14‏/04‏/2009

قيامة يسوع أو بعثه ..

بقلم الدكتورة زينب عبد العزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية

فى كتاب بعنوان "عن الحقيقة فى المسيحية" ، الصادر عام 1866 ، كتب شارل رويل Ch. Ruelle)) ، احد أساتذة التاريخ فى فرنسا قائلا: "لا يمكن استبعاد أو محو عملية قيام يسوع من الأناجيل دون أن ينهدم كل شىء فى المسيحية".. وحينما اعرب عن هذه الحقيقة لم يكن اول من قالها وإنما كان قد سبقه العديد من علماء عصر التنوير الذين اعتمدوا هم أيضا على التقدم العلمى واللغوى لإعادة النظر فى مصداقية النصوص الإنجيلية.
ومن المعروف ان بولس هو أول من ركّز كرازته على قيام يسوع من الموت دون الإهتمام بأهم أحداث حياته، وهو ما يؤكده فى الرسالة الأولى الى اهل كورنثوس(12:15-17). ويوضح ميشيل كينيل M. Quenelle)) فى كتابه عن "تاريخ الأناجيل" قائلا: "لولا قيامة يسوع لما كانت هناك أناجيل ولا كنيسة، إذ أن عيد الفصح هو الحدث الذى تحولت به حياة يسوع، التى إنتهت بالفشل، إلى طريق لللآمال".. وفى واقع الأمر ان قيام يسوع بعد موته ودفنه كما يزعمون، يمثل أكثر من مجرد منحنى فى الأحداث: أنه الدعامة الأساسية التى تقوم عليها المسيحية الحالية، وإنهيار هذه الدعامة يؤدى قطعا إلى إنهيار المسيحية برمتها! لذلك تتمسك المؤسسة الكنسية بترسيخ تلك العقيدة المختلقة بشتى والوسائل والإمكانيات..
وفكرة قيام الآلهة من الموت بمثابة قاسم مشترك أعظم بين كل الآلهة الهللينية القديمة، فكلهم يموتون وبعد ثلاثة أيام يقومون ويتم الإحتفال بقيامهم دون محاولة معرفة المزيد من التفاصيل .. وإذا كانت قصة أوزيريس، الإله المصرى القديم، قائمة على فكرة البعث أو القيام بعد الموت، فهى متكررة أيضا لدى الإله أدونيس والإله أتيس والإله ميثرا. فكلٌ منهم يموت ثلاثة أيام ، ينزل خلالها إلى الجحيم، ثم يُبعث أو يقوم..
ومن المسلّم به أنه ما من أحد قد شاهد أو حضر عملية قيام هذه الآلهة ، ولا حتى قيام يسوع، باستثناء بعض تفاصيل متعلقة بتكفينه. فما من أحد قد شاهد خروجه من القبر، وكل ما هو وارد بالأناجيل أن أحد الملائكة (وفقا لمتّى 8 : 2) أو ملاكان (وفقا ليوحنا 20 : 12) قد عاوناه على إزاحة الحجر من على باب المقبرة. الأمر الذى أثار سخرية سيلسيوس فى القرن الثانى الميلادى قائلا فى كتابه المعنون: "الخطاب الحق" : "هل إبن الله لم يكن لديه القوة ليفتح مقبرته بنفسه وكان بحاجة إلى أن يأتى أحد ويدحرج له الحجر ؟!".
ورغم كل ما تقدمه الأناجيل حول هذه العقيدة فإن قيام يسوع مبنى على اكتشاف المقبرة خاوية !. ولا يمكن لهذا المعطى أن يكون كافيا كدليل تاريخى على قصة البعث أو قيام يسوع، فما من أحد قد شاهده وهو يخرج من القبر. ونترك الكلمة لعالم اللاهوت الفرنسى شارل جينيوبير Ch. Guignebert)) قائلا: "إن التناقضات الواردة فى نصوصنا الإنجيلية فيما يتعلق بقصة قيام يسوع تناقضات عديدة ولا تُحتمل. فمن الواضح ، من الوهلة الأولى، فيما يتعلق بالتأكيد العام، إن المقبرة التى وُضع فيها يسوع مساء يوم وفاته قد وُجدت خاوية صبيحة اليوم التالى! وبدأت المعطيات تنسج تدريجياً بغية تحقيق تلك المقولة.. ولشدة التناقض والإختلاف بين هذه التفاصيل فإن جميعها مشكوك فيها" (وارد فى كتابه عن "يسوع" صفحة 608 ).
ولكى يدرك القارىء مدى التناقض فى سرد احداث قيامة يسوع نورد تلخيصا شديدا لكل منها كما هى واردة فى الأناجيل :
1 - وقائع ظهور المسيح فى إنجيل متّى :
يظهر يسوع مرتين بعد بعثه : لسيدتين بجوار القبر قرب القدس فى نفس يوم البعث ؛ والثانية ظهوره لأول وآخر مرة للحواريين وهم مجتمعون فى الجليل، دون تحديد لمكان ولا يذكر اسم أى حوارى..
2 - وقائع ظهور المسيح فى إنجيل مرقس :
يظهر يسوع ثلاث مرات : لسيدة بمفردها ؛ ولإثنين من الحواريين ؛ وللأحد عشر مجتمعين حول المائدة دون تحديد زمان أو مكان .. وظهوره لمريم المجدلية لا يتضمن أية إشارة الى زمان أو مكان ، ونفس الشىء بالنسبة للحواريَيْن. ولا يقال فى اى مكان او بلد تم رفع يسوع: هل على جبل فى الجليل كما يبدو فى متّى، أو فى القدس، أو بالقرب منها كما سيرد فى انجيل لوقا وفى أعمال الرسل التى يقال أنها لنفس الكاتب ..
3 - وقائع ظهور المسيح فى إنجيل لوقا :
ترد هنا ثلاث وقائع لظهور يسوع ويبدو أنها وقعت فى نفس اليوم : ظهوره يوم بعثه للتلميذين على طريق عمواس وامتد لبعد الظهر واختفى يسوع بعده فجأة حين تعرفا عليه ؛ وظهوره لسمعان بطرس دون تحديد مكان او زمان ؛ وظهوره للحواريين مجتمعين فى القدس يوم البعث مساءً. وامتد ظهوره للحواريين الى اللحظة التى "رفع فيها الى السماء".. ولا يذكر لوقا ظهوره لأى سيدة، ولا لتلقى الحواريين الأمر بالذهاب الى الجليل، ولا أنهم قد ذهبوا ..
4 - وقائع ظهور المسيح فى إنجيل يوحنا :
يورد إنجيل يوحنا ان يسوع قد ظهر أربع مرات: مرة واحدة لمريم المجدلية عند القبر يوم البعث وليس عند زيارتها الأولى للمقبرة ؛ وثلاث مرات للحواريين : مرة يوم البعث مساءً وصبيحة يوم السبت والحواريون مجتمعين فى القدس فى مكان ابوابه مغلقة وتوما غائب ؛ والثانية بعد ذلك بثلاثة أيام ، أى بعد بعثه بثمانية أيام وصبيحة يوم السبت والحواريون مجتمعين فى نفس المكان ومعهم توما ، ولا أحد يعرف كيف دخل يسوع الى الغرفة وبابها مغلق بإحكام وفقا لتحديد النص ، إلا إن كان دخل على انه روح فرضا وتسلل عبر الحائط ، لكن الروح لا تأكل مثلما اكل يسوع مع حوارييه !؛ والثالثة فى الجليل بلا تحديد زمان، على شاطىء بحيرة طبرية، ويقال تحديدا ان هذا هو الظهور الثالث بالنسبة للحواريين منذ البعث..
5 - وقائع ظهور يسوع فى اعمال الرسل :
بغض الطرف عن كل ما بأعمال الرسل من تناقضات مع ما ورد بالأناجيل المتناقضة أصلا فيما بينها حول قيام يسوع ، فإن أهمها انها لا توضح فى اى وقت إرتفع يسوع أمام حوارييه ، كما لا تذكر وجود أى شاهد يكون قد رأى يسوع وحوارييه أو سمع كلامه ، و أنها تؤكد أنه حىّ، دون ان تذكر أى ظور له إلى إمرأة ما، و خاصة التأكيد على أنه قد ظل على الأرض بعد بعثه لمدة أربعين يوما ! وهو ما لا يرد فى أى إنجيل من الأناجيل ، فمن أين لأعمال الرسل بفترة تلك الأربعين يوما وظهوره لخمسمائة شخص إلا إن كانت عمليات مزايدة متتالية من أجل ترسيخ هذه العقيدة المختلقة ؟!.
وأهم ما نخرج به من ملاحظات، أنه لا يوجد أى وصف فى الأناجيل لعملية البعث أو قيامة يسوع ، وأنه لم يشاهدها أى مخلوق ، وأن الدليل الوحيد عليها هو "وجود القبر خاليا" بناءً على نصوص مشكوك فى مصداقيتها بل ولا يوجد حولها اى إجماع بين الأناجيل ..
فإذا نظرنا إلى عملية البعث هذه بصورة موضوعية لرأينا أن ما تقدمه النصوص يقول إجمالا : أن يسوع قد مات ودُفن يوم الجمعة مساءً وأنه قد بُعث فجر السبت أو الأحد – أى أنه لم يبق فى القبر ثلاثة أيام كما يصرون؛ وأنه ظهر لحوارييه عدة مرات ثم صعد إلى أبيه حيث يجلس عن يمينه.. إلا أن تأمل الوثائق عن قرب يكشف عن كمّ لا حصر له من الطبقات المتراكمة بمتناقضاتها ، إضافة إلى ما يلى :
يقوم مرقس بوصف عملية دفن يسوع متناسيا أنه يوم الإستعداد لعيد الفصح الذى يفرض الراحة الإجبارية ويحرّم القيام بأى شىء طوال يوم السبت تحريما قاطعاً..
ثابت من الأناجيل ان اليهود هم الذين قتلوا يسوع وهم الذين أنزلوه من على الصليب وهم الذين وضعوه فى القبر. وأن الذى دفنه شخص ظهر فجأة واختفى فجأة من على مسرح الأحداث ! أنه يوسف من الرامة، المقرّب إلى بيلاطس وواحد من أعضاء المحكمة العليا التى أدانت يسوع بكامل هيئتها.. فكيف يقوم هذا اليوسف بإتهام يسوع وإقرار الحكم عليه ثم يسعى لتسلم جثته لدفنها ؟!
وأن يوسف من الرامة وزميله نيقوديمس ، وكان رئيسا لليهود، حضر ومعه نحو مائة منّا من العطور، والمنّا تساوى نصف كيلوجراما تقريبا، أى أنهما قد أحضرا حوالى خمسون كيلوجراما من العطور لتطييب جسد يسوع ! – وهو ما يكفى لتطييب ما يزيد عن جسد فيل من الأفيال الضخمة بكثير ! بل كيف أمكنهما حمل كل هذه الكمية وحمل الأكفان إضافة إلى حمل جسد يسوع فى نفس الوقت والسير بها خلسة فى ظلام الليل ؟!.
بغض الطرف عن التناقض الوارد فى وصف القبر، فالبعض يقول "حفرة" بدليل ان بطرس إنحنى ليراه، وآخر يقول منحوت فى الجبل ، بدليل أن البعض دخل ورأى .. أما يوحنا فيقول انه صُلب فى بستان والبستان به قبر جديد لم يوضع فيه أحد قط .. بينما يقول مرقس انه وُضع فى قبر كان منحوتا فى صخرة ودحرج حجراً على باب القبر .. وما هو ثابت تاريخيا أن كل فترة المسيحية الأولى لم تعرف ليسوع قبراً حتى القرن الميلادى الرابع ، حينما تنبهوا لغياب أية آثار تدل على وجوده ، فقامت والدة الإمبراطور قسطنطين ببناء ما هو معروف حاليا بإسم "الآثار التاريخية ليسوع" !!.
من المحرج قراءة آية من قبيل : "فأخذوا الفضة وفعلوا كما علّموهم. فشاع هذا القول عند اليهود إلى يومنا هذا" (متّى 28 : 15) ، فهى عبارة تؤكد أن من كتبها ليس يهودي على الإطلاق، وليس من الحواريين، وإلا لما قال "عند اليهود" فكلهم كانوا يهود.. وهى من الأدلة اللغوية التى تثبت ان هذه الأناجيل ليست بأقلام الحواريين كما يدّعون فهناك المئات من مثل هذه الهفوات اللغوية .
من اللافت للنظر أن ظهور يسوع بعد بعثه المزعوم يتفاوت من عدة ساعات ، وفقا للوقا، إلى أربعين يوما وفقا لأعمال الرسل .. فهل يمكن الإعتماد على مثل هذا الخلط والتفاوت فى أى تقييم حقيقى أمين للأحداث ؟!.
من الصعب فعلا حصر كمّ المتناقضات فى رواية بعث يسوع هذه ، ونذكر منها على سبيل المثال: تناقض بين الأماكن التى ظهر بها ، وحول عدد مرات ظهوره، وفيما قاله أو فعله خلال فترات ظهوره ، وكذلك فى المكان والتاريخ المتعلق بصعوده ، وبين ظهوره لشخص او لإثنى عشر أو لخمسمائة.. إضافة الى انه حدث لم يشهده أى مخلوق.
كما ان عمليات التردد والخوف والشك التى اعترت الأتباع توضح أنهم لم يتقبلوا فكرة البعث ولم يستوعبوها على الرغم من أن الأناجيل تقول ان يسوع كان قد أعلن لهم عن خبر ظهوره بعد الموت!. وهو ما يضع علامات إستفهام حول حقيقة موقف الحواريين وحول مدى إيمانهم بكلام يسوع ، وحول مصداقية يسوع فى نظرهم !.
لذلك لا يمكن الإعتماد على مثل هذه النصوص من الناحية التاريخية، فمن الواضح ان "قصة هذه القيامة قد تم إختلاقها وصياغتها لتأكيد الوجود الكنسى وتدعيم سلطانه" على حد قول شارل جينيوبير الذى يؤكد: "أن دراسة أقدم النصوص المتعلقة بظهور يسوع تنفى اكتشاف المقبرة الخالية من التراث القديم ومن التاريخ، وتؤكد أن الإيمان ببعث يسوع يعتمد على ظهوره الذى لا دليل عليه" .. بينما يقول جيزا ڤيرمس (Geza Vermes) ، أحد كبار المؤرخين الحاليين، "إن عملية بعث يسوع كما توردها الأناجيل لا تزال تمثل لغزاً محبطا لأية محاولة لفهم الأحداث بصورة منطقية. والروايات الإنجيلية تحاول فرض مصداقية الحدث الوارد بمثل هذه الحجج الجوفاء التى تناقلتها نسوة مذعورات (...) والأغرب من هذا وذاك تشكك الحواريين أنفسهم فى عملية البعث، بينما يحاول يوحنا الإصرار على شهادة الجند بوفاة يسوع، وذلك لإخماد تعليق كان سائدا منذ ذاك الوقت ويشرئب بانتظام حتى وقتنا هذا، ان يسوع لم يمت فعلا على الصليب وإنما كان حياً وعاش بعد ذلك طويلا.. واختصاراً ، من المحال العثور على الخطوات أو المراحل الحقيقية لهذا المعتقد الدينى الذى تدرج من اليأس المطلق والرفض الواضح المشوب بالشك إلى عملية تأكيد مطلق لبعث يسوع". ("البحث عن هوية يسوع" صفحة 176).
ومن أهم الأدلة التى تنفى إستحالة حدوث البعث بعد موت إمتد ثلاثة أيام ، ما يقوله جى فو (Guy Fau) : "إذا أمكن الإيمان بقيام الأجساد وبعثها جسمانياً ، فإن بعث المخ سوف يمثل أكبر مشكلة : فالإنسان بلا عقل وبلا ذاكرة وبلا فكر يفتقد كل ما يمكنه ان يجذبنا إليه ، إذ ان بعث خلايا المخ مستحيل تماماً لأن تلك الخلايا هى الخلايا الوحيدة التى لا تتجدد أثناء حياة الإنسان الأرضية، وتلفها يعد نهائياً . ولا يوجد أى طبيب يمكنه أن يعتقد فى بعث العقل ، وإذا ما أكد ذلك فهو واقع تحت وهْم مؤكد ".. ("المسيحية بلا يسوع" صفحة 151) .
أما ميشيل كوكيه (Michel Coquet) فيؤكد: "ان المؤسسة الكنسية قد اخترعت قصة البعث والصعود، فلم يرد ذكرها إلا فى مطلع القرن الخامس عندما قام كل من يوحنا كريزوستوم أو فم الذهب وأغسطين مدّعين أن لها أصل رسولى" !.. ("كشف أسطورة يسوع" صفحة 358).
ورغم كل هذه الحقائق العلمية التى تفنّد حقيقة تلك القيامة، وهى جد نماذج قليلة على سبيل المثال لا الحصر، من الغريب ان يُعلن بنديكت 16 يوم الأحد 12/4/2009 فى خطابه الرسمى لعيد الفصح هذا قائلا بإصرار لتأكيد بدعة لم يشهدها أى مخلوق :
"إن البعث ليس نظرية وإنما حقيقة تاريخية كشفها يسوع المسيح (...) انه ليس اسطورة، ولا حلماً، ولا رؤية، ولا يوتوبيا،ولا خرافة، وإنما هو حدث متفرد ونهائى : يسوع الناصرة بن مريم الذى اُنزل من على الصليب مساءالجمعة ودُفن، قد خرج منتصرا من القبر"!.

