وتطوّر العبادة المريمية (mariolatria) التي بحسبها تُرفَع العذراء الفائقة القداسة إلى إلهة ما يتحوّل إلى مفهوم يقود إلى رباعية مقدسة (بدل الثالوث)
• نظرة تشابه الأشياء (analogia entis) وتشابه الإيمان (analogia fidei) المتحكّمة بالغرب
• تقدُّم الكنيسة المستمر في اكتشاف الفجوات في الحقيقة المعلَنة
• عقيدة القدر المطلَق
• المفهوم المتعلّق بالمنهجية الواحدة لمعرفة الله والمخلوقات، وهي تقود إلى دمج اللاهوت بعلم المعرفة.
إلى هذا، يكمن الفرق العظيم بالممارسة، والذي يشير إلى نمط اللاهوت، في الفرق بين السكولاستيكية واللاهوت الهدوئي. في الغرب، تقدّمت السكولاستيكية كمسعى لإيجاد معنى كل أسرار الإيمان عن طريق المنطق (أنسلم كانتربري وتوما الأكويني). بالمقابل، سيطرت الهدوئية في الكنيسة الأرثوذكسية وهي تطهير القلب وإنارة الفكر (النوس) بهدف اكتساب معرفة الله. الحوار بين القديس غريغوريوس بالاماس وبرلعام السكولاستيكي والاتحاديين مميز في إظهار الفرق.
من نتائج كل ما سبق هو أن في البابوية انحدار من الإكليسيولوجيا الأرثوذكسية. في الكنيسة الأرثوذكسية يُعطى التألّه قيمة عظيمة. فالتألّه هو الشركة مع الله من خلال معاينة النور غير المخلوق، من ثمّ يجتمع معاينو النور الإلهي في مجمع مسكوني ويحددون بدقة الحقيقة الموحى بها بشروط مشوشة. بينما في البابوية تُعطى القيمة العظمى للمراسيم البابوية، فبالواقع، تقوم المجامع المسكونية على البابا بما يتناغم مع اللاهوت اللاتيني: "إن سلطة الكنيسة موجودة فقط عندما تؤسّس وتتناغم مع إرادة البابا. بينما تبطل في ظرف معاكس". فهكذا تكون المجامع المسكونية "مجامع مسيحية تُعقَد بموثوقية البابا وتحت سلطته وبرئاسته". فإذا ترك البابا قاعة الاجتماع يصبح المجمع المسكوني بلا قوة. كتب الأسقف ماير "لا يوجد كاثوليكي أكثر دقة من ذاك الذي يعلن ‘أؤمن ببابا واحد‘ إلاّ ذاك الذي يقول ‘أؤمن أيضاً بكنيسة واحدة‘".
إلى هذا، "إن قيمة الأساقفة ودورهم في الكنيسة الرومانية ليس أكثر من مجرد تشخيص للسلطة البابوية "التي يخضع لها الأساقفة أنفسهم كمثل أي مؤمن بسيط". باتجاه هذه الإكليسيولوجية البابوية يُشدَّد بشكل جوهري على أن "السلطة الرسولية بقيت عند الرسل ولم تمرّر إلى خلفائهم الأساقفة. وحدها سلطة بطرس البابوية التي يقع الجميع تحتها مرّت إلى خلفاء بطرس أي البابوات". في موازاة ما سبق، تتمسّك "الكنيسة" البابوية بأن كل كنائس الشرق انفصالية ومعطوبة. إنّها تتقبلنا ككنائس شقيقة فقط بالتدبير لأنها ترى نفسها الكنيسة الأم بينما ترانا بناتها.
الفاتيكان هو سلطة أرضية وكل بابا هو مدبر لقوة الفاتيكان. إنها مسألة تنظيم بشري المركز، عالمي لا بل بالواقع تنظيم قانوني دنيوي. إن قوة الفاتيكان الأرضية تأسست في العام 775 علي يد بابين القصير (Pepin) والد شارلمان، وحتى في زمننا اعترف بها موسوليني في العام 1929. إن مصدر إعلان السلطة الأرضية للبابوية مهم كما أعلن البابا بيوس السادس "إن مَن يتجنّد للفائدة الإلهية على الأرض لا يستطيع أن يخضع لسلطة أرضية". المسيح كان مطيعاً للسلطة الأرضية، أمّا البابا فلا يمكنه ذلك! تؤسّس السلطة البابوية لثيوقراطية لأن الثيوقراطية محددة بأنها تصنّف كلا السلطتين الأرضية والكنسية في مبدأ واحد. اليوم يمكننا أن نجد سطات ثيوقراطية في الفاتيكان وفي إيران.
البابا إينوسنت الرابع (1198-1216) ثبّت الطبيعة المميّزة لهذه الأمور في خطاب تتويجه "مَن عنده العروس هو العريس. ولكن العروس (الكنيسة) لم تقترن بيدين فارغتين، بل هي تجلب معها مهراً غالياً بشكل لا يقارَن، كامل الأمور الروحية وامتدادات الأشياء الأرضية، فيض وسخاء كليهما... إن مساهمتكم في الأمور الأرضية أعطتني الإكليل المرصّع، تاج الأسقفية، تاج المملكة وجعلتني ممثله، في الثوب وعلى الركبة المكتوب عليها: ملك الملوك ورب الأرباب".

إذاً، يوجد فروقات لاهوتية عظيمة أدانها مجمع فوتيوس الكبير ومجمع غريغوريوس بالاماس، عل ما يظهر في سينوذيكون الأرثوذكسية. إلى هذا فإن آباء الكنيسة لغاية القرن التاسع عشر أدانوا كل خداع البابوية. فالأمر لا يلطفه أو يحسّنه اعتذار شكلي ما يقدمه البابا عن خطأ تاريخي، بينما تبقى نظراته اللاهوتية خارج الوحي وتتحوّل الإكليسيولوجيا إلى سلوك محصور ومحدّد لأن البابا يقدّم نفسه ككقائد العالم المسيحي وخليفة الرسول بطرس والنائب الممثل للمسيح على الأرض، وكأن بالمسيح قد يعطي سلطته للبابا ويكفّ عن الحكم بالبركة في السماوات.

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس
نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

غير معرف يقول...

النّصرانيّة وإلغاء العقل
منذ سنوات طويلة وأنا عاكف على قراءة بعض كتب النّصارى، وما يتعلّق بالدّيانة النّصرانيّة من أناجيل وما كُتب عنها، مدحًا أو قدحًا، وخلال تلك الفترة اتّصلت بعشرات القساوسة ورجال الدّين والأشخاص العاديّين من الذين يدينون بهذا الدّين، فخرجت من تلك التّجربة بعدّة إشكاليات وتساؤلات محيّرة ومربكة، بحثت لها عن أجوبة في الكتب فلم أعثر لها على جواب فتوجّهت إلى الكنائس لعلّي أجد ما يشفي غليلي، ويزيل عن عقلي تلك الغشاوات الكثيفة من التّساؤلات المحيّرة، حول كلّ آية أو إصحاح أو سفر من أسفار الكتاب المقدّس، لكنّني ككلّ مرّة كنت أعود بخفي حنين، فلم يزدني رجال الدّين وأجوبتهم إلاّ حيرة وغشاوة على غشاوة، ومن الطّريف أنّ تلك الأجوبة التي تلقّيتها من بعضهم كانت تعقد المسائل أكثر فأكثر، فأضحت بذلك قواعد لتساؤلات أكثر وأشدّ خطورة وحيرة، لأنّها كانت أجوبة دفاعيّة متعصّبة، لا تستند إلى الحقّ بقدر ما هي محاولات فاشلة وهزيلة للدّفاع العشوائيّ المتخبّط.
في تلك الفترة دخل عقلي معركة محتدمة مع نفسه فكلّما بدأ يستخدم آليّات الفهم في تفكيك ألغاز الكتاب المقدّس وأسراره تعطّلت تلك الآليّات عند أوّل وهلة، وأصابها الشّلل في بداية الطّريق، إذ لا يمكن لأيّ عقل مهما أُوتي من علم وذكاء إدراك كنه وجوهر النّصوص "المقدّسة" التي يتعاطاها.
لم يكن عقلي قادرًا على السّباحة في بحر الألغاز والأسرار الكنسيّة المقدّسة، فقد كانت أمواج التثّليث والكفارة والخطيئة وألوهيّة المسيح وبنوّته وصلب الله وغيرها تقذف بعقلي مدًّا وجزرًا هنا وهناك دون الوصول إلى الشّاطئ.
كنت كلّما عثرت على رجل دين نصرانيّ (من جميع الطّوائف والرّتب العالية من الأكليريوس) أطلب منه تفسيرًا أو إيضاحًا أو بيانًا لما لا أفهمه أو أدركه امتنع عن مخاطبة عقلي وهرع إلى إثارة عاطفتي، كان كلّ واحد منهم يقول ويكرّر حين يواجه بسؤال عن تلك العقائد: »لكن الله مات من أجلك، الله نزل بنفسه ليصلب عن خطاياك، الله محبّة، الله بذل ابنه الوحيد لتعيش أنت، الله سفك دم ابنه لتدخل الملكوت...« وغير ذلك من الكلام العاطفي الذي يلفظه العقل ( ).
وثمّة وصفة سحريّة تقدّمها الكنيسة لكلّ من يريد الالتحاق بالنّصرانيّة أو التمسّك بأهدابها أو البقاء عليها، وتتضمّن تلك الوصفة خطوات بسيطة لا تكلّف المريد أكثر من تنفيذها بحرفيّة ليدخل ملكوت الله وينال الخلاص وتتلخّص في البنود التّالية:
ألغ عقلك وانس أنّك تملك أداة للفهم والإدراك.
آمن بكلّ ما يأمرك به القسّ في الكنيسة.
لا تناقش، لا تجادل، لا تعترض، لا تبحث.
لا تسأل غير القسّ ولا تأخذ الجواب من سواه.
كلّ ما لا تفهمه أو تدركه أو يستسيغه عقلك فهو سرّ إلهيّ
ولغز كنسيّ مقدّس.
وإذا ما طبّقت هذه البنود الخمسة، فقد انضممت إلى سلك النصارى، وأصبحت في شركة المسيح، وخروفًا من خرفانه التي ترعاها الكنيسة وتسوقها إلى الحياة الأبديّة، وكلّ من يخلّ بأحد هذه البنود فهو زنديق، مهرطق، ملعون، ابن الشّيطان، تحت سلطة الخطيّة، لن ينال الكفّارة من الذّبيحة الإلهيّة التي سفكت على الصّليب من أجله !
بل أكثر من ذلك فإنّ الذي يخلص لتلك "الوصايا الخمس" سوف ينال الجهالة التي تقوده إلى القداسة، ألم يكن القدّيس أوغسطين يقول »إنّ الجهلاء هم الذين يحظون بملكوت السّماء « !
يقول محمّد قطب في كتابه ( مذاهب فكريّة معاصرة ) منتقدًا هذا الأسلوب الذي تمارسه الكنيسة: »إنّ ادّعاء الكنيسة أنّ العقل لا ينبغي له أن يسأل وأن يناقش في أمر العقيدة، وإنّما عليه أن يسلم تسليمًا أعمى، ويترك الأمر للوجدان، هو ادّعاء ليس من طبيعة الدّين كما أنزله الله، إنّما كان هذا من مستلزمات الأديان الوثنيّة التي تحوي أوهامًا لا يمكن أن يستسيغها العقل لو فكّر فيها، فتُسكت صوت العقل وتمنعه من التّفكير بالسّحر تارة وبالتّهديد بغضب الآلهة المدعاة تارات !
وإذا كان هذا الأمر، وهو إسكات صوت العقل ومنعه من التّفكير، غير مستساغ حتّى في بداوة الإنسان أو ضلالة البشريّة، فهو من باب أولى غير مستساغ في دين تزعم الكنيسة أنّه الدّين المنزّل من عند الله، وأنّه يمثّل مرحلة راشدة في تاريخ البشريّة، ولو كانت هذه الأسرار من الدّين حقًّا، ومن أمور العقيدة التي يلزم الإيمان بها، ما منع الله النّاس أن يناقشوها بعقولهم ليتبيّنوا ما فيها من الحقّ ويؤمنوا به !فإنّ الله لا يقول للنّاس – في وحيه المنزّل – آمنوا بي دون أن تفكّروا وتعقلوا، ولا يقول لهم: إنّي سأضع لكم الألغاز التي لا تستسيغها عقولكم ثمّ أطالبكم أن تخرّوا عليها صمًّا وعميانًا لا تتفكّروا وإلاّ طردتكم من رحمتي «.
ولا يتحرّج النّصارى وقساوستهم أبدًا من عدم فهم هذه الأفكار والعقائد فهم يعتقدون ببساطة – فرارًا من تفسيرها– أنّها أسرار إلهيّة مقدّسة !!
نعم، يجب على كلّ نصرانيّ أن يؤمن بكلّ شيء تقرّره الكنيسة، وإذا لم يفهم شيئًا وطلب توضيحًا أو بيانًا قيل له: ألغ عقلك فهذا سرّ من الأسرار الإلهيّة التي لا يليق ولا يجوز السّؤال عنها أو البحث فيها !
ولمّا كانت كلّ تلك العقائد مناقضة للمنطق ومصادمة له، كانت كلّ تلك العقائد والأفكار أسرارا مقدّسة، فهناك قائمة طويلة منها سرّ المعموديّة، سرّ التّثبيت، سرّ القربان المقدّس، سرّ التّوبة والاعتراف للكاهن، سرّ المسحة، سرّ الزّواج، سرّ الكهنوت، سرّ حقائق الإيمان، سرّ الصلب، سرّ التّثليث، سرّ العشاء الربّاني، سرّ القيامة، سرّ الكفارة، سرّ الخطيئة، سرّ اللاّهوت، سرّ الناسوت، سرّ التجسّد، والحبل على الجرار !
وإذا كانت كلّ هذه أسرارًا - وغيرها كثير - فليت شعري ماذا بقي للنصراني ليعرفه ويطّلع على حقيقته وهو ليس بسرّ، وهكذا فكلّ سؤال لا يجد له رجال الكنيسة جوابًا يُحال إلى قائمة الأسرار السماويّة، ويعترف القساوسة بعجزهم عن فهم هذه الأسرار وحلّ إشكالاتها، ويدعون المتديّن السّاذج إلى التّسليم بتلك المستحيلات العقليّة والإيمان بها، دون اعتراض وإلاّ ناله العقاب والطرد من ملكوت الله تماشيًا مع قاعدة الصّوفيّة: » من اعترض انطرد « .
يقول زكيّ شنودة صاحب كتاب (تاريخ الأقباط) عن هذه الأسرار: »وهذه حقيقة تفوق الإدراك البشريّ « .
ويقول القسّ توفيق جِيد في كتابه (سرّ الأزل) عن سرّ الثّالوث: »إنّ الثّالوث سرّ يصعب فهمه وإدراكه، وإن من يحاول إدراك سرّ الثّالوث تمام الإدراك كمن يحاول وضع مياه المحيط كلّها في كفّه« .
ولئن كان ما قاله القسّ توفيق خاصًّا بسرّ الثّالوث لكنّه ينطبق على الأسرار الأخرى كافّة، إلاّ أنّ سرّ الثّالوث هو أكثر الأسرار غرابة وإثارة للعجب، يقول بازيليوس إسحاق في كتابه (الحقّ):» إنّ هذا التّعليم عن التّثليث فوق إدراكنا ولكن عدم إدراكه لا يبطله«، فيا له من فهم غريب!
ولم يتوقّف الأمر – كما قلنا سابقًا – عند اعتبار الأمر سرًّا، بل تجاوزه إلى حجر العقول عن التّفكير فيها ومحاولة تبسيطها، وإلاّ فكيف نفهم قول القسّ توفيق حين يقول في كتابه (سرّ الأزل):» إنّ تسمية الثّالوث باسم الأب والابن وروح القدس تعتبر أعماقًا إلهيّة وأسرارًا سماويّة لا يجوز لنا أن نتفلسف في تفكيكها وتحليلها ونلصق بها أفكارًا من عنديّاتنا«، وهـذا ما يدعى في الأدب المعاصر: بـ" الإرهاب الفكريّ "، ثمّ إنّ الذين ضربوا بكلام هذا القسّ عرض الحائط، وحاولوا التفلسف في فهم تلك العقائد أخفقوا ولم تغنهم فلسفتهم شيئًا.
ويقرّر ذلك الأستاذ النّصرانيّ عوض سمعان في كتابه (الله ذاته ونوع وحدانيّته): » إنّنا لا ننكر أنّ التّثليث فوق العقل والإدراك، ولقد حاول كثيرون من رجال الفلسفة توضيح إعلانات الكتاب المقدّس عن ذات الله، أو بالأحرى عن ثالوثه ووحدانيّته فلم يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً « ، ويعلّق الأستاذ محمّد مجدي مرجان – وهو رجل دين نصرانيّ أسلم – وقد نقل بعض هذه الاعترافات في كتابه البديع (الله واحد أم ثالوث) فيقول: » تُرى إذا كان الفلاسفة والعلماء قد عجزوا عن فهم الثّالوث، فمن يا ترى يستطيع فهمه؟ وما موقف البسطاء والعامّة إذا ما حاولوا الفهم، وإذا لم نستطع إدراك عقائدنا الدّينيّة بعقولنا وأفهامنا فبماذا يمكن إدراكها؟ وإذا كنّا نحن وهم لا ندرك هذا الثّالوث فكيف يمكن لكلٍّ منّا أن يتّبعه أو يسير عليه !؟ «( ).
ويقول أحد القسس لرعاياه عندما يكثرون من الأسئلة حول ما لا يستطيع الإجابة عنه، وذلك في إذاعة مونت كارلو: » علينا ألاّ نناقش، ولكن علينا أن نؤمن فقط بكلّ ما في الكتاب المقدّس وإلاّ فإيماننا باطل«.
أمّا القدّيس سانت أغسطين، أكبر منظّر عرفته النّصرانيّة، فقد كان يعلن قائلاً بصراحة متناهيّة عندما يريد قطع مناقشة المشكّكين في النّصرانيّة: » أنا مؤمن لأنّ ذلك لا يتّفق مع العقل !«.
وفي مناظرة بين باحثة يابانيّة ورجل دين من الكنيسة الإنجليزيّة يُدعى الأب جيمس، سألت الباحثة القسّ أن يفسّر لها بعض العقائد التي لم تتمكّن من الإحاطة بها، أو حتّى فهم ظاهرها، فردّ الأب جيمس:» إنّ هذا سرّ لاهوتي فوق عقول البشر، وليس من الممكن تفسيره حسب تفسير وتصوّر هؤلاء البشر! «
فردّت الباحثة اليابانيّة: » كيف تدعون النّاس إلى عقيدة لا يفهمها هؤلاء البشر؟ وما مهمّة الرّسل والأنبياء.. إن لم يبيّنوا ما أمروا بتبليغه من قبل الخالق إلى هؤلاء البشر؟
.. لقد كنت بوذيّة من قبل .. غير أنّ السّلبيّة، التي تتّسم بها هذه العقيدة جعلتني أبحث عن غيرها بين الدّيانات والملل، وقد اخترت في دراستي التخصّص في مقارنة الأديان، وقد جئت إلى بريطانيا من أجل هذا الهدف، ويبدو أنّني لن أصل إلى غايتي وسط هذه الظّلمات المتراكم بعضها فوق بعض، فإذا حاولت التعرّف على الحقيقة وقف "الأكليريوس" أو "الكهنوت" في وجهي بقوانين الحظر والادّعاء بأنّ هذه القضايا أسرار لاهوتيّة فوق العقل،. أنا لن أسألك عن هذه الأسرار التي أرفضها كلّها...! ذلك لأنّ الدّين .. أي دين يجب أن يكون واضحًا، وألاّ ينطوي على أسرار وخفايا، وإلاّ فلماذا جاء الدّين أصلاً إن لم يكن واضحًا في عقول كلّ الرّعايا !؟ «
وبعد احتدام المناظرة قال الدّكتور عبد الودود شلبي( ) ، وهو أحد المشاركين في ذلك النّقـاش، موجّهًا تعليقًا لاذعًا للقسّ جيمــس: » لو أتينا بكلّ علماء الرّياضيات وبُعث " آينشتاين " مرّة ثانية إلى الحياة، وعقدنا له امتحانًا في حلّ هذه الطّلاسم والألغاز لما حصل هذا العلاّمة إلاّ على صفر في هذا الامتحان، ولكن لحسن الحظّ أنّ "آينشتاين" لم يكن مسيحيًّا وإلاّ ما سمع أحد بنظريّته النّسبيّة التي تفوّق بها على علماء الرّياضيّات«.
وهنا قال الأب جيمس: » إنّ مفهوم البساطة ليس له مجال في فهم العقيدة المسيحيّة، كما لا يجب أن توزن به هذه العقيدة، لأنّ العقيدة المسيحيّة تعلو على فهم العقل« !!.
فردّ عبد الودود شلبي بقوله: » إذا كانت المسيحيّة ليست بهذه البساطة فمعنى هذا أنّها دين خاصّ للفلاسفة، وبالتّالي فلا شأن لهذا الدّين بالبسطاء من النّاس وهم الأغلبيّة السّاحقة، وإذا كان كما تقول بأنّها عقيدة تعلو على فهم العقل، فذلك يعني أيضًا إخراج كلّ عاقل ومفكّر عن دائرة الإيمان الذي لا يقبله العقل ولا الفكر، فإذا كان البسطاء وعامّة النّاس، وإذا كان العقلاء والمفكّرون لا يفهمون هذه العقيدة فإنّي استحلفك بالله ربّي وربّك لم جاءت هذه العقيدة إذن، ولمن جاءت !؟«.
جاء في المانيفستو " البيان " الكاثوليكي لاتّباع الكنيسة: إنّنا لا نستطيع فهم هذه العقيدة لأنّها سرّ غيبيّ، وفي الآخرة سيكون هناك فهم أكثر لهذه الأسرار، ولكن لن يكون فهمًا تامًّا وأبديًّا !
ولذلك فلا يطمع أحد أن يطّلع على تلك الأسرار، لأنّ عقله قاصر في الدّنيا وسيبقى كذلك في الآخرة، وهكذا يكون البشر قد خُلقوا وهم جاهلون بربّهم ودينهم وسيموتون على ذلك الجهل، وسيولدون لحياة أخرويّة لا تختلف كثيرًا عن حياتهم الأولى، إذ سيكون الجهل بالعقيدة سمة رئيسة للعباد في ملكوت الله !! أليس من حقّنا أن نتساءل هل بلغ بالله – جلّ شأنه – الضّعف العلميّ والمعرفيّ حتّى إنّه عجز عن التّعريف بنفسه ومخاطبة النّاس على قدر عقولهم وأفهامهم ومداركهم !؟ وإذا كان الله على كلّ شيء قدير، ألم يكن من الواجب عليه تزويدنا بعقول أكثر نضجًا وقدرة على استقبال رسالاته السّماويّة دون كلّ هذا العناء في فهم آية واحدة فضلاً عن الكتاب المقدّس كلّه !؟
وإذا كانت كلّ هذه الأسرار صعبة الإدراك فلماذا يخاطبنا الله بها؟ وإذا كانت سرًّا فما الحكمة من تكليفنا بالعمل بالأسرار والألغاز، كأنّنا دمى صغيرة يتسلّى الله بنا عندما يشاهدنا نكابد من أجل حلّها والتّفكير فيها !، وإذا كانت تلك الأسرار فوق عقولنا فالتّبليغ بها ضرب من العبث وتضييع للوقت والجهد، لأنّ الألغاز والأسرار التي لا حلّ لها لا تعود على البشر بفائدة عمليّة وظيفيّة، دينيّة كانت أو دنيويّة، أم إنّ الله يحبّ أن يرانا منشغلين بها، يتلذّذ ونحن نتألّم في البحث فيها، و يستمتع حين نتعذّب نفسيًّا وعقليًّا في محاولاتنا المتكرّرة والمريرة عبر القرون الطّويلة للوصول إلى الحقيقة السّهلة والبسيطة والواضحة، أليس هذا نوعًا من "السادية " التي يوصف بها الله - شئنا أم أبينا – تعالى الله عن ذلك( ).
وإنّ إلهًا مثل هذا الإله الذي تؤمن به النّصارى هو إله لا يستحقّ العبادة ولا التّقديس، طالما لم يتمكّن من إثبات ألوهيّته وقدسيّته بتوضيح ما يريده في كتابه المنزّل: " الكتاب المقدّس "، وهنا أذكر أنّي منذ بدأت البحث في مقارنة الأديان وبالتّحديد دراسة إيمان النّصارى واعتقادهم وأنا أشفق، لا على النّصارى الذين يعانون الأمرّين في فهم اعتقادهم، وإنّما على هذا الإله الذي عجز عن التّعريف بنفسه، فقد أعوزته البلاغة في التّعبير عن ذاته، إنّني أشفق على هذا الإله الذي لم يجد الكلمات السّهلة والتّعبيرات الواضحة للإفصاح عن ماهيته وطبيعته.
والذي أراه أنّ عدم القدرة على الإفصاح عن تلك الطّبيعة وبيان تلك العقائد كان سببها بولس الذي تولّى صناعتها و ترويجها، وقد كان النّاس في زمانه يجدون استحالة في فهمها، مثل ما نجد نحن، فخاطبهم في رسالة كورنثوس زاعمًا بقوله (كلامي وتبشيري لا يعتمدان على أساليب الحكمة البشريّة في الإقناع، بل على ما يظهره روح الله وقوّته، حتّى يستند إيمانكم إلى قدرة الله، لا حكمة البشر)( ).
لقد جمعت عقيدة النّصارى من المتناقضات و المستحيلات العقليّة ما جعل الأمم تسخر من تلك العقائد وتنتقدها، وعلى الرّغم من انحرافات مثيلة في بعض الأديان الوثنيّة، كالبوذيّة والبراهميّة والمتراسية واليهودية .. إلاّ أنّ عقيدة النّصارى فاقتها بكثير، وفي هذا يقول شيخ الإسلام بن تيميّة – رحمه الله – في كتابه (الجواب الصّحيح لمن بدّل دين المسيح ): » قالت طائفة من العقلاء في وصف عقيدة النّصارى: إنّ عامّة مقالات النّاس في عقائدهم يمكن تصوّرها إلاّ مقالة النّصارى، وذلك أنّ الذين وضعوها لم يتصوّروا ما قالوا، بل تكلّموا بجهل وجمعوا في كلامهم بين النّقيضين، ولهذا قال بعضهم لو اجتمع عشرة نصارى لتفرّقوا عن أحد عشر قولاً وقال آخر: لو سألت بعض النّصارى وامرأته وابنه وخادمه عن توحيدهم لقال الرّجل قولاً، وامرأته قولاً آخر وابنه قولاً ثالثًا وخادمه قولاً مخالفًا لسابقيه«.
أمّا ابن القيّم – رحمه الله – فيذكر في كتابه ( إغاثة اللّهفان ) عن ملك من ملوك الهند أنّه قال عندما ذُكرت له الأديان الثّلاثة المشهورة "اليهوديّة والنّصرانيّة والإسلام" :» أمّا النّصارى فإن كان محاربوهم من أهل الملل يحاربونهم بحكم شرعيّ، فإنّي أرى ذلك بحكم عقليّ، وإن كنّا لا نرى بحكم عقولنا قتالاً ولكن أستثني هؤلاء القـوم – النّصارى – من بين جميع العوالم، لأنّهم قصدوا، بعقيدتهم و إيمانهم مضادة العقل وناصبوه العداوة وحلّوا ببيت الاستحالات، وحادوا عن المسلك الذي انتهجه غيرهم من أهل الشّرائع، فشذّوا عن جميع مناهج العالم الصّالحة العقليّة والشّرعيّة، واعتقدوا كلّ مستحيل ممكنًا، وبنوا على ذلك شريعة لا تؤدّي البتّة إلى صلاح نوع من أنواع العالم، إلاّ أنّها تُصَيِّر العاقل إذا تشرّع بها أخرق والرّشيد سفيهًا والمحسن مسيئًا«.
ربّ قائل: إنّ أكثر الأمم تقدّمًا وازدهارًا اليوم هي تلك التي تعتنق النّصرانيّة، أي أوروبا الغربيّة وأمريكا الشّماليّة .. وهذه مغالطة صريحة والشّواهد على ذلك متوافرة؛ فالتّاريخ يحدّثنا أنّ النصارى لم يعرفوا طريق الحضارة والتقدّم إلاّ عندما تخلّوا عن نصرانيّتهم المحرّفة ونبذوا أحكام الكنيسة وراء ظهورهم، فلقد عاش الغرب في ظلمات حالكة إبّان سيطرة البابوات على مصائرهم في القرون الوسطى، حتى قامت حركات النهضة والتنوير والثورة ضدّ مؤسّسات الكنيسة والإنجيل، فقام الغرب من رقدته ونهض من سُباته العميق فاستحالت إلى ما هي عليه اليوم – على الرّغم من السّلبيّات والعورات الكثيرة التي يعاني منها الغرب الآن – ذلك أنّ طغيان الكنيسة وتعاليمها دفعه إلى طغيان الإلحاد واللاّدينيّة، وتطرّف رجال الدّين قاد الغرب إلى التطرّف ضدّ الله وضدّ فطرة التديّن.
إنّ نصارى الغرب اليوم لا يعرفون من النّصرانيّة إلاّ خرافاتها وألغازها وبعض طقوسها، ولا يتعدّى من يذهبون إلى الكنيسة يوم الأحد إلاّ القليل لأسباب كثيرة، ليست بالضّرورة دينيّة، أمّا خارج جدران الكنيسة فمفاهيم الدّين النّصرانيّ ملغاة ولا يكاد يوجد لها ذكر، وهذا يعود بنا إلى موضوعنا؛ إذ إنّ الغرب بعد ظهور عصر العقلانيّة والتّنوير لم يعد يصدّق بخرافات الكنيسة وعقائدها الباطلة المضادة للعقل، وزاد نفور الغرب من الدّين تصرّف رجال الكنيسة المشين، وقد سجّل لنا التّاريخ الأحداث المرعبة للعصور المظلمة في أوروبا Dark Ages وكيف سامت الكنيسة العلماء أشدّ العذاب، فحرقت المفكّرين والمخترعين والمبدعين بحجّة الخروج عن الدّين، وحرّمت قراءة أو اقتناء كتب العلم، لأنّها زندقة وهرطقة.
تقول زيغريد هونكه في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب): » … والضّلال عند الكنيسة هو البحث عن الحقيقة في غير الكتاب المقدّس«، وكانت الكنيسة ترى أنّ الكتب المقدّسة تحتوي على كلّ أنواع العلوم، وأنّها المصدر الوحيد للمعرفة، وأنّ أيّ قول أو نتيجة تأتي خلافًا لما جاءت به تلك النّصوص المقدّسة يعتبر كفرًا وإلحادًا، وفي هذا يقول القدّيس ترتوليان: » إنّ أساس كلّ علم هو الكتاب المقدّس وتقاليد الكنيسة، وإنّ الله لم يقصر تعليمنا بالوحي على الهداية إلى الدّين فقط، بل علمنا بالوحي كلّ ما أراد أن نعلمه من الكون؛ فالكتاب المقدّس يحتوي من العرفان على المقدار الذي قدّر للبشر أن ينالوه فجميع ما جاء في الكتب السّماويّة من وصف السّماء والأرض وما فيهما، وتاريخ الأمم ممّا يجب التّسليم به مهما عارض العقل، أو خالف الحسّ، فعلى النّاس أن يؤمنوا به أوّلاً ثمّ يجتهدوا ثانيًا في حمل أنفسهم على فهمه أي على التّسليم به «.
ولمّا بلغ الاضطهاد الذي مارسته الكنيسة ضدّ العقل والعلم ذروته بدأت بوادر التذمّر والاحتجاج تظهر هنا وهناك؛ فظهرت حركة الإصلاح البروتستانتيّة، التي قامت ضدّ الكنيسة الكاثوليكيّة، لكنّها اقتصرت على نقد تصرّفات البابا وبعض التّفسيرات الخاطئة للكتب المقدّسة، ولم يختلف البروتستانت عن غيرهم في محاربتهم للعقل والعلم وتعصّبهم للعقائد الموروثة غير المعقولة، بل يذكر المؤرّخون أنّ البروتستانت عادوا العقل والعلم أكثر من الكاثوليك والأرثودكس، يقول مثلاً وول ديورانت في كتابه (قصّة الحضارة): » إنّ موقف البروتستانت من العقل كان في غاية الاستخفاف، ويذكر عن مارثن لوثر قوله: أنت لا تستطيع أن تقبل كلاًّ من الإنجيل والعقل فأحدهما يجب أن يفسح الطّريق للآخر«، وقد اختار لوثر إفساح الطّريق أمام الإنجيل بإلغاء عقله ودفنه حيًّا حتّى لا يزاحم قداسة الكتب لذلك نراه يقول: » إنّ العقل هو أكبر عدوٍّ للدّين … وإنّه كلّما دقّ العقل واحتدّ كان حيوانًا سامًّا برؤوس سعلاة، وكان ضدّ الله وضدّ ما خلق«.
ولمّا كان موقف البروتستانت وزعماء الإصلاح الديني كمن سبقهم في محاربة العلم والعقل لم يشفع لهم " إصلاحهم " في بعض الميادين أمام زحف العقليّين والملاحدة والعلمانيّين الذين هبّوا في كلّ مكان يطالبون بإقصاء الدّين عن الحياة وإغلاق المؤسّسة الدّينيّة وطبعها بالشّمع الأحمر، بل وصل بعضهم إلى الاستهزاء والسّخريّة من الله وجميع مظاهر وجوده.
ولقد كانت عقائد النّصرانيّة المحرّفة، والمضادّة للعقل سببًا رئيسًا في ظهور الإلحاد بجميع أنواعه كالشّيوعيّة والعلمانيّة والبرجماتيّة والوجوديّة .. إلخ.
يقول ابن القيّم – رحمه الله – وقد عاش قبل ظهور هذه المذاهب في كتابه (إغاثة اللّهفان): » وهؤلاء النّصارى هم الذين أوجبوا لأعداء الرّسل من الفلاسفة والملاحدة أن يتمسّكوا بما هم عليه، فإنّهم شرحوا لهم دينهم الذي جاء به المسيح على هذا الوجه المحرّف، ولا ريب أنّ هذا دين لا يقبله عاقل فتواصى أولئك بينهم أن يتمسّكوا بما هم عليه وساءت ظنونهم بالرّسل والكتب، ورأوا ما هم عليه من الآراء أقرب إلى المعقول من هذا الدّين، وقال لهم هؤلاء النّصارى الضُّلال إنّ هذا هو الحقّ الذي جاء به المسيح فترتّب من هذين الظّنّين الفاسدين إساءة الظنّ بالرّسل، وإحسان الظنّ بما هم عليه«.
وفي نهاية هذا المدخل أقول: إنّ هذا الكتاب قد يثير اندفاع بعض الدّوائر النّصرانيّة للردّ علينا بأنواع شتّى من الرّدود، التي لا يعلمها إلاّ الله، ولا سيّما الرّدود العاطفيّة التي ذكرتها آنفًا كقولهم حين قراءة بعض حقائق هذا الكتاب " لكن الله مات من أجلك، الله بذل ابنه الوحيد لخلاصك، الله سفك دمه على الصّليب لفدائك " وغير ذلك من تلك الرّدود التي تسمع عند كلّ مناظرة لا يقدر النّصارى الإجابة فيها بما يقنع العقول، والرّدود العاطفيّة لا تملك قدرة على الإقناع بإيمان خرافيّ واعتقاد باطل وفاسد، خصوصـًا إذا علمنا أنّها صادرة من أناس لا يفهمونها، وغير مقتنعين بها، وصدق أبيلار Abelard أحد رجالات الكنيسة ومنظريها في القرون الوسطى حين يقول » إنّ من المضحك أن نعظ الآخرين بما لا نستطيع أن نُفهِمهم إيّاه ولا نفهمه نحن «.