هناك 58 تعليقًا:

غير معرف يقول...

(((((((((((((((((((((((((((الصَّلب حقيقة أم افتراء؟ بقلم القس السابق إبراهيم الشوادفي)))))))))))))

وفي هذه الرسالة الأخيرة يتوقف المؤلف مع قصة حادثة صَلْب المسيح التي يدّعيها النصارى، ويرى أن في نُسخ الإنجيل والتوراة بين أيدينا ما يدل على أن المصلوب ليس المسيح؛

1. ففي حين يحكي إنجيل متى: 27/27-31 أنه ( أَخَذ عسكرُ الوالي يَسوعَ... فَعَرَّوه وألبسُوه قرمزيًّا ó وضفروا إكليلاً من شوك ووضعوه على رأسه... وبصقوا عليه... وبعدما استهزؤوا به نزعوا عنه الرداء وألبسوه ثيابه ومضَوا به للصَّلب ).

والنص السابق فيه شيء لا بأس به من الوضوح، ولكن هنا افترقت الأناجيل الأربعة في أحداث القصة؛ فإنجيل يوحنا: 19/16،17 ينقل أن الذي حَمل الصليب هو المسيح: (فأمسكوا يسوع ó فخرج حاملاً صليبه). إلا أن الأناجيل الثلاثة اتفقت على مشهد مهم جدًّا يؤثر على سَيْر الأحداث ويتعارض مع ما سبق في إنجيل يوحنا؛ وهو أن الذي حمل الصليب ليس المسيح بل سمعان القيرواني (القيريني):

2. (وفيما هم خارجون وجدوا إنساناً قيروانيًّا(((((((((طبعا للعلم فقط "مدينة القيروان "أسسها عقبة بن نافع رضي الله عنه بعد فتح "أفريقيا "وهي "تونس الان)))))) اسمه سمعان، فسخّروه ليَحمل صليبَه ó ولمّا أتَوا إلى موضع يقال له جلجثة، وهو المسمى موضع الجمجمة ó أعطَوْه خلاًّ ممزوجاً بمرارة ليشرب. ولمّا ذاق لم يُرِد أن يشرب ó ولمّا صَلبوه اقترعوا ثيابَه مقترعين عليها لكي يتم ما قيل بالنبي: اقتَسَموا ثيابي بينهم وعلى لباسي ألقَوا قرعة ó ثم جلسوا يحرسونه هناك ó وجعلوا فوق رأسه عِلَّتَه [سبب صَلْبه] مكتوبة: هذا هو يسوع ملك اليهود ..) متى: 27/32-37. وقريب منه في إنجيل مرقس: 15/21-26. وفي إنجيل لوقا: 23/26.

وهذا النص مؤشر إلى:

1. اختلال في الرواية: حيث يقول يوحنا إن الذي حمل الصليب هو يسوع، وفي الأناجيل الثلاثة الأخرى أن الذي حمله هو سمعان القيرواني.

2. براءة يسوع: من أي جريمة توجب العقوبة حتى في قناعة بيلاطُس (لا أجد في هذا الرجل سبباً لاتهامه) كما في قصة الأناجيل الثلاثة غير يوحنا.

3. (والنفس التي تخطئ هي تموت): هكذا جاء صريحاً في سفر حزقيال: 18/20. وفي التثنية: 24/16: (لا يُقتل الآباء عن الأولاد، ولا يُقتل الأولاد عن الآباء؛ كل إنسان بخطيئته يُقتل). فإذا كان لديهم هذه النصوص فلماذا يُقَرِّر علماء الكنيسة بأن نزول "ابن الله" المسيح كان ضرورياً للتكفير عن خطيئة البشر الأصلية التي ارتكبها آدم؟!

4. اختلال في سُلَّم العقوبات: فالعقوبة تكون على قدر الجِناية، فهل الصلب بتلك التفاصيل العجيبة متناسب مع خطأ آدم؟ مع العلم أن الله عاقب آدم بإنزاله من الجنة! فلماذا يكرر العقوبة على غيره؟ أو لماذا يعاقب الله نفسه أو "ابنه"؟

5. عدم الحاجة إلى المعمودية: يقول المؤلف: "فإذا كان المسيح قد صُلب كفّارة عن خطيئة آدم، فما فائدة المعمودية للشخص المولود من أبوين مسيحيَّين مؤمنَين بقضية الصلب المزعومة، التي بها تمت عملية الفداء؟! إذن هم يعتقدون بأن خطيئة آدم ما زالت بحاجة إلى مَحْوِها".

6. أنّ المصلوب هو سمعان القيرواني: لأنه "كان على المحكوم عليه، وفقاً لما ورد في الشريعة، أن يحمل هو نفسه أداة تعذيبه" كما في هامش إنجيل يوحنا: 19/17 (دار المشرق-بيروت، جمعيات الكتاب المقدس في المشرق-بيروت ط 5/1999م). وفي التفسير التطبيقي للكتاب المقدس أيضاً: "كان المتَّهمُ المحكومُ عليه بالموت صَلباً يُجبر على حَمل صليبه عبر طريق طويل حتى موضعِ الصلب".

7. أن المصلوب ليس الرب: لأن الرب الخالق لا يشبه المخلوق، وهو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، فإذا كان المصلوب هو يسوع "الرب" فلماذا تفاجأ مِن أنّ الله تَرَكه يُصلب؟ رغم أنه بحسب عقيدة النصارى لم يتجسد إلا ليُصلب للفداء، وقد أخبر هو نفسه بتفاصيل صَلبه واقتراع الشرطة على ثيابه...؟ وهل يكون بعض الرجال الشجعان أشدَّ صبراً من الإله؟! حيث (صرخ يسوع بصوت عظيم: إيلي! إيلي! لِمَا شَبَقْتَني؟ أي إلَهي إلَهي لماذا تركتني؟) متى: 27/45،46.

8. بل هو ليس حتى يسوع النبي؛ لأن النبي يصبر ولا يعترض على قضاء ربِّه خالقِه وحبيبه . وهل يخدع الله أنبياءه ويتركهم؟!

وبالتالي فالمصلوب ليس هو المسيح عيسى وإنما هو إنسان آخر شَبَّهَه اللهُ بسيدنا عيسى في أعين الناظرين إليه. قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وما قَتلوه وما صلبوه ولكنْ شُبِّه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك مِنه ما لهم به من عِلْم إلا اتباعَ الظن وما قتلوه يقيناً ~ بل رَفَعه الله إليه...﴾ [النساء: 157،158].

فقد أشارت الآية أيضاً إلى الاختلاف السابق، [وهذا إذا غضضنا الطَّرْف عن إنجيل برنابا الذي خُتم بأن سيدنا عيسى رُفع إلى السماء واضعاً يديه على أجنحة الملائكة!

ربما بقي لديك سؤال! وهو: كيف انخدعَتْ هذه الملايين من الأجيال المتعاقبة بالصَّلب إذا لم يكن صحيحاً ؟

وسأترك الإجابة للإنجيل الذي أخبرنا بأن عظماء الكهنة (اليهود) عندما أرادوا تغيير وإخفاء قصة قيامة المسيح: (أعطَوا الجنود [الحرّاس الذين شاهدوا القيامة] مالاً كثيراً وقالوا لهم: "قولوا: إنّ تلاميذه جاءوا ليلاً فسرقوه ونحن نائمون. وإذا بلغ الخبر إلى الحاكم أرضيناه ودفعنا الأذى عنكم". فأخذوا المال وفعلوا كما لقّنوهم، فانتشرت هذه الرواية بين اليهود إلى اليوم) متى: 28/12-15. فكيف خُدع اليهود بهذه الكذبة ألفَي سنة؟! قد يكونون مخدوعين كما خُدع اليهود بإقرار الإنجيل؛ لأنهم يتوارثون العقائد من دون توَثّق وتدقيق وتَجرّد للحقيقة أينما كانت، فاعتمد أولئك الملايين على كَهَنة وشُرطة يكذبون ويتعاملون بالرشوة!

وأخيراً أيها القارئ المُتَنوّر: هذه قصة واقعية اعتنق فيها أحد القساوسة الإسلام، بناء على مثل هذه الإشكالات في "الكتاب المقدس" للنصارى؛ لأنه بحث عن الحق واختار أن يتبعه بعد أن تعرف عليه، ولو رجع ذلك عليه بصعوبات حياتية واجتماعية؛ لأن صعوبةَ البعد عن الحق بعد معرفته أكبر، وسعادةَ اعتناق الدين الذي حفظه الله من التحريف أعظم.

كما أن سيدنا عيسى عليه السلام لم يأتِ لِيَهْدِم بل ليُكْمِل، فإن سيدنا محمداً r قد أمر كلَّ مَن جاء بعده أن يتَّبعه ويؤمن به ليدخل الجنة وينجو من النار، ولا يُعتبر مؤمناً بمحمد من لم يؤمنْ بكل الأنبياء الآخرين ويعظمْهم عليه الصلاة والسلام.

فقال النبي محمد r: "لا يَسمع بي أَحَدٌ من هذه الأمة؛ يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ إلا كان من أصحاب النار" رواه مسلم.

ولكنه بشّر اليهود والنصارى بمضاعفة الأجر إذا أسلموا فقال: "أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِك اللهُ أَجْرَك مرتين". أجرَ الإيمان بموسى أو عيسى + أجر الإيمان بمحمد عليهم الصلاة والسلام.

أيها المُحب لِسيِّدنا عيسى: أظن أن ما ورد في هذا المختصر كافٍ لإثبات أن محمداً رسولُ الله حقًّا، وأنه يجب اتّباع دينه فإذا كنت اقتنعت بذلك فلماذا لا تكون من أفضل النصارى مثل مؤلف كتابنا ممن وصفهم الربّ الكريم بقوله في القرآن : ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ~ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا ءَامَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ~ وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ~ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ~ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة:82-86].

مِفتاح الجنة بيدك فقل:

E أَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأشهدُ أنّ محمداً رسول الله

وأنّ عيسى ابنَ مريم عبدُ الله ورسولُه وكَلِمتُه أَلقاها إلى مريمَ وروحٌ منه.

.................................................
نقلا عن موقع التوضيح لدين المسيح??????????????????(((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((?متى ولدت التوراة ؟))))))))))))))))))))

ما الذى تعرض له الكتاب المقدس في تاريخه الأول؟

تعالوا معنا نفحص تلك الفترة من تاريخ الكتاب المقدس في رحلته المبكرة:

مولد التوراة وتطورها:

يضطرب أهل الكتاب عامة، واليهود خاصة حول تاريخ التوراة ( مولدها وتطورها) اضطرابًا واسع المدى ويختلفون حولها اختلافًا يذهبون فيه من النقيض إلى النقيض، ولهذا عرضوا لتاريخ القرآن بالطعن والتجريح ليكون هو والتوراة سواسية في فقد الثقة بهما، أو على الأقل ليُحرجوا المسلمين بأنهم لا يملكون قرآنًا مصونًا من كل ما يمس قدسيته وسلامته من التحريف والتبديل . وقد عرضنا من قبل تاريخ القرآن، وها نحن نعرض تاريخ التوراة حسبما هو في كتابات أهل الكتاب أنفسهم، مقارنًا بما سبق من حقائق تاريخ القرآن الأمين.

الكتاب المقدس بعهديه : القديم والجديد تتعلق به آفتان قاتلتان منذ وجد، وإلى هذه اللحظة التي نعيش فيها:

آفة تتعلق بتاريخه متى ولد، وعلى يد من ولد، وكيف ولد، ثم ما هو محتوى الكتاب المقدس ؟ وهل هو كلام الله ، أم كلام آخرين ؟ (23) .

والمهم في الموضوع أن هذا الغموض في تاريخ الكتاب المقدس لم يثره المسلمون ، بل أعلنه أهل الكتاب أنفسهم يهودًا أو نصارى ممن اتسموا بالشجاعة ، وحرية الرأى ، والاعتراف الخالص بصعوبة المشكلات التى أحاطت بالكتاب المقدس ، مع الإشارة إلى استعصائها على الحلول ، مع بقاء اليهودية والنصرانية كما هما .ومعنى العهد عند أهل الكتاب هو " الميثاق " والعهد القديم عندهم هو ميثاق أخذه الله على اليهود في عصر موسى عليه السلام ، والعهد الجديد ميثاق أخذه في عصر عيسى عليه السلام(24) .

والمشكلتان اللتان أحاطتا بالكتاب المقدس يمكن إيجازهما في الآتي:

- مشكلة أو أزمة تحقيق النصوص المقدسة، التي تمثل حقيقة العهدين.

- مشكلة أو أزمة المحتوى ، أى المعانى والأغراض التى تضمنتها كتب (أى أسفار) العهدين ، وفصولهما المسماة عندهم ب"الإصحاحات " .

والذى يدخل معنا في عناصر هذه الدراسة هو المشكلة أو الأزمة الأولى ؛ لأنها هي المتعلقة بتاريخ الكتاب المقدس دون الثانية .

متى ؟ وعلى يد مَنْ ولدت التوراة :

هذا السؤال هو المفتاح المفضى بنا إلى إيجاز ما قيل في الإجابة .

وهو تساؤل صعب، ونتائجه خطيرة جدًا، وقد تردد منذ زمن قديم. وما يزال يتردد، وبصورة ملحة، دون أن يظفر بجواب يحسن السكوت عليه.

وممن أثار هذا التساؤل في العصر الحديث وول ديورانت الأمريكى الجنسية ، المسيحى العقيدة ، وكان مما قال :

" كيف كُتبت هذه الأسفار (يعنى التوراة) ومتى كُتبت ؟ ذلك سؤال برئ لا ضير فيه ، ولكنه سؤال كُتب فيه خمسون ألف مجلد ، ويجب أن نفرغ منه هنا في فقرة واحدة ، نتركه بعدها من غير جواب ؟! (25) .

فقد ذهب كثير من الباحثين إلى أن خروج موسى من مصر كان في حوالى 1210 قبل ميلاد السيد المسيح ، وأن تلميذه يوشع بن نون الذي خلفه في بني إسرائيل (اليهود) مات عام 1130 قبل الميلاد . ومن هذا التاريخ ظلت التوراة التى أنزلها الله على موسى عليه السلام مجهولة حتى عام 444 قبل الميلاد، أى قرابة سبعة قرون (700سنة) في هذا العام . (444) فقط عرف اليهود أن لهم كتابًا اسمه التوراة ؟

ولكن كيف عرفوه بعد هذه الأزمان الطويلة ؟ وول ديورانت يضع في الإجابة على هذا السؤال طريقتين إحداهما تنافي الأخرى .

الطريقة الأولى : أن اليهود هالهم ما حل بشعبهم من كفر، وعبادة آلهة غير الله ، وانصرافهم عن عبادة إله بني إسرائيل " يهوه " وأن " الكاهن خلقيا " أبلغ ملك بنى إسرائيل " يوشيا " أنه وجد في ملفات الهيكل ملفًا ضخمًا قضى فيه موسى عليه السلام في جميع المشكلات، فدعا الملك " يوشيا" كبار الكهنة وتلا عليهم سفر " الشريعة " المعثور عليه في الملفات، وأمر الشعب بطاعة ما ورد في هذا السفر ؟

ويعلق وول ديورانت على السفر فيقول: "لا يدرى أحد ما هو هذا السفر؟ وماذا كان مسطورًا فيه ؟ وهل هو أول مولد للتوراة في حياة اليهود " ؟ .

الطريقة الثانية : أن بني إسرائيل بعد عودتهم من السبي البابلي شعروا أنهم في حاجة ماسة إلى إدارة دينية تهيئ لهم الوحدة القومية والنظام العام، فشرع الكهنة في وضع قواعد حكم ديني يعتمد على المأثور من أقوال الكهنة القدماء وعلى أوامر الله ؟

فدعا عزرا ، وهو من كبار الكهان ، علماء اليهود للاجتماع وأخذ يقرأ عليهم هو وسبعة من الكهان سفر شريعة موسى ولما فرغوا من قراءته أقسم الكهان والزعماء والشعب على أن يطيعوا هذه الشرائع ، ويتخذوها دستورًا لهم إلى أبد الآبدين (26) .

هذا ما ذكره ديورانت نقلاً عن مصادر اليهود ، وكل منهما لا يصلح مصدرًا حقيقيًا للتوراة التى أنزلها الله على موسى ؛ لأن الرواية الأولى لا تفيد أكثر من نسبة الملف الذى عثر عليه " خلقيا " إلى أقوال موسى وأحكامه في القضاء بين الخصوم .

ولأن الرواية الثانية تنسب صراحة أن النظام الذى وضعه الكهان ، بعد قراءتهم السفر كان خليطًا من أقوال كهانهم القدماء ، ومن أوامر الله ؟!



المصدر : موقع الأزهر ، الرد على المتشككين????????????==================================================(((((((((((((((((((((((??دعوى صلب المسيح ( 1 ) بقلم الشيخ رشيد رضا)))))))))))))))

جاء في الجزء الأخير من الجريدة البروتستنتية نبذتان في الطعن بالإسلام : إحداهما محاورة في صلب المسيح ، والثانية طعن في القرآن وقيح ، وقد كانت هذه المجلة تطعن في الإسلام وكتابه ونبيه مع شيء من الأدب ونراها في هذه المدة هتكت ستار الأدب وتجاوزت حدوده ، مع أننا كنا نرجو أن تزيد في تحريه بعدما أسند تحريرها إلى نقولا أفندي روفائيل الذي نعرفه دمثًا لطيف الشمائل ، ولكنها نشوة الحرية في مصر ، والشعور بضعف نفوس المسلمين في هذا القطر فَعَلا في نفوس هؤلاء الدعاة إلى النصرانية ما لا تفعل الخمر ، فصار الواحد منهم إذا نسب الافتراء إلى سيد الأنبياء بالتصريح وكتبه ونشره يرى نفسه كأنه قد جلس على كرسي ميناس الأول أو رعمسيس الأكبر .

ونحن نقول : إن الحرية تنفع الحق ولا تضره ، وإن سوء الأدب يضر صاحبه ولا ينفعه وإن الشعب الضعيف قد يقوى بشدة الضغط المعنوي عليه فيتنبه إلى التمسك بحقه والدفاع دونه وعند ذلك تزهق الأباطيل .

وإننا لم نطلع على ما ذكر إلا بعد تهيئة أكثر مواد هذا الجزء من المنار فاختصرنا مقالة الخوارق والكرامات وكتبنا بدل تتمتها هذه الكلمات ، ونرجئ تفنيد أقوالهم في القرآن إلى الجزء الثالث من المنار ، ونخص كُليماتنا هذه في مغامز ذلك الحوار .

ذكرت المجلة أن الحوار كان في مكتبة البروتستان في السويس بين محررها وبعض المسلمين ، وأن المسلم احتج بالقرآن على نفي الصلب فأجابه المحرر : هبْ أنك كنت معاصرًا للمسيح وممن يعرفونه شخصيًّا وحضرت في مشهد الصلب خارج أورشليم فماذا كنت ترى ؟ قال : كنت أرى - ولا شك - المسيح مصلوبًا كما رآه الجمهور ، قلت : وماذا يكون إيمانك ويقينك حينئذ ؟ قال : كنت أوقن وأؤمن وأشهد أنه صُلب حقًّا كما أبصرت بعيني وأبصر الجمهور في رائعة النهار .

قلت : افرض أنك فيما أنت مؤكد بهذا التأكيد عن صلب المسيح وإذا برجل أمي من العرب - أولئك القوم المشركين - يقول لك : أنت المؤمن وقد مضى على حادثة الصلب نحو سبعمائة سنة عبارة القرآن هذه : ( وما صلبوه وما قتلوه ) ( كذا ) فهل تستطيع أن تكذب عيانك وعيان الجمهور وتصدق خبر هذا الأمي ؟ وهل الخبر أصدق من العيان ؟ قال : إذا كنت أعلم أن هذا الأمي المكذب للصلب رسول الله فأصدق خبره وأكذب عياني وعيان الجمهور ؛ لأن الله أعلم منا بحقائق الأمور .

قلت : وهل علمت أنه رسول الله وأن هذه العبارة من وحي الرحمن لا من تلقين الشيطان ؟ قال : نعم علمت ذلك بدون شك ، أجبت : كيف علمته ؟ قال : إن محمدًا ( صلى الله عليه وسلم ) لما بعث رسولاً أيده الله بالمعجزات الباهرة .

قلت : ليس لمحمد معجزة بدليل قوله : [ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ ]( الإسراء : 59 ) ولكن هب أن له معجزة وأنت رأيتها فبأي حق تُرجح حكم حسك في رؤية معجزات محمد على حكمه في رؤية صلب المسيح أَوَ لست تعلم أنه إذا أرى اللهُ الناسَ شيئًا على خلاف حقيقته ثم كذَّب ما أراهم إياه لا يعود الناس يصدقونه إذا أراهم شيئًا على حقيقته ! تعالى الله عن ذلك التلاعب ، وهل هذا هو الدليل القرآني الذي تحاول أن تنفي به حقيقة شهدت لها الكتب المقدسة من قبل ومن بعد ، وأثبتها التاريخ والآثار وعاينها جمهور عظيم من كل أمة تحت السماء ؟ ! وعند سماعه حجتي لم يكن عنده رد عليها وأمسك عن الكلام وخرج هو وأصحابه ! وعدا ذلك اعلم - أيها القارئ العزيز - أن عبارة القرآن : [ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ ]( النساء : 157 ) منقولة عن بقايا فرقة صغيرة من النصارى قد مرقت عن الحق يقال لها ( الدوسيتيين ) الذين اعتقدوا بلاهوت المسيح تمامًا كما تعتقد النصارى اليوم ومن البدء ؛ ولكنهم أنكروا ناسوته وزعموا أن الجسد الذي ظهر به المسيح إنما كان صورة فقط لا حقيقة له أشبه بالظل والخيال وأوَّلوا الآيات الإنجيلية التي تثبت كون جسده كسائر الأجساد ما عدا الخطيَّة فقالوا عن نموه في القامة : ما كان ينمو ولكن شبه لهم وعن تناوله الطعام قالوا : ما كان يأكل ولا يشرب ؛ ولكن شبه لهم ، وعن نومه وسائر أعماله الجسدية المشار إليها في الإنجيل قالوا : لم تكن حقيقية بل شبهت لهم وعن صلبه وموته قالوا : ( ما صلبوه وما قتلوه ولكن شبه لهم ) فمحمد إذ سمع مقالتهم بصلب المسيح صورة دون الحقيقة ولم يكن يعلم المبدأ الذي ترتب عليه هذا القول بادر بالمصادقة عليه رغبة في تنزيه المسيح عن الموت المهين ونكاية في اليهود ، والدليل على ذلك أن مقالة التشبيه هذه لا يمكن أن تخطر مباشرة على بال عاقل ما لم يكن لها مبدأ كالذي ذكرناه اهـ .

هذه هي المحاورة التي أوردها بحروفها ونقول له في الجواب : إن الإسلام سيهدم الوثنية التي غشيت جميع الأديان السماوية حتى يرجع الناس إلى الدين القيم دين التوحيد القائم على أساس الفطرة المطابق للعقل حتى يعترف الناس أن الوثنية السفلى كعبادة الحجر والشجر مثل الوثنية العليا ، وهي عبادة البشر ، فهو يهدم كل دين بالبراهين الراجحة ، فكيف تقوى عليه هذه السفسطة الفاضحة ؟ ! إذا فرضنا أن أجوبة المسلم له كانت قاصرة في معناها على ما كتبه فلا شك أن ذلك المسلم عامي غِرٌّ ، والظاهر أنه زاد في القول ما شاء وحرَّف فيه ما شاء كما هي عادتهم ، وكما تدل عليه المبالغة في تأكيد الصلب من المسلم بناءً على ذلك الفرض ككلمة ( كنت أرى ولا شك ) وكلمة ( كما رآه الجمهور ) وكلمة ( كنت أوقن وأؤمن وأشهد ) ومن عادة المنكِر إذا أقر بشيء على سبيل التسليم الجدلي الفرضي أنه لا يؤكده بمؤكد ما فكيف نصدق أن ذلك المسلم انسلَّ من هذه العادة الطبيعية العامة وغلا كل هذا الغلو في تأكيد الصلب ثم انقطع عن المناظرة وتوهم أنه رأى المسيح مصلوبًا حقيقة وحار في التطبيق بين مشاهدته ، وقول مَن قام البرهان على عصمته ؟ ! ونحن نذكر للكاتب البارع جواب المسلم العالم بدينه عن هذه المسائل .

أما الجواب عن السؤال الأول : فكل من يعرف الإسلام يقول فيه : إنني لو كنت في زمن المسيح وكنت أعرف شخصه لجاز أن يشتبه عليَّ أمر تلك الإشاعة كما اشتبه على غيري ، فالنصارى أنفسهم لا ينكرون أنه وقع خلاف في الصلب ، وأن بعض الأناجيل التي حذفتها المجامع بعد المسيح بقرون كانت تنفي الصلب ومنها إنجيل برنابا الذي لا يزال موجودًا رغمًا عن اجتهاد النصارى في محوه من الأرض كما محوا غيره .

وإذا كانت المسألة خلافية وكان الذين اختلفوا فيه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن فما علينا الآن إلا أن نأخذ بما قاله عالِم الغيب والشهادة في كتابه المنزل على نبيه المرسل .

وبهذا الجواب سقط السؤال الثاني وجوابه وكذلك السؤال الثالث .

ومع هذا نقول : إن السؤال الثالث غير وارد بحال فإنه ليس عندنا مسألة مشاهَدة وجاءنا رجل أمي من المشركين يكذبها ولو وقع هذا لكذبنا المشرك الأمي وصدقنا بصرنا .