الخطيــئـة الأصـليّـــة

يمكننا اعتبار مفهوم الخطيئة المفهوم الرّئيس والأساس في الإيمان النّصرانيّ كلّه، إذ إنّ هذا المفهوم يرتبط بجميع العقائد الأخرى: كالكفارة والصّلب والتّثليث والقيامة … وبدون الخطيئة لن يعود للنّصرانيّة مسوغ وجود أصلاً، ويُجمِع الباحثون الموضوعيّون قديمًا وحديثًا، النّصارى والمسلمون واللاّدينيّون، على أنّ مفهوم الخطيئة الأصليّة من الأمور التي لا يقبلها العقل، ولا يُسلّم بها المنطق، وذلك لأسباب عدّة يأتي بيانها بعد حين.
في البداية نتساءل ما هي الخطيئة التي يتحدّث كلّ نصرانيّ وتُروِّج لها كلّ كنيسة؟ إنّ الخطيئة الأصليّة التي لُعن من أجلها جنس البشريّة هي تلك " الغلطة " التي اقترفها آدم، أبو البشريّة قبل آلاف السّنين، عندما كان في الجنّة ومدّ يده إلى شجرة، فقطف ثمرة وأكلها هو و زوجته حوّاء، وكان من المطلوب ألاّ يفعل ذلك، لأنّ الله أباح له الأكل من جميع ثمار الجنّة إلاّ من تلك الشّجرة بعينها، لكن آدم خالف أمر الله فوقع في المحظور وجلب على نفسه وأبنائه اللّعنة والخسارة الأبديّة - على حدّ تعبيرهم - ! !
جاء في العهد القديم: ( وأوصى الربّ الإله آدم قائلاً: من جميع شجر الجنّة تأكل أكلاً، وأمّا شجرة معرفة الخير والشرّ فلا تأكل منها، لأنّك يوم تأكل منها موتًا تموت )( )، هذه هي البداية؛ فالله تعالى خلق آدم، ولم يعطه الحقّ في الأكل من شجرة المعرفة، فكأنما يريد أن يبقيه جاهلاً، وماذا يضرّ الله لو عرف آدم الخير والشرّ ! !؟ والرّواية القرآنيّة لهذه الأحداث لم تذكر نوع الشّجرة وسبب المنع، الذي هو امتحان وليس حسدًا من الله لجنس البشر، كما يُفهم من الرّواية التّوراتيّة !
ورد في الكتاب المقدَّس قصة التهام التفاحة ونيل اللعنة كما يلي (وكانت الحيّة أحْيلَ جميع حيوانات البرّيّة التي عملها الربّ الإله، فقالت للمرأة أحقًّا قال الله لا تأكل من كلّ شجر الجنّة؟، فقالت المرأة للحيّة من ثمر الجنّة نأكل، وأمّا ثمر الشّجرة التي في وسط الجنّة فقال الله لا تأكلا منه، ولا تمسّاه لئلاّ تموتا، فقالت الحيّة للمرأة لن تموتا، بل الله عالم أنّه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما، وتكونان كالله عارفين الخير والشرّ، فرأت المرأة أنّ الشّجرة جيّدة للأكل، وأنّها بهجة للعيون، وأنّ الشّجرة شهيّة للنّظر فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضًا معها فأكل، فانفتحت أعينهما وعلما أنّهما عريانان، فخاطا أوراق تين ووضعا لأنفسهما مآزر، وسمعا صوت الربّ الإله ماشيًا في الجنّة عند هبوب ريح النّهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الربّ الإله في وسط شجر الجنّة، فنادى الإله آدم، وقال له أين أنت! ؟ فقال سمعت صوتك في الجنّة، فخشيت لأنّي عريان فاختبأت، فقال من أعلمك أنّك عريان، هل أكلت من الشّجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها! ؟)( ).
إنّ كاتب هذا السّفر يصوّر الله كأنّه رجل يتجوّل في حديقته، ويحدّث صوتًا بأقدامه التي تدوس التّراب والحشيش، ثمّ ينادي الربّ آدم (آدم .. آدم .. أين أنت ! ؟) و هو سؤال الجاهل بمكان مخلوقه .. ثمّ يسأله مَن أعلمك أنّك عريان، هل أكلت من الشّجرة …؟ أسئلة وأسئلة تدلّ على أنّ الكاتب لهذه الرّواية لا يستطيع أن يتصوّر الله إلاّ بتصوّر البشر الذي يعتريه الجهل والغفلة والحيرة والعي، فلذلك حاك هذه المسرحيّة بأبطالها، لكنّها مسرحيّة فاشلة بجميع مقاييس البشر فضلاً عن مقاييس الإله، ثمّ يستمرّ سفر التّكوين في هذه المشاهد المسرحيّة ! ( فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشّجرة فأكلت، فقال الربّ للمرأة: ما هذا الذي فعلت، فقالت المرأة: الحيّة غرّتني فأكلت)( )، والحمد للّه أنّ القصّة كما جاءت في القرآن لم تذكر البادئ بالأكل أهو المرأة أم الرّجل بعكس الرّوايتين التّوراتيّة والإنجيليّة، فقد ذهبتا إلى حدّ الحطّ من المرأة وجعلها منشأ شقاء البشريّة وسبب غواية آدم.
جاء في الإنجيل في رسالة بولس الأولى لتيموثاوس ( وعلى المرأة أن تتعلّم بصمت وخضوع تامّ، ولا أجيز للمرأة أن تُعلِّم ولا أن تتسلّط على الرّجل، بل عليها أن تلزم الهدوء، لأنّ آدم خلقه الله أوّلاً ثمّ حوّاء وما أغوى الشّريرُ آدمَ، بل أغوى المرأة فوقعت في المعصية …)( )، والذي يقرأ عن مكانة المرأة في الكتاب المقدّس، وفي كتابات قساوسة النّصارى يرى مدى الاحتقار والحيف الذي تعرّضت له المرأة بسبب تلك التّهمة؛ فقد وصف العهد القديم المرأة [ بأنّها أمَرُّ من الموت ]، ويقول قدّيس النّصارى ترتوليان: » إنّ المرأة مدخل الشّيطان إلى نفس الإنسان، ناقِضة لنواميس الله، مشوّهة لصورة الله«، وقال القدّيس سوستام: » إنّها شرّ لا بدّ منه، آفة مرغوب فيها، وخطر على الأسرة والبيت، ومحبوبة فتّاكة، ومصيبة مطلية مسموم«، وأعلن البابا أينوسنتوس الثّامن » إنّ الكائن البشريّ والمرأة يبدوان نقيضين عـنيدين «.
وأكبر دليل على تخبّط النّصارى في تقييم المرأة هو عقد مؤتمر ماكون في القرن الخامس الميلادي، الذي بحث موضوع "هل المرأة مجرّد جسم لا روح فيه أم لها روح ! ؟ "، ومؤتمر فرنسا في القرن السّادس الذي بحث موضوع " هل المرأة إنسان أم غير إنسان !؟ "، وقد سبق جميع القدّيسين في احتقار المرأة القدّيس بولس صاحب الرّسائل التي أُدخلت في الإنجيل، والذي أزرى بالمرأة أيّما زراية، فجعلها بسبب الخطيئة مخلوقًا من الدّرجة الثّانية أو الثّالثة!
ونعود إلى الخطيئة، فإذا كان النبيّ محمّد  يقول: » إنّ العلماء ورثة الأنبياء وإنّ الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنّما ورٌثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر « وإذا كان النّاس يرون أنّهم يرثون عن آبائهم وأجدادهم الأموال والثّروات والعقارات … فإنّ النّصارى ترى أنّ آدم أورث أبناءه وأحفاده ذنوبه وآثامه التي اقترفها في الجنّة، ولا سيّما الخطيئة العظيمة، عندما أكل من الشّجرة الممنوعة ! !.
إنّ منطق الكنيسة يقول: إنّ البشريّة كلّها تلوّثت بدنس الخطيئة، وبفعل ناموس العدل استحقّت الهلاك الأبديّ والطّرد من الرّحمة الإلهيّة، وانتُزعت منها إرادة فعل الخير ! فقد جاء في العهد الجديد (بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت، وهكذا اجتاز الموتُ إلى جميع النّاس إذ أخطأ الجميع)( ).
أيّها القارئ لو كان أبي سارقًا فهل من العدل أن تحكم عليّ محكمة أرضيّة بأنّي مذنب لمجرّد كوني ابنا لأب سارق!؟ ويبدو أنّ المحكمة الإلهيّة عند النّصارى لها معايير قضائيّة أخرى، فهي تجعل بلايين البشر مذنبين بسبب ذنب لم يقترفوه ولم يعلموا عنه شيئًا، فهل المحاكم الأرضيّة أرحم و ألطف من المحاكم السّماويّة !؟
ويصرّ رجال الكنيسة على هذا المنطق المقلوب، ويستميتون دفاعًا عنه، وفي هذا الصّدد يقول جان كالفين، زعيم البروتستانتيّة: » حينما يقال إنّنا استحققنا العقاب الإلهيّ من أجل خطيئة آدم، فليس يعني ذلك أنّنا بدورنا كنّا معصومين أبرياء، وقد حملنا – ظلمًا – ذنب آدم .. الحقيقة أنّنا لم نتوارث من آدم " العقاب " فقط، بل الحقّ أنّ وباء الخطيئة مستقرّ في أعماقنا، تلك الخطيئة التي تعدت إلينا من آدم، والتي من أجلها قد استحققنا العقاب على سبيل الإنصاف الكامل، وكذلك الطّفل الرّضيع تضعه أمّه مستحقًّا للعقاب، وهذا العقاب يرجع إلى ذنبه هو، وليس من ذنب أحدٍ غيره«.
ويقول سانت أغسطين: » وكان الواقع أنّ جميع أفراد الإنسان الذين تلوّثوا بالخطيئة الأصليّة، إنّما وُلدوا من آدم و تلك المرأة التي أوقعت آدم في الخطيئة والتي شاركت آدم نيْل العقاب«، ويصرّح الإنجيل في عدّة آيات (بالخطيئة حَملت بنا أمّهاتنا)، وتنتقل الخطيئة عبر الرّوح من الأجداد إلى الأحفاد، كما يقرّر ذلك القدّيس توماس الإكويني حين يقول: » ومثل ذلك أنّ الذنب في الواقع تقترفه الرّوح، ولكنّه بالتّالي ينتقل إلى أعضاء وجوارح في الجسم «.
وكأنّ كاتب الآيات التي تحمِّل الإنسانيّة ذنب أبيها آدم نسي الفصول التي كتبها من مسرحيّته، والتي تناقض تمامًا العقاب الجماعيّ للمذنبين وغير المذنبين، وكذلك يتناسى قساوسة النّصرانيّة تلك الآيات العديدة في العهدين القديم والجديد، التي تحكم على عقيدة وراثة الخطيئة بالبطلان والفساد .. وتعالوا ننظر سويًّا في بعض تلك الآيات التي وردت في أسفار العهد القديم ومنها: ( لا يُقتل الأباء عن الأولاد، ولا يُقتل الأولاد عن الآباء، كلّ إنسان بخطيئته يُقتل )( )، فهل هذه الآية من سفر التّثنية منسوخة أم ملغاة!؟ وماذا يقول رجال الكنيسة في قول العهد القديم (.. وأنتم تقولون لماذا لا يحمل الابن من إثم الأب، أمّا الابن فقد فعل حقًّا وعدلاً وحفظ جميع فرائضي وعمل بها فحياة يحيا، النّفس التي تخطئ هي تموت، الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحـمل من إثم الابن، بـرُّ البار عليه يكون وشرُّ الشرّير عليه يـكون )( ).
وهذه الآية من سفر حزقيال هل هي من الأسفار غير القانونيّة "الأبوكريفا " أم من الأناجيل التي لا تعترف بها المجاميع المسكونيّة!؟ فلماذا تتجاهلونها !؟ ثمّ هل من العدل أن يعاقب البريء بجريرة المذنب، كيف يعاقب من لم يرتكب ذنبًا؟ إنّ قوانين العقل والمنطق وجميع الأديان السّماويّة والوضعيّة تأخذ بمبدأ [ كلّ فرد بريء حتّى تثبت إدانته ]، فلماذا خالفت النّصرانيّة هذا المبدأ وضربت به عرض الحائط، وجعلت البشريّة كلّها مذنبة حتّى تُثبِت براءتها !!؟ وأين قول الكتاب المقدّس (فتقدّم إبراهيم وقال: أفتُهلك البارّ مع الأثيم؟، عسى أن يكون خمسون بارًّا في المدينة، أفتُهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين بارًّا الذين فيه؟، حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر، أن تميت البارّ مع الأثيم فيكون البارّ كالأثيم، حاشا لك، أديّان كلّ الأرض لا يصنع عدلاً !؟ فقال الربّ: إن وجدتُ في سدوم خمسين بارًّا في المدينة فإنّي أصفح عن المكان كلّه من أجلهم)( )، وأين قوله (في تلك الأيّام لا يقولون بعدُ الآباء أكلوا حصرمًا وأسنان الأبناء ضرست، بل كلّ واحد يموت بذنبه، كلّ إنسان يأكل الحصرم تضرّس أسنانه)( )، وقوله (سيجازي كلّ واحد حسب أعماله)( ).
وبعد صفحات سنرى أنّ الله نفسه – في زعم النّصارى – أضاف إلى هذه المحاكمة الجائرة ظلمًا آخر حين أراد التخلّص من الخطيئة بصلب إنسان بريء، وتعذيبه أشدّ العذاب على يد اليهود والرّومان، إنّ منهج القرآن الكريم يختلف جذريًّا عن هذا الظّلم الشّديد الذي وقع على الإنسان واقرأوا إن شئتم آيات الله تعالى في القرآن:  لا يجزي والدٌ عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا  لقمان 33.
من عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربّك بظلاّم للعبيد  فصّلت 46.
 ألاّ تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى  النّجم 38.
فأيّ هذه الآيات هي أقرب إلى العقل، والمنطق، أهذه التي تحمِّل الفرد وحده مسؤوليّة أفعاله الخيّرة والشرّيرة، أم تلك الآيات الإنجيليّة المقدّسة، التي تجعل الجنين والرّضيع مجرمين ملعونين هالكين مطرودين من ملكوت السّموات … !
وثمّة مسألة أخرى هامّة تعصف بمفهوم الخطيئة، وهي أنّ الله عاقب البشريّة عقوبات عديدة شديدة لم يكن من العدل بعدها لعن الجنس البشريّ، ونزع إرادته على فعل الخير، ولم تكن هناك حاجة للتّكفير عن الخطيئة الأصليّة بصلب المسيح..
جاء في سفر التّكوين (وقال الربُّ الإله للحيّة لأنّك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرّيّة، على بطنك تسعين وترابًا تأكلين كلّ أيّام حياتك، وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلها، هو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه، وقال للمرأة تكثيرًا أُكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادًا( ) وإلى رجُلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك، وقال لآدم لأنّك سمعت لقول امرأتك وأكلت من الشّجرة التي أوصيتك قائلاً لا تأكل منها، ملعونة الأرض بسببك، بالتّعب تأكل منها كلّ أيّام حياتك، وشوكًا وحَسَكًا تُنبت لك وتأكل عشب الحقل، بعرق وجهك تأكل خبزًا حتّى تعود إلى الأرض التي أخذت منها، لأنّك من تراب وإلى تراب تعود)( ).
فسبحان الله من هذا الإله !كيف يعاقب بكلّ هذه العقوبات القاسية المتتالية؛ عقوبات خاصّة بالحيّة وبالمرأة وبالرّجل، ثمّ لم يكتف بذلك فلعن الأرض كذلك، ولا أدري ما ذنبها! ثمّ واصل سلسلة العقوبات بطرد الإنسان من الجنّة خوفًا من أن يأكل من شجرة الخلد فيبقى هنالك في ملكوته ! يقول سفر التّكوين: (وقال الربّ الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحدٍ منّا عارفًا الخير والشرّ، والآن لعلّه يمدّ يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضًا، ويأكل ويحيا إلى الأبد، فأخرجه الربّ الإله من جنّة عدن ليعمل الأرض التي أُخذ منها، فطرد الإنسان وأقام شرقي جنّة عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلّب لحراسة طريق شجرة الحياة)( ).
أليست كلّ هذه العقوبات كافية لتحقيق ناموس العدل!؟ فهل من العدل أن يُضيف إلى تلك القائمة الطّويلة عقوبة الخطيئة المميتة !؟
إنّ هذا المنطق الغريب الذي يصوّر الله بهذا الحقد والجبروت هو الذي دفع أحد الغربيّين إلى السّخريّة بقوله: » إنّ الله أنانيّ وقاس جدًّا، فلقد لعن البشريّة كلّها وطردها من رحمته، وحكم عليها بالشّقاء المؤبّد لمجرّد أنّ فردًا واحدًا منها تجرّأ على أكل تُفّاحة من حديقته ! «.
وثمّة ملاحظات أخرى وأخرى فقوله: ( لعلّه يمدّ يده ..) دليل على عدم تأكّد الله من أنّ آدم سيفعل ذلك أصلاً، لكنّه هذه المرّة لم يشأ أن يراهن كما فعل مع شجرة المعرفة؛ لذلك أخذ التّدابير والاحتياطات اللاّزمة لقطع الطّريق على آدم حتّى لا يصل إلى شجرة الخلد !، إنّ الله تعلّم درسًا في السّابق فلا يريد أن يُلدغ من جحر مرّتين، فطرد آدم من الجنّة حماية لمكتسباته لئلاّ يتطلّع إلى الأكل من شجرة الخلد في غفلة من الله – ! جلّ شأنه وتعالى عمّا يقولون – فيصبح آدم كالله تمامًا !
إنّ هذه الاستنتاجات نوردها إلزامًا فقط، وليس اعتقادًا منّا بها، والقارئ العاديّ لهذه الأسفار يشمّ رائحة كاتب يهوديّ عاجز عن تصوّر الذّات الإلهيّة بصفاتها العليا المنزّهة عن مشابهة الخلق، فتراه يصف ويصوّر الله كأنّه إنسان يحسد آدم، ويتحرّك بموجب غريزة التملّك والبقاء والسّيطرة ليحيك المؤامرات خشية على ذهاب عرشه ومصالحه الشّخصيّة المهدّدة بظهور منافس محتمل، وأتساءل: ما هي الحكمة من خلق شجرة الحياة هذه! هل لمجرّد استمتاع الله برؤيتها عند تجوّله في حديقته!؟
إنّ أهمّ أساس في الإيمان النّصرانيّ هو الخطيئة الأصليّة، وإنّ اعتقادًا كهذا يجرّنا إلى سلسلة طويلة من التّساؤلات، يقول سفر التّكوين: إنّ الحيّة هي التي أغوت المرأة والرّجل، فلماذا لم يكتف الله بمعاقبة الحيّة وقد كانت الرّأس المدبّر للجريمة والسّبب في جميع ذنوب بني آدم !؟
لماذا لم يتكلّم الأنبياء والرّسل الذين ذُكروا في التّوراة والعهد القديم عن هذه العقيدة "الخطيئة " !؟ لماذا لم يُشر إليها نوح، إبراهيم، إسحاق، يعقوب، داود .. بل حتّى موسى أعظم نبيّ في بني إسرائيل لم يُلمِّح إلى الخطيئة من قريب ولا من بعيد، كيف يمكن لأنبياء عظماء مثل هؤلاء أن يتجاهلوا هذه العقيدة؟ هل كانوا جاهلين بها؟ وهي أخطر عقيدة في الملكوت، هل كتموا خبرها عن النّاس وأبقوها سرًّا بينهم؟ لماذا لم يرفعوا أيديهم إلى السّماء ليدعوا ويتوسّلوا إلى الله ليرفعها عن الإنسانيّة؟ أتعرف لماذا لم يفعلوا ذلك؟ لأنّهم ببساطة لم يكونوا يؤمنون بوجود خطيئة ما، بل كانوا يؤمنون بقول الكتاب المقدّس (برُّ البارّ عليه يكون وشرّ الشرّير عليه يكون)( ).
ثمّ هل كان هؤلاء الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وداود وسليمان .. أجداد المسيح خطاة ومدنّسين بالخطيئة الأصليّة التي ارتكبها أبوهم آدم؟ فإذا كانوا كذلك لماذا اختارهم الله لهداية البشر، وهم لا يختلفون عن غيرهم لكونهم منغمسين في الخطيئة كباقي أفراد جنسهم؟، لماذا كان "يهو" jeovah وهو الله في العهد القديم – راضيًا عن أنبيائه؛ فكان يدعو بعضهم بالرّجل البارّ، ورجل الله، والصّالح، يقول الكتاب المقدّس (كان نوح رجلاً بارًّا كاملاً في أجياله وسار نوح مع الله)( )، (وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأنّ الله أخذه)( )، بل إنّ العهد الجديد يجزم بأنّ أولئك الأنبياء الذين سبقوا المسيح كانوا كاملين في إيمانهم، ولم يكونوا خطاة، ولم تكن تنقصهم عقائد التّثليث والفداء والكفّارة، جاء في رسالة يعقوب في العهد الجديد (أنظر إلى أبينا إبراهيم أما برره الله بالأعمال، حين قدّم ابنه إسحاق على المذبح، فأنت ترى أنّ إيمانه وافق أعماله فصار إيمانه كاملاً بالأعمال، فتمّ قول الكتاب آمن إبراهيم بالله فبرّره الله لإيمانه ودُعي خليل الله)( ).
كيف وُفّق الأنبياء إلى فعل الخير وجميع الطّوائف النّصرانيّة ترى بموجب الخطيئة أنّ الله نزع من بني الإنسان إرادة فعل الخير، وإنّ ما يعمله الإنسان هو شرّ، وذلك رغم اعتراف المسيح بوجود أبرار على الأرض، فعندما لام أناس المسيح على دعوته الأشرار والخطاة، ردّ المسيح عليهم قائلاً: (لأنّي لم آت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التّوبة)( ).
وأخيرًا لماذا كتم الله سرّ الخطيئة فلم يبده لعباده إلاّ بعد قصّة صلب المسيح، إنّ المدّة الزّمنيّة التي تفصل بين آدم والمسيح ليست بالقصيرة، فأين كان مفهوم الخطيئة خلال تلك القرون الطّويلة؟.
يقول عبد الأحد داود – رأس الكنيسة الكلدانية وقد أسلم – في كتابه (الإنجيل والصّليب): » إنّ من العجب أن يعتقد المسيحيّون أنّ هذا السرّ اللاّهوتيّ، وهو خطيئة آدم وغضب الله على الجنس البشريّ بسببها ظلّ مكتومًا عن كلّ الأنبياء السّابقين، ولم تكتشفه إلاّ الكنيسة بعد حادثة الصّلب« ويقرّر الكاتب أنّ هذه المسألة هي من المسائل التي حملته على ترك النّصرانيّة واعتناق الإسلام لأنّها أمرته بما لا يستسيغه عقله.
ومن أغرب العجائب أنّ أسفار العهد القديم لم تدع جزئيّة من الجزئيّات التّافهة كأعداد قبائل بني إسرائيل وأسمائهم، وطول وعرض ووزن الأشياء في أسفار اللاوين والتثنية والعدد، وأكاذيب زنا داود بحليلة جاره، وزواج سليمان بـ 1000 امرأة، وزنا لوط بابنتيه !.. كلّ هذه التّفاصيل سُردت في أكثر من 1200 صفحة بتفصيل مملّ، ومقزز يدعو للغثيان؛ في حين أنّ الخطيئة التي هي أهمّ عقائد النّصرانيّة على الإطلاق لا تجد لها مكانًا بين ذلك الرّكام لا تلميحًا ولا تصريحًا!
أليس هذا الأمر محيّرًا ؟ بلى.
أليس هذا الأمر غير معقول ؟، بلى.
إنّ أكثر التّحليلات العلميّة للدّيانة النّصرانيّة تُرجع منبت هذه العقائد المنحرفة عن العقل والدّين "كالخطيئة " إلى الجهود المشبوهة التي قام بها أعداء التّوحيد في تدمير الدّين وتحريفه، وعلى رأس أولئك جميعًا بولس "شاؤول " الذي يعتقد النّصارى أنّه رسول المسيح، لقد لعب بولس دورًا خطيرًا في الهدم من الدّاخل، كان يصعب – إنّ لم يكن من المستحيل – فعله من الخارج، ولقد كان ذكيًّا – بل خبيثًا – عندما لم يخترع ديانة جديدة من عنده، إنّما عمد إلى عقائد فاسدة كانت موجودة في أديان الوثنيّين " البوذيّة، البراهميّة، المتراسيّة، المصريّة القديمة، وفلسفة الإغريق والرّومان ..الخ " فأخذ من هنا وهناك أشياء كانت شائعة في ذلك الزّمان، ثمّ ألصقها بالدّيانة النّصرانيّة الجديدة في غفلة من أهل العلم، وقد تزامن ذلك مع حملة اليهود والرّومان الشّرسة على الحواريّين وتلاميذ المسيح، فضاع الحقّ وأخذ مكانه الباطل المزخرف، الذي دعّمته فيما بعد سلطة الدّولة الرّومانيّة لما تنصرت.
وبخصوص الخطيئة يذكر علماء تاريخ الأديان وجود فكرة الخطيئة في أكثر الأديان الوثنيّة التي سبقت النّصرانيّة، يقول م. ويليام في كتابه (الهندوسيّة): »يعتقد الهنود الوثنيّون بالخطيئة الأصليّة، وممّا يدلّ على ذلك ما جاء في تضرّعاتهم التي يتوسّلون بها بعد "الكياتري" وهي: إنّي مذنب، ومرتكب للخطيئة، وطبيعتي شرّيرة، وحملتني أمّي بالإثم، فخلّصني يا ذا العين الحندقوقيّة، يا مخلّص الخاطئين يا مزيل الآثام والذّنوب«، ويقول هوك في كتابه (رحلة هوك): »يعتقد الهنود الوثنيّون بتجسّد أحد الآلهة وتقديم نفسه ذبيحة فداء عن النّاس والخطيئة« ويقول »ومن الألقاب التي يُدعى بها كرشنا: الغافر من الخطايا، والمخلص من أفعى الموت«.
وختامًا فإنّ الإيمان بالخطيئة ولّد عند الإنسانيّة كثيرًا من الآلام، والعقد النّفسيّة، يحدّثنا عن بعضها، كاتب نصرانيّ ما يزال على نصرانيّته ألّف كتابًا بعنوان (محمّد الرّسالة والرّسول) أنصف فيه الإسلام ونبيّه  وانتقد بشدّة فكرة الخطيئة والعقائد النّصرانيّة.
يقول الدّكتور نظمي لوقا: » وإنّ أنسى لا أنسى ما ركبني صغيرًا من الفزع والهول من جرّاء تلك الخطيئة الأولى، وما سيقت فيه من سياق مروّع، يقترن بوصف جهنّم، ذلك الوصف المثير لمخيّلة الأطفال، وكيف تتجدّد فيها الجلود كلّما أكلتها النّيران، جزاء وفاقًا على خطيئة آدم بإيعاز من حوّاء، وأنّه لولا النّجاة على يد المسيح الذي فدى البشر بدمه الطّهور، لكان مصير البشريّة كلّها الهلاك المبين، وإن أنسى لا أنسى القلق الذي ساورني وشغل خاطري عن ملايين البشر قبل المسيح أين هم؟ وما ذنبهم حتّى يهلكوا بغير فرصة للنّجاة ؟ فكان لا بدّ من عقيدة ترفع عن كاهل البشر هذه اللّعنة، وتطمئنهم إلى العدالة التي لا تأخذ البريء بالمجرم، أو تزر الولد بوزر الوالد، وتجعل للبشريّة كرامة مصونة، ويحسم القرآن( ) هذا الأمر، حيث يتعرّض لقصّة آدم، وما يُروى فيها من أكل الثّمرة؛ فيقول  وعصى آدم ربَّه فغوى، ثمّ اجتباه ربُّه فتاب عليه وهدى  طه 121 – 122… والحقُّ أنّه لا يمكن أن يقدِّر قيمة عقيدة خالية من الخطيئة الأولى الموروثة إلاّ من نشأ في ظلّ تلك الفكرة القاتمة التي تصبغ بصبغة الخجل والتأثّم كلّ أفعال المرء، فيمضي في حياته مضيّ المريب المتردّد، ولا يُقبِل عليها إقبال الواثق بسبب ما أنقض ظهره من الوزر الموروث.
إنّ تلك الفكرة القاسية – الخطيئة الأولى وفداءها – تُسمّم ينابيع الحياة كلّها، ورفعُها عن كاهل الإنسان منّة عظمى، بمثابة نفخ نسمة حياة جديدة فيه، بل هو ولادة جديدة حقًّا، وردٌّ اعتبار لا شكّ فيه، إنّه تمزيق صحيفة السّوابق، ووضع زمام كلّ إنسان بيد نفسه«.
قطعت جهيزة قول كلّ خطيب، يعجبني الإنصاف من أمثال الدّكتور نظمي لوقا، وهو المتبحّر في دراسة الإنجيل والكتب السّماويّة، وأين هو ممّن ادّعوا اعتناق النّصرانيّة في بعض البلاد الإسلاميّة – كبعض البربر مثلاً عندنا في الجزائر – الذين ناقشت بعضهم فوجدتهم لم يقرأوا شيئًا عن الإنجيل ولا يعرفون نصوص الكتاب المقدّس، وعند التّحقيق اكتشفت أنّ اعتناق النّصرانيّة عند أكثرهم – إن لم أقل كلّهم – كان مطيّة للحصول على تأشيرات سفر إلى أوروبا وأموال وامتيازات أخرى من جمعيّات وهيئات وسفارات غربيّة مشبوهة !!

الفــــداء والكفّــــارة

ترتبط عقيدة الكفارة بعقيدة الخطيئة ارتباط اليد بالمعصم، فالمقصود بالكفارة هو رفع الخطيئة الأصليّة وتكفيرها عن كاهل البشريّة لإنقاذها من الموت الأبديّ، الذي أصابها جرّاء أكل آدم من الشّجرة.. ويُعتبر علماء الأديان قاطبة أنّ الكفّارة أُسّ الدّين النّصرانيّ، ومركز الدّائرة ونقطة التقاء جميع العقائد النّصرانيّة الأخرى، فهي ذات علاقة بالخطيئة من حيث إنّ هذه الأخيرة سبب لها وذات علاقة بالتجسّد والصّلب والقيامة .. من حيث كون هذه العقائد نتيجة حتميّة للكفّارة، وهي في الواقع أكثر تعقيدًا والتواءً، الأمر الذي أضنى الدّارسين والباحثين في أعماقها، وأحرج الكنيسة ورجالها، وأعجزهم عن الإجابة عن التّساؤلات العديدة حولها، لذا تراهم يأمرون أتباعهم بالإيمان بها دون البحث في جوهرها و ماهيّتها.