وإنما عندنا مسألة تاريخية اختلف فيها الناس وظهر فينا نبي أمي باتفاق جميع الأمم ؛ ولكنه علمنا الكتاب والحكمة وهدم الشرك والوثنية من معظم الممالك بقوة إلهية أعطاه الله إياها .

ومما جاء به حل عُقد الخلاف بين الملل الكبيرة ومنها هذه العقدة فوجب اتباعه في ذلك .

وعجيب من نصراني يبني دينه على التسليم بأقوال مناقضة للحس والعقل في كتب ليس له فيها سند متصل ثم يحاول هدم كتاب سماوي منقول بالتواتر الصحيح حفظًا في الصدور والسطور بمعول وهمي ، وهو فرض أننا رأينا المسيح مصلوبًا وما رأيناه مصلوبًا ، والفرض الموهوم لا يمس الثابت المعلوم ، يقول هذا النصراني : إن التوراة التي يحملها هي كتاب موحى من الله تعالى وكله حق .

وفي هذه التوراة مسائل كثيرة مخالفة للحس والبرهان العلمي فكيف يؤمن بها ؟ كيف يؤمن بقولها إن الرب قال للحية : ( وترابًا تأكلين كل أيام حياتك ) وهذه العبارة تفيد بتقديم المفعول أنها لا تأكل غير التراب وقد ثبت بالمشاهدة أنها تأكل غير التراب كالحشرات والبيض ولا تأكل التراب مطلقًا ، وكيف يؤمن بأن الواحد ثلاثة والثلاثة واحد ، وأن كلاً من هذه الوحدة وهذا التعدد حقيقي ؟ وأمثال ذلك كثير في الكتابين .

وأما السؤال الرابع فجوابه أننا علمنا أن محمدًا رسول الله ، وأن ما جاء به وحي من الله بالبراهين القطعية ، ومنها ما أشرنا إليه آنفًا في مقالات الكرامات والخوارق ( راجع المسألة العاشرة ) ، وقررناه بالتفصيل في مقالات سابقة ، وأثبتنا آنفًا من نص توراتكم وإنجيلكم أن الآيات والعجائب الكونية لا تدل على النبوة وأنها تصدر على أيدي الكذبة والمضلين .

هذا إذا سلمنا أن النبي e لم يؤتَ إلا آيات الكتاب العلمية ، وما كان على يديه من الهداية العملية وكلاهما يدل على نبوته كما تدل المؤلفات النفيسة في علم الطب والمعالجات الناجعة النافعة على أن صاحبها طبيب بخلاف عمل العجائب ، إذا جعل دليلاً على أن صاحبه طبيب ؛ لأنه لا ينخدع به إلا الجاهلون ؛ لأنه لا علاقة بين معرفة الطب وبين عمل الأعجوبة وللمسلم أن يقول : إن النبي الأعظم e قد أُوتي آيات كونية كثيرة ولكنه لم يجعلها هو ولا أتباعه من بعده عمدة في الدعوة إلى دينه ؛ لأن دلالة هذا النوع من الآيات أضعف ولأن خاتم النبيين جاء يخاطب العقول ويؤيد العلم ويحدد الأسباب ويبطل السحر والكهانة والعرافة والدجل ؛ ليرتقي الإنسان بعلمه وعمله ولا يستخذي لعبد من عبيد الله تعالى . وأما قوله تعالى : [ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ ]( الإسراء : 59 ) فهو مخصوص بالآيات التي تقترحها الأمة ، فتعريف الآيات فيه للعهد بدليل ما رواه أحمد والنسائي والحاكم والطبراني وغيرهم في سبب نزوله وهو أن قريشًا اقترحت على النبي e أن يجعل لهم الصفا ذهبًا وأن ينحّي عنهم الجبال فيزرعوا ! ولا يخفى أن هذه أسئلة تعنت وعناد وإلا فالآية أو الآيات التي أيده الله تعالى بها بينة لم يقدروا على معارضتها ولا نقضها .

ولما طلبوا آية غير معينة كما هنا نزل قوله تعالى : [ أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ ]( العنكبوت : 51 ) .

وأما قول النصراني : إن محمدًا أخذ إنكار الصلب عن الدوستيين .

فهو من اللغو الذي يعرض عنه المسلم ؛ ولكننا نذكر بمناسبته خليقة من خلائق هؤلاء المعتدين من دعاة النصارى وطريقتهم في الاعتراض على القرآن وهي أنهم يقولون فيما ورد فيه عن الأنبياء والأمم مما هو معروف ويعترف به أهل مذهبهم : إنه أخذه عنا وليس وحيًا من الله .

وفيما هو معروف عند غيرهم ولم يوافق أهواءهم : إنه مأخوذ عن الطائفة الفلانية الكاذبة الضالة المبتدعة وليس وحيًا ! وفيما لا يعرف عندهم ولا عند غيرهم كالأمور التي جهل تاريخها واندرست رسومها : إنه غير صحيح ولا وحي ؛ لأنه لا يعرفه أحد ، ولا يخلو الكلام في الأمم من هذه الأقسام ، والنبي الأمي لم يتعلم من أحد مذاهب الأمم وآراء الفرق المختلفة ؛ لأنه لم يكن في بلاده من يعرفها ؛ ولأنه لم يكن يعرف غير لغة قومه الأميين الجاهلين ؛ ولأنه لم يوافق طائفة في كل ما تقول وتَدين بل اتبع الوحي المنزل عليه من الله والله علام الغيوب .

وإن لنا في هذا المقام تنبيهًا آخر : وهو أن اعتداء هؤلاء المعتدين على الإسلام وتصدينا للرد على أباطيلهم عقبة في طريق الدعوة إلى الاتفاق ، وإزالة الضغن والشقاق والتعاون على عمارة البلاد ؛ فإن المسلمين يعلمون أن هؤلاء الطاعنين في الإسلام مستأجَرون من قِبل الجمعيات الدينية ؛ لتشكيك عامة المسلمين في دينهم وإهانة كتابهم ونبيهم ، وأن هذه الجمعيات تنفق على دعاتها في كل سنة أكثر من ثلاثة ملايين جنيه لأجل هذا الغرض ، ونتيجة هذا أن النصارى بمجموعهم لا يمكن أن يرضوا عن الأمة الإسلامية حتى تتبع ملتهم ؛ فالذنب في كل عداوة وشقاق على النصارى دون المسلمين .

وأما ردنا عليهم وتصدينا لبيان أباطيلهم فلا ينبغي أن يكون له تأثير سيئ في النصارى ؛ لأنه دفاع لا اعتداء فإن رد الشبهات الواردة على الدين فريضة دينية على جميع المسلمين إذا لم يقم بها أحد كانوا جميعًا عصاة لله تعالى فاسقين عن أمره ، فنحن ندفع الحرج عن نفسنا وعن جميع المسلمين في هذه البلاد بحكم الاعتقاد المالك لروحنا والمتصرف في إرادتنا وهم ليسوا كذلك .

ومن البلاء أن هؤلاء الطاعنين لا يؤثر فيهم البرهان ؛ لأنهم لا يطلبون الحق وإنما يطلبون المال فإذا استطعنا إسكات غيرهم ممن يكتب لمنفعة شخصه فلا يتيسر لنا إسكاتهم لأن منفعتهم الشخصية مرتبطة بهذا الطعن ؛ ولذلك نضطر إلى الرد عليهم دائمًا عملاً بالواجب المحتم علينا في الدين فلا يلومنا عقلاء النصارى الذين عرفوا مضرة التعصب الذميم بل يجب عليهم أن يساعدونا عليهم بتخطئتهم في سيرهم .

وإن كانوا راضين منهم فهم أنصارهم وأولياؤهم .

والله وليّ المؤمنين .

((يتبع بمقال تالٍ))

عن مجلة المنار عدد المحرم 1321هـ - مايو 1903م?????????=====================================================(((((((((((((((((((((((?دعوى صلب المسيح ( 2 ) بقلم الشيخ رشيد رضا)))))))))))))

تكلمنا في الجزء الماضي عن تمويه محرر مجلة البروتستانت على بعض عوام المسلمين في هذه المسألة وأقوى ما يخادعون به أنه لا يعقل أن رجلاً مشهورًا كالمسيح يشتبه على اليهود وشرطة الرومان فلا يميزونه من غيره .

وفاتنا أن نذكر أن في الأناجيل عبارات كثيرة تدل على أن الاشتباه حصل بالفعل . وقد كتب إلينا من السويس كاتب في ذلك فرأينا أن ننقل عبارته بنصها وهي : ( قد اطَّلعت على ما جاء في المنار ردًّا على بشائر السلام في مسألة صلب المسيح ) .

ولما كنت قد كتبت على المجلة المرسلة إليَّ من نقولا كتابة في هذا الشأن ورددتها إليه رأيت أن أطلع حضرتكم على مضمون ما كتبت فلعلك تجد فيه ما يناسب المنار ، وإن كان ما كتبته موجزًا فعلى المنار الإيضاح والمراجعة والتفصيل .

قلت عند قوله : ( قال المفسرون إن الله ألقى شبهه .. إلخ ) إن المفسرين قسمان قسم يفسر من طريق الإيمان على سنة المسيحية وهم الذين نقلت قولهم ، وقسم يفسر من طريق العلم والعقل على سنة الإسلام وقد فسروا هذه الآية بما لا يبعد عما ورد في أناجيلكم التي تقرؤونها ولا تفهمونها ، ورد في الإنجيل أن المسيح قال لتلامذته : إنكم ستنكرونني قبل أن يصيح الديك .. إلخ ( أنكرت الشيء لم أعرفه ) وورد أيضًا فيه أن المسيح خرج من البستان فوجد أعداءه فقال لهم : مَن تطلبون ؟ فقالوا : المسيح .

فقال : هو أنا ذا فقالوا : إنما أنت بستاني ولست بالمسيح وهكذا كانوا كلما وجدوه أنكروه وخانتهم أبصارهم في رؤيته وعمي عليهم واشتبه منظره ( وخيانة النظر ثابتة قطعًا ) فلما أعيتهم الحيل استأجروا يهوذا الإسخريوطي بثلاثين درهمًا ليدلهم عليه لتمكُّّّنه منه فلا يشتبه عليهم ، وهذا في الإنجيل أيضًا فهذه الحيرة المفضية إلى استئجار دليل يدل عليه مع ملاحظة أنه رُبِّيَ في وسطهم وكانوا يعجبون بفصاحته وحكمته كما هو وارد في الإنجيل أيضًا تدل بأجلى بيان وأوضحه على أنهم كانوا في شك منه ، وكان يشبه لهم بغيره فكلما اجتمعوا عليه اشتبه عليهم وعمي في نظرهم وخانتهم أبصارهم وظنوه غيره وما حصل لهم حصل لدليلهم ( يهوذا ) وقد ورد في الإنجيل أنهم حينما ساقوه للصلب كانوا يستحلفونه : هل أنت المسيح ؟ فكان يقول : هذا ذا فمنه يعلم أنهم كانوا لم يزالوا في شكهم حتى بعد الاستئجار ووجود المرشد والدليل ، فلما أعياهم الأمر عمدوا إلى مَن غلب على ظنهم أنه هو المسيح والمسيح في السحابة البيضاء مع موسى كما في الإنجيل أيضًا ثم صلبوا ذلك الرجل الذي كانوا يستحلفونه ، وغلب على ظنهم أنه هو المسيح فهل كل هذا كان لظهور المسيح واضحًا لهم أو لأنهم كلما طلبوه شُبه لهم وألقى شبه غيره عليه وعمي عليهم وخانتهم أبصارهم فعمدوا إلى يهوذا واستأجروه ليدلهم عليه ، فما كان بأمثل منهم في ذلك وأدتهم خاتمة المطاف إلى أخذ من غلب على ظنهم أنه هو وصلبوه ، وما هو منه بشيء بل المسيح ساخر منهم ضاحك عليهم يقول : أنا المسيح ! فيقولون : لست هو ، حتى قتلوا غيره وصلبوه وهو محجوب عن أنظارهم مشتبه عليهم قد شُبه لهم بالبستاني مرة وبغيره أخرى وبذلك نجَّاه الله من كيدهم فما نالوه بسوء [ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّن ]( النساء : 157 ) المبني على إرشاد يهوذا المشكوك فيه كما علمت من نص الإنجيل [ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ]( النساء : 157 ) .

هل فهمت يا حضرة المبشر الآية وكيف كانت عبارات الإنجيل حجة للإسلام لا عليه ؟ .

فاقرؤوا الأناجيل وافهموها ؛ فقد وسع الله لكم على يد البروتستانت ولا تكونوا كالذي يحمل أسفارًا اهـ .

أركان الدين الصحيح ضاق هذا الجزء عن رد شبهات النصارى على القرآن وغير ذلك مما كنا وعدنا به لطول مقالة ( النبأ العظيم ) أكثر مما كنا نتوقع ، وقد صدر الجزء الخامس من المجلة البروتستنتية قبل صدور هذا المنار قرأنا فيها نبذة في أركان الدين الصحيح يقول فيه الكاتب الذي ينتمي إلى المسيح ما نصه : وإن المذهب الذي يجب على كل فرد أن يختاره لنفسه هو أكثر المذاهب مشابهة لروح الآلهة وأقربها لصفاتهم .. إلى آخر ما قاله وكرر فيه لفظ ( الآلهة ) ثم فسر هذا المذهب بقوله : ( ذلك المذهب الذي ينادي : أن يا قوم أحسنوا إلى مَن أساء إليكم فتلك صفات الله ، ذلك المذهب إنما هو مذهب إلهي بلا مراء ) ، ثم ذكر أن المذهب إذا قال لتابعيه جاهدوا في سبيل الله ودافعوا عن أنفسكم في سبيل الله يكون بريئًا من الله والله بريئًا منه ؛ لأن العزة الإلهية لا تأمر بالقتال مهما كان الغرض شريفًا .

وأجاب عن أمر التوراة بني إسرائيل بإبادة بعض الأمم المجاورين لهم ( بأنه ) كان أمرًا وقتيًّا لازمًا للتوصل إلى المسيحية ديانة السلام والمحبة ) ! .

ثم ذكر اعتراض الناس على هذا المذهب بكون محبة الأعداء وترك المدافعة عن النفس مستحيل ، واعترف بأن هذا صحيح بالنسبة إلى معارف البشر الآن وقال : إن معارفهم سترتقي في المستقبل إلى فهمه .