كيف نشأت فكرة الكفّارة ؟
نشأت هذه الفكرة بعد نزاع مرير بين صفتين من صفات الله تعالى، وهما صفة العدل وصفة الرّحمة، فإذا عدنا إلى الوراء قليلاً نجد أنّ الله حذّر آدم من الأكل من الشّجرة بقوله: (يوم تأكل منها موتًا تموت)( )، فهذا الحكم بالإعدام – على آدم وذرّيته – نافذ وغير قابل للاستئناف أو الطّعن أو التّخفيف؛ لأنّ مقتضى العدل عند الله أن ينفّذ وعده بمعاقبة المسيء بالموت، وقانون العدل الإلهيّ يُلزم الله بعدم التّساهل والتّراخي في تطبيق العقوبة.
وحتّى لا يوصف الله بالجور وعدم الإنصاف أو بالإخلال بقانون العدل بدأ بتنفيذ سلسلة العقوبات التي ذكرناها سابقًا، وكان آخرها طرد الإنسان من الجنّة والحكم عليه باللّعنة وإلصاق الخطــيئة برقبته إلى الأبد – وفي زعم النّصارى – يكون الله قد حقّق العدل بهذه الخطوات !!
واستمرّ الوضع على ما هو عليه دهرًا، وفجأة ظهرت صفة أخرى من صفات الله، وهي الرّحمة، فراودت الله على غفران خطيئة الإنسان؛ لأنّ من رحمة الله بالنّاس ومحبّته لهم ألاّ يتركهم على هذه الحالة التّعيسة؛ فكان على الله بمقتضى هذه الصّفة أن يعفو عن البشر ويغفر لهم ويرفع عنهم اللّعنة والشّقاء !
إنّ هذا المنطق الكنسيّ يبرز الله حائرًا بين صفتين من صفاته، أيّهما يغلب على الأخرى؟، فكلّما أراد الإماتة واللّعنة بمقتضى العدل عاقته الرّحمة، وكلّما أراد رحمة خلقه والمغفرة لهم وقفت صفة العدل بالمرصاد !إنّه خيار صعب بين طرفين أحلاهما مرّ، فإلى ماذا سيؤول نزاع الصّفتين وكيف يوفّق الله بينهما لحلّ المشكلة التي أوقع نفسه فيها وتورّط في براثنها ؟!( ) ولا ندري كيف يمتلك رجال الكنيسة الجرأة بمنطقهم هذا ليلزموا الله بإلزامات كهذه !فكان لزامًا – إذن – على الله أن يصل إلى حلّ وسط ينال بموجبه العدل حقّه وتأخذ الرّحمة مكانها، فما السّبيل لذلك الحلّ السّحريّ ؟
وبما أنّنا، الآن، نكتب بمنطق النّصارى فلنترك أكبر ممثّل للفكر النّصرانيّ بولس "شاؤول" يبيّن لنا السّبيل لحلّ أزمة "العدل والرّحمة"، ولا سيّما أنّ بولس أكبر مدافع عن عقيدة الكفّارة، إن لم يكن هو مخترعها، يقول في العهد الجديد: (لا يوجد مغفرة بدون سفك دم)( )، ويبدو أنّ بولس ما يزال متأثّرًا بيهوديّته؛ إذ إنّ الإله "يهو" في العهد القديم كان مغرمًا بدم القرابين، فلم يكن يرضى عن بني إسرائيل إلاّ حين يشمّ رائحة مشاوي ودم الذّبائح التي يقدّمها كهنة اليهود، حين يسترضون ربّهم عند غضبه بذبيحة ليغفر لهم موبقاتهم.
كذلك كانت عقيدة سفك الدّم من أجل المغفرة والخلاص سائدة في العديد من الدّيانات الوثنيّة القديمة، لدى المصريّين والبوذيّين والإغريق والهنود.. فقد كانت تلك الأقوام تدفع للمذابح الرّجال والنّساء والأطفال والحيوانات بل والآلهة وأبناء الآلهة قربانًا إلى الله، فركِب بولس الموجة وسار مع التيار فاستعار الفكرة، أو قل سرقها وطبّقها على النّصرانيّة، ونسبها إلى تعاليم المسيح فأضلّ بها خلقًا عظيمًا إلى أيّامنا هذه، وسنعود بعد صفحات إلى شهادات علماء الأديان لنطّلع على عقيدة الكفّارة والفداء في الوثنيّة التي سبقت مولد المسيح بآلاف السّنين.
لا بدّ من سفك دم!! ولكن ما هو حجم الذّبائح التي يقبلها الله لفداء البشر، كم مترًا مكعّبًا من الدّماء تكفي لغسل خطيئة الأكل من تفّاحة الجنّة، من يتبرّع ليكون فاديًا، وما نوع الذّبيحة المناسبة !؟، أيكون حيوانًا؟( )؛ لا يقدر حيوان على فداء إنسان لفرق القيمة، أو ملَكًا؟؛ الملائكة لم تشارك في الخطيئة وربّما لا تملك دمًا، أو إنسانًا؟، كلّ النّاس تدنّسوا بالخطيئة، ولا يصلح أن يكون فاديًا إلاّ طاهرٌ، أو إلها؟؛ أغلق بولس جميع منافذ الفداء إلاّ هذا المنفذ، فالفادي يجب أن يكون طاهرًا ولا طاهر إلاّ الله، إذن الفادي هو الله لا غيره ! !وكيف يكون الله فدية، هل ينتحر أو يزهق روحه أو يتركها تقتل على أيدٍ، أيًّا كانت، فيبقى العالم بدون إله!؟
دبّر الله حيلة التجسّد – وهو اختراع آخر لبولس – والتجسّد متاهة لا يُعرف لها مدخل من مخرج، سنحاول إلقاء بعض الضّوء عليها بعد قليل، وإن كان كلّ ضوء الدّنيا لا يقدر على إنارة ظلمتها، فقد خرج بولس بلازمة أنّ حلّ أزمة الخطيئة لا يتحقّق إلاّ أن يفدي اللّه بنفسه البشريّة، لأنّه طاهر من الخطيئة الأصليّة، و ذلك قادر على التجسّد، بأخذ جسم إنسان، حتّى ينوب عن الإنسان المخطئ، ومفاد "حيلة" التجسّد أنّ الله نزل من عليائه حاملاً معه صفات الألوهيّة، ثمّ دخل رحم العذراء مريم ومكث هناك تسعة أشهر كما يمكث أيّ جنين في بطن أمّه، ثمّ خرج إلى الوجود بالولادة عن الطّريق المعهود، فاختلط الإله المولود بدم الحيض والنّفاس، واستقبلته الأيدي ووضعته في القماط، وناولته أمّه ثديها ترضعه وتعطف عليه عطف الأمّ على ولدها.
لقد أصبح الإله إنسانًا وصار واحدًا منّا، فهو إله كامل وإنسان كامل، وتتّفق جميع الطّوائف النّصرانيّة على هذه العقيدة، وقد وردت في قانون الإيمان كالآتي: [.. الذي لأجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السّماء وتجسّد من الرّوح القدس ومن مريم العذراء، وتأنّس وصُلِب عنّا على عهد بيلاطس البنطي..].
وسنشفق على القارئ فلا ندخله في صراعات الطّوائف النّصرانيّة التي دارت حول طبيعة المولود، هل هو الأب أم ابنه أم الثّالوث؟، هل ولدت مريم الله أم المسيح؟ هل المولود هو اللاّهوت أم النّاسوت.. إلخ !؟
وسنشير إلى بعض ذلك فيما بعد، ولا ننصح أحدًا بالبحث فيها؛ لأنّه حينها تفنى الأعمار ولا يخرج المرء بنتيجة تذكر، اللهمّ إلاّ الشكّ والحيرة وربّما الإعاقة النّفسيّة والعقليّة والوقاية خير من العلاج فتنبّه !
كبُر المولود الذي دعي المسيح، وتقدّم في السنّ، وبدأ بدعوته بين اليهود في فلسطين، وكانت دعوته كلّها تنصبّ على عبادة الله وحده لا شريك له، والاستمساك بالتّوراة الموسويّة ، ولم يذكر المسيح في حياته نصًّا عن الخطيئة أو الكفّارة أو الصّلب أو الثّالوث، فتلك عقائد طبخها بولس والقساوسة بعد رفع المسيح .. واستمرّ المسيح يدعو إلى تطبيق شريعة العهد القديم، وكان هو نفسه يعمل بمقتضاها ويسير على هداها؛ قال المسيح: (لا تظنّوا أنّي جئت لأبطل الشّريعة وتعاليم الأنبياء، ما جئت لأبطل بل لأكمل)( )، لكن اليهود خافوا على مصالحهم ومكتسباتهم بعد أن هدّدهم المسيح وفضحهم على رؤوس الأشهاد، فتآمروا وخطّطوا فأُلقي القبض عليه، فحاكموه وأهانوه، ثمّ قدّموه إلى الصّليب فصلبوه – حسب الأناجيل – وبعدما صُلب زعم النّصارى أنّ صلبه كان تكفيرًا وفداء لخطيئة آدم و تخليصًا للبشريّة من اللّعنة التي أصابتها منذ فجر التّاريخ، ويجمــع النّصارى – على اختلاف مللهم ونحلهم – على أنّ المسيح صلب من أجل خطايا البشر بإرادته وطواعيته، وبموته رُفعت الخطيئة الأبديّة واسترجع الإنسان حرّيته، وغفرت لبني آدم جميع زلاّتهم وسيّئاتهم، واستحقّ المسيح أن يلقّب بالمخلّص لأنّه خلّص البشر من عبوديّة الشّيطان.
وأكثر الآيات الإنجيليّة التي تقرّر عقيدة الكفّارة والفداء توجد في الرّسائل الأربع عشرة لبولس، الذي كان متحمّسًا تحمّسًا مريبًا لهذه الفكرة، حتّى إنّه لم يكن مستعدًّا لقبول فكرة أخرى غيرها إلاّ تلك، يقول بولس (إنّي لم أعزم أن أعرف شيئًا بينكم إلاّ يسوع المسيح وإيّاه مصلوبًا)( )، ويقول بولس مروّجًا سلعة الفداء (المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب)( )، ولا أدري ما هي الكتب التي يقصدها بولس !؟، وللملاحظة فكثيرًا ما نجد في العهد الجديد إحالات مبهمة كهذه دون ذكر الكتب بأسمائها وأسفارها، لتعويم القارئ وإيهامه بصدق الإحالة دون إعطائه فرصة الاطّلاع عليها، وقد اكتشف العديد من الباحثين عدم صدق الكثير من تلك الإحالات فتنبّه، ويقول بولس: (الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا)( )، وجاء في رؤيا يوحنا (الذي أحبّنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه)( ).
أمّا أشهر آية إنجيليّة في هذا الباب والتي يفتخر رعاة الكنائس بترديدها في كلّ صلاة وقدّاس فهي (هكذا أحبّ الله العالم حتّى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة)( )، إنّ الكنيسة برجالها وأناجيلها تقرّر أنّ المسيح وُلد ليموت ونزل من السّماء ليُقتل، إنّه عطيّة الله للنّاس، لم يأت المسيح ليعيش بل جاء ليموت عن آخرين، أرسل الله المسيح ليغسل بدمه خطيئة آدم، وبذلك يمحو جميع الخطايا التي ورثناها بفعل الخطيئة الأصليّة، ويفهم من عقيدة النّصارى أنّ المسيح حضر إلى الأرض لأداء مهمّة "الانتحار" على يد اليهود والرّومان !
وقد يُصدّق بعض من لا يقرأ الأناجيل بتلك المسرحيّة المحبوكة، لكن من يتمعّن قليلاً في نصوص العهد الجديد يستغرب أشدّ الاستغراب من استماتة المسيح في الدّفاع عن نفسه، ورفضه للموت وحرصه على البقاء حيًّا، وليس من العجب أن نراه يقوم بجميع المحاولات للنّجاة بنفسه من أعدائه، لقد كان المسيح إنسانًا يحبّ الحياة، لقد جاء ليعيش، وهذا حقّه الطّبيعيّ، على الرّغم من المحاولات الفاشلة للأناجيل وشرّاحها الذين أرادوا إجبار المسيح على الموت رغم أنفه، ونرى أنّ رجال الكنيسة إذا أرادوا إقناع النّاس بقصّة الفداء يستدلّون بأقوال المسيح في التّنبّؤ بآلامه ومنها قوله (.. كيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أن يتألّم كثيرًا ويُرذل)( ).
وقوله: (كذلك ابن الإنسان أيضًا سوف يتألّم منهم)( ) فهل هذه أدلّة يُركن إليها وأين الفداء و الخلاص و الصّلب من هذه الأقوال…؟، إنّ ما فعله المسيح بأقواله هذه هو تحضير أصحابه إلى الآلام التي يعانيها كلّ صاحب دعوة، فالطّريق وعرة ومحفوفة بالمخاطر، ومنهج الأنبياء مليء بالعقبات والأشواك، وقد أصابت تلك الاضطهادات المؤلمة الدّعاة إلى الله منذ فجر التّاريخ وما تزال، قال محمّد رسول الله : "الأنبياء أشدّ بلاء ثمّ الأمثل فالأمثل".
لكن البوْن شاسع بين أن يتعرّض الدّاعية لاضطهاد الكفّار والمجرمين وأن يستسلم للموت كالنّعجة طواعية وعن اختيار !وقد استبعد المسيح فكرة الموت الاختياري والفداء بلسان حاله ومقاله، ونستشفّ ذلك من عدّة آيات إنجيليّة: (أجابهم يسوع وقال تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني .. أليس موسى قد أعطاكم النّاموس، وليس أحدٌ منكم يعمل بالنّاموس، لماذا تطلبون أن تقتلوني؟)( )، (أنا عالم أنّكم ذريّة إبراهيم، لكنّكم تطلبون أن تقتلوني، لأنّ كلامي لا موضع له فيكم.. لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم، ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد حدّثكم بالحقّ الذي سمعه من الله، هذا لم يفعله إبراهيم)( )، حاول المسيح بهذه الكلمات العاطفيّة إقناع اليهود بأنّه نبيّ مرسل يتكلّم بالحقّ من عند الله، وأعلّمهم بأنّ أيّ مؤامرة لقتله ستكون ظلمًا وعدوانًا على الكتب السّماويّة وتعاليم الأنبياء، ثمّ عزف المسيح على وتر العاطفة حين ذكّرهم بإبراهيم، فقد كان اليهود يفتخرون به ويحبّون الانتساب إليه، محاولة منه لحماية نفسه من شرّهم، وجاء في الإنجيل: (.. وجاءوا إلى حافّة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه حتّى يطرحوه أسفل، أمّا هو "المسيح" فجاز في وسطهم ومضى)( )، وفي مرّة أخرى (فلمّا خرج الفريسيّون تشاوروا عليه لكي يهلكوه، فعلم يسوع وانصرف من هناك)( )، ومرة ثالثة (فرفعوا حجارة ليرجموه أمّا يسوع فاختفى وخرج من الهيكل مجتازًا في وسطهم ومضى)( )، (كان يسوع يتردّد بعد هذا في الجليل؛ لأنّه لم يرد أن يتردّد في اليهوديّة لأنّ اليهود كانوا يطلبون أن يقتلوه)( )، (فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه، فلم يكن يسوع أيضًا يمشي بين اليهود علانية بل مضى من هناك إلى الكورة القريبة من البرّيّة)( ).
هل هذه تصرّفات من يريد الموت أو من جاء ليصلب لخلاص البشريّة!؟، لماذا المماطلة، لماذا التخفّي عن أعين اليهود والهرب من وجه الأعداء خوفًا من أذيّتهم، لقد حاولوا قتله كما نرى عدّة مرّات، وطلبوا إزهاق روحه في عدّة مناسبات، فلماذا لم يُسلّم نفسه لهم منذ البداية !؟ لماذا هذا التّأخير الذي يكلّف الإنسانيّة العناء الشّديد، لماذا أصرّ المسيح على إطالة معاناة البشريّة التي تنتظر فداءها بفارغ الصّبر، فهلاّ أسرع في إنقاذها بقوله لليهود: "من فضلكم خذوني وارجموني واصلبوني من أجلكم أيّها الخاطئون ثقيلو الأحمال !" لكن نرى المسيح في الإنجيل، من خلال تلك الآيات كأنّه يريد ترك الفداء البطوليّ إلى آخر الفيلم، وما فائدة فيلم يموت البطل في أوّله !، لقد أصرّ المسيح على اللّعب مع اليهود لعبة 'السّارق و الشّرطيّ' وتقاعس عن أداء واجبه الذي كلّف به !؟
سيجيب أيّ قسّ عن هذا المنطق بأنّ ساعة المسيح لم تكن قد حانت بعد، فعندما تأتي ساعته يسلّم نفسه لليهود والرّومان بكلّ هدوء وبرودة أعصاب وبلا خوف ولا وجل من رعب الصّلب وأفعى الموت !.. فهل حدث هذا، وهل جاءت تلك السّاعة!؟
رغم أنّ النّصارى يقولون بحدوث ذلك ومجيء تلك السّاعة، إلاّ أنّ روايات الأناجيل عن آخر ساعات المسيح على هذه الأرض تعصف بفكرة الفداء وتجعلها قاعًا صفصفًا، وتحكم على الكفّارة بالخرافة المحضة، وتعال – أيّها القارئ الموضوعيّ – نتابع سلوك رجل يريد أن يموت بكلّ قواه من أجل الآخرين في آخر لحظات حياته كما ترويها الأناجيل الأربعة.
عندما اقتربت ساعة القبض على المسيح قال لتلاميذه: (عندما أرسلتكم بلا مال ولا كيس ولا حذاء هل احتجتم إلى شيء؟ قالوا: لا، فقال لهم: أمّا الآن فمن عنده مال فليأخذه، أو كيس فليحمله، ومن لا سيف عنده فليبع ثوبه ويشتر سيفًا… فقالوا: يا ربّ معنا هنا سيفان، فأجابهم يكفي)( ).
يأمر المسيح تلاميذه بالتزوّد بالمال، وبيع ثيابهم لشراء السّيوف، فالمال قد يساعدهم في التسلّح والدّعم اللّوجيستي، وفعلاً امتلك التّلاميذ سيفين، ولو كان باستطاعتهم اقتناء أكثر من ذلك لفعلوا، ولو كان المسيح في عصرنا لأمر أتباعه بشراء القنابل والبنادق الرشّاشة… وما فائدة السّيوف يا ترى التي يأمر المسيح باقتنائها، هل هي سيوف للزّينة والدّيكور، أم كما يقول أحمد ديدات لنزع قشر الموز والبرتقال!!
السّيوف لم تصنع لذلك، فقد كانت الدّعوة لاقتنائها استنفارًا عامًّا قبل أن يداهم اليهود التّلاميذ، وقد ظنّ المسيح أنّ التّلاميذ الأحد عشر الأقوياء الأشاوس – مزوّدين بالسّيفين والعصيّ – قادرون على ردّ عدوان شرذمة من حرس اليهود، فلم يكن المسيح عالمًا بأنّ اليهود سيستعينون بجنود الرّومان.
وما يزال السّؤال مطروحًا، الذي يأتي حقًّا لتسليم نفسه للموت كالنّعجة المسالمة والخروف الوديع ماذا عساه أن يفعل بالسّيوف، أجيبوا أيّها القساوسة !؟.
(ثمّ جاء يسوع مع تلاميذه إلى موضع اسمه جتسماني فقال لهم: اقعدوا هنا حتّى أذهب وأصلّي هناك وأخذ معه بطرس وابني زبدي.. ثمّ قال لهم: انتظروا هنا واسهروا معي)( ).
يقول أحمد ديدات في تعليقه على هذه الآيات في كتابه (مسألة صلب المسيح بين الحقيقة والخيال): » ولستَ بحاجة إلى عبقريّة عسكريّة، لكي تدرك أنّ المسيح يوزّع قوّاته كأستاذ في فنّ التّكتيك… والسّؤال الذي يفرض نفسه على أيّ مفكّر هو لماذا ذهبوا جميعًا إلى ذلك البستان؟ ألكي يصلّوا؟ ألم يكونوا يستطيعون الصّلاة في تلك الحجرة( )؟ ألم يكونوا يستطيعون الذّهاب إلى هيكل سليمان، ولقد كان على مرمى حجر منهم وذلك لو كانت الصّلاة هي هدفهم؟ كلاّ ! لقد ذهبوا إلى البستان ليكونوا في موقف أفضل بالنّسبة لموضوع الدّفاع عن أنفسهم!. ولاحظ أيضًا أنّ المسيح لم يأخذ الثّمانية لكي يصلّوا معه إنّه يضعهم بطريقة استراتيجيّة في مدخل البستان، مدجّجين بالسّلاح كما يقتضي موقف الدّفاع والكفاح.. لقد وزّع ثمانية لدى مدخل البستان، والآن على أولئك الشّجعان الأشاوس الثّلاثة – مسلّحين بالسّيفين – أن يتربّصوا ويراقبوا ويقوموا بالحراسة!، الصّورة هكذا مفعمة بالحيويّة، إنّ يسوع لا يدع شيئًا نُعمل فيه خيالنا«.
ويستمرّ الإنجيل في سرده آخر تفاصيل حياة المسيح فيذكر عن ملابسات اعتقاله (وأخذ معه بطرس ويعقوب ويوحنّا، وبدأ يشعر بالرّهبة والكآبة، فقال لهم: نفسي حزينة حتّى الموت انتظروا هنا واسهروا! وابتعد قليلاً ووقع إلى الأرض يصلّي حتّى تعبر عنه ساعة الألم إن كان ممكنًا فقال أبي، يا أبي ! أنت قادر على كلّ شيء، فابعد عنّي هذه الكأس، ولكن لا كما أنا أريد بل كما أنت تريد)( )، ويقول متّى إنّ المسيح صلّى تلك الصّلاة المفعمة بالعواطف ثلاث مرّات، في حين يضيف لوقا بعض التّفاصيل الدراميّة في هذا المشهد؛ فيقول: (وابتعد عنهم مسافة رمية حجر ووقع على ركبتيه وصلّى فقال: يا أبي، إن شئت، فأبعد عنّي هذه الكأس !، ولكن لتكن إرادتك لا إرادتي، وظهر له ملاك من السّماء يقوّيه، ووقع في ضيق فأجهد نفسه في الصّلاة، وكان عرقه مثل قطرات دم تتساقط على الأرض)( ).
يا له من موقف تتقطّع له الأكباد حزنًا وضحكًا، لم أعد أفهم شيئًا، أين سيصنف نقّاد أفلام السّينما هذا المشهد، مع المشاهد الدّراميّة أم الكوميديّة!؟ فإنّ من المفترض أنّ المسيح ُقدّر له بقضاء الله قبل ميلاد آدم صاحب الخطيئة أن يموت من أجل البشريّة طواعية، وكان من المتّفق أن يتأنّس الله وينزل إلينا ويصبح واحدًا منّا ليُسلّم نفسه فيموت عنّا، لكنّ المسيح يفاجئ الجميع في هذه الآيات عندما يدعو الله أن يجيز عنه تلك الكأس، ويطمع أن يعفيه الله من تلك الآلام ومن تلك المهمّة، إن كان ممكنًا، لقد وقّع المسيح على صفقة إعدامه قبل آلاف السّنين، فلماذا يراوغ الآن ويحاول التهرّب من تنفيذ الصّفقة – طبعًا إن كان ممكنًا – هل أدرك المسيح أنّ هذه الصّفقة كانت خاسرة، أم أنّ الله جعله يوقّع على بياض ثمّ …؟ أم أنّ المسيح الذي وظّفه الله لتلك المهمّة الفدائيّة لم يكن مطّلعًا على تعليمات الوظيفة التي تقلّدها؟ فبماذا يمكن تفسير الحزن والكآبة والرهبة، وقطرات عرق كالدم، والبكاء، والصّلاة، والدّعاء بالنّجاة…؟
إنّ الأقنوم( ) الثّاني "المسيح" كان له رأي آخر مخالف لرأي الأقنوم الأوّل "الأب" في معالجة قضيّة الخطيئة، لكن يبدو أنّ الأقنوم الأوّل فرض رأيه ونفذ إرادته بلا مشاورة الأقنوم الثّاني، وأتساءل لماذا يكفِّر الله خطيئة البشر بتقديم غيره كفداء؟
إنّ المسيح كغيره من الأنبياء لم يكن يؤمن بعقيدة الخطيئة، ولا بحاجة البشريّة لتكفيرها، فقد رفض بتصرّفاته الفداء، فلماذا يجبره الله على فعل شيء لا يريده؟ لماذا لم يقدّم الأب حينها نفسه للفداء بدل ابنه؟ فما ذنب المسيح حتّى يقاسي كلّ تلك الآلام وهو يصرخ ويصيح ويتألّم؟ في حين أنّ آدم الذي أكل من الشّجرة يتنعّم في الجنّة بعد رفع الخطيئة عنه.
نعود مرّة أخرى للسّاعات الأخيرة للمسيح على الأرض، لقد صوّرت الأناجيل المسيح المخلّص بصفات مزرية، وهي لا تشرّفه، بل هي عارٌ وعيب في حقّ المجاهدين والأبطال، الذين يصلّون ويدعون الله أن ينالوا الشّهادة في سبيله، وكم من مسلم يتمنّى الشّهادة، وعندما يلقاها يحسده عليها المخلصون من أصحابه ويتمنّون لو كانوا مكانه، أمّا المسيح هنا فهو يبكي كالمرأة الضّعيفة، ويدعو ويصلّي حتّى ينقذه الله من أيدي اليهود، أي منطق هذا؟ لماذا يصرّ الله على تعذيب المسيح بتخويفه وإرهابه، ألا يقدر الله على إرسال رجل !؟ ألم يكن قادرًا على فداء النّاس بفاد أكثر عزيمة وأقوى شكيمة بدل هذا الجبان البكّاء( ).
ويعلّق أحمد ديدات على هذا الوضع المؤسف للمسيح إزاء الكفّارة في الكتاب السّابق تحت عنوان "مضحٍّ على الرّغم منه ": » لو كانت تلك هي خطّة الله في التّكفير عن خطايا البشر "موت المسيح" فإنّ الله – وحاشا لله – يكون – وفق النّصارى – قد تنكب الصّواب، إنّ الممثّل الشّخصيّ للّه كان حريصًا على ألاّ يموت، فهو يصرخ ! يتباكى ! يعرق !يجأر بالشّكوى !على النّقيض من أشخاص مثل القائد الإنجليزيّ لورد نلسون، بطل الحرب الذي قال لشبح الموت – فيما يروي -: "شكرًا لله، لقد أديّت واجبي" .. لقد كان يسوع – كما يصوّره النّصارى – ضحيّة راغبة عن التّضحية، ولو كانت تلك هي خطة الله أو مشيئته من أجل الخلاص، فإنّها إذن خطّة أو مشيئة لا قلب لها، كانت عمليّة اغتيال بالدّرجة الأولى، ولم تكن خلاصًا قائمًا على أساس من تضحية تطوّعيّة«.
ومن محاولات المسيح كذلك للنّجاة من الموت أنّه حاول الهرب من أيدي أعدائه، ومغادرة المكان الذي حاصره فيه اليهود ليلة القبض عليه إذ يذكر عن المسيح قوله: ( قوموا ننصرف اقترب الذي يسلّمني)( ).
ولمّا رأى المسيح أنّ قوى اليهود كانت أكبر ممّا توقّع أعرض عن فكرة المقاومة، وطلب من تلاميذه مغادرة المكان، لكنّ اليهود باغتوهم في آخر لحظة، وحدثت مناوشات (وكان سمعان بطرس يحمل سيفًا، فاستلّه وضرب خادم رئيس الكهنة فقطع أذنه اليمنى …)( )، والسّؤال المطروح لماذا أحضر المسيح معه تلاميذه الأحد عشر إلى البستان فلقد كان عازمًا على الاستسلام، فلماذا لم يذهب وحده !! ؟
نعود إلى صراخ المسيح في تلك اللّيلة الرّهيبة، وإلى تضرّعاته وصلواته حتّى يصرف الله عنه تلك السّاعة العصيبة، يقول لوقا على لسان المسيح: (قال يا أبي، إن شئت فأبعد عنّي هذه الكأس! ولكن لتكن إرادتك لا إرادتي، وظهر له ملاك من السّماء يقوّيه)( )، فما هو دور هذا الملاك الذي ظهر فجأة ليقوّي المسيح، وبماذا يقوّيه ولماذا؟، هل يحتاج الإله المتجسّد إلى دعم من ملاك مخلوق، أم أنّ هذا الملاك جاء لإقناع المسيح بنبل عمله البطوليّ، وتذكيره بواجبه!؟
نحن لا نفهم هذه الآية بهذه الطّريقة، لقد كان المسيح نبيًّا من الأنبياء، دعا الله في حالة الشدّة، فأرسل الله إليه ملاكًا يرشده إلى الصّبر ويعدّه بالنّصر، ويبشّره بالنّجاة من الموت، وقد نجّاه لتقواه ولكونه من عباد الله الصّالحين؛ قال تعالى:  كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي إنّ الله قويّ عزيز  المجادلة 21، وجاء هذا المعنى بشكل واضح في رسالة بولس للعبرانيّين، الذي ذكر أنّ الله سمع للمسيح دعاءه وأنقذه في ساعة المحنة لتقواه، قال بولس: (وهو الذي في أيّام حياته البشريّة رفع الصّلوات والتضرّعات بصراخ شديد، ودموع إلى الله القادر أن يخلّصه من الموت، فاستجاب له لتقواه)( )، وهذا دليل آخر على نجاة المسيح من الصّلب، وأنّه لم يأت للانتحار بسبب تفّاحة أكلت قبل آلاف السّنين، قال الله تعالى  وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم، وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شكّ منه، ما لهم به من علم إلاّ إتباع الظنّ وما قتلوه يقينًا، بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزًا حكيمًا  النّساء 157 – 158.
ورنّم داود في المزامير: ( الآن عرفت أنّ الربّ مخلص مسيحه يستجيب له من سماء قدسه بجبروته خلاص يمينه )( ).
وبعد اعتقال المسيح، قُدّم للمحاكمة في عدّة مجالس عند اليهود والرّومان، ويتناقض روّاة الأناجيل الأربعة تناقضًا خطيرًا في وصف المحاكمات، فبينما يعمل متّى على إبراز المسيح في تلك المحاكمات كنعجة مستسلمة، وخروف وديع، لا يدافع عن نفسه، ولا يُعارض أعداءه اليهود فيما ينسبونه إليه من زوّر و بهتان، ولا ينبس ببنت شفة، حين يُضرب ويُجلد، ويصدر عليه حكم الإعدام، استنادًا لبشارة إشعياء (و لم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذّبح وكنعجة صامتة أمام جازريها فلم يفتح فاه)( )، قال متّى: (وكان رؤساء الكهنة والشّيوخ يتّهمونه، فلا يجيب بشيء، فقال بيلاطس أما تسمع ما يشهدون به عليك؟ فما أجابه يسوع عن شيء، حتّى تعجّب الحاكم كثيرًا)( ).
ويفاجئنا مرقس ولوقا ويوحنّا برواية تفاصيل أخرى، مخالفة لرواية متّى، فجعلوا المسيح يدافع عن نفسه ببراعة فائقة؛ قال مرقس: (فقام رئيس الكهنة في وسط المجلس وسأل يسوع: أما تجيب بشيء؟ ما هذا الذي يشهدون به عليك؟ فظلّ ساكتًا لا يقول كلمة، فسأله رئيس الكهنة أيضًا، وقال له أأنت المسيح ابن المبارك؟، فقال يسوع أنا هو، وسوف تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوّة وآتيا في سحاب السّماء)( )، وقال لوقا عن أحداث المحاكمة: (وقالوا له إن كنت المسيح، فقل لنا، فأجابهم إن قلت لكم لا تصدّقون، وإن سألتكم لا تجيبون ولا تخلون سبيلي، لكنّ ابن الإنسان سيجلس بعد اليوم عن يمين الله، فقالوا كلّهم أأنت ابن الله !؟ فأجابهم: أنتم تقولون إنّي أنا هو، فقالوا أنحتاج بعد إلى شهود؟ ونحن بأنفسنا سمعنا كلامه من فمه)( ).
فاليهود يرفضون الحقّ مهما كان جواب المسيح، لذا لا فائدة من أن يجيب المسيح الذي يعرف موقف اليهود منه مسبقًا، ولم يخف اعتقاده بتعصّبهم ضدّه وحرصهم على إيذائه، أمّا يوحنّا فهو يقدّم تفاصيل أكثر إثارة في دفاع المسيح عن نفسه في أثناء المحاكمات، ويستحقّ المسيح أن يصنّف في سلك المحامين البارزين لو كان في عصرنا.
وتأمّل معي هذا النصّ بكامله: (وسأل رئيس الكهنة يسوع عن تلاميذه وتعليمه، فأجابه يسوع: كلمتُ الناس علانية وعلّمت دائمًا في المجامع وفي الهيكل حيث يجتمع اليهود كلّهم، وما قلت شيئًا واحدًا في الخفية، فلماذا تسألني؟ إسأل الذين سمعوني عمّا كلّمتهم به، فهم يعرفون ما قلت، فلما قال يسوع هذا الكلام، لطمه واحدٌ من الحرس كان بجانبه وقال له: أهكذا تجيب رئيس الكهنة؟ فأجابه يسوع: إن كنتُ أخطأت في الكلام، فقل لي أين الخطأ؟ وإن كنت أصبت، فلماذا تضربني ؟)( ).
لقد فتح المسيح فاه مرات ومرات ودافع عن نفسه بجدارة فبطلت نبوة اشعياء وبطل استشهاد متى بها.
إنّ دفاع المسيح عن نفسه في هذا النصّ يعصف بادّعاءات متّى وإشعياء، فيما إذا كان المسيح فتح فاه أو لا، ودافع عن نفسه أم بقي ساكتًا !، ألم يطّلع متّى على تلك الكلمات، أم أنّها وردت من المسيح كتابيًّا، وليس شفهيًّا ليقال إنّه لم يفتح فاه !؟
ولنتأمّل حجج المسيح في دفاعه عن نفسه، إنّه يخبر رئيس الكهنة بأنّه ليس عنده ما يخيفه، لأنّ دعوته واضحة ومعلنة، فهو يدعو النّاس للعمل بالنّاموس وعبادة الله لا شريك له، فأيّ محاولة لإيذائه ستكون بلا ريب محاربة للدّين وعدوانًا على الله، وعندما لطمه ذلك الجنديّ دافع المسيح عن ذاته ورفض أن يُضرب من غير ذنب، وإذا كان المسيح يعلم أنّه سيموت ويعدم، فما فائدة العناء في الردّ على لطمة جنديّ؟.
إنّ المسيح رجل يحبّ الحياة، كما نحبّها، وتأخذه الغيرة على نفسه ويتأثّر نفسيًّا ووجدانيًّا للطمة فضلاً عن صلب وإعدام، ولا غرابة في ذلك لمن علم أنّ المسيح رجل أرسله الله لهداية البشريّة يصيبه ما يصيب النّاس، ويتألّم كما يتألّم النّاس، وليس إلهًا يتلقّى اللكلمات واللّطمات من جنديّ حقير.
وفي مشهد آخر داخل محكمة أخرى لدى بيلاطس، فتح المسيح فاه مرّات ومرّات مدافعًا عن حقّه في الحياة، واعتبر نفسه بريئًا من كلّ تهمة ألصقت به (فعاد بيلاطس إلى قصر الحاكم ودعا يسوع وقال له: أأنت ملك اليهود؟ فأجابه يسوع: هذا من عندك، أم قاله لك آخرون، فقال بيلاطس: أيهوديّ أنا !؟ شعبك ورؤساء الكهنة أسلموك إليّ فماذا فعلت؟ أجابه يسوع ما مملكتي من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم، لدافع عنّي أتباعي حتّى لا أسلَّم إلى اليهود، لا، ما مملكتي من هنا، فقال بيلاطس: أملِك أنت، إذن؟ أجابه يسوع: أنت تقول إنّي ملك، أنا وُلدت وجئت إلى العالم حتّى أشهد للحقّ، فمن كان من أبناء الحقّ يستمع إلى صوتي، فقال له بيلاطس: ما هو الحقّ؟، قال هذا وخرج ثانية إلى اليهود وقال لهم: لا أجد سببًا للحكم عليه)( ).
وعلى الرّغم أنّ اليهود ورؤساءهم اتّهموا المسيح بتهم سياسيّة باطلة وأحضروا شهود زور، وأوغروا صدر بيلاطس عليه، وورّطوه بتهم تتعلّق بأمن الدّولة، مثل ادّعائه الملك على اليهود، ومحاولته التمرّد على السّلطة الرّومانيّة، والثّورة على الأوضاع في فلسطين، وهي تُهم يعاقب بها السّلاطين والملوك عادة بالإعدام أو السّجن المؤبّد على الأقلّ، إلاّ أنّنا نرى بيلاطس ينصت إلى دفاع المتّهم، وينظر في حججه فيقتنع مرّة بعد مرّة ببراءته، حتّى إنّه رفض بشدّة صلب المسيح (ها أنا أخرجه إليكم لتعرفوا أنّي ما وجدت شيئًا للحكم عليه)( )، وإضافة إلى تلك التّهم الخطيرة زادوا عليها تهمًا دينيّة كادّعاء المسيح الألوهيّة أو بنوّة الله، أو التّجديف على الله .. إلخ، ولكنّ المسيح أقنع بيلاطس مرّة تلو أخرى ببراءته من تلك الاتّهامات الملفّقة، فقال بيلاطس: (أي شرّ فعل هذا الرّجل لا أجد عليه ما يستوجب الموت فسأجلده وأخلي سبيله)( )، لكنّ اليهود رفضوا، وأبوا إلاّ أن يصلب (فلمّا رأى بيلاطس أنّه ما استفاد شيئًا، بل اشتدّ الاضطراب أخذ ماءً و غسل يديه أمام الجموع وقال: أنا بريء من دم هذا الرّجل الصّالح !دبّروا أنتم أمره)( ).
لو كان المسيح ساكنًا صامتًا مغلق الفم، فهل تراه يقنع سكوته بيلاطس! لقد دافع المسيح عن نفسه وردّ التّهم جميعها، ممّا جعل بيلاطس يقتنع تمام الاقتناع بصلاحه، وكونه ضحيّة لليهود، فحاول إنقاذه عدّة مرّات، ولو كان المسيح يريد حقيقة الموت على يد بيلاطس بإيعاز من اليهود، فلماذا لم يسكت في تلك المحاكمات، ولماذا يدافع ويتكلّم، ولماذا لم يقرّ بالتّهم فيريح ويستريح!؟
لماذا لم يقلها مدويّة لبيلاطس، 'نعم أنا ملك اليهود جئت لأخلّص الشّعب الإسرائيليّ من اضطهاد الرّومان، نحن لا نريدكم في بلادنا، عودوا من حيث جئتم أيّها الرّومان الكفّار المستعمرون'، فحينها سيأمر بيلاطس بإحضار المقصلة ليرى رأس المسيح يطير في الهواء بلا انتظار ولا تضييع وقت، لكنّ المسيح أخفى تلك التّهم، التي كان بعضها صحيحًا – في زعم الأناجيل –( ) ويستمرّ في إصراره على لعب لعبة "السّارق والشّرطيّ ".
لقد بدأت أشعر أنّ الحديث عن الكفّارة طال عمّا توقّعته وما يزال في جعبتي الكثير، لكن سأعمل على اختصار ما تبقّى، وأنتقل مباشرة إلى يوم "الجمعة الحزين"، وإلى المسيح وهو على الصّليب، في تلك اللّحظات المثيرة، في آخر السّاعات بل الدّقائق بل الثّواني يتلفّظ المسيح بكلمات قليلة أثبت فيها أنّه ضحيّة مؤامرة شارك فيها الثّالوث 'الله واليهود والرّومان' وليس للمسيح فيها ناقة ولا جمل.
كلمات عصفت بالخطيئة والكفّارة والفداء والتجسّد.
كلمات كشفت أدران القساوسة.
كلمات فضحت تعاليم الإنجيل والكنيسة.
فما هي تلك الكلمات؟
قال متّى: (وعند الظّهر خيّم على الأرض كلّها ظلام حتّى السّاعة الثّالثة، ونحو السّاعة الثّالثة صرخ يسوع بصوت عظيم: إيلي، إيلي لماذا شبقتني؟ أي إلهي، إلهي لماذا تركتني؟)( )، في حزن وكآبة وضجر يصرخ المسيح بصوت عظيم قائلاً لماذا تركتني !؟
إلهي لماذا تركتني أموت !؟
لماذا تركتني أقتل على يد اليهود، أنا الذي لم أعمل خطيئة !؟
لماذا تركتني لهذا المصير، وتلك النّهاية!؟
لماذا تركتني وحدي أتعذّب وأتألّم، أنا الذي مجّدتك !؟
لماذا تركتني، أنا ابنك الوحيد، فأين رحمتك بابنك !؟
لماذا تركتني أصلب بغير ذنب ارتكبته !؟
لماذا تركتني أُقتل، لا أريد أن أموت من أجل أحد ولا كفّارةً
عن أحد.
أريد أن أعيش، أريد أن أعيش …
"إلهي لماذا تركتني" كلمات تتحدّث بنفسها عن نفسها لتخبرنا بأنّ "صلب المسيح كفّارة عن خطيئة البشريّة" أكبر أكذوبة في التّاريخ، وأخطر خرافة أضلّت الملايين من البشر بدل إنقاذهم من الشرّ.
(وعند الظّهر خيّم على الأرض كلّها ظلام حتّى السّاعة الثّالثة)( )، ثمّ (انشق حجاب الهيكل شطرين من أعلى إلى أسفل، وتزلزلت الأرض وتشقّقت الصّخور وانفتحت القبور، فقامت أجساد كثير من القدّيسين الرّاقدين، وبعد قيامة يسوع، خرجوا من القبور ودخلوا إلى المدينة المقدّسة وظهروا لكثير من النّاس)( )، لقد ختمت الظّلمة وانشقاق الهيكل والزّلزال… مشهد الصّلب وكأنّ هذه الأحداث المريعة جاءت لتعبّر عن فرحة وسرور ورضى الله بموت ابنه الوحيد، وتُعدّ الفرحة الغامرة بالزّلازل والظّلمة وانشقاق الصّخور، بدل تفتح الورود وزقزقة العصافير، ونسيم فجر جديد .. سابقة في عالم السّرور والرّضى! و راح التّلاميذ والنّساء يعبّرون عن فرحتهم بإنقاذ البشريّة بتلك السّابقة على غرار فرحة ربّهم ! يقول الكتاب المقدّس: (وتبعه جمهور كبير من الشّعب ومن نساء كنّ يلطمن صدورهنّ وينحن عليه)( )، (وبعدما قام يسوع في صباح الأحد، ظهر أوّلاً لمريم المجدليّة( ) التي أخرج منها سبعة شياطين، فذهبت وأخبرت تلاميذه وكانوا ينوحون ويبكون)( )، ويبدو أنّ النّساء والتّلاميذ لم يكونوا قد علموا بضرورة موت المسيح، وقتل المسيح على يد الرّومان بإيعاز من اليهود، هؤلاء الذين يحار المرء أين يضعهم، في زمرة القتلة والمجرمين والكفّار الطّالحين، لصلبهم المسيح ظلمًا وعدوانًا أم في زمرة المتّقين الصّالحين لتنفيذهم أمر الله ومراده !
لقد يسّر اليهود خلاص العالم ونفّذوا خطّة الله الأزليّة في صلب المسيح، فهل يا ترى كان الله راضيًا عنهم أم ناقمًا؟ لا شكّ أنّه لا بدّ من تقديم الشّكر لهم على هذه الخدمة الجليلة التي أسدوها للإنسانيّة، لكنّ النّصارى ينسون هذا الجميل ويُصرّون على لعن اليهود وتحميلهم جريمة اغتيال المسيح !؟
عجبًا للمسيح بين النّصارى
أسلموه إلى اليهود وقالوا
فإذا كان ما يقولون حقًّا
حين خلى ابنه رهين الأعادي
فلئن كان راضيًا بأذاهم
وإذا كان ساخطًا فاتركوه
وإلى أيّ والد نسبوه
إنّهم بعد قتله صلبوه
فسلوهم أين كان أبوه ؟
أتراهم أرضوه، أم أغضبوه !
فاشكروهم لأجل ما فعلوه
واعبدوهم لأنّهم غلبوه

أمّا نصوص الإنجيل فهي تنطق بالحقد والضّغينة واللّعنة على أولئك الذين أسلموا المسيح للموت؛ يقول المسيح: (ويل لذلك الرّجل الذي به يُسلم ابن الإنسان، كان خيرًا له لو لم يولد)( ).
أيّها المسيح أتدري أنّه لو لم يولد يهوذا الإسخريوطي الذي أسلمك لليهود من أجل ثلاثين من الفضّة، فمن يسلمك إذن للموت عنّا وعن خطايانا؟، أيّها المسيح أتدري ما معنى قولك عن يهوذا "الويل له"؟، لقد سهّل وصولك للصّليب لفدائنا، ألم يكن من المناسب شكره لفضله علينا؟ فإذا كان الخير ليهوذا ألاّ يولد، أليس من الخير أن يسلمك من أجلنا، فأيّ خير أفضل من الثّاني ! !؟، لماذا تحمل – أيّها المسيح – يهوذا الإسخريوطي كلّ هذا الوزر وهو "أداة خلاصنا"، هل يعقل أن يلعن المريض الدّواء المرّ، ويقول خيرًا له لو لم يخترع !؟، ثمّ ما معنى قولك لبيلاطس: (أمّا الذي أسلمني إليك فخطيئته أعظم من خطيئتك) ؟( ).
لم أعد – أيّها المسيح – أفهمك، فمرّة تريد أن تموت من أجلنا ثمّ تخطئ من يعين على موتك لأجلنا، كيف أوفّق بين الأمرين، رويدًا ارفق بعقلي، الذي يلهث وراء تساؤلاتي العديدة ولا يكاد يدركها.
أيّها المسيح، ألم يكن الله قادرًا على صلبك دون توريط اليهود والرّومان ويهوذا الإسخريوطي، الذي تلقّى العقاب بدل الإحسان من جانبك؛ إذ (إنّه وقع على رأسه وانشقّ من وسطه واندلقت أمعاؤه كلّها…)( )*.
لقد كلَّ عقلي عن مجاراة البحث في متاهات الكفّارة والفداء، وبدأت أشعر أنّ الموضوع يحتاج إلى مجلّد أو أكثر، وأعمل على اختصار بعض ما تبقّى من الملاحظات وليس كلّها.
إنّ الله تجسّد في المسيح، فأصبح المسيح أقنومًا من الأقانيم الثّلاثة التي تُدعى الثّالوث، وإن المسيح إله كامل وإنسان كامل… فعلى أيّ أقنوم من الثّالوث وقع الصّلب: على الأب، أم الابن أم الرّوح القدس!؟ سيقول النّصارى: إنّ الصّلب وقع على الأقنوم الثّاني وهو المسيح ابن الله، لكن الابن "المسيح" جزء من الثّالوث الذي لا ينفصل عن الأقنومين الآخرين، وبموت الأقنوم الثّاني يموت الجميع، أي يموت الثّالوث كلّه، وسيقول بعض النّصارى أنّ للمسيح طبيعتين لاهوتيّة وناسوتيّة، والصّلب وقع على الجانب النّاسوتيّ، وهذا الذي أريد الوصول إليه.
ما معنى الجانب النّاسوتيّ؟ فالمسيح كان إلهًا تامًّا وإنسانًا تامًّا، والصّلب وقع على المسيح باعتباره إنسانًا تامًّا، وكان من المفترض، حتّى لا ننسى، أن يكون الفادي إلهًا طاهرًا من الخطيئة الأصليّة، لكنّ الله فشل عندما صلب ناسوت المسيح "الإنسان التّامّ والكامل "، ويكمن وجه الفشل في كون هذا الإنسان مدنّسًا بالخطيئة؛ لأنّها انتقلت إليه من أمّه مريم، فيكون بذلك قد مات إنسان من أجل إنسان وهذا مرفوض، ولم يكن هناك داع للتجسّد فقتلت المسألة نفسها بنفسها، ونستنتج أنّ خطايانا للأسف لم ترفع، واللعنة باقية في أعناقنا، لأنّ الذي مات من أجلنا كان مخطئًا حسب الجسد مثلنا، وكنّا نأمل بموت الله الطّاهر، وليس الجسد، ناموس الله، الإنسان التّامّ المدنّس بالخطيئة كبقيّة أبناء جنسه، مما يعني أن المسيح مات عبثا.
ويقول بعضهم إنّ الله طهّر مريم من الخطيئة الأصليّة قبل إرسال المسيح إلى رحمها ! ولا دليل على هذا التّطهير، ثمّ لو كان الله قادرًا على تطهير بعض خلقه كما فعل مع مريم، بلا كفّارة ولا صلب ولا دم، فلماذا لم يفعل ذلك مع بقيّة البشريّة!؟
ونصيحتي لقساوسة النّصارى أن يعترفوا بأخطائهم، ويُذعنوا للحقّ بدل أن يتخبّطوا في الدّفاع والردّ بأيّ كلام، ممّا يجعل دفاعاتهم وردودهم تنقلب عليهم، وتكون حجّة أخرى على ضلالهم وتهرّبهم من سلطان العقل وقانون المنطق.
- أين ذهب المسيح بعدما صُلب؟
يجيبنا الإنجيل بجواب مذهل ومحيّر يدلّ على خبث بولس والمحرّفين لكلمة الله، يقول بولس: (المسيح افتدانا من لعنة النّاموس، إذ صار لعنة لأجلنا لأنّه مكتوب ملعون كلّ من عُلّق على خشبة)( ).
قال القسّ جواد بن ساباط: »كما أنّ المسيح مات لأجلنا ودفن، فلا بدّ أن يعتقد أنّه دخل جهنّم«، وزاد الرّاهب فيلبس كودانوس: »يسوع الذي تألّم لخلاصنا و هبط إلى الجحيم ثمّ في اليوم الثّالث قام من بين الأموات«.
ويذكر القساوسة استنادًا لرسالة بطرس في قوله: (الذي فيه أيضًا ذهب ليكرّز للأرواح التي في السّجن)( )، أنّ المسيح مكث في جهنّم ثلاثة أيّام، استغلّ فيها فرصة وجوده هناك ليدعو الذين ماتوا ودخلوا جهنّم ولم يكونوا قد آمنوا به ! !
ويقول القدّيس كريستوم: »لا ينكر نزول المسيح إلى الجحيم إلاّ الكافر«، فهل وصلت الجرأة بالنّصارى أن يؤمنوا بلعن المسيح "ربّهم ومخلصهم"، وإدخاله جهنّم إلى جوار فرعون والكفّار الآخرين!؟ نحن لا نؤمن بذلك، لأنّ المسيح من الصّالحين الذين وعدهم الله بالجنّة، وإذا كان الفادي المخلص ملعونًا فليت شعري كيف يقدر ملعون أن يفدي غيره من الملاعين !؟، وببساطة فإن بولس في هذه الآية يقول صراحة إنّ الله ملعون.
- من العادة أنّنا نقول عن الكريم إنّه كريم إذا قدّم أمواله وخدماته وضيافته للنّاس بمحض إرادته وعن طواعية، أمّا إذا أُخذ المال منه بالقوّة فهل يقال عنه كريم!؟ كذلك حتّى يقال عن صلب المسيح إنّه كان تضحية فلا بدّ أن يكون في موضع قوّة، لا أن يُجبر على التّضحيّة وهو راغب عنها؛ جاء في الإنجيل (لأنّه وإن كان صلب المسيح عن ضعف …)( )، فالذي يصلب عن ضعف أيحقّ أن يقال عنه بذل، وأعطى، وضحّى، لقد صلب المسيح وفق هذا النصّ الإنجيليّ حين ضعفه، رغم أنفه، فكيف يمكن التّوفيق بين الصّلب فداء والصّلب قسرًا !؟
- إذا كان الله يريد أن يخلّص البشريّة بكفّارة، فلماذا لم يبذل نفسه فدية، بتقديم الأقنوم الأوّل "الأب" إلى الصّلب بدلاً من إجبار الأقنوم الثّاني "الابن" على تلك الكفّارة التي رفضها، لقد كانت قضيّة الكفّارة محلّ اختلاف بين الأقنوم الأوّل والثاني، ممّا جعل الثّالوث في حيرة من أمره، فالأقنوم الأوّل "الأب" قاتل والأقنوم الثّاني "الابن" ضحيّة والأقنوم الثّالث "الرّوح القدس" أطرش في الزفّة !( ).
- إنّ المدّة الزّمنيّة بين آدم والمسيح ليست بالقصيرة، وقد عاش خلالها ملايين البشر على أقلّ تقدير، فأين كانت رحمة الله خلال تلك المرحلة الطّويلة، لماذا تركهم بلا فداء ولا خلاص، هل كانت هذه الفترة فترة حيرة بين العدل والرّحمة عند الله أم فترة تفكير في إيجاد مخرج للأزمة بينه وبين الإنسان!؟
- لقد رفع المسيح الخطيئة الحقيرة "الأكل من الشّجرة" فكيف بالأخطاء الأخطر والأعظم: كالإلحاد وسبّ الإله، والإشراك به وعدم التّصديق بوجوده، وقتل ابن الله… كيف تكفّر خطايا الزّندقة والهرطقة، وهي كما ترى أعظم بكثير من أكل ثمرة من شجرة ممنوعة، كيف تكفّر خطايا الزنا، والشّذوذ والاغتصاب والقتل والاختلاس والاستعمار والإمبريالية والعنصريّة، التي يضرب نصارى الغرب بها الرّقم القياسيّ !؟
- إذا كانت هذه الخطايا كلّها قد غفرت بموت المسيح على الصّليب فما فائدة المعموديّة، وسرّ الاعتراف للقسّ بالآثام والأخطاء، وما فائدة صلاة النّصارى إلى اليوم في كلّ مجلس " أبانا الذي في السّماء … اغفر لنا ذنوبنا " ؟.
- ألم يكن من الأفضل والأعقل والأقرب إلى الأفهام أن يقول الله – والله محبّة – إلى عباده: اذهبوا فقد غفرت لكم على نحو ما جاء في القرآن:  قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذّنوب جميعًا إنّه هو الغفور الرّحيم  الزّمر 53.
لقد رفع الله – بزعم النّصارى – الخطيئة عن البشريّة بصلب المسيح، والحقّ أنّه أوقعها في خطيئة أعظم، فالدّعوة للإيمان بالخطيئة الأصليّة، خطيئة في حدّ ذاتها لا تقلّ ضررًا عن سابقتها، وجعل الإيمان بموت المسيح أو الله أو أحد أجزائه، كفّارة عن تلك الخطيئة الأسطوريّة، خطيئة أخرى تحتاج إلى كفّارة أعظم!!.









التّثـليــــــث

رغبة في الاختصار ونفورًا من التّطويل لم أشأ الدّخول في متاهات شديدة الوعورة والظّلمة ترتبط بموضوع التّثليث، ومن تلك المتاهات ألوهيّة المسيح وبنوّته، وطبيعة الله اللاّهوتيّة والنّاسوتيّة .. إلخ، رغم أهمّيّة تلك المواضيع وعلاقتها الوطيدة بعقيدة التّثليث، وعدم رغبتي في دخول تلك المتاهات هو لشعوري أنّ البحث حينها سيطول جدًّا، وسيتشعّب ممّا يخرجه عن الهدف من وضعه؛ ذلك أنّ الهدف من كتابي ليس أن يصنّف ضمن الدّراسات العلميّة المتقدّمة، فيكون في متناول الباحثين المتخصّصين فقط، وإنّما الغاية منه أن يكون رسالة إعلاميّة سريعة يصل إليها النّصرانيّ العاديّ، ورجل الشّارع، دون أن يثقل كاهله كتابي إضافة إلى مشاغله اليوميّة، ومن ثمّ فضّلت التّعبير عن مناقضة التّثليث للعقل ومصادمته لكلّ منطق وعلم وتفكير بشريّ ببعض هذه الخواطر، وأعترف للقارئ أنّي وجدت صعوبة بالغة في اختياري النّقطة التي أنطلق منها في حديثي عن التّثليث، فمن أين أبدأ؟
التّثليث أهمّ اعتقاد يؤمن به النّصارى، فلا خلاص ولا غفران ولا دخول للجنّة إلاّ بالإيمان بأنّ الله هو ثلاثة أقانيم: الأب، الابن، الرّوح القدس، وهؤلاء الثّلاثة – في نظر النّصارى – ليسوا ثلاثة بل هم واحد، فالأب إله تامّ، والابن إله تامّ، و الرّوح القدس إله تامّ، لكنّ هؤلاء الآلهة التّامين ليسوا ثلاثة آلهة بل هم إله واحد تامّ!!
أنا أعلم أنّك – أيّها القارئ – لا تفهم شيئًا ممّا أقوله، لكن اعذرني فهذا قول القساوسة، هم ثلاثة آلهة… لكن يستدركون فيقولون لكنّهم واحد، وهو إله واحد، لكن يستدركون فيقولون لكنّهم ثلاثة آلهة، ثلاثة في الواحد وواحد في الثّلاثة!
وإذا كان من واجبي كباحث في هذا الموضوع أن أشرح لك هذا الكلام، فأعتذر إليك مسبقًا بقولي: "إنّ فاقد الشّيء لا يعطيه"؛ لأنّي كسائر علماء اللاّهوت ورجال الدّين والفلاسفة والمفكّرين لم أصل لغاية السّاعة لشرح أو فهم لذلك الكلام !
والتّثليث عند المسلمين كفر بالله  لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة وما من إله إلاّ إله واحد وإن لم ينتهوا عمّا يقولون ليمسّنّ الذين كفروا منهم عذاب أليم  المائدة 73.
وهي عند الفلاسفة والمفكّرين أكبر خرافة في هذا الكون، جاء في مجلّة التّايم عدد 4 سنة 1966، ص 57، "إنّ الكتاب المقدّس – بما فيه من خطيئة وكفّارة وتثليث – هو أكبر مجموعة من الخرافات في تاريخ الحضارة الغربيّة ".
وهي عند المؤرّخين وعلماء مقارنة الأديان حلقة من حلقات الوثنيّة التي بدأت منذ فجر التّاريخ.
أمّا عند القساوسة والكنيسة فهي سرّ ولغز مقدّس! لا يمكن فهمه في هذه الدّنيا ولا تصوّره على حقيقته، جاء في أحد المجامع الكنسيّة، وهو مجمّع لاتيران، الذي عقد سنة 1315 م [ إنّنا نؤمن إيمانًا جازمًا من أعماق قلوبنا بأنّ هناك إلهًا واحدًا خالدًا لا نهائيًّا لا يحول ولا يزول، إلهًا لا نفهمه، عظيمًا لا يمكن التّعبير عنه: الأب والابن وروح القدس ..] ويقول القسّ بوطر بعد استعراضه عقــيدة التّثليث: » قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا ونرجو أن نفهمه فهمًا أكثر جلاء في المستقبل، حيث ينكشف لنا الحجاب عن كلّ ما في السماوات والأرض، وأمّا في الوقت الحاضر ففي القدر الذي فهمناه الكفاية«.
ولننتقل الآن إلى تعريفات النّصارى للثّالوث وما هو المفهوم الذي يولونه لهذا المصطلح؛ يقول القسّ سامي حنا غابريال في كتابه (الله واحد أم ثالوث؟): » المسيحيّة تعلم أنّ الله الذي لا شريك له هو واحد في الجوهر موجود بذاته، ناطق بكلمته، حيّ بروحه، و يمكن أن نقول إنّ الله واحد في ثلاثة أقانيم والثّلاثة هم واحد، هم الله، دون انفصال أو تركيب، متساوون، إنّهم جميعًا الله، وكلّ أقنوم منهم هو الله، وهو ما تعلنه المسيحيّة بوضوح، الله موجود بذاته "الأب"، الله ناطق بكلمته "الابن" الله حيّ بروحه "الرّوح القدس"… والأقانيم الثّلاثة: الأب والابن والرّوح القدس واحد في الجوهر متساوون في كل شيء، في السرمدية ( الأزلية والأبدية ) وفي القدرة وفي كل ما يخص الله الواحد«.
يقول الأب بولس إلياس اليسوعي في كتابه ( يسوع المسيح ): من الناس من يقولون لماذا يا ترى إله واحد في ثلاثة أقانيم؟ أليس من الأفضل أن يقال إله واحد وحسب؟ لكننا إذا اطلعنا على كنه الله لا يسعنا إلا القول بالتثليث، وكنه الله محبة، ولا يمكن إلا أن يكون محبة، ليكون الله سعيدا، فالمحبة هي مصدر سعادة الله، ومن طبع المحبة أن تفيض وتنتشر على شخص آخر فيضان الماء وانتشار النور، فهي إذن تفترض وجود شخصين على الأقل يتحابان، وتفترض مع ذلك وحدة تامة بينهما، وليكون الله سعيدا، ولا معنى لإله غير سعيد، وإلا انتفت عنه الألوهية، كان عليه أن يهب ذاته شخصا آخر يجد فيه سعادته ومنتهى رغباته، ويكون بالتالي صورة ناطقة له.
ولهذا ولد اللهُ الابن منذ الأزل نتيجة لحبه إياه ووهبه ذاته، ووجد فيه سعادته ومنتهى رغباته وبادل الابنُ الأب هذه المحبة ووجد فيه هو أيضا سعادته ومنتهى رغباته، وثمرة هذه المحبة المتبادلة بين الأب والابن كانت الروح القدس، هو الحب إذن يجعل الله ثالوثا وواحدا معا…ولا يصح أن يكون هذا الكائن الذي حبس اللهُ الأبُ محبته عليه إلا الابن، ولو كان غير الابن، ولو كان خليقة غير محدودة، بشرا أو ملاكا، لكان الله بحاجة إلى من دونه كمالاً، وعُدّ ذلك نقصًا في الله والله منزّه عن النّقص، فتحتّم إذًا على الله والحالة هذه أن يحبس محبّته على ذاته فيجد فيها سعادته؛ لهذا يقول بولس الرّسول: إنّ الابن هو صورة الله غير المنظور… ليس الله إذًا كائنًا تائهًا في الفضاء، منعزلاً في السّماء، لكنّه أسرة مؤلّفة من أقانيم ثلاثة تسودها المحبّة، وتفيض منها على كلّ الكون براءته، وهكذا يمكننا أن نقول إنّ كنه الله يفرض هذا التّثليث «.
إنّ هذا التّفكير وإن كان يثير السّخريّة إلاّ أنّه منتشر جدًّا بين رجال الكنيسة، فهم يرون أنّ الله يجب أن يكون كائنًا مركّبًا حتّى يستطيع ممارسة صفاته الأزليّة كالسّمع والبصر والمحبّة وغيرها؛ أي أنّ الله قبل خلق العالم لم تكن صفاته معطّلة، لأنّه كان يمارس تلك الصّفات مع نفسه أو مع ابنه، لذلك وُجد الثّالوث كضرورة، لأنّه لو قلنا إنّ الله لم يكن يمارس صفاته وأفعاله قبل خلق العالم ثمّ مارسها بعد خلق العالم لحكمنا على صفات الله وأفعاله بأنّها كانت معطّلة، وعلى الله بالتغيّر من حالة إلى حالة، وهذا مستحيل لأنّ الله لا يتغيّر.
يقول القسّ سامي غابريال: » إذا كان الله محبًّا، سميعًا، عليمًا.. ناطقًا.. وأنّه غير متغيّر فماذا عن قبل الخلق؟ هل كانت صفات الله موجودة؟ نعم فهو غير متغيّر … وإن كان الله ناطقًا محبًّا، قبل أن يخلق.. فمع من كان يمارس صفاته وأعماله؟ هل كانت عاطلة… قبل خلق العالم… ثمّ صارت عاملة بعد الخلق؟ كلاّ و لو أنّ الله مطلق الوحدانيّة في الجوهر؛ فقبل أن يخلق ما معنى إذا سميع.. ناطق.. محبّ.. إذًا لا يمكن أن تكون وحدانيّة الله وحدانيّة مطلقة، مجرّدة، بل لا بدّ أن يكون الله الواحد في الجوهر جامعًا في وحدانيته، وبذلك يمارس صفاته بينه وبين نفسه لا بالوحدانيّة المجرّدة بل بوحدانيّته الجامعة الشّاملة الواحدة، وحيث أنّ صفات الله لا يمكن أن تكون قائمة في ممارستها إلاّ بين كائنين، أو أكثر أو بين عاقلين أو أكثر… وبما أنّ الله مع وحدانيّته وتفرّده بالأزليّة وعدم وجود تركيب فيه… كان يمارس الصّفات الإلهيّة بينه وبين ذاته… إذًا فوحدانيّة الله مع عدم وجود تركيب فيها هي وحدانيّة ليست مجرّدة، بل وحدانيّة من نوع لا مثيل لها في الوجود يمكن أن نسمّيها الوحدانيّة الشّاملة أو الجامعة «. وهي ما دعاها هذا القسّ وسمّتها الكنيسة وحدانيّة الثّالوث.
لقد أوردت كلام القساوسة السّابقين على طوله ليعرف النّصارى وغيرهم مقدار تفكير القسس والحجج التي يستندون إليها لتجويز الاعتقاد بالثّالوث، وإنّ هذا الاحتجاج السّخيف جدًّا ينقلب ضدّ القسس وضدّ الكنيسة وضدّ عقيدة التّثليث؛ إذ لو اعتقدنا أنّ صفات الله وأفعاله يجب أن تكون موجودة قبل خلق العالم وأنّ تلك الصّفات تمارس بين الأقانيم الثّلاثة وجب علينا إذًا أن لا نقتصر على الأمثلة التي يضربها القساوسة عن الصّفات الإلهيّة بل وجب التّعميم على جميع الصّفات والأفعال الإلهيّة، وهنا أتساءل أليست من صفات وأفعال الله الخلق وأنّ الله خالق؟ ستقولون بلى، وأقول هل كانت صفة الخلق معطّلة قبل خلق العالم ؟، ستقولون كلاّ.
وسأقول فإذن مع من كان يمارس صفة الخلق؟
لا شكّ وفق تفكيركم السّابق أنّ الله كان يمارسها مع نفسه أو ابنه أو مع الثّالوث 'الوحدانيّة الشّاملة كما يسمّيها القسّ غابريال'، فهل يمكن أن تشرحوا لنا كيف كان يمارس الله صفة وفعل الخلق مع نفسه أو ابنه أو ثالوثه، هل كان الله يخلق ذاته؟ فإذًا الله مخلوق ! هل خلق الله الابن؟!، لكنّ الكتاب المقدّس يقول عن الابن مولود غير مخلوق !، ماذا كان الله يخلق قبل خلق العالم حتّى يقال عنه خالق، وإنّه يملك صفة الخلق العاملة المعطّلة! ؟ أرأيتم أنّكم أيّها القساوسة تتورّطون في دفاعات متخبّطة عشوائيّة توقعكم في ورطات لا مخرج منها؟ وهذا مثال واحد عن صفة واحدة ضربته لكم فكيف بعشرات، بل بمئات الصّفات والأفعال التي تُنسب إلى الله؟
نعود الآن إلى الأقانيم الثّلاثة، ما معنى كلمة أقنوم؟
يقول النّصارى إنّ "الأقنوم" كلمة سريانيّة تعني كلّ ما تميّز عن سواه دون استقلال، وفي موضوع الثّالوث تعني وجود ثلاثة أشخاص متّحدين دون امتزاج ومتميّزين دون انفصال.
نسأل النّصارى هل لكم أن تضربوا لنا مثالاً واحدًا في هذا الكون "غير الثّالوث" يصدق عليه مصطلح الأقنوم،… لن تستطيعوا ذلك لأنّ المعنى 'المفبرك' الذي أضفيتموه على مصطلح الأقنوم لا تقبله العقول؛ لذا لا يصدق على أيّ مثال واقعيّ مادّيّ أو معنويّ، ثمّ لماذا يرد هذا المصطلح الفريد من نوعه بالسّريانيّة دون اللّغات الأخرى كالعبريّة مثلاً وقد كانت لغة العهد القديم؟ ألم يكن لذلك المصطلح وجود حينها؟ ثمّ لماذا لم يرد هذا المصطلح في العهد الجديد؟!
وأخاطب الآن نصارى العرب، ما هي ترجمة مصطلح أقنوم إلى العربيّة؟ ستقولون عجزت اللّغة عن إيجاد مصطلح مطابق للمعنى الذي ورد بالسّريانيّة، فيا سبحان الله ! اللغة العربيّة الغنيّة بمصطلحاتها والثّريّة بمترادفتها تعجز أمام السّريانيّة !، اللغة العربيّة التي تحتوي على عشرات المفردات المترادفة لمعنى واحد عاجزة أن تجد كلمة تعبّر بها عن أهمّ شيء في هذا الكون وهو الله أو أحد أجزائه !
مع ذلك نرى في بعض كتب النّصارى محاولات لترجمة قريبة، مع كونها منتقدة من النّصارى أنفسهم لإيحائها بالشّرك؛ فممّا قيل عن الأقانيم أنّها: خواصّ، صفات، أجزاء، أشخاص، أعضاء، أطراف، أقسام، أشياء، عناصر، تعينات … إلخ.
ولمّا استعصى فهم مصطلح الأقانيم راح رجال الكنيسة يضربون للثّالوث الأمثال ليقربوا معناه للأفهام، فقال بعضهم إنّ الثّالوث كالشّمس متكوّنة من ثلاثة أجزاء: القرص، الحرارة، الشعاع، لكن هل القرص هو الشعاع؟ وهل القرص هو الحرارة ؟ و هل الشّعاع هو الحرارة؟ فالمثال لا ينطبق على الثّالوث لأنّ الأب هو الابن، والابن هو ذاته الرّوح القدس، والأب هو عينه روح القدس، وبعضهم يمثّل الثّالوث بالتفّاحة، لأنّها متكوّنة من شكل وطعم ورائحة، وهل الرّائحة هي التفّاحة كاملة، وهل الشّكل هو التفّاحة كاملة، وهل الطّعم هو التفّاحة كاملة؟ ولا شكّ أنّ هذا المثال يلحق بسابقه.
ويضرب سانت أغسطين مثالاً معقّدًا، وهو 'أنّ الثّالوث يشبه الدّماغ، فالدّماغ يعلم بوجود ذاته، وأداة العلم هي الدّماغ نفسه، فالعلم هو الدّماغ، والمعلوم هي الدّماغ، وأداة العلم هي الدّماغ فهي إذن ثلاث صفات لشيء واحد، لكن لا يقال إنّ الدّماغ ثلاثة'، وهذا المثال لا يستقيم؛ لأنّ الدّماغ المذكور واحد في الحقيقة وتثليثه اعتباريّ ليس حقيقيًّا، في حين أنّ النّصارى يؤمنون في الإله بالتّوحيد الحقيقيّ والتّثليث الحقيقيّ، والدّماغ كعالم ليس كائنًا متميّزًا ولا منفصلاً ولا مستقلاً عن الدّماغ كمعلوم، ولا عن الدّماغ كأداة علم؛ في حين أن أقانيم الثّالوث منفصلة عن بعضها، فالأب كائن متميّز ومستقلّ عن الابن، والابن كائن متميّز ومستقلّ عن الرّوح القدس، وروح القدس كائن متميّز ومستقلّ عن سابقيه.
وقد انتقد بعض رجال الكنيسة كلّ هذه التّمثيلات والتّشبيهات، وقالوا بعدم جواز ضرب الأمثال مهما كانت، لأنّ تلك الأمثال مخلوقة يمكن إدراكها بالعقل، أمّا الثّالوث فهو كائن غير مخلوق لذا لا يمكن إدراكه بالعقل، وأيّ تمثيل أو تشبيه هو تمثيل وتشبيه مع الفارق.
قال البوصيريّ في فضح التّثليث:
ليت شعري هل الثّلاثة في الوا
أإله مركّب!، وما سمعنا
أتراهم لحاجة واضطرار
أهو الرّاكب الحمار فيا عجز
أم جميع على الحمار لقد جلّ
أم سواهم هو الإله فما نسبة
أم أردتم بها الصّفات فلمّا
أم هو ابن الإله ما شاركته
قتلته اليهود فيما زعمتم
حدّ نقص في عدّكم أم نماء؟
بإله، لذاته أجزاء
خلطوها وما بغى الخلطاء
إله يمسّه الإعياء
حمار يجمعهم مشّاء
عيسى إليه والانتماء؟
خُصّت ثلاث بوصفه وثناء؟
في معاني النبوّة الأنبياء
ولأمواتكم به إحياء

هل ورد ذكر الثّالوث والأقانيم الثّلاثة في العهد القديم، أو على لسان الأنبياء و الرّسل الذين سبقوا المسيح؟
لم يحدث ذلك إطلاقًا ! فأسفار العهد القديم خالية من أيّ تثليث ولم تشر إلى أنّ الله مكوّن من ثلاثة أقانيم أو أجزاء، ولم يُعلم أو يُسمع أنّ الله أخبر نوحًا أو إبراهيم أو موسى أو داود أنّه إله واحد في ثلاثة آلهة؛ وإذا تصفّحت بإمعان أسفار العهد القديم فلا يمكن أبدًا أن تقع عينك على كلمة ثالوث أو على صيغة الأب والابن والرّوح القدس، كما يعتقد بها النّصارى اليوم، أليس غريبًا حقًّا ! أنّ عقيدة مثل هذه، وبهذه الأهمّيّة والخطورة، يتوقّف عليها هلاك النّاس أو نجاتهم لا نرى لها أيّ إشارة في التّوراة وكتب الأنبياء لا تصريحًا ولا تلميحًا، فلماذا؟
ألم يكن الله قد قرّرّ بعد إخبار البشر بها، أم أنّ البشر لم يكونوا في ذلك الوقت قادرين على استيعابها وإدراكها مثلما لم يستوعبها أحد حتّى الآن !؟
وإنّ الإنسان ليزداد حيرة وتعجّبًا إذا وقعت عيناه في أسفار العهد القديم المقدّسة على تفاصيل زنى داود بزوجة قائد جيشه، وتفاصيل زنى لوط بابنتيه، وتفاصيل جسد المرأة في نشيد الإنشاد لسليمان، وزنى يهوذا بكنته، وإنّ الإنسان ليملّ من تفاصيل الأعداد والأرقام والأحجام والأوزان والمسافات التي تقدّمها أسفار العهد القديم عن قبائل اليهود وأنسابهم وأملاكهم وأحصنتهم وحميرهم، ثمّ تفاصيل أبعاد هيكل سليمان.. حتّى إنّك إذا اطّلعت على بعض الأسفار وجدتها أقرب إلى دفتر الحسابات منها إلى كتاب هداية، كلّ هذه التّفاصيل ذكرت حسب النّسخة الموجودة عندي الآن في 1358 صفحة، وضاق العهد القديم فلم يفسح مجالاً لجملة واحدة عن الثّالوث يقول فيها الله مثلاً: 'أنا ثالوث مكوّن من ثلاثة أقانيم: أب وابن و روح قدس'، أليس هذا غريبًا حقًّا !؟
وفي مقابل ذلك نعثر على مئات الآيات في العهد القديم التي تصف الله بالوحدانيّة وتقرّر تفرّده بالألوهيّة والرّبوبيّة.
(اسمع يا إسرائيل الربّ إلهنا ربّ واحد)( ).
(فاعلم اليوم وردّد في قلبك أنّ الربّ هو الإله في السّماء من فوق وعلى الأرض من أسفل ليس سواه)( ).
(انظروا الآن أنا أنا هو وليس إله معي)( ).
(أنا الربّ وليس آخر، لا إله سواي)( ).
(أليس أنا الربّ ولا إله آخر غيري، إله بارّ ومخلص ليس سواي التفتوا إلي وأخلصوا يا جميع أقاصي الأرض لأنّي أنا الله وليس آخر)( ).
والآيات كثيرة وكلّها تتّفق على وحدانيّة الله، بلا ثالوثيّة أو أقنوميّة، أمّا ما يذهب إليه بعض رجال الدّين بأنّ العهد القديم لمّح إلى التّثليث في بعض الآيات فهو غير صحيح، وما يفعلونه هو لَيُّ أعناق الآيات لتطابق هواهم، لكن هيهات هيهات، وأكبر دليل على غياب التّثليث في العهد القديم هو موقف اليهود – أصحاب العهد القديم- من المسيح إذ اعتبروا أقوال المسيح الغامضة حول البنوّة والألوهيّة تجديفًا وكفرا ولذلك عارضوه أشدّ المعارضة فصلبوه في زعم الإنجيل.
أمّا في العهد الجديد فالآيات التي ذكرت عن الثّالوث قليلة جدًّا جدًّا خاصّة في الأناجيل الأربعة، ولعلّ أكثر الآيات المصرّحة بالتّثليث، والتي يعتمدها القساوسة كأساس لذلك الاعتقاد هو ما جاء في رسالة يوحنّا الأولى (فإنّ الذين يشهدون في السّماء هم ثلاثة الأب والكلمة والرّوح القدس، وهؤلاء الثّلاثة هم واحد، والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة الرّوح والماء والدم والثّلاثة هم في الواحد)( ).
إنّ هذه الآية لغز غامض! هل تعلم أيّها القارئ النّصرانيّ أنّ هذه الآية مزيّفة 'مفبركة' ملحقة بالنصّ الإنجيليّ، الأصلي وليست منه، فقد حكم كبار علماء النّصارى على هذه الآية بأنّها إلحاقيّة منهم هورن وجامعو تفسير هنري وسكات وآدم كلارك في تفسيره وغيرهم، والأسباب هي:
- أنّها لا توجد في نسخة من النّسخ اليونانيّة التي كُتبت قبل القرن
السّادس عشر للميلاد.
- أنّها لا توجد في أيّ ترجمة من التّراجم القديمة غير اللاّتينيّة.
- أنّها لا توجد في معظم النّسخ القديمة اللاّتينيّة.
- لم يتمسّك بها أحد من القدماء ومؤرّخي الكنيسة.
- إنّ البروتستانت أسقطوا الآية من كتبهم ووضعوا عليها علامة
الشكّ.
- إنّ الكاثوليك والأرثودكس بدأوا ينزعونها من الإنجيل شيئًا فشيئًا.
ولذلك اختلفت طبعات الكتاب المقدّس حول إثبات أو حذف هذه الآية فبعضها يثبتها والبعض الآخر يحذفها، نجد الآية مثلاً في الكتاب المقدّس، طبعة دار الكتاب المقدّس بالقاهرة سنة 1970: (فإنّ الذين يشهدون في السّماء هم ثلاثة: الأب والكلمة والرّوح القدس وهؤلاء الثّلاثة هم واحد)، وجاء في الكتاب المقدّس، طبعة دار الكتاب المقدّس في الشّرق الأوسط سنة 1988، (فإنّ الذين يشهدون في السّماء هم ثلاثة: الأب والكلمة والرّوح القدس وهؤلاء الثّلاثة هم واحد).
والآية ذكرت في طبعة العهد الجديد الثّانية 1980 والثّالثة 1984، وعلى طاولتي الآن ثلاث طبعات أخرى للعهد الجديد حُذفت منها الآية المذكورة منها الطّبعة الرّابعة للعهد الجديد إصدار اتّحاد جمعيّات الكتاب المقدّس سنة 1993، وكذلك طبعة 1994، للنّاشر نفسه حيث جاء في الآية: (والذين يشهدون هم ثلاثة الرّوح والماء والدم وهؤلاء الثّلاثة هم في واحد)، ونلاحظ هنا – أخي القارئ – أنّ اتّحاد جمعيّات الكتاب المقدّس الذي أشرف على طباعة العهد الجديد، وحذف الآية الدّالّة على التّثليث هو نفسه الذي أشرف على الطّبعات السّابقة التي وردت فيها الآية !.
جاء في الكتاب المقدّس العهد الجديد، منشورات دار المشرق، بيروت، الطّبعة الحادية عشرة: وهي نسخة كاثوليكيّة (والذين يشهدون ثلاثة: الرّوح والماء والدم وهؤلاء متّفقون)، وورد تعليقً على ذلك في هامش الصّفحة في بعض الأصول ما يلي: "الأب والكلمة والرّوح القدس، وهؤلاء الثّلاثة هم واحد، لم يرد ذلك في الأصول اليونانيّة المعوّل عليها، والأرجح أنّه شرح أُدخل إلى المتن في بعض النّسخ، والرّوح: الرّوح القدس، والماء: المعموديّة، الدم: دم المسيح ".
وجاء في طبعة الإنجيل كتاب الحياة ترجمة تفسيريّة للعهد الجديد، صدرت سنة 1973، (فإنّ هنالك ثلاثة شهود: الرّوح والماء والدم وهؤلاء الثّلاثة هم في الواحد)، وهناك طبعات عديدة للبروتستانت تضع الآية المذكورة بين هلالين موضّحة أنّ ما داخل الهلالين غير موجود في الأصل.
وبين يديّ الآن نسخة للكتاب المقدّس باللّغة الفرنسيّة من منشورات الاتّحاد العالميّ للكتاب المقدّس، 1982 ورد في الصّفحة الأولى لهذه الطّبعة ما يلي: Traduction oecumenique de la bible.
وفي مقدّمة هذه النّسخة جاء فيها شرح كلمة oecumenique بأنّها تعني نسخة متّفق عليها من قبل الكاثوليك والأرثودكس والبروتستانت، وقد اطّلع على النّسخة قبل طبعها عشرات المتخصّصين من الطّوائف الثّلاثة وأقرّوا جميع ما فيها، وعند بحثنا عن الآية التي نحن بصددها في رسالة يوحنّا الأولى 5: 7 نجدها قد حُذفت، وباتّفاق الطّوائف الثّلاثة وحُذفت كذلك في النّسخة الأخيرة باللّغة الإنجليزيّة!
وإن تعجب فعجبك من طبعة جديدة للإنجيل باللّغتين العربيّة والفرنسيّة، نُشرت سنة 1995، وطُبعت بحيث تكون كلّ آية باللّغة العربيّة تقابل أختها بالفرنسيّة، إلاّ أنّني ذهلت عندما وجدت الآية "المشكلة" أُثبتت بالعربيّة بين هلالين [ ] في حين لم أجد ما يقابلها بالفرنسيّة، أي حُذفت بالمرّة، فلو كان القارئ لا يفهم اللّغتين المذكورتين لما تنبّه لذلك، ولتتأكّد بنفسك أضع لك صورة عن تلك الآية المحيّرة!