فملخص هذا الدين الإلهي : ( 1 ) أنه يوجد آلهة متعددة وأن أخلاقهم متفقة على محبة أعدائهم ولا شك أن أعداءهم هم الذين لا يؤمنون بهم ، ولا معنى لمحبتهم إلا عدم مؤاخذتهم على الكفر فالنتيجة أن هذا الدين دين إباحة ومبطل لنفسه ولغيره .

( 2 ) أنه يأمر بمحبة الأعداء وترك المدافعة وذلك مستحيل بحسب ما وصلت إليه معارف البشر إلى القرن العشرين من ظهوره ؛ ونتيجة هذا أنه لم يتبعه أحد حتى الآن .

و ( 3 ) أن هذا المذهب يخالف قول المسيح : ( وهذه هي الحياة الحقيقية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك .

ويسوع المسيح الذي أرسلته ) ( يوحنا 17 ) وقوله : ( لا تظنوا أني جئت لألقي سلامًا على الأرض ، ما جئت لألقي سلامًا ؛ بل سيفًا ؛ فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها ، والكنة ضد حماتها وأعداء الإنسان أهل بيته ) ( متّى 10-34و35 ) وقوله : ( جئت لألقي نارًا على الأرض ) ( لوقا 13-94 ) وقوله : ( إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته حتى نفسه أيضًا فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا ) ( لوقا 14-26 ) وقوله : ( أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي ) ( لوقا 19-27 ) وأمثال ذلك .

فأي الدينين دين المسيح عليه السلام ؟ !

عن مجلة المنار عن مجلة المنار عدد صفر 1321هـ - يناير 1903م?????????=================================================================((((((((((((((((((((??إنجيل واحد أم أناجيل ( 1 ))))))))))))))))

يقول البر فسور هاير - أستاذ كرسي "الكتاب المقدس" في جامعة كامبن اللاهوتية في هولندا - في حوار مع صحيفة "ليدش داخبلاد" : " إن الكتاب المقدس (أي الإنجيل) ليس كلاما من الله بل هو من صنع البشر، وأنه لا يحتوي حقائق أبدية بل يشكل ألوانا كثيرة من القصص المتنوعة عن البشر". وقد أثارت تلك التصريحات ضجة إعلامية كبيرة ، مع أن الأمر ليس بحاجة لتلك الضجة الكبرى، فالدكتور وهو أستاذ لاهوت قد أصاب كبد الحقيقة التي لا يجادل حتى الباحثون النصارى في ثبوتها ، ذلك أن من الحقائق الثابتة أن هذه الأناجيل التي بين يدي النصارى – مرقص ومتى ولوقا ويوحنا – ما هي إلا تواريخ كتبها هؤلاء الرجال عن حياة المسيح عليه السلام وأقواله وأفعاله، وهذا أمر لا يخفى على قارئ تلك الكتب . بل إن لوقا يصرح بذلك في بداية إنجيله ، فيقول : " لقد كتب كثيرون في تاريخ الأحداث التي جرت لدينا – المسيحيين الأولين – حسب ما نقل من هؤلاء الذين كانوا شهوداً لهذه الحوادث . ولما كنت قد قمت ببحث هذه الأحداث بحثا دقيقاً وتتبعتها من نشأتها الأولى لذلك رأيت من الخير أن أدونها ... ) إنجيل لوقا فقرات 1-2 الإصحاح الأول .

أين إنجيل عيسى :

قبل الخوض في تفاصيل الأناجيل المعتمدة عند المسيحيين اليوم ، لا بد من الإجابة على سؤال جوهري وهو أين اختفى إنجيل عيسى ؟ فالقرآن الكريم يذكر أن الله أنزل على عيسى كتابا هو الإنجيل ، قال تعالى :{ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ }(المائدة:46) ، وكذلك ورد ذكر إنجيل عيسى عليه السلام في إنجيل مرقص الإصحاح الأول الفقرة 14-15 : " وبعدما ألقي القبض على يوحنا ، انطلق يسوع إلى منطقة الجليل ، يبشر بإنجيل الله قائلاً : قد اكتمل الزمان، واقترب ملكوت الـله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل ". وفي إنجيل متى في الإصحاح الرابع منه ما نصه : " وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم، ويكرز ببشارة الملكوت "، أي يدعو إلى الإنجيل ، وما من شك أنه ليس أيٍّ من الأناجيل الأربعة هو الإنجيل الذي أنزل على عيسى عليه السلام لأنها لم تكتب إلا بعد موته .

فأين ذهب الإنجيل؟ ولماذا بقيت هذه الأناجيل ( متى ومرقص ولوقا ويوحنا )؟ وللإجابة على هذا السؤال لابد من معرفة دور المجامع النصرانية في إقرار ما تشاء من عقائد ، وإبطال ما تشاء ، ومصادرة بل وإبادة ما يعارض تلك العقائد من رسائل وأناجيل ، وهذا ما يفسر اختفاء ليس إنجيل عيسى وحده بل اختفاء غيره من الأناجيل الأخرى التي كتبها أتباعه ومريدوه ، وذلك أن النصارى – كما سبق في مقالنا نشأة النصرانية وتطورها – جاءوا بما لديهم من تلك الكتب وقدموها إلى مجمع نيقية – سنة 325م – الذي قام بدوره باختيار هذه الأناجيل الأربعة ، وأمر بإبادة وإحراق ما سواها، ومن الأناجيل التي كانت معروفة آنذاك إضافة إلى إنجيل عيسى عليه السلام إنجيل التذكرة ، وإنجيل يعقوب ، وإنجيل توما ، وإنجيل بطرس ، وإنجيل فيلبس ، وإنجيل برنابا، وغيرها من الأناجيل الكثيرة ، التي حكمت عليها الكنيسة بالإعدام ، فلم يعلم أين هي ؟ ولا ما فعل بها ؟

وبعد هذه المقدمة المهمة، التي حاولنا فيها الإجابة على سؤال حول سبب اختفاء إنجيل عيسى عليه السلام وغيره من الأناجيل، نعرض الآن تعريفا موجزا بالأناجيل المعتمدة عند النصارى فنترجم لأصحابها ، ونذكر أهم ما وُجِّه إلى تلك الأناجيل من نقد، ولا سيما فيما يتعلق بجانب الرواية ، أما مضمون تلك الأناجيل فنرجئ الحديث عنه إلى مقال لاحق .

1- إنجيل متى :

هذا الإنجيل كتبه – فيما زعموا - أحد حواريي عيسى عليه السلام ، واسمه "متى اللاواني" وقيل إن اسمه "لاوي" انظر مرقص (2/14) ولوقا (5/27) وقد كان يعمل عشَّارا – جامعا للضرائب – وهي مهنة محتقرة عند اليهود . وقد تفرغ للدعوة إلى المسيحية بعد رفع المسيح عليه السلام . وألف إنجيله سنة 60م وقتل سنة 62م في الحبشة بعد أن أمضى 23 سنة داعيا فيها إلى النصرانية .

ومما يطعن به الباحثون في هذا الإنجيل ضياع نسخته الأصلية وعدم معرفة النسخة الأولى المترجمة عنه ، فقد كتب متى إنجيله بالآرامية ، ولكن النسخة الآرامية لا وجود لها ، ولا يعرف بالضبط تاريخ تأليفها ، فضلا على أن النسخة المنقولة عنها غير معروفة ، وغير معروف أصلا إن كانت الترجمة الأولى إلى اليونانية أم إلى غيرها ، فضلا عن جهل النصارى بمترجمها ومدى دينه وأمانته ليحافظ على النص الأول بعيدا عن التحريف والتغيير ، إضافة إلى عدم معرفتهم بمدى تمكنه من اللغتين المترجم عنها والمترجم إليها ، حتى لا يقع في أخطاء يجهلها ، كل هذه الطعون تشكل عقبة كأداء في التصديق والتسليم التام بهذا الإنجيل ، ولعمر الله إن كتابا يكتنفه هذا الغموض كيف يجدر بأهل دين أن يجعلوه عمدة في دينهم إليه يَرِدُون ، وعنه يصدِرون ؟!! .

2- إنجيل مرقص

وكاتبه مرقص الهاروني ، وهو يهودي الأصل آمن بعيسى عليه السلام ، ولم يلقه ، ولكنه صحب حواريه بطرس ، لذلك يرى الباحث "وليم باركلي" أستاذ العهد الجديد بجامعة جلاسجو : " أن إنجيل مرقص ما هو إلا خلاصة مشاهدات بطرس ، وخلاصة مواعظه ، فقد كان مرقص قريبا من بطرس حتى كان هذا يصفه بابنه " . وقد قتل مرقص في مصر سنة 67م . وذهب بعض المؤرخين النصارى إلى أن بطرس هو من كتب هذا الإنجيل ونسبه إلى تلميذه مرقص، وفي ذلك يقول المؤرخ النصراني ابن البطريق : " وفي عهد نارون قيصر كتب بطرس رئيس الحواريين إنجيل مرقص في مدينة رومية ونسبه إلى مرقص " .

أما زمن كتابته فقد جاء في مقدمة إنجيل مرقص في الطبعة الكاثوليكية للعهد الجديد (منشورات دار المشرق – بيروت) ص 153 ( إن الكتاب ألف في رومة بعد اضطهاد نيرون السنة 64م )أهـ، وفي الموضع نفسه قولهم:( فما من شيء يحول دون القول أن الإنجيل الثاني ألف بين السنة (65-70) أهـ.

ولعل أول ما يلاحظه القارئ على هذا الإنجيل – كسابقه - بُعْدُ الفترة الزمنية بين رفع المسيح عليه السلام وكتابة الإنجيل، وهو أمر له تأثير كبير على ضبط المنقول عن عيسى عليه السلام ، سواء من الوقائع والأحداث أو من أقوال عيسى عليه السلام وأفعاله، وهذا ما يفسر الاختلاف الشديد بين الأناجيل في نقل بعض الوقائع والأقوال، وبالتالي فالنتيجة المنطقية لذلك أن تلك الكتب ليس لها عصمة من الوقوع في أخطاء البشر لأنها ليست كتبا سماوية، وإن ادعى النصارى أن روح القدس أوحى بها إلى كتبتها إلا أن دعواهم تلك عارية عن الدليل، إذ لو كانت موحى بها لما وجد فيها تلك الاختلافات، وهذا المعنى سنزيده إيضاحا بعد الانتهاء من الكلام على إنجيلي لوقا ويوحنا ، نسأل المولى عز وجل أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

...............................