وضعت الآية بين هلالين دلالة على عدم وجودها في الأصول، و الغريب أنّها في التّرجمة المقابلة بالفرنسيّة محذوفة نهائيا.




هكذا بعد قرون طويلة، بعدما كانت هذه الآية تُقرأ كجزء مُوحي به من الله يتّفق رجال الكنيسة على حذفها من الكتاب المقدّس!، إنّها أهمّ آية في التّثليث، ومع ذلك فقد توصّل الجميع إلى الاتّفاق على حذفها، ألم يقل بولس في رسالته إلى تيموثاوس (كلّ الكتاب موحى به من الله)( )، لقد تبين لكل ذي عقل أنه ليس كل الكتاب موحى به من الله، والآن بعد حذفها، هل الله هو الذي أمر بذلك! ؟.
هل الله هو الذي أمر بوضعها بين قوسين أو هلالين !؟.
هل الله هو الذي أمر بوضع الحواشي والهوامش التي تشير إلى إلحاقيّتها و"فبركتها " !؟.
ويتساءل أستاذنا أحمد عبد الوهّاب البهيدي عن المسؤول عن مصائر الملايين من النّصارى الذين هلكوا، وهم يعتقدون أنّ عقيدة التّثليث التي تعلموها تقوم على نصّ صريح في كتابهم المقدّس، بينما هو نصّ زائف دخيل؟!.
وإذا طالعنا أسفار العهد الجديد نجد عوض التّثليث عدّة آيات صريحة واضحة تقرّر وحدانيّة الله في ذاته وصفاته وأفعاله منها: (لا تدعوا لكم أبًا على الأرض لأنّ أباكم واحد الذي في السّماوات)( ).
(اذهب يا شيطان لأنّه مكتوب للربّ إلهك تسجد وإيّاه وحده تعبد)( )، وفي آية تُصرح بدخول المسيح تحت مسمى الرسالة والعبودية قول الكتاب المقدس (وهذه هي الحياة الأبديّة أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته)( )، ومعنى هذه الآية لا إله إلاّ الله والمسيح رسول الله، وورد كذلك (نعلم أنّه ليس وثن في العالم وأن ليس إله آخر إلاّ واحد)( )، (لكنّ الله واحد)( )، (أنت تؤمن أنّ الله واحد حسنًا تفعل)( ).
وغيرها من الآيات المتواترة، وكما نرى فإنّ آيات التّوحيد كثيرة وصريحة الدّلالة وجليّة المعنى، بينما شبهات التّثليث تكاد تكون معدومة، والموجود منها إمّا غير صريح أو أنّه 'مفبرك' لا أصل له. ودعونا الآن ننتقل إلى نقاط تالية مختصرين.
يرى النّصارى أنّ المسيح "ابن الله" أحد الأقانيم الثّلاثة المكوّنة لله، لذلك فهم يثبتون للمسيح الألوهيّة، مع أنّ أسفار العهد الجديد تتحدّث عن المسيح بأنّه وُلد من بطن مريم، اختتن، جاع، بكى، خاف، لُطم، صلّى، تألّم، صُلب، وأخيرًا مات… وغيرها ممّا لا يحدث لإله، فهل يُعقل أن يختتن الإله أو يُبصق في وجهه أو يموت ويُدفن ؟!

أعبّاد عيسى لنا عندكم
إذا كان بزعمكم إلهًا
فكيف اعتقدتم أنّ اليهود
وكيف اعتقدتم أنّ الإله
سؤال عجيب فهل من جواب؟
قديرًا عزيزًا يُهاب
أذاقوه بالصّلب مُرّ العذاب؟
يموت ويُدفن تحت التّراب؟

ولله درّ من قال:
أعبّاد المسيح لنا سؤال
إذا مات الإله بصنع قوم
وهل أرضاه ما نالوه منه؟
وإن سخط بالذي فعلوه فيه
وهل بقي الوجود بلا إله
وهل خلت الطّباق السّبع لما
وهل خلت العوالم من إله
وكيف تخلّت الأفلاك عنه
وكيف أطاقت الخشبات حمل
وكيف دنا الحديد إليه حتّى
وكيف تمكّنت أيدي عداه
وهل عاد المسيح إلى حياة
ويا عجبًا لقبرٍ ضمّ ربًّا
أقام هناك تسعًا من شهور
وشقّ الفرج مولودًا صغيرًا
ويأكل، ثمّ يشرب، ثمّ يأتي
تعالى الله عن إفك النّصارى
أعبّاد الصّليب، لأيّ معنى
وهل تقضي العقول بغير كسر
إذا ركب الإله عليه كرهًا
فذاك المركب الملعون حقًّا
يُهان عليه ربُّ الخلق طُرا
فإن عظمته من أجل أن قد
وقد فُقد الصّليب، فإن رأينا
فهلاّ للقبور سجدت طُرا
فيا عبد المسيح أفِق، فهذا
نريد جوابه ممّن وعاه
أماتوه فما هذا الإله؟
فبشراهم إذا نالوا رضاه
فقوّتهم إذا أوهت قواه
سميع يستجيب لمن دعاه؟
ثوى تحت التّراب وقد علاه؟
يدّبرها، وقد سُمرت يداه؟
بنصرهم، وقد سمعوا بكاه؟
الإله الحقّ مشدودًا قفاه؟
يخالطه، ويلحقه أذاه؟
وطالت حيث قد صفعوا قفاه؟
أم المحيي له ربّ سواه؟
وأعجب منه بطن قد حواه
لدى الظّلمات من حيض غذّاه
ضعيفًا، فاتحًا للثّدي فاه
بلازمِ ذلك، هل هذا إله؟
سيسأل كلّهم عمّا افتراه
يعظم أو يقبح من رماه؟
وإحراق له، ولمن بغاه؟
وقد شدّت لتسمير يداه
فدسّه، لا تبسّه إذ تراه
وتعبُدُه ! فإنّك من عداه
حوى ربّ العباد وقد علاه
له شكلاً تذكرنا سناه
لضمّ القبر ربّك في حشاه؟
بدايته وهذا منتهاهُ

لكنّ المشكلة أنّ النّصارى يلعبون على حبلي اللاّهوت والنّاسوت فإذا قيل لهم: المسيح إنسان، قالوا كيف يكون إنسانًا؟ ألا ترون ميلاده العجيب ومعجزاته الباهرة…؟ لا يمكن لإنسان أن يفعل ذلك إنّه إله، وإذا قيل لهم: ألا ترون كيف إختتن وضًرب وقُتل، هل يحدث ذلك لإله !؟ قالوا: إنّ ذلك وقع على النّاسوت لا اللاّهوت! وهكذا فالمسيح يظهر كمهرّج سرك بقبّعتين يضع الواحدة فيصبح إلهًا جليلاً، ثمّ يضع الأخرى فيصير في الحال إنسانًا ذليلاً !.
وإذا كان النّصارى يؤمنون بألوهيّة المسيح فإنّ الإنجيل يطفح بالآيات التي ترفض هذه الفكرة فلا تكاد تقرأ في آيات إنجيليّة إلاّ وجدتها تجعل من المسيح ابنا للإنسان، ونبيًّا مرسلاً وعبدًا لله، ولنتأمّل بعض هذه الآيات، (صعد يسوع إلى الهيكل وكان يُعلم فتعجب اليهود قائلين كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلّم أجابهم يسوع وقال: تعليمي ليس لي، بل للذي أرسلني، إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف هل هو من الله أم أتكلّم أنا من نفسي)( ).
(لم أتكلّم من نفسي لكنّ الذي أرسلني هو أعطاني وصيّة ماذا أقول وبماذا أتكلّم، وأنا أعلم أنّ وصاياه هي حياة أبديّة فما أتكلّم أنا به، فكما قال لي الأب هكذا أتكلّم)( )، لو كان المسيح هو الله أو أحد الأقانيم الثّلاثة فلماذا يعزو رسالته إذن للذي أرسله ولم يعزها لنفسه!؟ (لو كنتم تحبّونني لكنتم تفرحون لأنّي قلت أمضي إلى الأب لأنّ الأب أعظم منّي)( ).
إنّ هذه الآية ظاهرة في أنّ المسيح الابن 'الأقنوم الثّاني' أضعف من الأب، والأب أعظم من الابن بصريح العبارة، فكيف تقول الكنيسة إنّ الابن هو الأب، وإنّ أقنوم الابن يساوي أقنوم الأب؟، وهذا غير صحيح بشهادة المسيح نفسه، ألاّ ترون أنّ الأقنوم الثّاني يخبركم أنّ الأقنوم الأوّل أعظم منه، والأعظم هو دائمًا الله وما دونه في العظمة لا يستحقّ أن يًعبد أو يؤلّه.
(وسأله رئيس قائلاً: أيّها المعلّم الصّالح ما أعمل لأرث الحياة الأبديّة، فقال له يسوع: لماذا تدعوني صالحًا ؟ ليس أحد صالحًا إلاّ واحد وهو الله) ( )، قبل أن يجيب المسيح السّائل صحح له معتقدًا هامًّا وهو أنّ الصّلاح الكامل صفة للّه لا يشاركه فيها النّاس حتّى المسيح نفسه، ولو كان المسيح هو الله أو أحد الأقانيم الثّلاثة لما كان هناك مسوّغ لإنكار صلاحه.
(أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا، كما أسمع أدين ودينونتي عادلة، لأنّي لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الأب الذي أرسلني)( )، فالمسيح ينفي قدرته على فعل شيء من تلقاء نفسه، فهل تختلف مشيئة الأقنوم الأوّل عن الثّاني، ولماذا مشيئة الأقنوم الثّاني تابعة لمشيئة الأقنوم الأوّل وليس العكس ؟!.
(لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئًا إلاّ ما ينظر الأب يعمل؛ لأنّ الأب يحبّ الابن ويريه جميع ما هو يعمل)( ).
(من قبلني فليس يقبلني أنا بل الذي أرسلني)( )، فالله هو مصدر الرّسالة وليس المسيح وما المسيح، إلاّ رسول من عند الله.
(ذلك اليوم وتلك السّاعة فلا يعلم بها أحد ولا الملائكة الذين في السّماء ولا الابن إلاّ الأب)( )، الآية واضحة جدًّا في أنّ المسيح ابن الله الأقنوم الثّاني للثّالوث يجهل، ويجهل شيئًا هامًّا جدًّا، وهو ساعة انتهاء العالم أو يوم القيامة، وهذه معلومة لا يجوز بحال من الأحوال أن يجهلها الله أو أحد أقانيمه الثّلاثة، والجاهل بالشّيء لا يمكن أن يرتقي إلى مصاف الآلهة! أيّها النّصارى!.
جاء في العهد الجديد (الله لم يره أحد قطّ)( )، فلماذا يُصرّ النّصارى على أنّ الله تأنّس وعاش بين النّاس، والعهد القديم يصرّ في عدّة آيات على أنّ الله لا يُرى وغير منظور؟، فكيف نؤمن بإله عاش بين النّاس أزيد من ثلاثين سنة يرونه صباح مساء!؟
(في تلك الأيّام خرج إلى الجبل ليصلّي وقضى اللّيل كلّه للصّلاة للّه)( )، هل كان الله يصلّي لنفسه، وهل كان الأقنوم الثّاني يصلّي للأقنوم الأوّل، والعجيب أنّ الأقنوم الثّالث لا دور له في اللّعبة، فهو دائمًا ذو الدّور الهامشيّ مقارنة بالأوّل والثّاني !!
وثمة آيات كثيرة تُظهر المسيح بمظهر العابد الخاضع لله وحده لا شريك له، من استعانة واستغاثة ورجاء، ممّا لم نذكره في هذه العجالة، حتّى المعجزات التي كان يفعلها المسيح لم تكن بحوله وقوّته، بل بقدرة الله الذي منحنه إيّاها، وقد سبق للأنبياء والصّالحين أن أظهروا معجزات أعظم في العهد القديم، فلا داعي لتأليه كلّ من يظهر معجزة وإلاّ للزمنا تأليه العشرات من الأنبياء أصحاب المعجزات، والمسيح الذي جرت المعجزات على يده لم يدّع أنّها من فعله فنراه قبل كلّ معجزة يرفع رأسه إلى السّماء فيدعو الله ويستعين به، وبعد حدوث المعجزة يرفع رأسه مرّة أخرى فيحمد الله على إجابة دعوته، جاء في الإنجيل على سبيل المثال: (ورفع يسوع عينيه إلى فوق وقال: أيّها الأب، أشكرك لأنّك سمعتني وأنا علمت أنّك في كلّ حين تسمعني ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ليؤمنوا أنّك أرسلتني)( ).
إنّ بشريّة المسيح ودخوله في عبوديّة الله لم يعد يشكّ فيها أحد ممّن يحترم عقله ودينه، وأيّ إخراج للمسيح من زمرة الأنبياء الصّالحين إلى أعلى من ذلك فهو تعدٍّ سافرٍ على المسيح وتعاليمه.
وأذكر هنا أنّ الأناجيل ذكرت من معجزات المسيح في صباه وفي حياته ما لذّ وطاب: كإحياء الموتى وشفاء المرضى وإطعام آلاف النّاس بقليل الخبز و السّمك… خلا معجزة واحدة أشار إليها القرآن، وعزفت الكتب المقدّسة عن الإشارة إليها وتجاهلتها، ألا وهي تكليم المسيح للنّاس في المهد صبيًّا، فلماذا؟
يقول الله سبحانه و تعالى في القرآن على لسان المسيح ابن مريم وهو في المهد:  فأشارت إليه قالوا كيف نكلّم من كان في المهد صبيّا قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيًّا وجعلني مباركًا أينما كنت وأوصاني بالصّلاة والزّكاة ما دمت حيًّا وبَرًّا بوالدتي ولم يجعلني جبّارًا شقيّا والسّلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيّا، ذلك عيسى ابن مريم قول الحقّ الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتّخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرًا فإنّما يقول له كن فيكون، وإنّ الله ربّي وربّكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم  مريم 29 – 36.
ولا يمكن لأنصار التّثليث المؤلّهين للمسيح قبول معجزة يعترف المسيح فيها بأنّه عبد الله ونبيّه، مأمور بالصّلاة والزّكاة كغيره من البشر، وأنّه ليس الله ولا ابنه ولا أحد الأقانيم الثّلاثة للإله المثلّث.
لقد جنت الكنيسة على نفسها أعظم جناية عندما آمنت بالثّالوث؛ فعندما تؤمن الكنيسة بذلك الاعتقاد فإنّها تكفر بكلّ آيات الكتاب المقدّس بعهديه التي ترفض الثّالوث، ولمّا لم يسع رجال الدّين العمل بنصوص كتابهم الصّريحة الثّابتة في دخول المسيح في العبوديّة، ووحدانيّة الله بلا أقانيم ولا شريك، عاقبهم الله بالعيِّ والحيرة والتخبّط، ووصفهم القرآن بالضّالّين، لأنّهم يعبدون الله على جهل وفق عقيدة مستحيلة التّصديق، عديمة المعنى، تجعل المؤمن أهوج، فاقد العقل، بليدًا، عديم الوعي، وهذا جزاء من كفر بالعقل السّليم والنّقل الصّحيح وآمن بعقل الشّيطان وردّ وحي الله وقبل بوحي بولس وإبليس.
وثـنيّــة التّـثـليـث

لو يعلم نصارى الغرب اليوم أنّهم لم يعرفوا دين المسيح قطّ لأصابتهم الصدّمة، وإنّما كانوا وثنيّين وبقوا على وثنيّتهم إلى ساعتنا هذه، يقول شارل جان بيير: » إنّ الغربيّين لم يكونوا مسيحيّين قطّ في يوم من الأيّام«
نعم، لم يعرف الغــــرب النّصرانيّة؛ لأنّ أسلافهم الرّومان – الممثّلون للغرب آنذاك – لم يتنصروا ولم يسلكوا النّصرانيّة الحقيقيّة، بل العكس هو الذي حدث فالثلّة القليلة التي كانت على دين المسيح هي التي تروّمت واعتنقت وثنيّة الرّومان، وتركت دينها بسبب الاضطهاد السّياسيّ، والهدم من الدّاخل الذي باشره بولس وتابعه المنافقون من بعده، وكذلك بفعل قرارات المجاميع المسكونيّة التي كانت تصنع الآلهة كما تُصنع علب 'الكوكا كولا'.
إنّ النّصرانيّة الحقيقيّة جاءت بدين خال من الفلسفة اليونانيّة والغنوصيّة والأفلاطونيّة وخرافات الوثنيّين، لقد جاءت بالتّوحيد الخالص لله وبعبوديّة المسيح له، وكلّ ما عدا ذلك من خرافات الصّلب والفداء والكفّارة والتجسّد والتّثليث وغيرها من الأسرار الكنسيّة المقدّسة هي امتداد تاريخيّ للوثنيّة، التي وقع فيها الإنسان منذ مئات القرون.
يقول أرنست رينان: »إنّ الدّراسات التّاريخيّة للمسيحيّة وأصولها تثبت أنّ كلّ ما ليس له أصل في الإنجيل مقتبس من أسرار الوثنيّة«.
ويقول مؤرّخ الأديان أندريه نايتن في كتابه (المفاتيح الوثنيّة للمسيحيّة): » إنّنا لا نستطيع أن نفهم مسيحيّتنا حقّ الفهم إذا لم نعرف جذورها الوثنيّة، فقد كان للوثنيّة قسط وافر في تطوّر الدّين المسيحيّ… ونحن لا نبالغ إذا قلنا إنّ ما ُيعرف بالأسرار الدّينيّة في المسيحيّة مستوحى من الأديان الوثنيّة القديمة… ودراسة المسيحيّة تُثبت أنّ الآلهة الوثنيّة لم تمت بعد، ولا شكّ في أنّ الكاتب "كومون " قد عنى ذلك حين عنون كتابه الشّهير حول تاريخ المسيحيّة بعنوان: (لا جديد تحت الشّمس).
وينبغي لنا الآن توضيح السّبل التي سلكتها المسيحيّة والتي أتاحت للوثنيّة بأن تسهم هذه المساهمة الكبيرة في تأسيس أركانها، إنّ أصحاب النّقل المباشر وغير المباشر عن الوثنيّة معروفون، ويجب علينا أن نتذكّر دائمًا أنّ معظم الذين آمنوا بالمسيحيّة في بدايتها لم يكونوا يهودًا بل كانوا عبدة أصنام، ولا بدّ من الإشارة أيضًا إلى أنّ هؤلاء المؤمنين شهدوا فترة عصيبة محتدمة تساعد على تلفيقات كثيرة، وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه المسيحيّة وضعت المؤمنين بها على دروب الوثنيّة القديمة… إنّ الكنيسة ابتلعت بعض العناصر الوثنيّة، لكنّها أضفت عليها طابعها الخاصّ، لاستقطاب ما يمكن استقطابه من عبدة الأصنام، وكذلك أرادت تعزيز نفسها وابتلاع العقائد القديمة المترسّخة، وهذا ما أدّى إلى دخول عناصر وثنيّة جديدة على المسيحيّة«.
وممّا يؤكّد هذه الحقيقة أنّ بولس قبِل كثيرًا من العقائد الوثنيّة ليقرّب بين أتباع هذه العقائد والدّيانة النّصرانيّة فيقول في كورنثوس الأولى: (استعبدت نفسي للجميع لكي أربح الكثيرين فصرت لليهود كيهوديّ، لكي أربح اليهوديّ، وللذين تحت النّاموس كأنّي تحت النّاموس، لأربح الذين تحت النّاموس، وللذين بلا ناموس كأنّي بلا ناموس، لأربح الذين بلا ناموس، صرت للكلّ كلّ شيء لأخلّص على كلّ حال قومًا)( ).
إنّه بدلاً من أن يغيّرهم فهو يتغيّر من أجلهم، بل و يغيّر التّعاليم وفق أديانهم وأهوائهم ليربحهم كما يزعم، ولا شكّ أنّ هذه الطّريقة تسبّبت في خلط التّعاليم الصّحيحة بالتّعاليم السّقيمة وهذا منشأ الخلل.
يقول العالم الألمانيّ جاكوبسون في كتابه: (دراسة العقائد الدّينيّة عند ملوك مصر) وذلك بعد إظهاره أوجه الشّبه بين عقائد النّصارى وعقائد المصريّين القدماء: »لا بدّ من القول إنّه لا صحّة لما يقول اللاّهوتيّون المسيحيّون المعاصرون حين يزعمون أنّ مصر القديمة لم يكن لها أثر في قيام الأفكار والعقائد المسيحيّة… وإنّني لا أفهم كيف أنّ البروتستانت يعملون المستحيل لإقناعنا بأنّ الأفكار المسيحيّة الحاليّة هبطت من السّماء ولم تتأثّر بشيء قبلها«.
ويقول غوستاف كارل يونغ عالم النّفس المشهور في كتابه (علم النّفس والدّيانة الغربيّة): » من الواضح أنّ كلّ اللاّهوت الذي سبق المسيحيّة وكلّ لاهوت الغنوصيّة في منطقة الشّرق الأوسط، بل اللاّهوت الذي تضرب جذوره في أعمق أعماق التّاريخ قد حجب المسيح الحقّ عنّا، وجعله مجرّد شكل عقائديّ لا يحتاج معه إلى أساس تاريخيّ، ففي مرحلة مبكّرة جدًّا يختفي الحقّ وراء المشاعر والإسقاطات التي حامت حوله وانهالت من القريب والبعيد، وهكذا سرعان ما تمّ ابتلاعه من قبل الأنظمة الدّينيّة المجاورة "الوثنيّة"، كما تمّت صياغته من جديد وفقًا لأساطيرهم الأساسيّة، بذلك صار المسيح الصّورة الجماعيّة الملفّقة التي كان ينتظرها لاوعي المعاصرين له، وبذلك صار السّؤال عن حقيقته سؤالاً بدون جواب«.
وفيما يخصّ موضوع التّثليث الذي نحن بصدده فلم يعد يخفى على المنصفين من العلماء والباحثين أنّه، بالإضافة إلى الأساطير الأخرى، التي ذكرناها آنفًا، عقيدة وثنيّة محضة ابتكرها الإنسان المنحرف عن دين "التّوحيد"، وبقيت منتشرة في العديد من الأقوام الوثنيّة، وقد كشف الله تلك الحقيقة بقوله تعالى في القرآن مخبرًا عن النّصارى:
 يضاهئون قول الذين كفروا من قبل  التّوبة 30، ومعنى ذلك أنّهم يقولون بقول الوثنيّين الكفّار، الذين افتروا تلك العقائد الباطلة وتديّنوا بها، ثمّ جاء علماء الغرب في هذا القرن ليقيموا دراساتهم المعمّقة على هذا الأساس وليتوصّلوا إلى ما أقرّه القرآن قبل أربعة عشر قرنًا.
يقول يونغ: » إنّ عقيدة التّثليث أو الآلهة المثلّثة ظهرت مبكّرًا وعلى مستوى بدائيّ، إنّ التّثليث في الأديان القديمة، وفي الشّرق بشكل خاصّ مسألة منتشرة وشائعة إلى الحدود التي لا نستطيع أن نحصيها أو نذكرها جميعًا، ولعلّ تنظيم الآلهة المثلّثة من أبرز الظّواهر في تاريخ الأديان، ولا شكّ أنّ هذا النّموذج الدّينيّ القديم قد كان وراء عقيدة التّثليث في الدّيانة المسيحيّة… لقد ثبت أنّ الآلهة المثلّثة كانت عقيدة لاهوتيّة أكثر ممّا كانت قوّة حيّة، والواقع أنّ التّثليث أقدم المعتقدات الدّينيّة الوثنيّة وأعرقها… ولقد رافقت عقيدة التّثليث الفكر الإنسانيّ وصارت جزءًا منه، صحيح أنّها تختفي فترة لكنّها ما تلبث أن تظهر هنا حينًا وهنالك أحيانًا بأشكال مختلفة«.
ونشير إلى أنّ الدّراسات الأركيولوجيّة والأنثروبولوجيّة والتّاريخيّة كلّها تجزم بوجود أسطورة الثّالوث، ليس في منطقة الشّرق الأوسط فحسب بل حتّى في آسيا وأمريكا، ولقد بلغت الآلهة المثلّثة من الكثرة ما لا يمكن عدّها أو حصرها.
يقول إدغار ويند، أستاذ التّاريخ الفنّيّ في جامعة أكسفورد في كتابه (الأسرار الوثنيّة في عصر النّهضة): »تنتمي عقيدة التّثليث إلى الأسرار التّأويليّة الخفيّة، وهي الأسرار التي يتشاطرها المسيحيّون وعبدة الأصنام… وقد أقرّ المسيحيّون في عصر النّهضة ما جاء في كتب القدّيس أوغسطين وبركلوس عن أنّ التّثليث المقدّس كان معروفًا لدى الوثنيّين… وانطلاقًا من هذه القناعة تمّ الكشف عن عدد هائل من الآلهة المثلّثة "بالمئات" في الكتب الوثنيّة القديمة وكان الباحث الألمانيّ المعاصر أوزينير قد جرّد أكثر من 120 إلهًا مثلّثًا في الأديان الوثنيّة القديمة«.
يقول بريتشارد في كتابه (خرافات المصريّين الوثنيّين):» لا تخلو كافّة الأبحاث الدّينيّة المأخوذة عن مصادر شرقيّة من ذكر أحد أنواع التّثليث أو التولّد الثّلاثيّ، أيّ الأب والابن والرّوح القدس«.
ويقول موريس في كتابه (Indian antiquites): » كان عند أكثر الأمم البائدة الوثنيّة تعاليم دينيّة جاء فيها القول باللاّهوت الثّالوثيّ أي أنّ الإله ذو ثلاثة أقانيم«.
ويقول دوان في كتابه: (Bible myths and their parallels religions) » إذا نظرنا نحو الهند نرى أنّ أعظم وأشهر عباداتهم اللاّهوتيّة هو التّثليث… ويدعون هذا التّثليث "ترمورتي" وهي جملة مركّبة من 'تري' ومعناها ثلاثة و'مورتي' ومعناها هيئات أو أقانيم«.
ويذكر ألن في كتابه: (India : ancient and modern) قصّة عن ظهور الآلهة الثّلاثة البراهميّة ومخاطبتها أحد العبّاد بقولها: اعلم أيّها العابد أنّه لا يوجد فرق حقيقيّ بيننا وبين ما تراه من ثلاثة، فما هو إلاّ بالشّبه أو بالشّكل، والكائن الواحد الظّاهر بالأقانيم الثّلاثة واحد بالذّات.
ويقــول فابر في كتابه: ( Idolatry origin of heathen): » وكما نجد عند الهنود ثالوثًا مؤلّفًا من براهما وفشنو وسيفا، نجد ذلك عند البوذيّين، فإنّهم يقولون: إنّ بوذا إله ويقولون بأقانيمه الثّلاثة«.
ويقول هليسلي في كتابه: (Development of religion and thought in ancient egypt) » يعتقد الهنود بإله مثلّث الأقانيم… ويقولون إنّ هذا الثّالوث المقدّس حاضر في كلّ مكان بالرّوح والقدرة«.
ويقول فسك في كتابه (Myth and myth makers): » كان الرّومانيّون الوثنيّون القدماء يعتقدون بالتّثليث، هو أوّلاً الله، ثمّ الكلمة، ثمّ الرّوح«.
ويقول نيت في كتابه: (The symbolical language of ancient art and mythology) » إنّ سكّان الجزر في المحيط عبدوا إلهًا مثلّث الأقانيم فيقولون: الإله الأب، والإله الابن، والإله روح القدس، ويصوّرون روح القدس بهيئة الطّير– مثلما صُوّر في الإنجـيل «.
و قال كينغسبورو في كتابه (Antiquities of Mexico): » المكسيكيّون يعبدون إلهًا مثلّث الأقانيم يسمونه تزكتليبوكا«.
ويقول سكير في كتابه: (The serpent symbol) » الهندوس الكنديّون يعبدون إلهًا مثلّث الأقانيم ويصوّرونه بشكل صنم له ثلاثة رؤوس على جسد واحد، ويقولون إنّه ذو ثلاثة أشخاص بقلب واحد وإرادة واحدة«.
في الختام نذكر شهادة أندريه نايتن في كتابه (المفاتيح الوثنيّة للمسيحيّة) إذ يقول: » إنّنا نعثر على هذه المجموعات "الآلهة المثلّثة" في مختلف البلدان الوثنيّة القديمة، ففي مصر: بتاح، توت، حورس، وفي الهند: ميترا، فارونا، أريامان، وفي إيران: أهورا مازدة، أناهيتا، ميترا، وفي بابل: سين، شمس، عشتار، وفي اليونان: زيوس، هيرا، ديوفيزوس، وعند الرّومان: جوبيتر، جنون، مينرفا… وهي لائحة طويلة جدًّا من الآلهة المثلّثة عند الشّعوب القديمة، وهذا يعني أنّ التّثليث المسيحيّ لم يولد من عدم، وأنّه لا بدّ قد استوحى ما ذكرناه«.
إنّ هذه النّقولات التي ذكرتها باختصار ليست صادرة من مسلمين أو يهود أو وثنيّين، بل هي من علماء غربيّين، بعضهم ملتزم بالنّصرانيّة، كما أنّهم ليسوا كتّابًا عاديّين، بل هم من كبار الباحثين والمتخصّصين في تاريخ الأديان والأنثروبولوجيّة والأركيولوجيّة وغيرها من التخصّصات الدّقيقة ذات العلاقة، والتي تستند إلى الدّراسة المتفحّصة الميدانيّة، وهذا غيض من فيض ومن أراد المزيد فما عليه إلاّ الاطّلاع على المؤلّفات التي ذكرناها آنفًا.
وبعد هذا العرض الوجيز لعقيدة التّثليث وبيان بطلانها من المنقول عنهم، وفسادها على ضوء التّوراة والإنجيل، ننتقل إلى نقد عقليّ للتّثليث في هذه النّقط المختصرة والمركّزة:
- يؤمن النّصارى بثلاثة أقانيم متّحدة في إله واحد، ونعلم أنّ الأقنوم الثّاني مات على الصّليب فيلزم من ذلك موت الثّالوث كلّه، وإلاّ فأخبرونا على من وقع الصّلب، هل وقع على الأقنوم الثّاني كإله أم على ابن الله أم على الكلمة أم على الثّالوث أم على الله أم على ماذا؟
وهنا تحضرني قصّة طريفة رواها علماؤنا قديمًا حيث تنصّر ثلاثة أشخاص وعلّمهم أحد القسس العقائد الضّروريّة، ولا سيّما عقيدة التّثليث أيضًا وكانوا في خدمته، فجاء محبّ من أحبّاء هذا القسّيس، وسأله عمّن تنصّر فقال: ثلاثة أشخاص تنصّروا، فقال هذا المحبّ: وهل تعلموا شيئًا من العقائد الضّروريّة؟، قال: نعم، وطلب واحدًا منهم فسأله عن عقيدة التّثليث، فقال: إنّك علّمتني أنّ الآلهة ثلاثة أحدهم الذي هو في السّماء، والثّاني تولد من بطن مريم العذراء، والثّالث الذي نزل في صورة الحمام على الإله الثّاني بعدما صار ابن ثلاثين سنة، فغضب القسّ وطرده وقال: هذا مجهول، ثمّ طلب الثّاني منهم وسأله، فقال: إنّك علّمتني أنّ الآلهة كانوا ثلاثة وصُلب واحد منهم فالباقي إلهان، فغضب عليه القسّ أيضًا وطرده، ثمّ طلب الثّالث وكان ذكيًّا بالنّسبة للأوّلين وحريصًا في حفظ العقائد فسأله فأجاب: يا مولاي حفظت ممّا علّمتني حفظًا جيّدًا وفهمت فهمًا كاملاً بفضل الربّ المسيح أنّ الواحد ثلاثة والثّلاثة واحد، وصُلب واحد منهم ومات، فمات الكلّ لأجل الاتّحاد ولا إله الآن وإلاّ يلزم نفي الاتّحاد.
- عندما مات الإله على الصّليب، كيف بقيت الحياة والكون دون مدبّر !؟، ولمّا قام المسيح بعد ثلاثة أيّام هل أحياه الأب أم الثّالوث أم هو أحيا نفسه، كما تقول الكنيسة، والحقيقة أنّ الميّت لا يستطيع إقامة نفسه إلاّ إّذا كان ميّتًا ميتة سرّيّة مقدّسة!
- إذا كان النّصارى يؤمنون بالثّالوث على أساس مساواة الأب بالابن وبالرّوح القدس، فهذا يعني الاتّحاد الكامل الذي يسمح بتغيير الأدوار والوظائف والصّفات بين الأقانيم الثّلاثة، فيلزم من ذلك جواز قولنا إنّ الأب مولود غير مخلوق والرّوح القدس ابن الله الوحيد، والمسيح نزل على هيئة حمامة، لأنّه لا فرق بين الثّلاثة وكلّهم واحد، أليس كذلك؟ ! ونستطيع أن نقول: الأب هو المخلّص والمسيح هو معطي الحياة والرّوح القدس هو مكوّن الكائنات، ونستطيع أن نقول للمساواة المطلقة إنّ الرّوح القدس ولدَ الأب، والابن انبثق من الرّوح القدس على أساس التّساوي !، ثمّ إذا نظرنا لصيغة التّثليث نجدها مقيّدة بترتيب معيّن وهو الأب والابن والرّوح القدس، فلا أخال إلاّ أنّ هناك سببًا في تقديم الأب على الابن ثمّ الرّوح القدس، فتقديم الأب ليس عبثًا أو صدفة إنّما لفضل لا يملكه الأقنوم الثّاني والثّالث، وإذا كان للأب فضل لا يملكه الآخران فيعني ذلك أنّهم أقلّ مرتبة منه، وإلاّ لماذا لا يبدأ رجال الدّين الموعظة أو القُداس بصيغ مثل "باسم الابن والرّوح القدس والأب" أو "باسم الرّوح القدس والأب والابن"،؟ أعلم يقينًا أنّ من يفعل ذلك ربّما يتّهم بالهرطقة، وهذا دليل آخر على فساد فكرة الأقانيم المتساوية مساواة تامّة.
- تحكي الأناجيل أنّ المسيح 'الأقنوم الثّاني' بعد قيامته صعد إلى السّماء وجلس عن يمين الأب 'الأقنوم الأوّل'، فدعونا نحلّق بخيالنا بعيدًا في السّماء لنتخيّل الابن جالسًا عن يمين الأب، فما معنى الجلوس عن اليمين، فهل إذا جلس زيد عن يمين عمرو نستطيع أن نقول إنّ زيدًا هو عمرو!؟ كيف نقول ثلاثة آلهة لكنّهم إله واحد، ثلاثة أقانيم غير منفصلة ولا مستقلّة ولا متميّزة عن بعضها بعض، ثمّ يجلس أقنوم عن يمين الثّاني وبينهما مسافة سّنتيمترات أو أمتار !…؟ وإلاّ ما معنى اليمين في جميع لغات العالم ؟ وبأيّ لغة يتحدّث الإنجيل؟
إنّ جميع لغات العالم تفهم اليمين كما نفهمه نحن، وإنّ اللّغة كما يُعرّفها علماء الاتّصال هي جملة من الرّموز المتعارف عليها، والتي تعبّر عن معان مشتركة بين المرسل والمستقبل، لكنّ الدّارس لكلمات الإنجيل لا يمكنه فهم شيء، لأنّ الرّموز موجودة، لكنّها لا تدلّ على المعاني المتعارف عليها، فما العمل !؟ وما فائدة مخاطبة الله للبشر برموز يعرفونها تحمل معان لا يعرفونها ولا يفهمونها، لأنّها غير مشتركة !؟ فالمستقبل الذي يتلقّى الرّسالة الإنجيليّة ويجد أنّ أقنوم الأب هو نفسه أقنوم الابن ثمّ يقرأ في الإنجيل أنّ الابن جلس عن يمين الأب يقع في حيرة من أمره، هل يرفض هذه الرّسالة الإنجيليّة أم يقبلها بعد إلغاء عقله؟ ولا عذر للنّصارى في الاحتجاج بقصّة اللاّهوت والنّاسوت، لأنّه لا يمكن أن يجلس ناسوت المسيح عن يمين الله ولاهوته داخل الله ! ! خاصّة إذا عرفنا أنّ ناسوت المسيح صُلب ومات وانتهى دوره على الأرض.
- إذا تحدّثنا عن النّاحية الزّمنيّة فمن الأسبق الأب أو الابن أو الرّوح القدس!؟ فإذا لم يكن الأب هو السابق للابن فما معنى قولكم عن المسيح مولود غير مخلوق؟ ما معنى مولود أخبرونا؟، وإذا كان الرّوح القدس موجودًا غير مسبوق بالأب والابن فما معنى قولكم عنه إنّه منبثق من الأب فقط حسب الكاثوليك؟ ومنبثق من الأب فقط حسب قول الأرثودكس؟ ما معنى قولكم منبثق أخبرونا؟، هل مضى زمن لم يكن ثمّة ولادة ولا انبثاق؟ ستقولون لم يمض، فسنقول إذن هاتان الكلمتان عبث لا فائدة منهما، وسفسطة لا جدوى منها، ثمّ إنّكم تقولون عن الابن مولود غير مخلوق وعن الرّوح القدس منبثق غير مخلوق فهل شرحتم لنا ما الفرق بين الولادة والانبثاق هنا ؟
والغريب كذلك أنّ الأرثودكس يؤمنون بالثّالوث المقدّس المتساوي الأقانيم، إلاّ أنّهم انشقّوا عن الكنيسة الكاثوليكيّة لقولهم إنّ الرّوح القدس منبثق من الأب دون الابن وهذا يعني أنّ الأب ليس الابن، ومع ذلك فما يزالون يؤمنون بالثّالوث والجنون فنون!
- يعتقد النّصارى أنّ الله تجسّد ونزل إلى الأرض في شكل الأقنوم الثّاني وهو الله، ويلزم من ذلك أنّ النّاس رأوا الله على الأرض، وهذا مخالف للكتب حيث جاء في سفر الخروج (لا تقدر أن ترى وجهي لأنّ الإنسان لا يراني ويعيش)( ).
ويقول يوحنّا (الله لم يره أحد)( )، وفي تيموثاوس (الله لم يره أحد من النّاس ولا يقدر أن يراه)( ).
يقول الأستاذ عوض سمعان في كتابه (الله طرق إعلانه عن ذاته): »إنّ المتفحّص لعلاقة الرّسل والحواريّين بالمسيح يجد أنّهم لم ينظروا إليه إلاّ على أنّه إنسان، ولم يتصوّروا على الإطلاق أنّه إله، ولكن لماذا، لأنّهم – أي الرّسل والحواريّين – كيهود كانوا يعلمون تمام العلم أنّ الاعتراف بأنّ إنسانًا هو الله يعتبر تجديفًا يستحقّ الرّجم في الحال، ولأنّهم كيهود أيضًا كانوا يستبعدون أن يظهر الله في هيئة إنسان، نعم، كانوا ينتظرون المسيا لكنّ المسيا بالنّسبة إلى أفكارهم التي توارثوها عن أجدادهم لم يكن سوى رسول ممتاز يأتي من عند الله، وليس هو ذات الله«.
ومع أنّ الثّالوث ومنه التجسّد قصّة خرافيّة إلاّ أنّ التعصّب النّصرانيّ للباطل لا يكاد ينقضي، فهذا القسّ وهيب عطا الله يصرّح في كتابه (طبيعة السيّد المسيح): »إنّ التجسّد قضيّة فيها تناقض مع العقل والمنطق والحسّ والمادّة والمصطلحات الفلسفيّة، ولكنّنا نصدّق ونؤمن أنّ هذا ممكن حتّى ولو لم يكن معقولاً«.ويقول الدّكتور الخوري جورجس فرج: »لا تقل في قلبك كيف يمكن أن يتجسّد الله ويصير إنسانًا، فدع ذلك لأنّه من شأنه الخاصّ«.
هناك دليل صريح على أنّ الابن ليس الأب، ونستنتج ذلك من قول المسيح للفريسيّين (في ناموسكم مكتوب أنّ شهادة رجلين حقّ، أنا هو الشّاهد لنفسي ويشهد لي الأب الذي أرسلني)( )، ومعنى ذلك أنّ المسيح ذات، وأنّ الأب ذات أخرى، فهما اثنان متغايران وشهادة المسيح حقّ لشهادة اثنين عليها "الله والمسيح "، ولو كان المسيح هو الله؛ أي أنّ المسيح والله ذات واحدة، لمّا كانت شهادته كافية؛ لأنّها ستصبح بمثابة شهادة واحدة.
- نعلم جميعًا أنّ عقيدة الثّالوث لم تكن معلومة ولا منتشرة بين النّصارى في القرون الأربعة الأولى، وإنّما فُرض جزء منها في مجمّع نيقية بقوّة الإمبراطور قسطنطين، فعندما نطّلع عـلى قرارات مجمّع نيقيّة في سنة 325 م نجد أنّ المجمّع قرّر تأليه الأب والابن فقط؛ أي أنّ الإله كان حينها ثنائيًّا، وبعد عشرات السّنين وبالضّبط في مجمّع القسطنطينيّة سنة 381 م تمّ إعلان عن صنع إله ثالث وهو الرّوح القدس، فاكتمل الثّالوث، وهذا دليل تاريخيّ على أنّ الثّالوث كما هو معروف، الآن، لم يكن معروفًا ولا مكتملاً قبل سنة 381 م، فهل كان السّابقون لهذا التّاريخ يعبدون إلهًا ثنائيًا ناقصًا، أو جزءًا من إله!؟
وفي نهاية المطاف نخلص إلى القول: لم يعد من المقبول لدى الجميع الزّعم بوجود طلسم التّثليث، أو الإيمان بأنّه حقيقة فوق العقول، وأنّه سرّ إلهيّ مقدّس، ولن يجدي نفعًا كلّ هذا التهرّب من مواجهة الحقيقة، وسيكشف العلم والتّاريخ، والله تعالى، أنّ الكنيسة كانت تحمل أكبر عقيدة منافية لكلّ وحي سماويّ وتفكير أرضيّ، أمّا النّصارى البسطاء فما عليهم إلاّ الإذعان للحقّ، فهو سبيل النّجاة بدل القبول باغتيال العقول من أجل كذبة ابتكرها بولس وروّجتها الكنيسة فيما بعد تحت غطاء الأسرار المقدّسة !.
يقول يونغ: »وكان لزامًا عليّ أن أُسائل نفسي مساءلة جادّة عمّا إذا لم يكن أضرّ وأخطر أن تقضي الأسرار المسيحيّة عن حيّز التّفكير الجادّ، وأن نكتفي بنبذها إلى حيّز الألغاز المقدّسة المحرّمة، إنّ هذه الأسرار المسيحيّة قد تشتط في شطحاتها ممّا يحيل لاعقلانيّتها إلى هراء وتخريف، إنّ الإيمان المسيحي ليس مشاعًا لكلّ النّاس غير أنّ كلّ النّاس يملكون موهبة التّفكير التي تجهد للوصول إلى أعمق الأمور…
إنّ الذين يؤمنون ولا يفكّرون، إنّما يتناسون أنّهم يعرّضون أنفسهم لأخطر أعدائهم وأعني الشكّ، أمّا الذين يفكّرون فيرحّبون بالشكّ لأنّه أداتهم إلى معرفة أفضل، وعلى المسيحيّين أن يكونوا أكثر تسامحًا ممّا هم عليه تجاه التّفكير«.
وعلى الرّغم من كلّ ما قيل عن عقيدة الثّالوث والإيمان النّصرانيّ فإنّ القساوسة يستميتون في الدّفاع لآخر رمق؛ يقول القسّ حبيب سعيد: »إنّ الإنسان لن يبلغ هذا الإيمان عن طريق المطارحات النّظريّة، بل بإلهام من الله وإعلان منه«، أمّا القسّ ناشد حنا فيقول في كتابه (الإيمان المسيحيّ هل هو معقول؟): » إنّنا نعرف الله بموجب الإعلان الإلهيّ، ونؤمن به بالقلب، أمّا العقل فينحني خاشعًا للإعلان الإلهي ولا يستطيع أن يعترض عليه، لأنّه ليس ضدّ العقل بل هو أكبر منه ويسمو فوقه«.
ويضيف: »ليس الإيمان الحقيقيّ اقتناعًا عقليًّا بمبادئ صحيحة، والاعتراف بها، والدّفاع عنها، بل هو الثّقة التامّة بإعلان الله عن ذاته وطبيعته في كلمته«، وأمّا عن الثّالوث فيزعم ناشد حنا أنّ لامعقوليّته وعدم موافقته للمنطق والفهم البشريّ هو الدّليل على صحّته!!
وإليك زعمه: »تبدو هذه الحقيقة "الثّالوث" معقّدة فعلاً وصعبة الاستيعاب، ولكن أليس هذا دليلاً واضحًا على صحّتها وعلى أنّ الله نفسه هو الذي أعلن ذاته بها؟ لأنّ الإنسان إذا أراد أن يزيّف إيمانًا أو يصنعه فإنّه يصنعه وفق الفطرة البشريّة وفي مستوى العقل ليسهّل قبوله واستيعابه، أمّا إذا كان الأمر خاصًّا بحقيقة الله غير المحدود فلا بدّ أن يكون الإعلان كبيرًا فوق الفهم الطّبيعيّ وأسمى من العقل..« !!!
فهل يمكننا الموافقة على هذا المنطق !؟ لا والله، لأنّه إذا كان الإيمان النّصرانيّ صحيحًا لكونه فوق الإدراك ومخالفًا للعقل والمنطق، للزمنا الإيمان بعشرات الأديان والعقائد التي لا تستند لأيّ ذرّة من عقل بشريّ، كعبادة البقر أو تلك العبادة الشّهوانيّة لفرج المرأة والرّجل مثلما هو واقع في بعض البلدان الآسيويّة .. !؟
يقول يونغ في كتابه (علم النّفس والدّيانة الغربيّة): »لقد ظلّ الإنسان على مدى القرون الطّويلة محيرًا بالتّثليث، مضطرًّا إلى أن يعمل فكره بحماسة شديدة جدًّا ليهتمّ بقضايا ومسائل غريبة تبدو لنا الآن غامضة مبهمة إن لم تكن عبثيّة، ولا بدّ لنا من القول أوّل كلّ شيء أنّه يصعب علينا أن نفهم ما يعنيه التّثليث لنا، سواء على المستوى العمليّ أو المستوى الأخلاقيّ أو الرّمزيّ، إنّ اللاّهوتيّين أنفسهم يشعرون أحيانًا بأنّ المناقشات حول هذه القضيّة تظهر وكأنّها نوع من أنواع الشّعوذة الفارغة وغير المجدية، وكان الباحث الألمانيّ د. ف ستراوس قد كتب يقول:"الحقيقة أنّ كلّ من يعلن إيمانه بهذه العقيدة إنما يعلن تخليه عن قوانين التّفكير البشريّ "، ولا شكّ في أنّ الإنسان الوحيد القادر على مثل هذا القول هو الإنسان الذي نزع القداسة عن هذه الأفكار واستعاد نشاطه الذّهنيّ … ولا شكّ أنّ كلّ من يحاول التعرّض لمسألة التّثليث من وجهة نظر فكريّة أو عقلانيّة سيضطرّ إلى الجدل والخصام والتعرّض لغوغائيّة آباء الكنيسة الفارغة المعنى«.
ويضيف »إنّ عودة الإنسان، وخصوصًا رجل اللاّهوت إلى العقل والمنطق وأشباههما يدلّ على أنّ كلّ الجهود التي بذلتها المجامع المسيحيّة واللاّهوت قد فشلت، ولم تستطع أن تقدّم للأجيال تصوّرًا فكريًّا لهذه العقيدة يجعلهم يدعمونها أو يتعاطفون معها على الأقلّ، وهنا لا يبقى إلاّ الإذعان للإيمان والإقلاع عن الفهم، فالإيمان هنا كما دلّت التّجربة يفوز، لكنّه يخلي مكانه للنّقد الذي قد لا يكون جديرًا بالتعرّض لموضوع الإيمان، وهذا النّقد غالبًا ما ينشر مناخًا تنويريًّا عقليًّا، ولكن لم يخطر ببال أحد من هؤلاء النقّاد أنّ طريقة معالجة هذا الموضوع خاطئة وأنّها لا تتناسب معه أبدًا، إنّهم يعتقدون أنّهم يعالجون حقائق عقليّة ويتناسون أنّ هذه المسألة كانت دائمًا ظاهرة نفسيّة لاعقلانيّة«.
هذه خلاصة بعض تلك العقائد العليلة الهزيلة، ولم يكن هدفي التعمّق في غياهبها، والولوج في مجاهلها، إنّما حسبي أنّني أثرت تساؤلات عدّة تضع رجال الدّين في زاوية ضيّقة، لا يخرجون منها إلاّ بالاعتراف ببطلان تلك العقائد ممّا سيكون تمهيدًا لاعتناقهم الحقّ، فإن أبوا إلاّ المكابرة، فنقول لهم: قد علمتم الحقّ وعرفتم الصّواب، فلا حجّة لكم عند الله يوم القيامة،  ولكن ليقضي الله أمرًا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بيّنة ويحي من حي عن بيّنة وإنّ الله لـــسميع عليم  الأنفال 42.




فشل الإقناع بالبيان واللّجوء إلى الحيلة
والاستهواء

في تحقيق إذاعيّ عن النّصرانيّة قبل سنوات وصفت إذاعة فرنسا الدّوليّة RFI الكنائس "الخالية" في إسبانيا بأنّها صحراويّة désertique، رغم ما عرف الإسبانيون به من التديّن، أكثر من الشّعوب الأوروبيّة الأخرى … وفي سنة 2002 ذكرت دراسة سويديّة أنّ الكنائس السّويديّة أصبحت خاوية على عروشها، خصوصًا من الذين يدفعون اشتراكات للكنيسة، لذلك بدأت الكنائس السّويديّة تبحث عن مصادر تمويل أخرى، لقد هجر النّصارى دينهم وكنيستهم منذ زمن بعيد لكنّهم لم يكونوا قادرين على التّعبير عن ذلك؛ لما كانت تتمتّع به الكنيسة من نفوذ وإرهاب دينيّ وسلطة مطلقة.
وقـد جاءت الثّورة الفرنسيّة لتقضي على التّحــالف 'الكنسيّ – الملكيّ'، فأَمِنَ النّاس من الخوف، وخرجت جحافل الثّائرين إلى شوارع باريس تصيح وراء ميرابو "لنشنق آخر ملك بأمعاء آخر قسّيس"، وكان ذلك إعلانًا صريحًا – ليس في فرنسا فحسب بل في أوروبا كلّها – عن المفاصلة بين الكنيسة والمجتمع، فبرزت عشرات المذاهب الإلحاديّة التي وقفت في وجه رجال الكنيسة وأفكارها، بل ذهبت إلى حدّ الكفر بالدّين والاستهزاء به ونقده بعلم وبغير علم، والسّؤال لماذا حدث كلّ هذا؟ والجواب طويل سنحاول اختصاره.
قد يقول قائل: إنّ الفرار الجماعيّ من الكنيسة كان نتيجة الطّغيان الرّوحيّ والعقليّ والسّياسيّ والماليّ … الذي مارسه رجال الكنيسة طيلة قرون على الشّعب، ولن نخالف من يقول ذلك، بل نجزم به، ولكن لم يكن ذلك الطّغيان هو السّبب الوحيد، إنّما السّبب الأساسيّ لذلك النّزوح عن النّصرانيّة هو عدم اقتناع الأفراد بها والتّصديق بفلسفتها، وقد عاش معتنقو هذه الدّيانة في حيرة وارتباك وصراع بين العقيدة والعقل، ولم تكن عقيدة غامضة ومستحيلة ومضطربة كتلك لتشبع غريزتهم الدّينيّة وحاجاتهم الرّوحيّة وتوائم فطرتهم البشريّة.
وهناك بعض النّظريّات في علم النّفس مفادها أنّ الإنسان بطبعه يبحث عن التّوازن النّفسيّ والدّاخليّ في حياته ولا يهدأ حتّى يبلغ حالة يقضي فيها على التوتّر الذي يكتنفه ويُخلّ بتوازنه، فلهذا يحاول الفرد أن يزيل هذا التّأثير الخارجيّ أو الدّاخليّ ليجد الرّاحة النّفسيّة التي يرجوها، وانطلاقًا من هذا المبدأ فإنّ كثيرًا من النّصارى لجأوا إلى إزالة هذا التوتّر، الذي أقحمتهم فيه الكنيسة وورثوه عن آبائهم وأجدادهم؛ فمنهم من ترك النّصرانيّة إلى الإلحاد واللاّدينيّة وتبنى مناهج شتّى في التّعبير عن سخطه على الدّين، ومنهم من ذهب يتلمّس الحقيقة في أديان الهند والصّين الشاذّة، وبعضهم انغمس في المسكّرات والمخدّرات والشّهوات الماليّة والجنسيّة وفي كلّ الملهيّات التي تنسيه معاناته الرّوحيّة، وأمّا أسعد النّاس منهم فهم أولئك الذين اعتنقوا الإسلام فوجدوا ضالّتهم، ولله الحمد والمنّة.
حاول رجال الكنيسة استرجاع النّصارى المتفلتين إلى حظيرة الكنيسة، لا حرصًا منهم على هدايتهم ولكن طمعًا في عودة نفوذهم الضّائع، ولقد فشلوا فشلاً ذريعًا في ترويج عقيدتهم والدّعاية للإيمان بأسرارها والتّبشير بألغازها؛ إذ لم تعد الخطب الرنّانة والعظات في يوم الأحد تجدي نفعًا، الأمر الذي دفع الكنيسة وسدنتها إلى ابتكار طرق عديدة واختراع أساليب أعظم إثارة وأكثر جاذبيّة؛ ففتحوا بابًا واسعًا من التّلاعب بالعقول والخداع باستخدام الحيل المختلفة.
وليست بوادر تلك التّلاعبات حديثة؛ فقد وجدت منذ البداية عندما حوّل القساوسة النّصرانيّة إلى مجموعة من المعجزات والخوارق، التي أجراها الله تعالى على يد المسيح فأضحت بذلك تلك الخوارق غاية، وليست وسيلة لإحقاق الحقّ، وفي غمار ذلك تناسى الجميع الأصل، وهو التّعليمات والتّوجيهات في العقيدة والشّريعة والأخلاق المسطرة في الإنجيل، فلا تكاد تسمع الآن تلك النّصوص الهادية، بينما كلّ حين وكلّ وقت تكرّر عليك قائمة كاملة من الخوارق كإحياء الموتى، شفاء المرضى، المشي على الماء، إطعام الآلاف بقليل السّمك والخبز… فأصبحت هذه الطّريقة الدّعائيّة رائجة، مع أنّ الله تعالى أجراها على أيدي أنبيائه للحاجة ولإقامة الحجّة، ومساندة شريعة وعقيدة واضحة سهلة خالية من التّعقيد، تتفيّأ ظلالها الربّانيّة والهداية الإلهيّة، لذلك كانت أعظم المعجزات الإسلاميّة هي بلاغة القرآن، وقوّة الحجّة والبيان بدل إحياء الموتى وإبراء المرضى.. إلاّ فيما ندر.
وبعد رفع المسيح استغلّ القساوسة هذا الأسلوب وادّعوا في كلّ مكان أنّ لهم قدرات وخوارق، ونفّذوا بعضها بطرق ملتوية، ولكن هذه الأشياء يحسنها كلّ واحد حتّى البوذيّون والهندوس وسحرة "السيرك"، وهل ذلك كافٍ ليشفع لهم أمام بساط العلم والعقل والحقيقة !!؟ بل عمد رجال الكنيسة إلى الحيل الكاذبة والخداع المموّه ومن أمثلتها:
تلفيق تمثال للعذراء مريم يدرّ اللّبن، انخدع به العديد من النّاس، وتبيّن وجود شمّاس وراء الجدار يصبّ اللّبن عبر أنبوب موصول بالثّدي!!، أو تلك الكنيسة التي زعم النّاس أنّ في المواسم تنزل نار من السّماء فتضيء الشّموع، وتبيّن كذلك أنّ المسؤولين في الكنيسة ركّبوا سلكًا مطليًّا بمواد قابلة للاشتعال يقوم الشمّاس بإشعال الفتيلة خفية عند السّاعة المطلوبة!!
وتجاوزوا في عصرنا تلك الأساليب البالية إلى استغلال الاختراعات الإلكترونيّة والتكنولوجية، لإحداث بعض الظّواهر الإعجازيّة في الكنائس ثمّ نسبتها إلى روح القدس، كما حدث في بعض الكنائس بمصر، والقصص في ذلك كثيرة اكتشفت بعضها وما يزال الكثير!، وأين كلّ هذا من التّعاليم والمبادئ السّامية والأخلاق التي جاء بها المسيح ؟!
وكان من الحيل وأساليب الجذب الأكثر استخدامًا التّنصير بوسائل غير أخلاقيّة؛ كاستغلال الفقر والجوع والمرض والجهل والعوز، فانظر – رحمك الله – إلى المنصّرين كيف يصطادون في الماء العكر؛ إذ لا توجد بقعة في العالم يعاني فيها البشر من ظروف المعيشة الصّعبة "فقر، جوع، مرض، جهل" أو يصارعون الموت في الحروب والكوارث الطّبيعيّة إلاّ ووجدت "خدّام الكلمة" يحومون حولهم، يحملون في أيديهم الدّواء والقوت والمال، وفي اليد الأخرى الإنجيل والصّليب، وتحت تلك الضّغوط القاسية والمحن الشّديدة يستسلم المساكين لأولئك المنصّرين، لا طمعًا في ملكوتهم السّماويّ، ولا في حياتهم الأبديّة ولكن طمعًا في دفع المرض وسدّ الرّمق، وهنا نتساءل هل هذه طرق ووسائل تحترم الإنسان وحقوقه، وتقدر النّفس البشريّة وتعرف الضّمير والأخلاق؟ ثمّ تفتخر بعدها الكاثوليكيّة بإنجازاتها الهائلة في أدغال إفريقيا!!؛ في حين يعظم البروتستانت "إنتاجيّتهم" المكتسبة في الأمازون وللّه في خلقه شؤون!!.
ولا حيلة "لخدّام الكلمة" المتنافسين إلاّ تلك الطّريقة؛ لأنّهم حين يتبنّون الإقناع بالبرهان والدّليل يفشلون عند أوّل وهلة ويتعثّرون في أوّل الطّريق، لأنّهم في هذا المجال خواء وبلقع وفاقد الشّيء لا يعطيه.
وأذكر قصّة سمعتها من أحد كبار المنصّرين في الشّرق الأوسط، وقد أسلم وفضح أساليب المنصّرين والإرساليّات، في محاضرة له قال: »كنت أدفع "33 " ألف جنيه مصريّ لكلّ من يتنصّر في قرى السّودان، وكان أن تنصّر أحد الذين أقعدهم الفقر والجوع مقابل ذلك المبلغ، وسافر معي في الباخرة فدخلت عليه الغرفة فجأة فوجدته يصلّي صلاة المسلمين، فقلت له كيف تصلّي هذه الصّلاة، وقـد أخذت "33 " ألف جنيه لدخول النّصرانيّة؟ فقال لي: لقد بعت لك جسدي بـ "33 " ألف جنيه أمّا روحي فهي لله والإسلام ولا يمكنني بيعها لأحد«.
وتتواتر حلقات الابتكار عند المنصرين وتزداد تفنّنًا، فكان من آخرها ولوج باب التّبشير بالفنّ والموسيقى والرّقص والنّساء، وتكاد تكون هذه الوسيلة أنجحها في استقطاب الهاربين من الكنيسة؛ فقد نظر خدّام الكلمة إلى المجتمع فألفوا النّاس يقدّسون الفنّ وتنشرح صدورهم الخاوية للغناء والموسيقى واللّهو، ووجدوا عبوديّة الجنس والهيام بالأضواء والأنوار والألوان والأصوات الصّاخبة، وباختصار كلّ مظاهر الجمال والزّينة والدّيكور .. وكلّ الملهيّات والملذّات، فقالوا في أنفسهم ولماذا لا ننقل هذه الأشياء كلّها إلى ساحة الكنائس، فلن نخسر شيئًا أكثر ممّا خسرنا، بل سنعيد مجدنا التليد ونفوذنا وغفران المسيح المصلوب، وأمّا الوسيلة لذلك فلا تزعجنا، إذا كانت النّتيجة ترضي المسيح؛ فالغاية تبرّر الوسيلة والعبرة بالمقاصد !.
وشيّدت الكنائس والكاتدرائيّات بهندسة حديثة، وأبدع المعماريّون في الدّيكور والزّخارف والأشكال والألوان.. وحلّت محلّ تلك الكنائس الموحشة، المغبّرة، المخيفة، العتيقة كنائس أشبه بالمسارح وقاعات العرض واللّهو.. جدران زجاجيّة، أضواء حمراء، وخضراء، وزرقاء.. أثاث عصريّ، ورود وأزهار، صور وتماثيل… وتقلّصت المساحة الزّمنيّة للعظات المملّة والخطب الجامدة ومُلئت الأوقات ببرامج مغرية… وبأمسيات الشّاي والكعك وحفلات التّعارف والسّهرات الموسيقيّة، وكثر المرنّمون وارتفعت أصوات التّرانيم المصحوبة بالسّنفونيّات وأحيانًا بموسيقى الجاز والبلوز والروك والهيب هوب والجوسبل، وشهد نشاط الكنيسة كثافة خلال الأسبوع كلّه لا الأحد فقط، وتعدّدت أعياد القدّيسين( ) وتنوّعت المناسبات الدّينيّة والكرنفالات، فسقط كثير من هوّاة الملهيّات في شراك خدّام الكلمة فرجع بعضهم إلى أماكن العبادة، عفوًا اللّهو !!
وصدق عليهم قول ابن القيّم – رحمه الله – في كتابه (إغاثة اللّهفان من مصائد الشّيطان): »ولمّا علمت الرّهبان والمطارنة والأساقفة، أنّ مثل هذا الدّين تنفر عنه العقول أعظم نفرة، شدّوه بالحيل والصّور في الحيطان بالذّهب والأزورد والزّنجفر والأرغل "آلة موسيقيّة " وبالأعياد المحدثة، ونحو ذلك ممّا يروج على السّفهاء وضعفاء العقول والبصائر «.
هذا كلّه يحدث داخل جدران الكنيسة أمّا المهرجانات والتجمّعات والاحتفالات والرّحلات التّرفيهيّة التي تنظّمها النّوادي الكنسيّة، والتي تجري في البرّ والخلاء فالله أعلم بما فيها من أسرار تبشيريّة لاهوتيّة مقدّسة، وهكذا التّبليغ والتّبشير وإلاّ فلا!
وهذا الإنجلوكاثوليكيّ الإنجليزيّ B. Devis يقول: » إنّ كثيرًا من النّاس أخذ يفلت من قبضة المسيحيّة ولا سيّما الجيل النّاشئ، فبدت الكنيسة عاجزة عن التصرّف مع الوضع الحالي المتأزّم فحاولت استهواء أتباعها بالبخور المعطّر والأضواء، وملابس الكهنوت الملوّنة، وبالصّلوات والتّراتيل المطوّلة للقدّيسين، وبكثير من وسائل الاستهواء«.
وعلى نفس النّغمة برز توجّه قويّ لاستغلال هذه المغريات في وسائل الإعلام التّنصيريّة، كالإذاعات ومحطّات التّلفزيّون، وأكبر دليل على ذلك تلفزيون الشّرق الأوسط التّنصيريّ، الذي يبثّ يوميًّا برامج ببراعة إعلاميّة فائقة توظّف فيها أحدث التّقنيّات الاتّصاليّة، وأشهر البرامج المبثوثة برنامج 'نادي 700' '700 CLUB ' الذي يستضيف طابورا من الممثّلين والمغنّين، والمخرجين والكتّاب ولاعبي كرة السلّة، والبيزبول "Base ball " والملاكمة وغيرهم من المشاهير، وتعرض لقطات من الألعاب والسكتشات والتّمثيليّات المحبوكة بإتقان، والموسيقى والتّرانيم، ويجري البرنامج مقابلات مع أصحاب السّوابق التّائبين بعدما عرفوا طريق الكنيسة، ومرضى السّرطان والسكّريّ والعلل الغريبة الذين شفوا منها بمعجزة يسوعيّة خارقة!! أو أولئك الذين يأتون لحكاية قصصهم العائليّة والحوادث والمصائب التي تجاوزوها أو نجوا منها بأعجوبة وببركة الإنجيل طبعًا !!
هذا باختصار شديد وصف هذه الظّاهرة الإعلاميّة الفريدة، لكن لا يفوتني أن أذكر اللّسان المعسول، وبراعة الكلام التي يمتلكها مقدّمو البرنامج "باث روبرتسون" والقسّيسة خادمة الكلمة! " تيري ميوسن" هذه المبشّرة البروتستانتيّة، التي لا يقلّ دورها عن زميليها "باث" و"بن كينشو"، بل يتجاوزه إلى تزيين المجلس والشّاشة بضحكاتها وشعرها الأشقر وأحيانًا كثيرة بساقيها "الجميلتين" عندما يرتفع الثّوب القصير فوق الرّكبة، وهي من مستلزمات أسرار التّبشير، طبعًا!، وأتساءل هل كانت هذه الثّياب المغرية التي ترتديها القسّيسة!؟ وزميلاتها في برامج التّنصير تشبه تلك التي ارتدتها سارة زوجة إبراهيم أو رفقة زوجة إسحاق أو مريم أم المسيح !؟ مع العلم أنّ ثمّة ثلاث آيات في العهد القديم و ثلاث أخرى في الجديد تدعو للتستّر وتمنع الزّينة والتبرّج، لكن من يسمع !؟، فإدخال المسلمين في النّصرانيّة هو أولى الأولويّات عندهم، وقد أشغلهم هذا العمل النّبيل عن الالتفات لأنفسهم وستر عوراتهم.!
والمرأة الآن في المجتمع الكنسيّ شبكة صيد لا مثيل لها، يجلب بها الشّباب "الضالّ" إلى الكنيسة، فلا يكاد يخلو برنامج تلفزيونيّ تنصيريّ من الشّابات الجميلات والفتيات المتغنجات، وفي الكنائس من المرنّمات المراهقات الفاتنات بألبسة وأثواب مغرية تأخذ الألباب، وتنظّم حفلات مختلطة بين الجنسين في قاعات جانبيّة داخل كلّ كنيسة، يختلط فيها الحابل بالنّابل ويترك الحبل على الغارب.
وتجد الفتيات النّصرانيّات – وأكثرهنّ من الطّالبات – الكنيسة مكانًا ملائمًا للالتقاء بالزّملاء والأصدقاء، خاصّة في مجتمعنا الشّرقيّ، الذي تخشى الفتاة فيه الخروج إلى الشّوارع والملاهي مـع صديقها، خوفًا من كلام النّاس! أمّا الشّباب فلماذا لا يـذهب إلى دار "اللّهو والعبادة "! و هو يعلم أنّ ثمّة ما يثلج صدره من جلسات ووقفات وحركات… مع الأجساد الملتهبة، والأبدان المثيرة، والابتسامات، والنّظرات… إلخ.
كنت أظنّ أنّ هذه الأمور تحدث في كنائس الغرب فقط، ولكن عندما دخلت عدّة كنائس في بلدان عربيّة شرقيّة، رأيت بعيني ما يشيب الرّأس ويحيّر العقل، دخلت يومًا كنيسة معمدانيّة في الأردن، كنت وقتها طالبًا في قسم الصّحافة، وكان عندي موعد مع القسّ فواز، فوجدت حفلة مختلطة مريبة فحاول القسّ إغرائي بالحضور والمشاركة؛ فقال: "يوجد طالبات من جامعتك" واعترضني أحد المعمدانيّين داخل الكنيسة ودعاني للدّخول في الحفلة فقلت: "لكن أنا مسلم "فقال: "نعم وأنت كذلك أخونا في الربّ " !، إنّها أساليب ميكيافيليّة لست أدري ماذا يكون ردّ فعل المسيح أو أحد حواريّيه لو سمعوا بمثلها !؟
لقد بلغ حجم اختراق العلمانيّة واللاّدينيّة الكنيسة إلى أكثر من ذلك، فيقول علي جريشة في كتابه (الإعلام والدّعوة الإسلاميّة): »وامتدّت العلمانيّة داخل الكنيسة نفسها، حتّى إنّ بعض رجال الدّين لم يجدوا بدًّا للتّرويج لبضائعهم إلاّ بالتّرويج الجنسيّ للفتيان والفتيات؛ فشرّعوا حفلات رقص تعقب الصّلوات، التي تؤدّى في الكنائس تحت رعاية رجال الدّين وتشجيعهم«.
وأنقل تجربة حيّة وواقعيّة من إحدى مقالات سيّد قطب – رحمه الله – وكتبها فور رجوعه من أمريكا، وقد كان في الأربعينات من هذا القرن مقيمًا فيها، وعضوًا في عدّة نواد كنسيّة فإليك كلامه على طوله: »إذا كانت الكنيسة مكانًا للعبادة في العالم المسيحيّ كلّه، فإنّها في أمريكا مكان لكلّ شيء إلاّ العبادة، وإنّه ليـصعب عليك أن تفرّق بينها وبين أيّ مكان آخر مـعدّ للّهو والتّسلية، أو ما يسمّونه بلغـتهم الـ Fun ومعظم قصّادها إنّما يعدّونها تقليدًا اجتماعيًّا ضروريًّا، ومكانًا للّقاء والأنس، ولتمضية وقت طيّب، وليس هذا شعور الجمهور وحده، ولكنّه كذلك شعور سدنة الكنيسة ورعاتها.
ولمعظم الكنائس ناد يتألّف من الجنسين، ويجتهد راعي كلّ كنيسة أن يلتحق بالكنيسة أكبر عدد ممكن، وبخاصّة أنّ هناك تنافسًا كبيرًا بين الكنائس المختلفة المذاهب؛ ولهذا تتسابق جميعًا في الإعلان عن نفسها بالنّشرات المكتوبة وبالأنوار الملوّنة على الأبواب والجدران للفت الأنظار، وبتقديم البرامج اللّذيذة المشوّقة لجلب الجماهير، بنفس الطّريقة التي تتبعها المتاجر ودور العرض والتّمثيل، وليس هناك من بأس في استخدام أجمل فتيات المدينة وأرشقهنّ، وأبرعهنّ في الغناء والرّقص والتّرويح، وهذه مثلاً محتويات إعلان عن حفلة كنسيّة، كانت ملصقة في قاعة اجتماع الطّلبة في إحدى الكلّيّات: "يوم الأحد أوّل أكتوبر – في السّاعة السّادسة مساء – عشاء خفيف، ألعاب سحريّة، ألغاز، مسابقات، تسلية.. ".
وليس في هذا أيّة غرابة، لأنّ راعي الكنيسة لا يحسّ أنّ عمله يختلف في شيء عن عمل مدير المسرح، أو مدير المتجر، النّجاح يعود عليه بنتائجه الطيّبة: المال والجاه، فكلّما كثر عدد الملتحقين بكنيسته عظم دخله، وزاد كذلك احترامه ونفوذه في بلده؛ لأنّ الأمريكيّ بطبيعته يؤخذ بالفخامة في الحجم أو العدد، وهي مقياسه الأوّل في الشّعور والتّقدير.
كنت ليلة في إحدى الكنائس ببلدة جريلي بولاية كولورادو – فقد كنت عضوًا في ناديها، كما كنت عضوًا في عدّة نوادٍ كنسيّة في كلّ جهة عشت فيها؛ إذ كانت هذه ناحية هامّة من نواحي المجتمع تستحقّ الدّراسة عن كثب، ومن الدّاخل – وبعد أن انتهت الخدمة اللّيليّة في الكنيسة، واشترك في التّراتيل فتية وفتيات من الأعضاء، وأدّى الآخرون الصّلاة، دلفنا من باب جانبيّ إلى ساحة الرّقص، الملاصقة لقاعة الصّلاة، يصل بينهما الباب، وصعد "الأب" إلى مكتبه وأخذ كلّ فتى بيد فتاة، وبينهم وبينهنّ أولئك الذين واللّواتي كانوا وكنّ يقومون بالتّرتيل ويقمن!.
وكانت ساحة الرّقص مضاءة بالأنوار الحمراء والصّفراء والزّرقاء، وبقليل من المصابيح البيض، وحمي الرّقص على أنغام "الجراموفون" وسالت السّاحة بالأقدام والسّيقان الفاتنة، التفت الأذرع بالخصور، والتقت الشّفاه بالصّدور.. وكان الجوّ كلّه غرامًا حينما هبط "الأب" من مكتبه، وألقى نظرة فاحصة على المكان ومن في المكان، وشجّع الجالسين والجالسات ممّن لم يشتركوا في الحلبة على أن ينهضوا فيشاركوا، وكأنّما لاحظ أنّ المصابيح البيض تفسد ذلك الجوّ "الرّومانتيكيّ" الحالم، فراح في رشاقة الأمريكانيّ وخفّته يطفئها واحدًا واحدًا، وهو يتحاشى أن يعطّل حركة الرّقص، أو يصدم زوجًا من الرّاقصين في السّاحة، وبدا المكان بالفعل أكثر "رومانتيكيّة" وغرامًا، ثمّ تقدّم إلى "الجراموفون" ليختار أغنية تناسب الجوّ، وتشجّع القاعدين والقاعدات على المشاركة فيه.
واختار.. اختار أغنية أمريكيّة مشهورة اسمها: 'But baby it is cold out side '، 'ولكنّها يا صغيرتي باردة في الخارج'، و هي تتضمّن حوارًا بين فتى وفتاة عائدين من سهرتهما، وقد احتجزها الفتى في داره، وهي تدعوه أن يطلق سراحها لتعود إلى دارها فقد أمسى الوقت، وأمّها تنتظر.. وكلّما تذرّعت بحجّة أجابها بتلك اللاّزمة: "ولكنّها يا صغيرتي باردة في الخارج! " وانتظر الأب حتّى رأى خطوات بناته وبنيه، على موسيقى تلك الأغنية المثيرة، وبدا راضيًا مغتبطًا، وغادر ساحة الرّقص إلى داره، تاركًا لهم ولهنّ إتمام هذه السّهرة اللّذيذة .. البريئة!.
وأب آخر يتحدّث إلى صاحب لي عراقي، فقد توثّقت بينهما عرى الصّداقة، فسأله عن "ماري" زميلته في الجامعة: "لم لا تحـضر الآن إلى الكنيسة؟" ويبدو أنّه لا يعنيه أن تغيب الفتيات جميعًا وتحضر "ماري "، وحين يسأله الشّابّ عن سرّ هذه اللّهفة يجيب: "إنّها جذّابة، وإنّ معظم الشبّان إنّما يحضرون وراءها! ".
ويحدّثني شابّ من شياطين الشبّان العرب الذين يدرسون في أمريكا، وكنّا نطلق عليه اسم "أبو العتاهية " – وما أدري إن كان ذلك يغضب الشّاعر القديم أو يرضيه! – فيقول لي عن فتاته – ولكلّ فتى فتاة في أمريكا – إنّها كانت تنتزع نفسها من بين أحضانه أحيانًا؛ لأنّها ذاهبة للتّرتيل في الكنيسة، وكانت إذا تأخّرت لم تنج من إشارات "الأب" وتلميحاته إلى جريرة "أبي العتاهية" في تأخيرها عن حضور الصّلاة ! هذا إذا حضرت ودها من دونه، فأمّا إذا استطاعت أن تجرّه وراءها، فلا لوم عليها ولا تثريب!.
ويقول لك هؤلاء الآباء: إنّنا لا نستطيع أن نجتذب الشّباب إلاّ بهذه الوسائل!، ولكنّ أحدًا منهم لا يسأل نفسه: وما قيمة اجتذابهم إلى الكنيسة، وهم يخوضون إليها مثل هذا الطّريق، ويقضون ساعاتهم فيه؟ أهو الذّهاب إلى الكنيسة هدف في ذاته، أم آثاره التّهذيبيّة في الشّعور والسّلوك؟، ومن وجهة نظر "الآباء" التي أوضحتها فيما سلف، مجرّد الذّهاب هو الهدف، وهو وضع لمن يعيش في أمريكا مفهوم« !.
هذا غيض من فيض، ممّا لا يمكن حصره في هذه العجالة، وتسعى الكنائس الآن إلى تفادي مناقشة المواضيع المتعلّقة بالأسرار الإلهيّة، وعدم طرحها في الكنيسة، خصوصًا على الشّباب؛ لأنّها تعلم أنّ تلك القضايا "مشكلات" تنفّرهم من الكنيسة، وتجعل الكثير منهم يعتنقون الإسلام، إذ إنّ نسبة النّصارى الذين يعتنقون الإسلام في العالم يتجاوز عشرات الآلاف كلّ سنة، أغلبهم من الشّباب والمثقّفين والجامعيّين.
شهادات نصارى اعتنقوا الإسلام