نقلا عن موقع التوضيح لدين المسيح???????????????كنا قد تكلمنا في مقالنا السابق عن إنجيلي متى ومرقص في محاولة للتعريف بهما، وإيضاح أن تلك الأناجيل لا تمثل الإنجيل الذي أوحى الله به إلى عيسى عليه السلام ، وأنها ما هي إلا مشاهدات رآها أصحاب تلك الأناجيل أو سمعوها ممن رآها ، وسجلوها في تلك الكتب التي ألفوها بأنفسهم ، ونكمل الكلام فيما تبقى من تلك الأناجيل التي اعتمدتها الكنيسة، وأبطلت العمل بما سواها من أناجيل .
1- إنجيل لوقا : كان لوقا من تلامذة بولس، ولم يكن أبدا من تلامذة المسيح عليه السلام وحوارييه ، وكان من المدافعين والمنافحين عن أستاذه ومعلمه ، وكان بولس يحبه ويسميه الطبيب الحبيب ، غير أن المؤرخين مختلفون في شخصيته ، فبعضهم يقول هو طبيب أنطاكي، وبعضهم يقول هو مصوّر إيطالي، وقد كتب إنجيله باليونانية، واختلف في سنة تأليفه فقيل سنة53 وقيل 63 وقيل 64 ، وتوفي لوقا سنة 70م .
وقد أتى لوقا في إنجيله هذا بزيادات كثيرة، زيادة عما ذكره متى ومرقص بشكل واضح يرتاب له القارئ ، وهذا أمر ليس بمستغرب طالما أن كاتب هذا الإنجيل هو من تلامذة بولس ومحبيه، وقد علم دارسوا المسيحية مدى التغيير الذي أدخله بولس على النصرانية، فلا غرو أن يضمَّن تلميذه آراء أستاذه أو بعضها كتابا يفترض أنه كتاب وحي، ليكون له سلطان في نشر مذاهبه وآرائه، بعد أن جوبهت أراؤه مجابهة شديدة من الموحدين من أتباع عيسى وحوارييه .
2- إنجيل يوحنا: النسبة الشائعة عند الكنيسة أن هذا الإنجيل من تأليف يوحنا بن زبدي الصياد تلميذ المسيح عليه السلام ، وليس ثمة دليل تستند إليه الكنيسة في هذه النسبة سوى أن مؤلف الكتاب ادعى أنه يوحنا الحواري الذي يحبه المسيح ، وهو ما دفع الكنيسة إلى غض الطرف عن مخالفته لغيره من الأناجيل، ولا سيما تصريحه بألوهية المسيح عليه السلام . والطابع الفلسفي الذي امتاز به الكتاب يجعله أبعد ما يكون عن كتابة الصياد يوحنا الحواري، الذي كان بعيدا عن الفلسفة كل البعد، وهذا ما دفع بعض الباحثين إلى القول : " إن كافة إنجيل يوحنا تصنيف طالب من طلبة مدرسة الإسكندرية " وهي المدرسة التي فاحت منها روح الفلسفة آنذاك .
ومن المناسب هنا أن نذكر تعريف دائرة المعارف البريطانية بإنجيل يوحنا - وهي الدائرة التي اشترك في تأليفها خمسمائة عالم من علماء النصارى - حيث جاء فيها : " أما إنجيل يوحنا فإنه لا مرية ولا شك كتاب مزور، أراد صاحبه مضادة اثنين من الحواريين وهما القديسان "يوحنا ومتى" وقد ادعى هذا الكاتب المزوّر في متن الكتاب أنه الحواري الذي يحبه المسيح فأخذت الكنيسة هذه الجملة على علاتها وجزمت بأن الكاتب هو يوحنا الحواري، ووضعت اسمه على الكتاب نصاً، مع أن صاحبه غير يوحنا يقيناً ولا يخرج هذا الكتاب عن كونه مثل بعض كتب التوراة التي لا رابطة بينها وبين من نسبت إليه ، وإنا لنرأف ونشفق على الذين يبذلون منتهى جهدهم ليربطوا ولو بأوهى رابطة ذلك الرجل الفلسفي الذي ألف هذا الكتاب في الجيل الثاني بالحواري يوحنا الصياد الجليل ، فإن أعمالهم تضيع عليهم سدى لخبطهم على غير هدى " أ.هـ .
وهذا ما قرره أيضا مؤلفو دائرة المعارف الفرنسية ( لاروس القرن العشرين ) فقد قالوا أنه : " ينسب ليوحنا هذا الإنجيل وأربعة أسفار أخرى من العهد الجديد ، ولكن البحوث الحديثة في مسائل الإيمان لا تسلم بصحة هذه النسبة " .
والمتمعن في ذلك النقد اللاذع من هذا الكم الهائل من الباحثين يجد أنه ليس بوسع الكنيسة الإصرار بعد ذلك على نسبة هذا الإنجيل ليوحنا بن زبدي الحواري ،ما لم تقدم تفسيرا منطقيا لأمرين أساسيين :
الأول : التباين الشديد بين لغة الكتاب الفلسفية وبين ثقافة وفكر يوحنا الحواري التي تعتبر أبعد ما يكون عن ثقافة الفلاسفة ، ذلك أن لغة الكتاب تمثل خلفية الكاتب ومستواه الثقافي والعلمي ، فلو قدَّرنا أن رجلا نسب كتاب جدل ما، مكتوب على طريقة المتكلمين لعمر بن الخطاب رضي الله عنه لنادى عليه من بأقطارها بالجهل وعدم المعرفة .
الثاني : غياب الإسناد فضلا عن افتقاد التواتر في نسبة هذا الكتاب إلى يوحنا الحواري ، وإنَّ المرء ليأخذه العجب من كتاب هذا حاله كيف يكون مرجعا دينيا تؤخذ أحكامه وأقواله، مسلمة على أنها أحكام الله وأقواله .
وللأسف فمع وجود هذه الأسئلة التي لم تجب عليها الكنيسة، إلا أنها ظلت متمسكة بهذا الإنجيل داعية إليه ، وكأنها في صمم عما قيل ، ولكن ليس هذا بمستغرب عند من عرف تاريخ النصرانية ، وكيفية تعاملها مع قضاياها الأشد حساسية ، إذ تتعامل معها بمنطق التقليد الأعمى لأساقفتها وباباواتها، ولو كانت مما قضت العقول ببطلانها وفسادها .
وما يهمنا في نهاية هذا الموضوع أن يتبين للقارئ الكريم قيمة هذه الأناجيل وحقيقتها، وأنها ما هي إلا كتب تاريخية، كتبها أصحابها لحكاية أحوال المسيح عليه السلام ، فهي بالتالي عمل بشري ليس له طابع العصمة، لصدوره عمن لا يملكها .
وبالتالي فلا يجوز القول : إن ما في هذه الأناجيل هو كل ما جاء به عيسى عليه السلام، لاحتمال نسيان الرواة بعض أقواله وأفعاله ، ولا يمكن القول أيضا : إن كل ما في هذه الأناجيل قد قاله عيسى عليه السلام حرفا بحرف وعلى وجه الدقة، وذلك لانبناء هذا الأمر على ذاكرة بشر، من الجائز عليها الغفلة والنسيان . ولعل في بعد المسافة الزمنية الفاصلة بين صدور تلك الأفعال والأقوال عن عيسى عليه السلام وبين زمان تسجيلها ما يعد مبررا كافيا للقول باحتمالية الخطأ، كيف لا وقد ثبت بينها الاختلاف والتباين { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً }(النساء:82).
فضلا عما يمكن أن تلعبه قناعات رجل مثل لوقا في استجازة إدخال أفكاره ومعتقداته - ولو عن حسن نية - فيما لم يقله المسيح أو يقرره .
وعلاوة على ذلك فلا ننسى تغير الألفاظ وما يستتبع ذلك من تغير المعاني عن طريق الترجمة من لغة إلى لغة ، وهذه أمور ينبغي أن يتأملها النصارى ، وأن ينظروا فيها بعقولهم ، وألا يأخذوا ما تقوله الكنائس وكأنه وحي منزل من رب السماء ، فإن قليلا من التفكير فيما ذكرنا وفيما لم نذكر ربما قاد إلى التفكير الصحيح، وبالتالي إلى الحقائق الصحيحة التي يجهلها النصارى عن دينهم ، نسأل المولى عز وجل أن يهدي ضال عباده ، إنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين

غير معرف يقول...

الكاتب: طارق أبو عبد الله


وكسرت الصليب



يا إلهي.. اليوم هو يوم الأحد نسيت أنني يجب أن أذهب للكنيسة مع أبي وأمي وأختي مثل كل أسبوع . لم أعد أحب هذا المكان ولكن لا بأس هذه المرة فإن أبي سيغضب علي إن اعتذرت له مثل الأحد الماضي.. أمي تناديني يجب أن أستعد الآن.

وصلنا للكنيسة ووجدنا المكان ممتلئا بالأسر المسيحية. لم يبق كثيرا على الصلاة.. يبدو أن القس ومساعديه مازالوا يعدون البخور أو أن أعضاء الكورال لم يكتملوا بعد !! أكره كثيرا هذه الميوعة التي أراها في الشباب والفتيات وهم يتحدثون وكأنهم في أحد الملاهي وليس في مكان عبادة.. حتي ملابس النساء والفتيات لا تدل أبدا على أننا في مكان مقدس ! كيف يمكن لشاب أن يركز في صلاته وهو يري هذه صدرها نصفه عاري وهذه ذراعها مكشوفة وهذه تلبس بنطلون جينز وأخري عادت لتوها من الكوافير !! يا رب هل هؤلاء جاءوا ليعبدوك أم لأغراض أخرى ؟! الحمد لله لقد جاء القسيس أخيرا أرجو أن ننتهي من هذه الصلاة سريعا..أخذ الناس يجلسون في أماكنهم فاخترت مكانا بعيدا بجوار رجل عجوز تبدو عليه الطيبة . بعد عدة دقائق أخذ القس وبقية أعضاء الكورال يرتلون الصلاة بلغة قديمة لا يفهمها أي من الموجودين في القاعة بطريقة تشبه الغناء. لماذا لا يرتلون الصلاة بلغة يفهمه عامة الناس؟ هل يمكن أن يفرض الله علينا أن نتعبده بلغة انقرضت منذ مئات السنين؟ ما هذا الصوت؟ آه لقد بدأت الموسيقى. كم أستاء لسماع مثل هذه الألحان في الكنيسة ! ترى هل كان المسيح وتلاميذه يستعملون هذه الآلات الموسيقية؟ لا أشك أن الإجابة هي لا !! لكن ليست هذه أول الألغاز.. إنني لا أشعر بأي روح في هذه الصلاة.. لا أشك أن كل واحد من الموجودين هنا يسرح فكره في كل شيء إلا في الصلاة نفسها !! سأحاول أن أفكر في شيء آخر أنا أيضا. ولكن ما هذا؟!! إن الكاهن يختلس النظر بطريقة مريبة لمجموعة من الفتيات الجالسات في الجانب الأيمن! هذا الوغد الذي يتستر بملابس الكهنة لا أرتاح أبدا لنظراته هذه! يبدو أن العيب على أسر هؤلاء الفتيات اللاتي سمحن لهن أن يأتين للكنيسة بهذه الثياب.. لكن ألا ينبغي له أن يغض نظره عنهن على الأقل أثناء الصلاة ؟ أشعر أن أكثر الموجودين هنا يقومون بأداء مسرحية معدة الأدوار وليس عبادة رب الأرض والسماوات. أين هذا من خشوع المسلمين في صلاتهم وركوعهم وسجودهم؟ لا يمكنني أبدا أن أنسى هذا الرجل المسلم العجوز الذي رأيته مرة في دكانه يصلي في خشوع ودموعه تبلل لحيته البيضاء.. كم تمنيت أن أصلي صلاة مثل صلاته هذه ولو مرة واحدة في حياتي ! لم أر في حياتي أبسط ولا أجمل من صلاتهم .. فهم يقفون في صفوف منتظمة ولا توجد أماكن مخصوصة لأحد كما هو الحال عندنا ولا موسيقى ولا بخور ولا طلاسم ولا صور ولا تماثيل .. أشعر أن الفرق بين صلاتنا وصلاة المسلمين كما بين السماء والأرض ! لقد جاء أبي وأمي أخيرا ولكن أين أختي؟ إنها هناك تدعو أمام تمثال المسيح بحرارة! ترى هل يسمعها المسيح الآن؟ وإذا كان يسمعها فما الحاجة لأن تدعو أمام التمثال كما يفعل البوذي أمام تمثال بوذا ؟! هل كان تلاميذ المسيح يدعون أمام الصور والتماثيل كما نفعل نحن هذه الأيام؟ لا أظن.. ليست أختي وحدها من يفعل هذا ولكن هناك من يقف خاشعا أمام تمثال للعذراء وهناك رجل كبير يبكي بحرارة أمام صورة للمسيح .. عجبا لنا معشر المسيحيين ألا نستطيع أن نعبد الله بدون صور وتماثيل؟! أظن أن البروتوستانت أفضل منا كثيرا في هذه الناحية فالقلب المؤمن بالله حتما لا يحتاج لصور وتماثيل..كثير من الأمور التي نراها هنا في الكنيسة لا يمكن لعقلي أن يتقبلها بسهولة.. يصيبني الاشمئزاز كلما تذكرت مسألة أكل جسد المسيح وشرب دمه !! لا أدري كيف يتحول الخبز والنبيذ للحم ودم المسيح وما الحاجة لأكل لحم المسيح بفرض أنهما يتحولان فعلا؟؟ لقد انتهت أختي من دعائها.. أخيرا سوف نغادر هذا المكان. سألني أبي هل تريد الاعتراف للأب بشيء قبل أن ننصرف.. ما زال أمامنا وقت ؟ ألقيت نظرة سريعة نحو غرفة الاعتراف فرأيت امرأة غير محتشمة داخلة إليها بمفردها.. سألت نفسي.. لماذا يجب على الإنسان إذا أذنب أن يذهب فيفضح نفسه أمام بشر مثله ويخبره بأدق أسرار حياته؟ وهل هذا القس الذي ستعترف له المرأة وتنتظر أن يمنحها الغفران نيابة عن الرب معصوم من الخطأ؟ ومن الذي أعطاه هذه السلطة لكي يغفر لمن يشاء؟ لماذا لا نطلب المغفرة من الله مباشرة؟ ما زلت أذكر شعوري بالذل حين اعترفت في هذه الغرفة لأول مرة ولا أحب أن يتكرر هذا الإحساس مرة أخرى.. كان يبدو لي أن عيني القس تشمتان بي وأنا أحدثه بمعصيتي وكأنه كان ينتظر اليوم الذي سأجلس فيه أمامه معترفا بفارغ الصبر !! ثم لماذا يفعل المسيح عليه السلام ذلك بنفسه إذا كان هو الله أو ابن الله؟! .. ألم يكن بإمكانه أن يغفرخطايا البشر كلهم بدلاً من القبول بوضعه معلقاً على الصليب؟! إنك لم تجب إلى الآن ؟! قطع أبي أفكاري فانتبهت إليه وهو يربت بيده على كتفي فأخبرته مغمغما أنني أفضل الاعتراف للرب نفسه. لم ترق هذه الإجابة لأبي لكنه لم يرد على بشيء فخرجنا من الكنيسة عائدين إلى البيت.





الحلقة الثانية

أفٍ لهذا الكتاب .. دائما ما يخيب ظني.. ألقيت نظرة أخيرة على رسالة رومية محاولا البحث عن أي جملة تدل على أن الله هو الذي أوحى هذا الكلام للبشر أو أن هذا الكتاب يصلح أن يكون دليل الهداية للبشر جميعا لكني لم أجد.. أغلقت الكتاب المقدس بمرارة ثم استلقيت على السرير أفكر.. هل هذا هو وحي الله حقا؟ هل كل هذه السلامات والشتائم والسباب وقصص الزناة والعاهرات التي يحفل بها العهد القديم والجديد هي التي أوحاها لرسله الله لتكون منهجا للبشر ؟ ما هذه التناقضات الكثيرة في روايات الكتاب المقدس للأحداث؟ هل يجب أن أؤمن أن هذا الكتاب مقدس فعلا؟ وكيف أقدسه وأنا لا أعرف

أكثر مؤلفي أسفار العهد القديم والجديد!! ألا يمكن أن أكون مسيحيا بدون أن أقدس هذا الكتاب؟ إنني أصبحت مؤمنا أن جزءا كبيرا من هذا الكتاب المقدس هو من آراء البشر ونتاج عقولهم وليس من كلام الله.. كم أتألم عندما أتذكر أنني بحثت في الكتاب المقدس كله من أوله إلى آخره لعلي أجد جملة واحدة صريحة يأمر الله أو أحد أنبيائه الناس بعدم النظر إلى نساء غيرهم فلم أجد .. فأنا يحزنني جدا عندما ألاحظ أحد معارفنا أو أصدقائنا يختلس النظر لأمي أو لأختي .. إن ما يؤلمني أكثر أنهم لا يعتبرون هذا ذنبا على الإطلاق !! وحتى لو كانوا يعدونه ذنبا أليسوا يرون الصليب كفيلا بأن يغفر لهم خطاياهم ؟! ما أحمق هذه الفكرة - فكرة الصلب - التي تلغي مسؤولية الإنسان عن عمله وتسقط عنه كل آثامه فلا يردعه عن الشر رادع!! كم تمنيت لو وجدت في الكتاب المقدس جملة صريحة مثل التي سمعتها يوما في قراءة القرآن في الإذاعة : " من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" شعور غريب يعتريني كلما قرأت في هذا الكتاب أو سمعت منه شيئا.. أشعر أنه ليس كلاما عاديا ولكنه كلام نازل من مصدر علوي .. إنني أصاب بالإحباط كلما قارنت بينه وبين رسائل بولس أو أسفار العهد القديم !! كم أود لو أنني قرأت هذا الكتاب كله وكونت رأيي الشخصي فيه فأنا لم أعد صغيرا ولابد أن أحكم بنفسي ولا أكتفي بالأقوال التي أسمعها في الكنيسة بدون أن أدري مدى صحتها.. ولكن من أين لي بمصحف فلو رآه أبي معي لكانت فيها نهايتي !! انتظر! لقد رأيته من قبل في أحد المواقع على الإنترنت أثناء بحثي عن موضوع ما. الحمد لله يمكنني إذن القراءة فيه بدون أن يشعر أحد. قمت من السرير وفي لحظات فتحت موقع البحث وكتبت كلمة واحدة: القرآن. أحسست بقشعريرة في جسدي وأنا أفتح أول موقع ظهر لي في نتائج البحث. ظهرت لي قائمة بأسماء السور فاخترت منها سورة آل عمران وفتحت أول صفحة فيها فقرأت: " الم. اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ .مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ. إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء. هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" سرت في جسدي قشعريرة أخرى عندما وصلت إلى هذه الآية ووجدت عيناي أغرورقت بالدموع.. يا الله.. ما أجمل هذا الكلام.. إنني أحس براحة نفسية وسكينة لم أشعر بها في حياتي من قبل. بدون تفكير مسحت دموعي وأكملت القراءة وحين وصلت إلى الآيات التي تتحدث عن السيدة العذراء والمسيح بعد عدة صفحات من بداية السورة لم أتمالك نفسي وأجهشت بالبكاء !! هذا الكلام لا يشبه أى كلام سمعته من قبل عن المسيح ! لم أكن أتصور أن القرآن يعظم المسيح والسيدة العذراء بهذه الدرجة. إن هذا يخالف تماما ما كنت أسمعه في الكنيسة عن الإسلام والقرآن.. لقد ازددت اقتناعا أنني لا ينبغي أن أقبل كل ما أسمعه في الكنيسة عن الإسلام قبل أن أتحقق منه بنفسي. توقفت عن التفكير حين سمعت طرقات أمي علي باب الغرفة. أغلقت صفحة الإنترنت بسرعة وقد عزمت على قراءة القرآن كله في أقصر وقت ممكن.