يحوي هذا الفصل شهادات مثيرة ورائعة لمجموعة من النّصارى الذين اعتنقوا الإسلام، ورضوا به عقيدة وشريعة، وكلّ واحد من هؤلاء كانت له أسبابه الخاصّة لهذا التحوّل، بيد أنّهم أجمعوا على أنّ أهمّ الأسباب التي جعلتهم ينفرون من النّصرانيّة هو عدم اقتناعهم بها؛ لأنّ الإيمان النّصرانيّ يصادم الفطرة البشريّة، ويدخل في نزاع مع العقل والمنطق، الأمر الذي قلب حياة معتنقيها إلى صراع دائم بين عقولهم وعواطفهم، هذا الصّراع الدّاخليّ أزعجهم وقضّ مضاجعهم، كيف ينامون وتقر أعينهم !؟ وهم يؤمنون بعقيدة غامضة، صعبة غير مقتنعين بها ولا مصدّقين بأسرارها التي يتلقّونها كلّ يوم "أحد" من أفواه رجال الكنيسة، والأمر ليس هيّنًا بل هو عظيم يتعلّق بحياتهم الدّنيويّة، وبعدها بمصيرهم الأبديّ، فبدأوا بالتّفكير والبحث، وإعمال العقل فاهتدوا إلى دين الإسلام، الذي أقر أعينهم ومنحهم الرّاحة النّفسيّة وسينالون الفوز في الآخرة، إن شاء الله.
وكلّهم يشهدون للإسلام: لا أسرار، ولا مستحيلات عقليّة، ولا إلغاء للعقل، ولا خرافات، ولا تجديف على الله، ولا رجال دين، ولا طاعة عمياء، ولا إتباع بدون دليل، ولا إيمان بلا تدبّر وتفكّر.
فالعقيدة الإسلاميّة واضحة وضوح الشّمس، والشّريعة جليّة للعيان، فشتّان بين النّصرانيّة والإسلام وكلّ إناء بما فيه ينضح، وتأتي هذه الشّهادات للتّمثيل لا الحصر من علماء وأطبّاء وأساتذة جامعيين وباحثين وسياسيّين بل من قساوسة ورجال دين.
1



1. محمّد فؤاد الهاشميّ
أبدأ هذا الفصل بشهادة مطوّلة لأحد الشّمامسة( ) العرب، الذين عرفوا النّصرانيّة عن كثب، ثمّ تحوّلوا إلى الإسلام؛ فقد كتب الأستاذ محمّد فؤاد الهاشميّ هذه الكلمات التي نقلتها رغم طولها من كتابه (سرّ إسلاميّ) يقـــول: » أثناء دراستي للدّين المسيحيّ، وتعمّقي في جنباته صادفتني مشاكل عقليّة متعدّدة؛ كنت في البداية أطرحها جانبًا إلى حين، ثمّ أعاود الرّجوع إليها فيكون نصيبها التّأجيل كالمرّة الأولى، وكلّ يوم تزداد المشاكل عن ذي قبل، حتّى كوّنت عندي ما يشبه العقد، وولّدت عندي اليأس من فهم تلك المشاكل المعقّدة.
بعد الدّرس كنت أخلد أحيانًا إلى نفسي؛ محاولة منّي لإيجاد الحلول للمسائل المعقّدة، وكانت توجد حلول، لكنّها حلول لا ترضي العقل ولا يستريح بها الضّمير إلاّ مؤقّتًا؛ طمعًا في أنّي يومًا ما ربّما تكون قد اتّسعت مداركي واستطعت حلّها، و لكن بعد سنوات الدّراسة الثّلاث في اللاّهوت لم أجد البياض النّاصع الذي يعتبر أساسًا للدّين، ولم أعثر على الوضوح والبساطة، الذي يجب أن تتحلّى بها العقيدة، إنّما كنت أجد بقعًا عديدة من الأصباغ ظننتها بادئ ذي بدء زينة الدّين، ولكنّي كلّما تعمّقت واستعملت العقل وذهبت بالفكر؛ أي مذهب بين الكتب والمتون والشّروح، أعود إلى النّقطة التي بدأت منها دون الخروج بأيّ جواب شاف عن أسئلة العقل المتلاحقة بغير هوادة، وشككت في عقلي، واتّهمت ملَكة فهمي بالضّعف، وأيقنت أنّ ذلك تصوّر منّي وربّما وجدت المخرج عند أساتذتي الكهنة والقساوسة والدّعاة الأكليريكيّين.
كان كلّ منهم يريد أن يظهر قدرته ومدى مساهمته في هذا الدّين، فحمّلوا الدّين ما لا يُطيق من الإضافات والتّفسيرات، ووصل الحال في بعضها إلى أن أصبحت هذه الإضافات والتّعليقات هي الأصل، والدّين ذاته في المرتبة الثّانية من حيث الأهمّيّة، ويبدو أنّ أدعياء الدّين أو محترفيه لم تعجبهم بساطته وأرادوا له أن يكون معقّدًا؛ لأنّه كلّما كان معقّدًا اتّجه النّاس إليهم يسألونهم تفسيرًا لكلّ ما يحويه من ألغاز، على أن تظلّ شوكتهم قويّة ويبقى سلطانهم راسخًا، فمن جهة المتديّنين فرضوا لهم طقوسًا، ورسموا طرقًا، وابتدعوا احتفالات، وصمّموا ملابس، وألّفوا ترانيم وصلوات، وتفنّنوا في خزعبلات، واستغلّوا مجريات الأمور لأنفسهم فجعلوا مصائر النّاس في أيديهم؛ ليظلّوا المهيمنين عليهم والمرشدين لهم.
أمّا من جهة خالقهم فأرادوا أن يزيدوا في درجة احترامه سبحانه وتعالى، فابتدعوا له مؤنسًا في وحدته زوجة ثمّ ابنًا، ثمّ قالوا عن الابن: إنّه هو الإله ثمّ احتاروا فقسّموا بين الأب والابن السّلطات ورسموا لهما الأقانيم، ممّا سبق لم أجد جواب الأساتذة إلاّ كجواب الكتب أو أشدّ تعقيدًا، وعسير على العقل المتحرّر أن يقبل أجوبة على علّتها، كما قال بعضهم قولتهم المشهورة: " أدّ الطّقوس التي تعلّمتها كما تعلّمتها ولا تتعب عقلك، فقد تعب قبلك كثيرون و باءوا بالخسران المبين، وطُردوا من ملكوت السّموات".
من هنا بدأ شكّي وفقدت الثّقة واستولى علي عدم الإيمان، فيما أدرس لا فيما أدين؛ لأنّ المسيحيّة دين سماويّ أتى به المسيح، وبشّر به من سبقه من الأنبياء واعترف به من بعده، ولذا بدأت أبحث وأنقّب مصمّمًا على أن لا ألغي عقلي لأنّه عسير على العقل الواعيّ أن يأخذ الأمور على علالتها، كما أنّه من العسير على إنسان وُهب شيئًا من حرّيّة الفكر أن يصمّ أذنيه عن النّداء المنبعث من وحي العقل والضّمير، واثقًا أنّي لن أطرد من ملكوت، بل هدفي أن أدخل الملكوت ومن سار على الدّرب وصل، ومن جدّ وجد؛ لأنّه من العبث ألاّ يبحث أيّ إنسان أمر دينه حتّى يؤمن إيمانًا صحيحًا، أو يترك ما لم يستطع عقله وعقول أساتذته إلى ما يفهمه العامّة، قبل الخاصّة حتّى يستريح الضّمير، ويكون ذلك دين القيمة، وإلى القارئ أقدّم بحثي الذي انتهى بي إلى الإيمان بدين القيمة – الإسلام -«.
2. حسين رؤوف (إنجلترا) Hussain Rofe
» … دفعتني فطرتي إلى البحث عن دين يروي غليلي فلسفيًّا واجتماعيًّا، فلم يكن منّي إلاّ أن قرّرت أن أفحص بدقّة كلّ الدّيانات الرّئيسيّة المعروفة في العالم… نشأت في ظلّ تقليد الكنيسة الإنجليزيّة.. وبدأت في سنّ مبكّرة أعقد المقارنات بين العقائد والطّقوس في كلٍّ من اليهوديّة والمسيحيّة، ودفعتني فطرتي إلى رفض عقيدتيْ تجسيد الإله وتكفيره لذنوب البشر، كما أنّ عقلي لم يستطع قبول تعدّد الأناجيل ونصوصها، أو الإيمان بعقيدة لا ترتكز على منطق العقل، كما هي التّقاليد المرعية في الكنيسة الإنجليزيّة.
ورغم أنّني كنت أشهد الصّلوات المسيحيّة في الكنيسة الإنجليزيّة، كما أحضرها في الكنيس اليهوديّ، وأشارك في كليهما، إلاّ أنّني في الواقع لم أكن أدين بأيّ من الدّيانتين ورأيت في الكاثوليكيّة الرّومانيّة كثيرًا من الغموض، ومن الخضوع لسلطة البشر، وأنّها تصمّ البشريّة بالنّقص بعكس ما تنسبه إلى البابا وأتباعه من تقديس يكاد يرقى بهم إلى شبه الألوهيّة«.


3. سيسيليا محمودة كانولي (أستراليا) Cecilia Mahmuda Canoolly
»لماذا أسلمت؟ أوّلاً وقبل كلّ شيء، أودّ أن أقول إنّني أسلمت لأنّني كنت في قرارة نفسي مسلمة دون أن أعلم ذلك من حداثة سنّي؛ كنت قد فقدت الإيمان بالمسيحيّة لأسباب كثيرة أهمّها: أنّني ما سألت مسيحيًّا سواء كان ممّن يقال عنهم رجال الكهنوت والأسرار المقدّسة، أو من العامّة، عن أيّ شيء يبدو لي غامضًا في تعاليم الكنيسة، إلاّ تلقّيت الجواب التّقليديّ: "ليس لك أن تناقشي تعاليم الكنيسة، ويجب أن تؤمني بها فقط"، وفي ذلك الوقت لم تكن عندي الشّجاعة الكافية لأقول لهم: "إنّني لا أستطيع الإيمان بشيء لا أعقله".
وتعلّمت من خلال تجاربي أنّ غالبيّة الذين يسمّون أنفسهم مسيحيّين لا يجدون هذه الشّجاعة كذلك… كان كلّ ما فعلته أنّي هجرت الكنيسة "الرّومانيّة الكاثوليكيّة" وتعاليمها، وركّزت إيماني في الإله الواحد الحقّ؛ لأنّ الإيمان به أيسر على النّفس من الإيمان بثلاثة آلهة كما تقول الكنيسة، وعلى النّقيض من التّعاليم الكنسيّة الغامضة البعيدة عن الإدراك، بدأت أرى الحياة أوسع وأرحب طليقة من الطّقوس والفلسفات، فكنت حيثما وجّهت وجهي أجد آيات الله… حتّى الطفل الوليد، أصبحت أحسّ أنّه معجزة رائعة جميلة، وليس كما كانت الكنيسة تصوّره لنا، تذكّرت كيف أنّني في صغري إذا نظرت إلى طفل حديث الولادة تصوّرته "مغطّى بسواد الخطيئة الموروثة"، أمّا الآن فلم يعد للقبح مكان في خيالي، بل لقد أصبح كلّ شيء أمامي جميلاً، وهنا أيضًا تهتّكت الأستار التي كانت تحد ما بيني وبين الإسلام، فما خطر لي من سؤال إلاّ كنت أتلقّى عنه الجواب المقنع الدّقيق، على النّقيض تمامًا من ذلك الهراء، الذي كنت أسمعه حينما كنت أناقش المسيحيّة «.
4. محمّد ألكسندر راسيل (الولايات المتّحدة) Mohamed Alexander Russel
(كنت لحسن حظّي ذا عقليّة فاحصة، أميل إلى أن أتحرّى الأمور، وأن أجد لكلّ شيء علّة وسببًا، ووجدت أنّ النّاس بين علمانيّين، ورجال دين – المسيحيّ – عجزوا عن إقناعي بوسائل عقليّة ومنطقيّة بحقيقة هذه العقيدة، ولكن كلا الفريقين كانوا يقولون: إنّ هذه أمور غامضة وخفيّة، أو يقولون إنّها مسائل فوق مستوى إدراكي، وأودّ أن أقرّر هنا بأنّني عندما كنت صبيًّا كانت تنقصني الحماسة الدّينيّة، التي تبدو على كثير من الصّبيان بالفطرة، ولمّا بلغت العشرين عامًا وأصبحت حر التصرّف في نفسي، ضاق صدري بجمود الكنيسة وكآبتها فهجرتها إلى غير رجعة«.





5. عبد الله أرشبالد هاملتون (إنجلترا) Abdullah Archibal Hamilton رجل دولة و بارون
» ما كدت أبلغ سنّ الإدراك والتّمييز، حتّى راود قلبي جمال الإسلام وبساطته ونقاؤه، ورغم أنّني وُلدت ونشأت مسيحيًّا، فإنّني لم أستطع مطلقًا أن أؤمن بالعقائد التي تسلّم بها الكنيسة وتفرضها، وكنت دائمًا أجعل العقل والإدراك فوق الإيمان الأعمى، ومع مرور الزّمن أردت أن أحيا وفق مشيئة خالقي، لكنّني وجدت كلاّ من كنيسة روما والكنيسة الإنجليزيّة لا يقدّمان لي ما يروي غليلي، وما كان اعتناقي للإسلام إلاّ تلبية لنداء ضميري، ومنذ تلك اللّحظة بدأت أشعر أنّني أصبحت أقرب إلى الإنسانيّة الصّحيحة«.
6. ديفيس وارنجتون – فراي (أستراليا) Devis Warrington – Fry
» حقًّا لقد انساب الإسلام في نفسي انسياب الرّبيع المشرق إلى الأرض الباردة في أعقاب شتاء مظلم، فأشاع الدّفء في روحي، وغمرني بما في تعاليمه من روعة وجمال، وكم فيها من روعة وكم فيها من جمال، كم فيها من وضوح في بنائها المنطقيّ الرّصين: "لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله". أيمكن أن يكون هناك ما هو أسمى من ذلك وأنقى؟ أين هذا من غموض عقيدة "الأب والابن والرّوح القدس"، التي قد تشيع الرّهبة في القلوب، ولكنّها لا تكاد تقنع العقل الواعي«.
7. جلال الدّين لودر برنتون (إنجلترا) Jalaluddin Louder Brunton رجل دولة وبارون
»يقولون: إنّ العقائد المسيحيّة تستند إلى الإنجيل ولكنّني وجدتها متنافرة، متضاربة، فهل من الممكن أن يكون الإنجيل وتعاليم المسيح قد أصابها التّحريف؟ عدت ثانيًا إلى الإنجيل أوليه دراسة دقيقة، فشعرت أنّ هناك نقصًا لم أستطع تحديده«.
8. إبراهيم فو (الملايو) Ibrahim Voo
» قبل إسلامي كنت كاثوليكيًّا رومانيًّا، ومع أنّي لم أكن مقتنعًا بعقائد التّثليث والعشاء الربّانيّ المقدّس والتّكريس والتّقديس وما إلى ذلك من الأمور الغامضة، إلاّ أنّني لم أفقد إيماني بالله، ولم يكن في استطاعة أي قسّيس كاثوليكيّ أن يقنعني منطقيًّا بهذه العقائد الغامضة وكان قولهم التّقليديّ: "إنّها أسرار وستبقى أسرارًا، إنّ عيسى هو خاتم الأنبياء، وما محمّد إلاّ دجّالاً".
لقد تضاءل إيماني بذلك الدّين، إلى أن خالطت كثيرين من مسلمي الملايو، وتحدّثت معهم عن الدّين، وكان الجدل يحتدم بيننا في بعض الأحيان، وبمرور الزّمن ازداد اقتناعي بأنّ الإسلام هو دين العقل والحقّ، العبادة فيه لله دون سواه، فلا ترى في المساجد صورًا أو تماثيل أو لوحات«.
9. ت. هـ. مكباركلي (أيرلندة) T.H. Mc Barklie
نشأت على المذهب البروتستانتي، وكنت منذ حداثة سنّي غير مقتنع بالتّعاليم المسيحيّة، فلمّا انتهيت من المدرسة والتحقت بالجامعة، أضحى هذا الشكّ يقينًا، فالكنيسة المسيحيّة – كما رأيتها – لم تكن تعني عندي شيئًا مذكورًا، وكنت في حالة يأس من أن أجد عقيدة قائمة تتضمّن كلّ ما كنت أتصوّره من مقوّمات، ولقد ذهلت للوهلة الأولى عند مقارنة التّسامح الإسلاميّ بتعصّب المذاهب المسيحيّة، وعلمت أنّ البلاد الإسلاميّة في العصور الوسطى كانت مشرقة بالعلم والحضارة، في الوقت الذي كان الجهل مطبقًا والخرافات سائدة في غيرها من البلاد، كما أقنعتني نظريّة الإسلام المنطقيّة في الجزاء بعكس نظريّة الفداء في المسيحيّة«.




10. توماس ارفنج (كندا) Thomas Irving
»عندما كنت في السّنة الأولى في دراسات الآداب الشّرقيّة، قرأت عن تطوّر الفكر البشريّ في محاولاته لمعرفة الله، وقد تبلورت رسالة المسيح في تصويره بأنّه ربّ ودود، لكنّ هذا التصوّر يضيع وسط سحب من صلوات غير مفهومة وطقوس وثنيّة، وتختفي صفات الرّحمة والجود وراء تصويره في ذات الوقت ربًّا متعاليًا لا يمكن الوصول إليه إلاّ من خلال وسيط شفيع«.
11. مسعودة ستينمان (إنجلترا) Massudah Steinman
»لا أعرف دينًا آخر – غير الإسلام – يقبله العقل ويجذب النّاس إليه، وله من المؤمنين به مثل هذه الجموع الضّخمة، ويبدو لي أنّه ما من طريق أقرب منه إلى الاقتناع العقليّ والرضا في الحياة، ولا أعظم منه أملاً للنّجاة في الحياة الآخرة… والمسيحيّة تولي جلّ اهتمامها للجانب الرّوحيّ من الحياة، فتدعو إلى نوع من المحبّة يثقل كاهل المسيحيّ بالمسؤوليّات، ودعوى المحبّة مقضي عليها بالفشل، إذ كان الوصول إليها خارجًا عن حدود طبيعة البشر، وتتعارض مع إدراكه ومفاهيمه، ولا يستطيع أحد أن يداني ذلك المستوى المثاليّ للمحبّة، كما تدعو إليه المسيحيّة إلاّ أن يؤتى حظًّا موفورًا من معرفة النّوازع البشريّة المتباينة، وأن يتّصف مع هذه المعرفة بالعطف والإدراك السّليم، مع الشّعور بالمسؤوليّة، وحتّى في هذه الحالة، فإنّ على مثل هذا الإنسان أن يتخلّى عن عقله في سبيل هذه المحبّة.
ويقول س.ت. كوليردج S.T. Coleridge في كتابه (Aids reflection): "إنّ الذي يبدأ بحبّ المسيحيّة أكثر من حبّه للحقّ سيقوده ذلك إلى حبّ طائفته أو كنيسته أكثر من حبّه للمسيحيّة، ثمّ ينتهي به الأمر إلى حبّ نفسه أكثر من أيّ شيء آخر"، وفي ذات الوقت يدعونا إلى تقديس الله، وأن نخضع لشريعته، ويشجّعنا على استعمال العقل مع مراعاة عواطف الحبّ، والتّفاهم جنبًا إلى جنب..«.
12. هـ. ف. فيلوز (إنجلترا) H. F. Fellowes
»كنت دائمًا أتصوّر الربّ هاديًا للبشر، ومتّصفًا بالعفو والرّحمة والعدل، وعلى هذا يستطيع الإنسان أن يطمئنّ إلى عدالة حسابه وإلى رحمته ومراعاة ظروفه المحيطة به… أنت مسؤول في حياتك عن أعمالك وسلوكك شخصيًّا، فإذا كنت تعمل محاسبًا ودلّست في حسابات مخدومك، فإنّ مكانك إلى السّجن لا محالة، وإذا كنت تقود سيّارة بسرعة زائدة في طريق منعرج منزلق فإنّك لا شكّ معرّض للحوادث، هذه أخطاؤك أنت وأنت الذي ارتكبتها، ومن الجبن أن تلقي بالمسؤوليّة على الآخرين، ولا أعتقد أنّنا ولدنا آثمين تعساء، فهذا ينافي العاطفة النقيّة نحو الأطفال الأبرياء، لقد علّمتني الأيّام أنّ من طبيعة البشر إدخال السّرور إلى قلوب الآخرين ما لم يكن الآخرون من الأشرار، وعلى هذا القياس، نرى أنّ عقيدة تحمّل المسيح خطايا البشر، عقيدة مضطربة لا تقبلها العقول.
لقد بدأنا نقرأ في الصّحف في الآونة الأخيرة أقوالاً لفلاسفة وكتّاب، مؤدّاها أنّ الأديان الحالية أصبحت عتيقة بالية، وأعتقد أنّ هذه الأقوال تعكس على مرآتها مدى تشكّك الغربيّين وارتيابهم في المفاهيم المعقّدة والغامضة في الدّين المسيحيّ، وهؤلاء الذين ينادون – في زعمهم – إلى الإصلاح والتّجديد إنّما يقعون في الخطأ نفسه، الذي وقع فيه قبلهم مارتن لوثر لأنّ الإسلام، وهو الدّين الذي يحقّق كلّ هذه الرّغبات في الإصلاح قائم فعلاً بين أيدينا«.
13. أمينة موسلر (ألمانيا) Amina Mosler
»سمعت ولدي يتوسّل إليّ وفي عينيه دموع: "يا أمّي لا أريد أن أبقى مسيحيًّا بعد الآن، إنّني أريد أن أكون مسلمًا، وأنت أيضًا يا أمّي، يجب أن تنضمّي معي إلى هذا الدّين الجديد"، فما لبثت أن اقتنعت أنّ الإسلام هو الدّين الحقّ الذي أرتضيه، كان الإيمان بالثّالوث الذي تدعو إليه المسيحيّة أمرًا مستحيلاً بالنّسبة لي، حتّى عندما كنت شابّة في العشرين من عمري، وبعد دراسة الإسلام رأيتني أيضًا لا أقرّ بالاعتراف ولا تقديس البابا، أو الاعتراف بسلطاته العليا، ولا عمليّة التّعميد المسيحيّة وما شاكل ذلك من عقائد«.
14. إيفلين زينب كوبولد (إنجلترا) Evelyn Zeinab Cobbold
»كثيرًا ما سُئلت: متى ولماذا أسلمت؟… وقد صدق أحد علماء الغرب إذ يقول "الإسلام دين العقل والفطرة"، وكلّما زادت دراستي وقراءتي عن الإسلام، زاد يقيني في تميّزه عن الأديان الأخرى، بأنّه أكثرها ملاءمة للحياة العمليّة، وأقدرها على حلّ مشكلات العالم العديدة والمعضلة، وعلى أنّ يسلك بالبشريّة سبل السّعادة والسّلام، لهذا لم أتردّد في الإيمان بأنّ الله واحد، وبأنّ موسى وعيسى ومحمّدًا – عليهم صلوات الله – ومن سبقهم كانوا أنبياء أوحي إليهم من ربّهم، لكلّ أمّة رسول، وبأنّنا لم نولد في الخطيئة، وبأنّنا لا نحتاج إلى من يحمل عنّا خطايانا، أو يتوسّط بيننا وبين الله، وفي وسعنا أن نصل أرواحنا به في أيّ وقت نشاء، وبأنّه حتّى محمّد أو عيسى – صلوات الله عليهما – لا يملك أحدهما لنا من الله شيئًا، وبأنّ نجاتنا إنّما هي وقف على سلوكنا وأعمالنا …والإسلام يقوم على وحدانيّة الله وليس على اللاّهوتيّة المعقّدة الثّقيلة، وفي مقدّمة كلّ مميّزاته أنه عقيدة إيجابيّة دافعة«.
15. إسماعيل ويسلو زيجريسكي (بولندا) Ismail Weislaw Zejerski عالم اجتماع
»عندما كنت مراهقًا في السّادسة عشرة من عمري كنت كثير الرّيب في العقائد المختلفة، التي تدعو إليها الكنيسة الرّومانيّة الكاثوليكيّة "التي لا تخطئ" فلم يكن في استطاعتي أن أؤمن بالثّالوث المقدّس، ولا بتحويل القربان إلى لحم ودم المسيح، ولا في وساطة القساوسة بين النّاس والله، أو بين الله والنّاس، ولا في تنزيه البابا عن الخطايا، ولا في فاعليّة الكلمات والإشارات التي يؤدّيها القساوسة في الكنيسة.
لم أكن أستسيغ عبادة السيّدة مريم أو القدّيسين أو التّماثيل والصّور والآثار وما إليها، وانتهى بي الأمر إلى إنكار ما كنت أؤمن به، وإلى عدم الاكتراث بأمور الدّين، بيْد أنّ الإنسان في عصرنا هذا لا يمكنه بأيّ حال أن يؤمن بدين كلّ عقائده وطقوسه تأباها عقول المفكّرين، وأدركت كذلك أنّ الدّين الذي يقدّم للبشريّة تشريعًا كاملاً وشاملاً وينظّم حياة الفرد و حياة الجماعة هو وحده القادر على أن يقود البشريّة ويهديها سواء السّبيل، وأخيرًا اكتشفت الإسلام«.
16. ج.و. لوفجروف (إنجلترا) J.W. Lovegrove
»لا نعلم إلاّ القليل النّادر عن الدّيانات الأخرى، من حيث تعاليمها الأصليّة؛ إذ لم يصلنا عنها إلاّ روايات متناثرة تضمّ قليلاً من المبادئ الأخلاقيّة، وهي مبادئ أصليّة لا يصحّ الاعتراض عليها، وسيرة أصحاب هذه الرّسالات يكتنفها كثير من الغموض، ممّا لا يساعدنا على استقراء تعاليمهم، على ضوء أعمالهم و تصرّفاتهم… كنت أبحث عن دين عملي بسيط، وخال من الفلسفات المعقّدة ويقنعني دون إلغاء عقلي، أنّ أداء حقّ الله هو ولا شـــكّ – يجب أن يكون – الهدف الأوّل لجميع الأديان، ولكنّ الإسلام هو الذي وضع هذا المبدأ موضع التّطبيق العمليّ «.
17. محمود جونار إيركسون (السّويد) Mahmud Gunnar Erikson
» إنّ ما أعجبني في الإسلام – وما زال يعجبني – هو أسلوبه المنطقيّ، فلا يطلب إليك الإيمان بشيء قبل أن تدركه وتعرف أسبابه، وناحية أخرى في الإسلام أعجبتني، هي عالميّته، فالقرآن الكريم لا يحدّثنا عن الله على أنّه ربّ العرب، أو أي شعب بذاته بين الشّعوب كلاّ، بل وليس على أنّه ربّ هذه الدّنيا، ولكن على أنّه ربّ العالمين، بينما تتحدّث الكتب السّابقة عن إله بني إسرائيل( ) «.
18. مافيز. ب. جولي (إنجلترا) Mavis. B. Jolly
»كان مولدي في بيئة مسيحيّة، وتعميدي في الكنيسة الإنجليزيّة، ثمّ التحقت بمدرسة تابعة للكنيسة، وقرأت في سنّ مبكّرة قصّة المسيح، كما جاءت في الإنجيل.. وأعتقد أنّني كنت في تلك السّنوات القليلة، مسيحيّة متحمّسة، ومع تقدّمي في الدّراسة واستمرار اتّصالي بالإنجيل وكلّ ما يتعلّق بالمسيحيّة اتّسعت أمامي فرصة التّفكير فيما قرأت وشاهدت وفيما مارست من عبادة وعقيدة، وسرعان ما وجدتني أمام أشياء كثيرة لا أستطيع الاقتناع بها، وما إن وصلت إلى نهاية هذه المرحلة الدّراسيّة حتّى أصبحت ملحدة لا أؤمن بالدّين ثمّ شرعت أدرس الأديان الرّئيسيّة الأخرى في العالم، "اليهوديّة والبوذيّة ثمّ الإسلام"، ومن ثمّ بدأت نفسي تطمئنّ إلى الحقّ الذي جاءت به تعاليم الإسلام فأعلنت إيماني به واعتناقي إيّاه، ليس عن عاطفة خاطفة مؤقّتة إلى حين، إنّما عن اقتناع كامل ودراسة واعية طويلة وتفكير دائب قرابة عامين، ولم أجد أمامي إلاّ أن أسلك هذا السّبيل، طارحة كلّ العواطف الأخرى التي كانت تشدّني إلى الطّريق المضاد«.
19. علي سلمان بنوا (فرنسا) Ali Selman Benoit طبيب
»أنا دكتور في الطبّ وأنتمي إلى أسرة فرنسيّة كاثوليكيّة، وقد كان اختياري لهذه المهنة أثره في انطباعي بطابع الثّقافة العلميّة البحتة، وهي لا تؤهّلني كثيرًا للنّاحية الرّوحيّة، ولا يعني هذا أنّني لم أكن أعتقد في وجود إله، إلاّ أنّني أقصد أنّ الطّقوس الدّينيّة المسيحيّة عمومًا والكاثوليكيّة بصفة خاصّة، لم تكن تبعث في نفسي الإحساس بوجوده، وعلى ذلك فقد كان شعوري الفطريّ بوحدانيّة الله يحول بيني وبين الإيمان بعقيدة التّثليث، وبالتّالي بعقيدة تأليه عيسى المسيح؛ لهذا فإنّني أعتبر أنّ الإيمان بعالم الغيب وما وراء المادّة هو الذي جعلني أدين بالإسلام، على أنّ هناك أسبابًا أخرى حفّزتني لذلك أيضًا، منها مثلاً، أنّني كنت لا أستسيغ دعوى القساوسة الكاثوليك أنّ من سلطانهم مغفرة ذنوب البشر نيابة عن الله، ومنها أنّني لا أصدّق مطلقًا ذلك الطّقس الكاثوليكيّ عن العشاء الربّاني والخبز المقدّس، الذي يمثّل جسد المسيح عيسى، ذلك الطقس الطّوطميّ الذي يماثل ما كانت تؤمن به العصور الأولى البدائيّة، حيث كانوا يتّخذون لهم شعارًا مقدّسًا يحرم عليهم الاقتراب منه ثمّ يلتهمون جسد هذا الطقس بعد موته حتّى تسري فيهم روحه«.
20. مؤمن عبد الرزّاق صلاح (سيلان) Mumin Abdul – Razzaque Salah
»أشعر بمحبّة الإسلام، لما لمست فيه من استقامة نبيلة وخلّوه من الغموض، إنّه دين النّظافة واليسر.. قرأت شيئًا من سور القرآن الكريم، فإذا العجب يتملّكني، كنت فيما مضى أرى أنّه لا شيء يداني الإنجيل، فإذا بي أراني كنت على خطأ عظيم، ليس من شكّ في أنّ القرآن الكريم يشعّ فيه الحقّ، وأنّ تعاليمه إيجابيّة عمليّة، وخالية من الطّقوس والعقائد الغامضة… وقد أقنعني بالإسلام فوق ذلك خلّوه من التّعقيدات فهو مثاليّ وعمليّ، وهو دين العقل والقدرة على التطوّر، وهو كذلك مثاليّ في عقيدة وحدانية الله وفي نواحيه الرّوحيّة، وبهذا فهو الدّين الوحيد الذي تصلح به البشريّة جميعًا؛ لأنّه عمليّ في نظريّاته ومعتقداته، ولأنّه منطقيّ ومتجدّد تجدّد الحياة«.
21. عبد الله يومورا (اليابان) Abdulah Uemura
»كنت أبحث عن الحقيقة فوجدت ضالّتي في الإسلام، أما المسيحيّة أو بالأحرى أناجيلها – بوضعها الرّاهن – فليست على نفس نقائها الذي نزلت عليه من عند الله، بل تعرّضت للتّبديل مرّة تلو أخرى… وأكثر الأمور ارتباكًا في المسيحيّة هي عقيدة التّثليث التي يجب الإيمان بها دون إدراك ماهيّتها؛ لأنّها ليس لها تفسير تقبله العقول.
ومن المستغرب – إلى جوار ذلك – أن نسمع أنّ جزاء الآثمين هو الموت الأبديّ، ويدخل في ذلك غير المسيحيّين بطبيعة الحال؛ لأنّهم في نظر المسيحيّة الآثمون بعدم إيمانهم بتعاليمها، ولو أنّ الآثمين اقتنعوا بأبديّة موتهم لكان ردّ الفعل الطّبيعيّ عندهم أن ينغمسوا في رذائلهم، وملذّاتهم إمعانًا في إرضاء شهواتهم، قبل انتهاء أجلهم، لأنّ الموت في نظرهم هو نهاية النّهاية«.
هذه بعض الشّهادات التي اخترتها، والتي دار حديث أصحابها في معظمه حول النّصرانيّة ومصادمتها للعقل والمنطق، واقتناعهم بالإسلام الواضح والخالي من جميع التّعقيدات والمستحيلات العقليّة، وقد وردت أكثر التّصريحات التي نقلتها في الكتب والمقالات والمقابلات التي كتبها أصحاب هذه الشّهادات، وجُمع بعضها في كتاب (لماذا أسلمنا؟).
فهل تسير على هدي هؤلاء الذين نجوا من الضّلال والحيرة، أم أنّك تصرّ على إلغاء عقلك وتعيش بين الإيمان والإلحاد حائرًا، شاكًّا، إلى أن يدركك الموت؟.
خـــاتمة

ثمّة قضيّة أرى من الضّروريّ التّنبيه عليها في هذه الخاتمة، وهي أنّ رجال الدّين النّصارى كثيرًا ما يقولون عقب حديثهم عن الثّالوث والخطيئة والكفّارة وموت الإله وقيامته وصلبه.. إنّها حقائق لا يستطيع العقل البشريّ إدراكها، لأنّها تتجاوز قدرته على ذلك، وعدم إدراكه لها لا ينفي صحّتها وصدقها!
وهذا المنطق الكنسيّ لا يستقيم؛ إذ يجب التّفريق بين "ما لا يدركه العقل"، و"ما لا يقبله العقل"، وهما أمران مختلفان تمامًا، فإذا كنّا نسلّم أنّ العقل البشريّ محدود فإنّه لا يكفر بما هو غير مدرك وغير ممتنع عقلاً، فمثلاً قد نؤمن بوجود ملائكة أو جنّة أو نار مع أنّنا لا ندركها بحواسّنا وعقولنا، والسّبب أنّ تلك الأمور ممّا لا يمتنع وجوده، فهو يدخل في باب الجائز عقلاً وشرعًا، لكن هل ينطبق ذلك على عقائد غيبيّة غير مدركة وممتنعة عقلاً وشرعًا كتلك التي تقول إنّ الإله مات ! أو أنّه واحد وثلاث ! أو إنّ الله يلعن البشريّة جميعًا لذنب لم تقترفه، أو إنّ اليهود صلبوا أحد الأقانيم، أو إنّ الربّ القاهر تلقّى اللّكمات والبصقات والإهانات!!
لا شكّ أنّ هذا كلّه ممتنع في العقول، لأنّ تلك العقول لها منطق يقرّر أنّ الله واحد، عادل، عظيم، قاهر، قويّ، جبّار… لا يصلح ولا يمكن ولا ينبغي ومن المستحيل أن يهان أو يقتل أو يسفك دمه على أيد رخيصة، فالمنطق العقليّ قد يقبل ما هو جائز حدوثه في عالم الغيبيّات، لكنّه يمتنع عن التّصديق بالممنوع حدوثه، وذلك المنطق العقليّ السّليم مغروز في فطرة كلّ إنسان.
ثمّ إنّ الزّعم بأنّ الشّرع لا يفهم بالعقل بل بالتّسليم له دون إعمال العقل لإدراكه والوصول إلى مراد الله به، زعم باطل، لأنّ الله لا يكلّف النّاس الإيمان بما هو خارج عمّا يقدر العقل على استيعابه، والله لا يكلّف النّفس إلاّ وسعها، والتّكليف مناط بالاستطاعة سواء كان التّكليف بالعبادات البدنيّة أو الرّوحيّة أو العقليّة.
كما أنّ الله لا يكلّف الإنسان صيام الشّهور دون إفطار، أو القيام والصّلاة دون نوم ولا انقطاع لعدم قدرة البشر على تحمل ذلك، فمن باب أولى أنّه لا يكلّفه التّصديق بما لا يصدّق أو الاعتقاد بما لا يدخل في دائرة التصوّر والخيال فضلاً عن دائرة الوجود والواقع، خصوصًا إذا كان ما أمر الإيمان به يناقض الكتب السّماويّة والمراجع الدّينيّة.
أمّا الذين يتبعون الهوى بعد كلّ هذا، ويصرّون على إلغاء عقولهم فكأنّما يتراجعون إلى مستويات أدنى من الإنسانيّة، ولننظر إلى حكمة الله في إسقاط التّكليف عن المجنون والنّائم والصبيّ الصّغير… إنّ هؤلاء جميعًا – وبالأخصّ المجنون – لا يملكون أدوات التلقّي التي يستقبلون بها رسالة الله المتمثّلة في تعاليمه، ومن – ثمّ بلا شكّ – لا يستطيعون إدراكها وفهمها والعمل بمقتضاها، ولذلك انتفى عنهم التّكليف لانتفاء العقل كلّيًّا أو جزئيًّا، وحين يلغي العاقل عقله، فكأنّما يخرج نفسه من زمرة العقلاء إلى زمرة غير العقلاء من أمثال المجانين والمهابيل والصّبيان الرضّع!!.
والذي يجب معرفته وعدم الغفلة عنه، هو أنّ الأديان السّماويّة جميعها اتّفقت على تمجيد العلم والإعلاء من شأنه، ودعوة الأديان إلى العلم والحرص على تحصيله يتنافى مع الأسرار والألغاز؛ فليس من المقبول الآن أن يدّعي القساوسة – أدعياء العلم – أنّ الجهل هو السّبيل الوحيد لدرء الهلاك الأبديّ عن البشر.
وها هو الإسلام يرفع من قيمة العلم والعلماء ومن الفكر والمفكّرين، ويجعل التأمّل في النّفس والكون والتّاريخ وملكوت الله عبادة يؤجر عليها الأفراد، وكم هي كثيرة مصطلحات العلم ومشتقّاته في القرآن الكريم، وما أكثر مفاهيم البحث والنّظر "يعقلون، يتدبّرون، ينظرون، يتفكّرون، يفقهون… إلخ"، فشتّان بين دين يدعو إلى احترام العلم والعمليّات العقليّة، ودين يقتل الفكر ويرفع شعار "الجهالة أم التّقوى" و"الغباوة أم اليقين".
لا شكّ أنّك أيّها القارئ الفطن، لاحظت فيما قرأت في هذا الكتيّب المتواضع جدًّا، كثرة النّقول من الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد، ووفرة الاقتباسات من الأدبيّات الغربيّة، والعديد من تلك الأدبيّات يرجع أصلها إلى كٌتّاب نصارى، أو ممّن خبروها وتخلّوا عنها، وإنّ هذا المسلك الذي تبنيّته في إقامة الحجّة ينطبق تمامًا على قول المسيح : (من فمك أدينك)، فلم أعتمد في دراستي على القرآن الكريم أو أركن لرأي علماء الإسلام إلاّ على سبيل الاستئناس، لا الاعتضاد والاستدلال، توخيًّا للموضوعيّة وابتعادًا عن الذّاتيّة، وهذا المنهج في عرض الحقائق لا يدع مجالاً للقارئ النّصرانيّ الموضوعي أن يتهرب أو يُغمض عينيه أمام هذا الكم الهائل من الأدلّة والبراهين، أو على الأقلّ التّساؤلات والإشكاليّات المطروحة في ثنايا هذا البحث، والتي تثبت بالنّقل والعقل أنّ الأناجيل الحاليّة و النّصرانيّة المعاصرة، التي يدعو إليها المبشّرون ويتحمّس لها المنصّرون، لا تتّفق مع الدّين الصّحيح الذي أُنزل على المسيح  قبل ألفي عام.
إنّ كلّ ما في الأمر أنّ عقائد النّصرانيّة من تثليث، وخطيئة، وكفّارة، وصلب الإله، وقيامته...، هي من اختلاق الوثنيّين الأوائل الذين دخلوا في النّصرانيّة - أمثال بولس - وما لبثت أن قاومتها عقول البشر وفطر النّاس، لكن تدخّل أباطرة الرّومان وكيد المنافقين جعلها المنتصرة على الحقّ إلى أن ظهر الإسلام فكشف زيفها وفضح انحرافها واعوجاجها، فلله الحمد والمنّة.
ونعود ونقول بعد هذا، لم يعد مقبولاً لدى كلّ من يفكّر أو يعقل، القول بأنّ النّصرانيّة - بما تتضمّنه من عقائد لا تمّت إلى الحقّ والصّواب والمنطق بصلة - ديانة موحى بها من الله، ولا يمكن البتّة الإيمان بدين 99% منه أسرار وألغاز؛ لأنّ الدّين أيًّا كان يجب أن يكون – بل محكوم عليه أن يكون – واضحًا وضوح، وإلاّ كان عدمه أفضل من وجوده؛ ذلك أنّ الإنسان منذ أن وُجد على ظهر هذا الكوكب وهو يبحث عن ماهيّته وجوهره ومصيره، ويروم الإجابة عن أسئلة طالما حيّرته.. من أين جاء؟ ولماذا جاء؟ وكيف جاء؟ وإلى أين مصيره بعد الموت؟.. إنّها حقًّا أسئلة كبيرة، ومحيّرة ومقلقة، تحتاج إلى قوّة عظمى تملك الإجابة الشّافية عنها… فهل قدّمت النّصرانيّة تلك الأجوبة المنشودة!؟.
لا أظنّ ذلك، بل العكس هو الذي حدث، فجميع الذين علّقوا آمالهم عليها ومنحوا ثقتهم العمياء لها رجعوا بخفّي حنين، عادوا أشدّ حيرة وقلقًا ممّا كانوا عليه، من جهة بسبب ما طرحته تلك الدّيانة من تعاليم غامضة، ومن جهة أخرى بما أحدثته من شرخ في البناء الفطريّ والفكريّ للإنسان.
لقد آن الأوان لتعود فلول النّصارى إلى رشدها وتصحّح مسيرتها وتعتنق الفطرة، وتصالحها بعدما جافتها وعادتها كلّ هذه المدّة.
 فطرة الله التي فطر النّاس عليها لا تبديل لخلق الله  الرّوم 30.
 إنّي وجّهت وجهي للذي فطر السّماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين  الأنعام 79.
 ومالي لا أعــبد الذي فطرني وإلـــيه ترجعـــون  يس 22.
 قل يا أهل الكتـاب تعالوا إلى كلمة ســـواء بيننا وبينكم ألاّ نعــبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتّـــخذ بعضنا بعضًا أربابًا مـن دون الله فإن تولّوا فقـولوا اشهدوا بأنّا مسلمـــون  آل عمـران 64.
وبعد، فلقد حاولت أن أقدّم صورة واضحة عن مغالطات النّصارى وبعض معتقداتهم، وأرجو من الله أن أكون وفّقت في مقصدي، فإن كان هذا فللّه وحده الحمد والمنّة، وإن كانت الأخرى فحسبي أنّي قدّمت جهدي – وهو جهد المقلّ – ولم أدّخر منه شيئًا، وجزى الله كلّ من ساهم معي في إخراج هذا الكتيّب إلى حيز الوجود، وحتّى لا أتشبّع بما لم أعط أقول جزى الله كذلك كلّ من استفدت من كتاباته باقتباس أو نقل ولم أشر إلى مرجعه.
وسبحانك اللّهمّ و بحمدك أشهد ألاّ إله إلاّ أنت أستغفرك وأتوب إليك.

إعداد يزيد حمزاوي
Y_hamzaoui@hotmail.com

غير معرف يقول...

(((((((((((((((الرعب من رواية "دافنشي))))============المتابع لأخبار رواية " شفرة دافنشى " لا بد وان يصاب بالدهشة والفضول من كثرة ما اثارته من ردود أفعال فى الساحة الإعلامية الدولية بعامة، وخاصة فى المجال الإعلامى للمؤسسة الكنسية الفاتيكانية ، التى انتابها رد فعل كاد يصل - وفقا لما يقال فى الصحف و المواقع الإلكترونية - الى درجة الهلع بين رجالها.



وعلى الرغم من ان رواية دان براون قد ظهرت عام 2003 إلا ان ردود الأفعال التى أثارتها ، خاصة فى المجال الكنسى، لم تبدأ إلا بعد ان انتشر توزيعها و تعددت ترجماتها و تناولتها اقلام النقاد بالتعريف والتعليق على اهم ما جاء بها كقضية قادرة على ان تهز أركان الكيان الكنسى إن لم تكن قادرة على أن تأتى عليه برمته - على حد قول العديد من النقاد.. أى ان الرواية ، فى بداية مشوارها ، قد أفلتت من لجنة محاكم التفتيش ، المعروفة حاليا باسم : لجنة عقيدة الإيمان ، الخاصة بمراجعة ومتابعة كافة الإصدارات لكى تتصدى لمن يحاول المساس بما فرضته المؤسسة الكنسية عبر المجامع على على مر العصور .. ويرجع سبب إفلات الرواية إلى العنوان الذى لم يكن يدل على أن محتواه قادر على هدم أوصال ذلك الكيان العتيد..

وقد تمت ترجمة الرواية إلى 44 لغة ، وبيعت منها ست و أربعين مليون نسخة ، بحيث أصبحت تمثل اكثر الروايات بيعا فى العالم ، او لعله رقم لم تحققه أية رواية أخرى .

واذا ما تأملنا كمّ ما أثارته من ردود أفعال لرأينا انه قد صدر بشأنها بالفرنسية فقط ودونا عن اللغات الأخرى أكثر من عشرة كتب ، ثلاثة منها على الأقل بأقلام كنسيين ، ومنهم القس كلود هود الذى أصدر كتابا بعنوان : "أكاذيب شفرة دافنشى" ، والباقى لأشخاص تابعين للكنيسة أو كتبوها بإيعاذ منها .. وتعدت المداخلات الإلكترونية المليونين مداخلة وموقع على شبكة الياهو الفرنسية ، اضافة الى المواقع الثابتة التى أضافتها المواقع الكنسية فى أبوابها الثابتة .. وقامت مؤسسة " اوبس داى" وتعنى : "عمل الرب "، وهى من كبرى المؤسسات الكنسية السياسية تدخلا وسيطرة بالطلب من شركة سونى كولومبيا ، المنتجة للفيلم المأخوذ عن الرواية ، أن تضع على إعلانات الفيلم لافته تقول أنه لا علاقة لهذه الأحداث بالحقيقة ، إلا أن الشركة لم تعر تلك المؤسسة اى إلتفات .. كما قامت المجلة التبشيرية الفرنسية المعروفة باسم : "إيل إيه فيفان" أى : "أنه حىّ " التابعة لمنظمة عمانويل ، بطباعة 350000 نسخة من كتيب مكون من ستة عشر صفحة توزعه مجانا لمن يطلبه ليساعد فى الحملة التى تقودها المؤسسة الكنسية للتصدى للفيلم قبل ظهوره ، وذلك للحد من تأثيره على الأتباع ، وهو فى نفس الوقت كتيب تبشيرى يقوم بتسهيل المهمة على من يقبل القيام بها !..

كما تطالب المؤسسة الكنسية الفاتيكانية وكافة منظماتها الأتباع بأن يندمجوا فى حملة التبشير الواسعة الى تقودها للتعريف " بحقيقة " المسيحية وما تقوم به من نشاطات تبشيرية ومساعدات رامية الى التبشير خاصة فى إفريقيا وغيرها من البلدان..

وكانت آخر المحاولات المستميتة من الجانب الكنسى للتصدى لهذا الفيلم قبل ظهوره ، ما أعلنه موقع "inXL6" المسيحى عما قام به بعض دارسى اللاهوت فى مدينة كان الفرنسية والتى سيقام بها المهرجان السينمائى الدولى ، من عمل اسطوانة" دى فى دى " ، عبارة عن فيلم يردّون فيه على الفيلم المأخوذ عن الرواية ويدافعون فيه عن العقيدة الكاتوليكية بالرد على كافة الأسئلة التى قد تتبادر إلى ذهن أى شخص ، وذلك بالتعاون مع كبار اساتذة اللاهوت لتفنيد ما يقال حول العلاقة بين السيد المسيح ومريم المجدلية ، وحول حقيقة الأناجيل التى استبعدتها الكنيسة ، وحول مسألة تأليه السيد المسيح التى تمت فعلا فى مجمع نيقية عام 325 م، وحول حقيقة دور منظمة "عمل الرب" الشهيرة بتدخلاتها السياسية . وقد قام مركز الدراسات اللاهوتية بمدينة كان بانتاج هذا الفيلم وتوزيعة بالتعاون مع مواقع اخرى ..

وباختصار شديد يمكن القول إجمالا أنه ما من جريدة أو مجلة فى العالم سواء أكانت عامة أم متخصصة إلا وتدخلت بصورة ما فيما يطلقون عليه بحق " معركة شفرة دافنشى " ، وذلك بكتابة مجرد مقال إخبارى ،أوعدة مقالات ، أو بتخصيص ملزمة أو عددٍ بأسره لتناول هذه الرواية بالتأييد او بالنقد.

وفى نبأ صادر عن وكالة الانباء الفرنسية يوم 12 أبريل 2005 ، بقلم بارى جيمس ، والموضوع اساساً كان عن منظمة "عمل الرب" ، ينتهى بعبارة : "أن الفاتيكان قد اسند حديثا الى كبير الأساقفة ترشيازو برتونى مهمة محاربة الهرطقات الواردة فى رواية شفرة دافنشى ، اكثر الروايات تحقيقا لأرقام قياسية ، والتى يقول فيها أن أحد اساقفة منظمة "عمل الرب" قد أمر أحد الرهبان من نفس المنظمة بالقيام بعملية إغتيالات" ..

وفى 15 أبريل 2005 ، نشرت مجلة " نوفل أوبسرفاتير" الفرنسية قائلة : " بينما الكرادلة يعدّون لإجتماع المجمع فى اكبر سرية ممكنة ، توجد منظمة كاتوليكية تلعب دورا ضخما فى إنتخاب البابا الجديد : انها منظمة "اوبس داى" (عمل الرب) الشديدة التأثير والشديدة التعصب ، التى صورها دان براون ، الكاتب الأمريكى ، فى أحسن الروايات تحقيقا للمبيعات : شفرة دافنشى". وبعد أن أوضح دانييل وولز كاتب المقال أن اثنان من الكرادلة المجتمعين لإختيار البابا الجديد ينتميان الى هذه المنظمة التى وضعت هدفا يرمى الى اسناد دور اكثر فعالية للعلمانيين فى عمليات التبشير(...) وفى تعيين احد أعضائها ، خواكيم نفارو-فالس ،فى المنصب الشديد الحساسية كمتحدث رسمى باسم الفاتيكان" !!

وفى الثامن والعشرين من أبريل 2006 قام الرجل الثانى فى الفاتيكان ، الأسقف أنجيلو آماتو بعقد مؤتمر صحفى طالب فيه الأتباع بمقاطعة الفيلم وعدم الذهاب لمشاهدته لأنه : " شديد المعاداة للمسيحية وملىء بالفريات والإهانات والأخطاء التاريخية واللاهوتية ضد يسوع و ضد الأناجيل وضد الكنيسة".. ثم انهى مؤتمره الصحفى مطالبا الأتباع بمقاطعة الفيلم مثلما سبق وقاطعوا فيلم مارتن سكورسيز عام 1988 المعنون : " آخر إغراء ليسوع " الذى تعرض بصورة اخرى لنفس علاقة السيد المسيح بمريم المجدلية.

وفى 8/5/2006 أعلن الكاردينال آرنزى ، وكان من المرشحين لمنصب البابوية بعد وفاة يوحنا بولس الثانى ، قائلا : " ان المسيحيين لا يجب ان يقفوا مكتوفى الأيدى مكتفين بالتسامح والنسيان ، ولا بد من القيام بشىء إيجابى كاللجوء إلى القضاء ، وهى وسيلة يمكن الرجوع إليها لكى يحترم الآخرين حقوقنا " .. والمقصود بالآخرين هنا هو كل من لا يتعاطف مع تلك المؤسسة سواء أكان من الأتباع أم من غيرهم !

وفى استطلاع للرأى نقلته مجلة "نوفل اوبسرفاتير" الفرنسية عن مجلة " العلم والحياة " خبر يؤكد ان 31 % من الفرنسيين مقتنعون تماما بأن رواية شفرة دافنشى مستوحاه من حقائق واقعية ..

أما موقع دراسات ألفا الإلكترونى التبشيرى فقد أصدر كتيباً من 32 صفحة أورد فيه المداخلة التى قام بها القس نيكي جومبل المسؤل عن ذلك الموقع فى لندن ، وهو يرد فيه على ما اورده دان براون من معلومات وحقائق مزعجة للكيان الكنسى . كما تم وضع نفس الكتيّب على شبكة النت لمن يرغب فى طبعه او قراءته.. إضافة الى الإعلان عن توزيعه على الطوابير التى تقف او ستقف لحجز مكان لمشاهدة الفيلم !..

ومن المفترض أن يفتتح مهرجان كان السينمائى التاسع والثلاثين يوم 17 مايو الحالى ، أى بعد بضعة أيام ، بعرض فيلم "شفرة دافنشى" ، وسوف يعرض فى الدور الفرنسية فى نفس ذلك اليوم ، واعتبارا من 19 مايو ، أى بعد ذلك بيومين ، سيتم عرضه على الجمهور فى قاعات العرض الأمريكية و العالمية .

واذا ما كانت قصة الفيلم تتناول أساسا فكرة ان السيد المسيح لم يُصلب ولم يُقتل وإنما عاش وامتد به العمر وتزوج من مريم المجدلية ، فإن هذه الفكرة تحديدا ليست من بنات أفكار دان براون وانما هى ترجع إلى إنجيل فيليب الذى تم اكتشافه مع العديد من الوثائق الأخرى فى نجع حمادى بصعيد مصر سنة 1945، وتم التعتيم عليه فترة ثم تم نشره منذ بضعة سنوات .. أى انه فى واقع الأمر من الأناجيل المتعددة التى استبعدتها الكنيسة لأنها تناقض او لا تتمشى مع المنظومة التى فرضتها على الأتباع منذ القرن الرابع الميلادى. وهو نفس الشىء الذى حدث مع إنجيل يهوذا الذى تم اكتشافه آنذاك ثم تعرض للعديد من المتاهات قبل ان تقوم مجلة " ناشيونال جيوجرافيك " العالية بترجمته ونشر نصه الشهر الماضى كما تصدر غلاف عددها الصادر فى مايو 2006.

أما القس السابق لويجى كاتشيولى ، الذى كان اول من قام برفع قضية على الكنيسة الكاتوليكية فى إيطاليا بسبب ترويجها الأكاذيب وفرضها على الأتباع وبسبب إحلالها شخصية مزيفة باسم يسوع المسيح ، وقامت المحكمة الإيطالية بحفظها ، فاضطر الى القيام برفع نفس الدعوى الى محكمة حقوق الإنسان فى مدينة ستراسبور ، فى 6 مارس 2006 ، والقضية برقم 14910/2006 ، فقد نشر تعليقا بموقعه الألكترونى حول ما تطرحه رواية دان براون من معلومات ، مؤكدا ان السيد المسيح كان متزوجا من مريم المجدلية ، مستشهدا على ذلك بما ورد فى إنجيل فيليب الذى نطالع فيه أن : " مريم ، التى كانت زوجة السيد يسوع ، كانت دائما بصحبته. وكان السيد يسوع يحب مريم المجدلية اكثر من الأتباع الآخرين وكثيرا ما كان يقبلها على فمها " . كما يستشهد كاتشيولى بما ورد بالبردية رقم 8502 فى برلين ، المسماه إنجيل مريم ، والتى تشير الى الغيرة والبغضاء بين الحواريين ، وخاصة سمعان / بطرس ، مؤكدا ما كان السيد المسيح يكنه من تمييز لمريم المجدلية إذ نطالع : " ترى هل يسوع قد تحدث سراً إلى زوجته قبل ان يحدثنا صراحة ؟ هل يتعيّن علينا جميعا ان نهان وان نخضع لها ؟ ترى هل يكون قد فضّلها علينا ؟ " ..

ويشير كاتشيولى الى أن إنجيل فيليب يتضمّن إشارة اخرى ، إذ يقول سمعان / بطرس الى باقى الحواريين : " يجب على مريم المجدلية ان ترحل عن جماعتنا لأن النساء لسن جديرات بالحياة " .. إلا ان السيد المسيح الذى سمع قوله أجابه قائلا : " سأقودها لتصبح رجلا كى يمكنها ان تكون مناضلا مثلنا " ! وذلك اضافة الى باقى التفاصيل التى يوردها فى كتابه..

وبذلك يكون كاتشيولى اول من اشار فى الفصل الثانى عشر من كتابه المعنون : " خرافة يسوع" الى لوحة العشاء الأخير التى رسمها الفنان ليوناردو دا فنشى وصور فيها مريم المجدلية عن يمين يسوع. . وهى اللوحة التى استشهد بها دان براون فى روايته مشيرا الى ان فنان عصر النهضة المبدع كان على علم بزواج السيد المسيح من مريم المجدلية. وهى اللوحة التى علّق عليها احد المداخلين قائلا : " لابد وان يكون الإنسان أعمى لكى لا يرى ان هذا الوجه يمثّل امرأة بكل وضوح"

ولعل القارىء يتساءل عن كل ردود الأفعال هذه التى اُثيرت حول رواية " شفرة دافنشى" ، وهل تستدعى فكرة زواج السيد المسيح من مريم المجدلية كل هذه الجهود المضنية من جانب المؤسسة الكنسية ؟ فهى جهود تحرّك الآلاف من جحافل المبشرين والكنسيين والأتباع الذين ينساقون لقيادتهم وتوجيهاتهم .. وهنا لابد لنا من توضيح أن الرواية ، التى يصل عدد صفحاتها فى الترجمة الفرنسية الى 570 صفحة ، تتضمن ما يكوّن حوالى خمسين صفحة من المعلومات والحقائق المتعلقة بالمسيحية وبالكيان الكنسى ، نورد منها على سبيل المثال لا الحصر مجرد ما يلى :

* انتقاد مجمع الفاتيكان الثانى الذى خرج عن التعاليم الراسخة للكنيسة والمسيحية وفتح الباب على مصراعيه لليبرالية فى الكنيسة لتغيير العقائد وإعادة صياغتها (صفحة 186).. ولا يسع المجال هنا لسرد كل ما تم من تغيرات فى العقيدة لصالح الصهاينة وغيرها كثير - ولعل ذلك هو ما ساعد على تزايد موجة الإلحاد فى الغرب المسيحى .* اتهام الكيان الكنسى بقيادة حروب صليبية لإقتلاع الديانات الوثنية وعبادات الآلهة الأخرى فى القرون الأولى ، وانه خلال هذه القرون وطوال ما عرف بعصر الظلمات تم إحراق خمسة ملايين امرأة على المحارق بأمر من الكنيسة (صفحة 252).. ولا نقول شيئا عن الملايين الأخرى التى تم حرقها أو قتلها من الرجال والأطفال إذ تورد العديذ من المراجع الحديثة رقم 68 مليونا من البشر..

* أن الكتاب المقدس عمل بشرى كتبه العديد من الأشخاص فى فترات مختلفة ، وكثيرا ما كانت مضللة ، وتطوّر خلال العديد من الترجمات والإضافات والتعديلات (صفحة 289) .. ولعل المقدمة التى كتبها القديس جيروم ، فى القرن الرابع ، للعهد الجديد ، بعد ان قام بتبديل و تغيير نصوص العشرات من الأناجيل لكى يقوم بعمل العهد الجديد الحالى بأمر من البابا داماز لهو اكبر دليل على ما يطرحه دان براون من معلومات. وللعلم : فإن هذه المقدمة توجد ترجمتها فى عدة مواقع إلكترونية!

* انه كان هناك حوالى سبعين إنجيلا لكن الكنيسة استبعدت كل ما يخالف روايتها واحتفظت بأربعة منها فقط ، وانها خلقت بذلك ديانة هجين مكونة من عدة نصوص واساطير ( صفحة 290) .. ولا شك فى ان الإصدارات العلمية الحديثة والتى بدأ تيارها منذ اكثر من مائة عام تثبت بالتفصيل ما تم اخذه او نقله من تلك النصوص والأساطير ..

* انه كان من مصلحة الكنيسة آنذاك ان يتم الإعتراف بيسوع على انه المسيح الذى أعلن الأنبياء اليهود عن قدومه وانها سرقته من اتباعه الأوائل وحرّفت تعاليمه ووظفتها لفرض نفوذها (صفحة 292) .. ولا شك فى ان الإصدارات العلمية الحديثة وخاصة ما صدر منها بعد مجمع الفاتيكان الثانى ، يؤكد ذلك ، والكثير من هذه الأبحاث بأقلام كنسيين سابقين..

* ان الغالبية العظمى من المثقفين فى الغرب يعرفون هذه الحقائق ويعرفون تماما تاريخ عقيدتهم صفحة 292).. ولعل التعليق المُقنع على هذه المعلومة هو تزايد موجة الإلحاد بين الأتباع أو ابتعاد الكثيرين منهم خاصة من هم من رجالها والذين يطلق على خروجهم : النزيف الصامت للكنيسة !

* ان ما يضايق هؤلاء المثقفين هو ان يتم تأليه يسوع بعد وفاته بأكثر من ثلاثة قرون ، علما بأن هناك المئات من النصوص التى تحكى حياته كإنسان بشرى ، وان الإمبراطور قسطنطين قد أمر وقام بتمويل كتابة عهد جديد يستبعد كافة الاناجيل التى تتناول الجانب الإنسانى وتعديل ما تجعله يبدو الهياً وحرق الأناجيل الأخرى (صفحة 293) .. وهو ما دفع بواحد مثل جوزيف هويليس ، وكان من كبار رجال القانون فى الولايات المتحدة وبينما كان فى منصبه القانونى ، الى كتابة ذلك الكتاب الذى هز اركان المؤسسة الكنسية عند صدوره عام 1920 ، وكان بعنوان : " التحريف فى المسيحية " ..

* ان بعض هذه الأناجيل الأخرى قد أفلت من الإبادة وانه قد تم العثور على عدد منها فى الوثائق والمخطوطات التى تم العثور عليها فى كل من نجع حمادى بصعيد مصر ومنطقة قمران بالبحر الميت ، وان التناقضات والإختلافات الجذرية الواردة فى الأناجيل الحالية تؤكد انها عبارة عن نصوص متراكمة وتمت صياغتها من اجل برنامج سياسى هو : تعميم عملية تأليه يسوع وتدعيم السلطة القائمة آنذاك (صفحة 294) .. لقد باتت هذه المعلومة من الحقائق الدارجة إذ تورد موسوعة بريطانيكا ان هناك مائة وخمسون الف تناقض و تحريف فى الكتاب المقدس ، بينما رفع العلماء حديثا هذا الرقم الى ثلاثمائة الف فى كلا العهدين ..

* ان روما تريد اقناع العالم بأن النبى يسوع كان إلها أو انه الله ، لذلك استبعدت كل ما ينفى ذلك (صفحة 306) ، وتلك هى القضية الحقيقية بكل مرارتها أو الخلاف الرئيسى بين المسيحية والإسلام ، وهاهى قد أصبحت أيضا بين العلماء والأتباع ..

* كان يسوع يهوديا وفى أيامه كانت العذوبية مدانة وكان على كل أب يهودى ان يبحث عن زوجة صالحة لإبنه. واذا لم يتزوج يسوع فكان لا بد من الإشارة الى ذلك على الأقل فى أحد الأناجيل الأربعة ومعه تبريرا لهذا الوضع غير المألوف (صفحة 307) .. وهى حقيقة تاريخية عقائدية لفى الشرع اليهودى الذى كان السيد المسيح يتبعه و خلاف عليها .

* ان اللوحة رقم 107 بند 32 من انجيل فيليب تقول : " كانوا ثلاثة يمشون دائما مع المعلم: مريم أمه ، وأخت أمه ، ومريم المجدلية المعروف أنها كانت رفيقته (koinonos ) لأن مريم بالنسبة له كانت أختاً وأماً وزوجة " .. وفى اللوحة رقم 111 بند 55 نطالع ".. رفيقة الإبن هى مريم المجدلية والمعلم كان يحب مريم اكثر من كل التلاميذ " والمعروف ان كلمة "رفيقة" koinonos بالآرامية تعنى " زوجة" (صفحة 308) ، وهذه المعلومة تتفق وما هو معروف حول وجود قبر للسيد المسيح فى بلدة سريناجار فى الهند ، أى انه عاش وسافر حتى استقر به المطاف هناك ورفعه الله اليه عند انتهاء عمره ولم يقتل ولم يصلب .. وهو ما تتناوله العديد من الأبحاث منذ كتاب جيرارد ميسادييه المعنون : "الرجل الذى أصبح الله " !

* ان أحد أسباب الحروب الصليبية كان البحث عن أية وثائق تتضمن معلومات عن مريم المجدلية التى كانت تمثل خطرا داهما على الكنيسة آنذاك ، فقد كان يسوع قد اسند اليها هى تكملة الرسالة وليس الى بطرس، بل كانت تمثل الدليل المادى علىان "ابن الله " الذى اخترعته الكنيسة قد انجب خلفا بشرياً ! وانه لكى تحمى نفسها من وضع مريم المجدلية قامت الكنيسة بفرض صورتها كعاهرة ومحت أثر زواجها بيسوع .. إذ كان من المحال للكنيسة ان تستمر بعد ذياع خبر زواج يسوع وإنجابه.. ولكى يمكن للمؤسسة الكنسية إعلان أنها وحدها هى طريق الخلاص والحياة الأبدية ، كان لا بد لها من فرض وتأكيد الوهية المسيح (صفحة 318) .. والدليل على أن السيد المسيح لم يشأ أن يكون بطرس هو خليفته ، كما فعلت المؤسسة الكنسية ، ما نطالعه فى إنجيل متى عندما وصفه السيد المسيح بأنه " قليل الإيمان "(متى 14:31) وعندما التفت : " وقال لبطرس إذهب عنى يا شيطان أنت معثرة لى لأنك لا تختم بما لله لكن بما للناس" (متى 26:23) ..

واذا ما تأملنا كل هذه النقاط وغيرها كثير ، لوجدنا أنها عبارة عن حقائق أصبحت واردة فى معظم الأبحاث التى بدأت تظهر منذ عصر التنوير ، بشق طريقها بصعوبة فائقة ، وتواصلت حتى يومنا هذا ، فى تزايد لافت للنظر ، بحيث أصبحت مثل هذه المعلومات ، فى الإصدارات التى ظهرت فى العقود القليلة الماضية ، تبدو وكأنها عبارة عن معلومات دارجة بين العلماء والباحثين من كثرة ما صاحبها من دراسات قائمة على الوثائق والتحليلات اللغوية ومراجعة الترجمات السابقة. وهو ما دفع بأحد العلماء ليقول أن الفرق الذى يوجد بين ما توصل اليه العلماء والباحثين فى أصول المسيحية وتاريخها و بين عامة الجمهور هو جهل يصل الى درجة الأمية ! فما يعرفه العلماء فى وادٍ ، وما يُسمح بنشره للعامة فى وادٍ آخر - وهى بكل أسف حقيقة نعيشها فى العديد من المجالات وليس فى تاريخ المسيحية وحدها !..

أى ان ما قام به دان براون فى الواقع هو دمج بعض المعلومات والحقائق أو المعطيات العلمية التاريخية فى قصة روائية رائعة الحبكة ، من خلال حوار مختصر ، واضح ، وبسيط بين ابطالها. .

ويبقى التساؤل مطروحا حتى ظهور الفيلم وعرضه على الجمهور : ترى هل نجح العاملون فى المجال السينمائى فى نقل كل تلك الحقائق الثابتة علميا وتاريخيا ، والتى أوردها دان براون بوضوح، أم ان مقص الرقباء قد لعب دورا بين الكواليس ؟! وإن كان هذا التساؤل التقليدى فى حد ذاته لا يمنع من أن نتأمل كل تلك ردود الأفعال التى دبّت بين أرجاء المؤسسة الكنسية للحيلولة دون وصول هذا الفيلم الى الجمهور أو للتعتيم و التشويش على ما يقدمه من حقائق ..

فإن كان ما تتضمنه رواية " شفرة دافنشى " مجرد فريات وإدعاءات وأكاذيب ، كما تررد كافة المؤسسات الكنسية والمواقع الإعلامية والإلكترونية التابعة لها ، هل كان الأمر يتطلب كل تلك الجهود المستميتة التى لم نُشر إلا إلى جزء ضئيل منها مما تم فى فرنسا وحدها ؟! بل هل كانت تلك الأكاذيب والفريات تستدعى أن يتم مصادرة الترجمة العربية للرواية ومنع تداولها فى بعض البلدان العربية والإسلامية التى يتألق فيها نفوذ المؤسسة الكنسية ؟!

وتبقى علامات الإستفهام مطروحة ..