الحلقة الثالثة



مر على أسبوع كامل وأنا أقرأ من القرآن يوميا جزئين أو ثلاثة أجزاء من الإنترنت. لقد أصبحت مشدودا جدا لهذا الكتاب الذي يهزني بقوة من أعماقي.. أشعر أنني لا يمكن أن أدع يوما يمر على بدون أن أقرأ منه شيئا فقد أصبح قلبي أسيرا له! حتى الآيات التي لا أفهم معانيها ينتابني عند قراءتها شعور داخلي بالانسجام معها والقناعة الداخلية بها وكأن القرآن هو الذي يقرأني!! إنني أشعر أن الله يكلمني من خلال هذه الآيات ! لم أجد أي صعوبة في تصديق ما أخبر به القرآن.. كثير من الأسئلة التي كانت عندي بدون إجابة وجدت الإجابة الشافية عنها في هذا الكتاب ! لقد عرفت الغاية من خلق البشر وهي عبادة الله وعرفت أن كل الأنبياء السابقين كانوا يحملون نفس الرسالة والعقيدة وهذا شيء في غاية البساطة والقوة في نفس الوقت. لقد كنت أشعر بذلك في قرارة نفسي منذ زمن وإن لم أقرأه صراحة في الكتاب المقدس. كم أعجبتني قصة النبي يوسف بن يعقوب في القرآن وهي تحكي كيف أن الإلتزام بالفضيلة والأخلاق تؤدي حتما للنهاية السعيدة.. أين هذا من قصص العاهرات في الكتاب المقدس؟! إنني أشعر بأن قائل هذا الكلام يعلم كل خاطرة تدور في نفوس البشر. خلال بحثي عن القرآن في أول يوم عثرت بالمصادفة على موقع عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة. لم أهتم بدخول هذا الموقع في أول الأمر لإني كنت أبحث أساسا عن القرآن نفسه لكن عندما تصفحته بعد ذلك وجدت ما جعلني أقف مشدوها أمام عظمة هذا الكتاب. لقد أخبر القرآن منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام عن حقائق علمية لم تكتشف إلا في العصر الحديث!! كيف أمكن لمحمد أن يصف مراحل خلق الجنين في بطن أمه أو تكون السحاب في السماء بهذه الدقة؟ كثيرا ما قرأت في القرآن أيات تدعو الناس صراحة للتفكر والتأمل وإعمال عقولهم في هذا الكتاب. إن هذا لشيء مبهر حقا يشعرك بالقوة والثقة في نفس الوقت. لو كان هذا الكتاب مفترى لما استطاع مؤلفه أن يدعو الناس إلى التفكير في صحته بمثل هذه الجرأة. غير أن أكثر ما لفت انتباهي في القرآن هو حديثه عن المسيح وقصته مع اليهود.. إن القرآن واضح وصريح في إثبات الطبيعة البشرية للمسيح مثله مثل باقي الأنبياء ونفي أي طبيعة إلـهية عنه. لقد تبين لي أن منطق القرآن في إثبات بشرية المسيح قوي جدا .. فهو يذكر أن الله خلقه بقدرته مثل ما خلق آدم وهو بشر عادي يحتاج إلى الطعام فكيف يكون إلها من يحتاج إلى الطعام والشراب؟؟ لقد حيرتني طبيعة المسيح كثيرا جدا منذ أن بدأت في الذهاب إلى الكنيسة وأخذت أتعلم أن المسيح ناسوت ولاهوت في نفس الوقت. لم أستطع أبدا أن أفهم كيف يكون المسيح إنسانا وإلها. كلما قرأت الكتاب المقدس وجدته يتحدث عن المسيح كبشر عادي يأكل ويشرب وينام ويضحي ويصلي ويدعو الله فكيف يكون هو الله إذا كان يصلي لله ويضحي لله؟؟ وإذا كان شخصية مستقلة عن الله فكيف نعبده من دون الله؟ وكيف يكون المسيح هو الله وابن الله في نفس الوقت؟ مما يزيدني حيرة أن المسيح نفسه لم يذكر صراحة أي شيء عن طبيعته الإلهية هذه لتلاميذه وجميع كلامه لا يدل مطلقا على أنه جزء من ثالوث!! يا إلهي هل يمكن أن يترك أمر خطير كهذا عرضة للظن والتخمين؟ ولم كل هذا التعقيد في أمر يفترض أن يكون أعظم الأمور أهمية في هذا الكون وأكثرها بساطة في نفس الوقت لكي يؤمن به الجاهل والمتعلم والصغير والكبير؟ .. لقد عشت فترة من حياتي في صراع مع مفهوم الثالوث هذا.. لا أدري كيف يكون الله واحدا وثلاثة في نفس الوقت ؟! إنني تصفحت العهد القديم كله فلم أجد جملة واحدة تشير لوجود ثالوث بل كله يدل على توحيد الله. لا أدري لماذا لم يستعمل رجال الكنيسة ألفاظا أسهل من ناسوت ولاهوت وثالوث ؟ يراودني إحساس أن هذه الألفاظ وضعت خصيصا بهذه الصعوبة لكي يزيد الأمر غموضا في عقول العوام ويسلموا أن هذه أمور صعبة لا ينبغي لهم أن يخوضوا فيها فضلا عن محاولة إدراك معناها !! يا إلهي إن هذا الأمر هو أكثر الأمور أهمية في حياتي فكيف يمكنني أن أحيا في سلام داخلي وأنا لا أعرف الحق في أمر جوهري كهذا ؟ ولكن لماذا لا أرجع إلى كلام المسيح عن نفسه؟ ألم يذكر صراحة أنه إنسان يتكلم بالحق الذي سمعه من الله عندما هم اليهود بقتله !! ألم يقل أن من يؤمن بالذي أرسله فله الحياة الأبدية؟ ألم يقل إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم وكثيرا ما تكرر وصف الله بالأب في العهد الجديد؟ إذن هو إنسان يسمع من الله ويصعد إلى الله الذي أرسله وليس هو الله ! هذا هو الذي أطمئن إليه..فلا يمكن أن يكون آباء الكنيسة أعلم بالمسيح من نفسه..

لفت انتباهي صوت قطرات المطر وهي تتساقط على نافذة الغرفة...نظرت من خلال الزجاج إلى السماء وكأني أنتظر شيئا ما...انحدرت من عيني دمعة صغيرة أحسست ببرودتها على خدي وأخذت أناجي الله متوجها إلى السماء ..

يا رب أنا أعلم أنك موجود وأنك قادر على كل شيء وقد استجبت دعائي كثيرا فاهدني للحق من عندك وارزقني الشجاعة للتمسك به. يا رب أعلم أن رحمتك واسعة وأنا مخلوقك الضعيف فلا تدعني في ظلمات الشك و أخرجني من الظلمات إلى النور. يا إلهي .. يا من تسمعني الآن وتعلم حالي ومآلي.. قد ضاقت علىّ نفسي وحار فؤادي .. ارزقني أن أعبدك بالطريقة التي تحبها ولا تحرمني من معرفة الحق.. يا رب إن كان الحق في الإسلام فاشرح له صدري وثبتني عليه .. يا رب إني أخاف أن أموت قبل أهتدي للحق فتغضب علىّ .. يا رب لا تتركني للظنون والأوهام واقذف نور الحق في قلبي بأسرع وقت ممكن .. يا رب إن كنت تعلم أني أساعد الفقراء والمساكين من أجلك فاهدني لنورك ومعرفتك حق المعرفة..

قطعت دعائي لما سمعت صوت الآذان من المسجد القريب.. ما أجمله من نداء .. أشعر كأنه نازل من السماء وليس خارجا من المسجد. برغم أني سمعت هذا النداء مئات المرات من قبل إلا أنني أشعر هذه المرة فيه بروحانية من نوع خاص. الله أكبر .. ما أجملها هذه الكلمة! وهل يوجد شيء أكبر من الله؟ لا إله إلا الله.. وهل هناك عاقل يشك في وحدانية الله ؟! كلما تأملت في أحد المعاني أو العبادات التي توجد في الإسلام أرى أشياء رائعة لم ألاحظها من قبل .. عندما كنت أسمع الأذان في التلفاز كنت أشعر بشيء غريب يجذبني إلى الكعبة كلما رأيت صورتها .. لقد انتهى الأذان سريعا لكن لم ينته تأثيره الرائع في نفسي.. صوت من أعماق نفسي يدعوني لأن أقوم بدراسة متعمقة لهذا الدين.. من العارعلىّ أن يكون دين بهذا النضج وهذه الروعة أمامي ولا أحاول استكشافه بنفسي !!



الحلقة الرابعة



قضيت شهرا كاملا تصفحت فيه مواقع إسلامية عديدة على الإنترنت وخاصة تلك التي تخاطب المسيحيين وقرأت أحاديث كثيرة للنبي محمد وتعمقت في مواضيع إسلامية عديدة وتناقشت مع أصدقاء مسلمين لي في الأمور التي أبهمت على وقرأت ردود علماء المسلمين على الشبهات التي كنا نسمعها في الكنيسة عن الإسلام واستمعت لعدة مناظرات كذلك بين شيوخ مسلمين وقساوسة وخرجت بنتيجة واحدة هي أن هذا الدين هو الدين الكامل الذي أنزله الله من السماء و هو من القوة والعظمة بحيث لا تجد به ثغرة واحدة وأنه هو الدين الوحيد القادر على ملىء الخواء الروحي الذي كنت أعيش فيه. لقد خرجت من رحلتي هذه بفوائد كثيرة لم أكن أتوقعها .. فقد عرفت أشياء عن المسيحية لم أكن أعرفها من قبل مثل التشابه الكبير بين العبادات والعقائد المسيحية وعقائد الأمم الوثنية التي كانت موجودة قبل ظهور المسيح وكذلك ما أحدثه بولس في المسيحية بعد صعود المسيح إلى السماء .. لقد زادت معرفة هذه الأمور من حنقي على هذا الدين !! كثيرا ما ضايقني لجوء المسيحيين إلى الكذب و بتر الكلام عن سياقه في مناقشاتهم مع المسلمين .. لا ريب أن هذه حيلة الضعيف.

إن مفهوم الألوهية كما جاء في القرآن يتوافق مع المنطق والفطرة، ويتميز ببساطة شديدة ولم أجد أي صعوبة في تقبله..أكثر ما بهرني في الإسلام هو موافقته للعقل والفطرة وواقعيته وعدم فصله بين الروح والجسد واكتمال شريعته وتغلغلها في جميع مناحي الحياة فهو بحق منهج للحياة.. لقد وجدت أشياء كثيرة جدا ما كنت أعتقد أن دينا يحويها ووجدت النبي محمد يتحدث عنها. لقد أعجبت جدا بسيرته وإصراره طوال ثلاثة وعشرين سنة على نشر دعوته وتحمل الأذى في سبيلها. شخصية بهذه الأخلاق وهذه العظمة وهذا الإصرار لا يمكن أبدا أن يكون مخادعا أو مخدوعا.. لقد كان يتصرف و كأن روح القدس الذي كان مع المسيح معه أيضا يؤيده وينصره. أشعر أنني قد توصلت لاكتشاف عظيم بمعرفتي بهذا الدين الرائع.. لقد وجدت الدين الذي جاء به المسيح عليه السلام..

وماذا بعد يا نفس؟ أما زال فيك شك أن الإسلام هو الدين الحق وأن محمد صلى الله عليه وسلم هو رسول الله حقا وأن المسيح هو عبد الله ورسوله ؟

عجبا لك ماذا تنتظر ؟ ألم يكن هدفك الوصول إلى الحق ؟ فها قد عرفت الحق فماذا يحول بينك وبين الاستسلام لله ؟ إلى متى تسوّف وتؤجل ؟! هل تطيق أن تظل على دين كهذا لا يمت بصلة للمسيح لحظة واحدة بعد الآن؟

أجابتني نفسي : لكن أبي وأمي ماذا سيفعلان إن علما بإسلامي ؟

- رضا الله أهم أم رضا أبيك وأمك؟

- رضا الله بالطبع.. ولكن ألا أنتظر حتى أنتهي من الدراسة. إني أخاف أن يطردني أبي من المنزل إن علم بإسلامي !

- يا أخي هل تتوقع أن يضيعك الله وأنت تسعى للوصول إليه؟ إن الله أرحم من أن يحفظك يوم أن كنت على الباطل ويهملك حين تتبع الهدى. وهب أن هذا حدث في أسوأ الظروف أليست الحقيقة أولى من الراحة ومن متاع الدنيا؟ أليس هذا هو ما كنت تؤمن به طوال حياتك؟ هل تضمن أن يمهلك الله حتى تكمل تعليمك وأنت على الكفر؟ هب أنك مت الآن قبل أن تسلم لله هل سيحاسب أبوك بدلا منك يوم القيامة؟ ثم من قال لك أنه يجب أن تعلن الإسلام بمجرد النطق بالشهادة؟ لقد ظل الصحابة يكتمون إسلامهم في مكة ثلاث سنوات أفلا تستطيع كتم إسلامك عامين فقط حتى تنتهي من الكلية ؟! ألم يأن الأوان لكي تقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ؟ هل بقي في نفسك ذرة شك بعد كل ما قرأت ؟

- لا والله ما بقي في نفسي شيء ولكن هذه ليست مجرد كلمة ولكنها تحمل وراءها تبعات كثيرة وأنا تعودت أن أكون عند كلمتي

- يا أخي ربك هو الذي يعين. ثم إن هذا الدين يدخله الناس من جميع أقطار الأرض بالمئات يوميا فهل كل هؤلاء أفضل منك؟ ألم يأن لك بعد أن تقولها ؟؟

- بلى والله قد آن سوف أقولها.. سوف أنطقها.. سوف أعترف.. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله... أخيرًا قلتها من أعماق قلبي. أخيرًا نطقتها بكل اقتناع. أخيرًا أخرجتها. الحمد لله رب العالمين

خررت ساجدا لله بمجرد أن نطقت الشهادتين أبكي بحرارة شديدة .. أشعر كأن جبلا كان على قلبي وأزاحه الله عنه ..أو كأني طير محبوس في قفصه قد فتح له باب القفص أخيرا لينطلق في السماء بحرية..شعرت بأن كل خلية في جسمي تنفست الصعداء بمجرد أن نطقت بالشهادتين..لقد ألقيتُ عن كاهلي الآن عبئاً ثقيلاً من الهموم والقلق والشكوك والشقاء .. لا أدري أأبكي من الفرحة أم أبكي حزنا على ما ضاع من عمري في الكفر .. يا رب لك الحمد أن هديتني للإسلام .. يا رب أسألك الثبات على الحق حتى ألقاك ..

ما أروعها هذه السجدة.. لو وزنت بها كل الصلوات التي أديتها في الكنيسة لرجحت بهن .. كيف لا ولم أكن أعرف من قبل من الذي أصلي له ألله أم للمسيح أم للروح القدس؟! لم أكن أشعر مطلقاً بأني أصلي لإله واحد. ولكني الآن أعرف جيدا.. إنه الله الذي لا إله إلا هو ..الذي خلق المسيح وأمه ومن في الأرض جميعا.. الذي هو على ما يشاء قدير.. كم أتمنى لو ظللت ساجدا هكذا حتى أموت !! انتابتني رغبة عارمة كي أقوم وأخبر جميع أصدقائي بنبأ إسلامي .. رفعت رأسي من السجود ومسحت وجهي من الدموع. نظرت في الساعة ففوجئت بأني قد قضيت ثلاثين دقيقة كاملة وأنا ساجد بدون أن أشعر بمرور الوقت.. قررت أن أذهب لأحد أفضل أصدقائي من المسلمين لكي أخبره بإسلامي.. أكاد أطير من الفرح وأنا أمشي في الشارع أود لو أخبرت كل من أقابله بنبأ إسلامي ..أشعر بأن روحا جديدة بدأت تسري في عروقي ملأت قلبي بصفاء ونقاء لم أشعر بهما من قبل.. لم أجد صديقي في منزله فقفلت عائدا إلى البيت وقد دخل وقت صلاة العصر. بدأ المؤذن ينادي للصلاة .. الآن أحس أن هذا النداء موجه لي شخصيا.. إن الله يدعوني الآن لكي أعبده .. يا له من شرف.. أخيرا سوف أعبد الله بالطريقة التي يحبها والتي خلقني من أجلها. كدت أنسى نفسي وهممت بدخول المسجد بدون أن أشعر لكني تذكرت أنني لم أقم بالاغتسال بعد. حمدت الله أن أحدا لم يرني وأنا أقترب من المسجد لإني أحب أن أخفي نبأ إسلامي عن أهلي حتى أنتهي من الدراسة على الأقل. أخذت طريقي متوجها إلى البيت مرة أخرى و عندما وصلت لباب المنزل رأتني أمي ولاحظت السعادة التي على وجهي وأنا أفتح الباب.. لكنها لم تتوقع أبدا أنني كنت أفتح أيضا صفحة جديدة من حياتي في ذات الوقت!



الحلقة الخامسة



اليوم أشعر أني ولدت من جديد .. من اليوم لن أحتاج إلى التفكير في حل متاهات التثليث.. أو التفكير في معضلة الفداء والصلب .. من اليوم لن أعد نفسي مذنبا بسبب خطيئة أبي آدم التي مر عليها آلاف السنين ولن أحتاج لبشر مثلي كي يتوسط بيني وبين ربي.. راودتني هذه الأفكار وأنا أقوم بالاغتسال بالماء البارد. أشعر أن قطرات الماء وهي تنحدر على جسمي تمسح معها رواسب الشك والشرك الذي ترسب في نفسي لأكثر من عشرين سنة كاملة قضيتها بعيدا عن معرفة الله ..كتمت ضحكة كادت تخرج مني حين تذكرت كيف أنني لم أكن أؤمر بالطهارة ولا بالنظافة قبل الصلاة في الكنيسة.. أنهيت الغسل ولبست ملابسي.. أشعر أني أصبحت أنظر لكل شيء بمنظار جديد..منظار صاغه لي الإسلام أدرك به الأشياء على صورتها الحقيقية..بلا تزييف أو تزيين.. ولا شك أو ارتياب.. بل هو الحق واليقين..أصبحت أحس بانسجام مع كل الأشياء الموجودة حولي وكأنها تردد معي لا إله إلا الله.. الآن سوف أصلي لله رب العالمين.. يا لها من نعمة!.. راجعت كيفية الوضوء والصلاة سريعا من أحد مواقع الإنترنت للمرة الثالثة.. لم أحفظ بعد سورة الفاتحة.. لكن لا بأس سوف أقرأها من ورقة صغيرة في الصلاة حتى أتمكن من حفظها.. كتبت في هذه الورقة أيضا صيغة التشهد وسورتين قصيرتين من آخر المصحف هما سورتا الإخلاص والناس.. ولكن كيف أحدد اتجاه القبلة؟ لم يخطر هذا الأمر ببالي من قبل.. تذكرت بسرعة الاتجاه الذي تشرق منه الشمس وبمعرفة أن موقع مكة بالنسبة للبلد الذي أعيش فيه يقع في الجنوب الشرقي علمت اتجاه القبلة.. الحمد لله.. سوف أحاول التأكد عندما أمر بجوار المسجد مرة أخرى. الآن سوف أصلي أول صلاة في حياتي. ما أجمله من شعور أن تقبل على الله بالصلاة في الوقت الذي تريد بدون الحاجة إلى قسيس أو بقية الطاقم !! كم أشفق على المسيحيين أنهم لا يستطيعون الصلاة بمفردهم ! من الآن سأصبح على صلة بالله خمس مرات في اليوم ، بل في كل لحظة من لحظات اليوم ، بالاستغفار والتسبيح والدعاء والتفكير والتأمل .. أحقا سوف أقف أمام الله رب العالمين أناجيه وأدعوه .. يا له من موقف !! لأول مرة في حياتي أشعر بهيبة العبادة برغم أني أصلي في غرفتي المتواضعة وليس في الكنيسة بكل زخارفها وطقوسها الغامضة !! تأكدت مرة أخرى أن باب الغرفة مغلق حتى لا تدخل أمي أو أختي فترياني وأنا أصلي.. استقبلت القبلة .. وقبل أن أرفع يدي للتكبير وقع نظري على صليب خشبي صغير موضوع على المكتب كانت أمي أمرتني بالاحتفاظ به لكي يحفظني !! يا إلهي كيف كنت سأصلي وهذا الوثن أمامي.. بالرغم أن أمي متعلمة ومثقفة إلا أنها وللأسف تعتقد مثل أكثر المسيحيين أن هذا الصليب ينفع ويضر.. هل بعد هذا وثنية وشرك ؟؟ تناولت الصليب كي أخفيه في أحد أدراج المكتب لكني بعد أن أمسكته انتابتني رغبة شديدة في أن أفرغ كل ما تراكم في نفسي من غيظ على المسيحية في هذا الصليب.. أمسكته من ذراعيه بكلتا يدي وضغطت عليه بقوة و..

وكسرت الصليب





ملحوظة: تم الاستعانة بأقوال وقصص حقيقية لأناس أسلموا في كتابة هذه القصة فجزاهم الله خيرا

كتبها / طارق أبو عبد الله

غير معرف يقول...

+(((((((((((((((((تجربة علمية لاثبات فشل الثالووووث))))))))))))))))))))))))

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى الزملاء النصارى ...

أدعوكم لأن تقوموا بالتجربة التالية :

تقوم بتحميل برنامج Macafee Antivirus ( الآب )
و برنامج Norton Antivirus ( الابن )
و برنامج Kaspersky ( الروح القدس )

على كمبيوتر سعادتكم و تقوم بتنصيبها جميعها.
و لا تنسى تعطي كل برنامج منهم صلاحية كاملة ( إله كامل من إله كامل !)

و قابلني بكرة إذا اشتغل كمبيوترك !!

جربها و لن تخسر سوى ثمن الفرمتة !
( البرنامج نزله trial version أوفر لك )
ألن يستحق يسوع التضحية ؟!

أثبت للمسلمين إمكانية التثليث !!

و معليش لو تجيب لنا مهندس كمبيوتر يشرح لنا كيف قام بالتثليث باستخدام الأنظمة الثلاث !!

و أنا في انتظار نجاح التجربة ، أو عمل تثليث بينها !??????????????(((((((((((((((((((((((((((((إلى كـل نصراني ..)))))))))))))))))))))))..
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


يـا نصارى أرجو من الله لكم الهداية ..
صدقوني يا نصارى،،والله الإسلام دين رحمة ،، لا يغرنكم أحد ولا تصدقوه إن قال عن الإسلام كلام سيء بالعكس والله ،، الإسلام دين رااااائع ،، لماذا لا تعيدون النظر فيما أنتم عليه // كيف الإله في 3 والثلاثة في واحد ؟؟؟
مـاا بااااااالكم !!!! والله إن الله خلقنا لنعبده وحده ولا نشرك به شيئا .. القرآن كلام الله تبارك وتعالى المنزّل على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ..
والله العظيم صلاتكم لن تنفعكم ورسول الله عيسى عليه السلام سوف يتبرأ منكم يوم القيامة وسترون والله من الفائز والخاسر(الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا)..
اتقوا الله وارجعوا إليه إنما هو إله واحد ،، هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون..
لن تخسر شيء من حياتك إذا دعوت الله بأن يشرح صدرك لللإسلام(أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) والله لن تخسر شيئا ،، إن أسلمت بإذن الله ستربح محمدا ولن تخسر المسيح عليه السلام والله العظيم صدقوووووني يا نصارى ..
إن الله واحد لا شريك له ، لا ولد له ، لا صاحبة له ، هو واحد ليس ثلاثة في واحد ..
والله إني أشفق عليكم والله لأنكم في الناااار والله تعالى قال ذلك (إن الله لا يغفر أن يُشركَ به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ..
بالله عليكم مَنْ منا يطيق عذاب الله في جهنم ؟؟ والله جهنم عظييييييمة (وإذا أُلقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور تكادُ تميّزُ من الغيظ كلما أُلقيَ فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزّل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير) ؟؟؟
بلى والله قد جاااائكم النذير وهو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وباااقي الرسل عليهم السلام..
كــونوا مسلمين تحـيون حياة سعيدة والله .. والله الدين اليهودي والنصراني وكتبهم التوراة والإنجيل حـرّفت تمااااماااا .. ما بالكم ألا تعقلوووون ؟؟؟؟ لماذا لديكم عـقل .. أليس للتفكيييييير ؟؟؟ إذاً فـكروا وانظروا إن كان ما تفعلونه صحيح ...
الذين تدعونه على الصليب ليس سوى بشر مثلكم ولكنه ليس عيسى والله ليس عيسى ،، الله رفع رسوله عيسى إليه قبل أن كادوا يقتلووونه ،، وألقى الله شبه عيسى على الذي بالصليب ،، هو ليس عيسى والله العظيييم ليس بعيسى ... لم تقتلوه ولم تصلبوه ولكن شبّه لكم ،، ورفعه الله إليه .. وحين تقترب الساعة سوف ينزل عيسى عليه السلام ليكمل شرع الله الإسلام ويكسر الصليب ويضع الجزية ويقتل المسيح الدجال .. أتمنى أن يبقى أحد فيكم بهذا الزماااان لكي تروا بأمِّ أعينكم أن عيسى رسول الله ،، وسوف يصلي بالناس صلاة الفجر ويبقى في الأرض (قيل) سبع سنين فيتوفاه الله ويدفنه المسلمون .. ماذا تريدون أكبر من هذا الدليل ؟؟؟ نزول عيسى عليه السلام وكسر الصليب ؟؟؟؟؟؟
يــوم القيااامة يوم عظيييم ولكنه على الكافرين غير يسير ... جنتكم هي الدنيا ومصيركم النااار في الآخرة إن بقيتم على كفركم بالله ،، والله لن تنجوا من عذاب الله أبدااا ..
أسألكم بالله هل استجاب لكم الشخص الذي على الصليب صلواتكم ؟؟ هل السيدة مريم الطاااهرة العفيفة استجابت لكم أيضا ؟؟؟ لااااااااااا والله ،،،، لأنهم بشر الله خلقهم .. والله سيأتي يوم القيامة وتتبرأ السيدة مريم بنت عمران (الطاهرة) منكم ،، وسترون..
اقرأوا كلاااامي واعقلووووووه ،، لأن الحياة زاااااائلة والله يفرح إذا عاد العبد إليه ..
فعودوا إلى الله سبحانه وتعالى عووودووووااا إليه ،،، إني أشفق عليكم من الآن ، فكيف بيوم القيامة ،،!! يوم يسحبون في النار على وجوهكم ذوقوا مسَّ سَقَرْ ...

أرجووووكم فكروا في كلامي وأي واااحد يقتنع منكم ،، أنا مستعدة لمساعدته ...

الإسـلااااام دين عـظييييييييم ....
__________________
بسم الله الرحمن الرحيم (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليّ ومطهّرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون) آل عـمران ..

(إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين) آل عمران .???????? الإعجاز العلمي في نفي القرآن ألوهية المسيح (خطير جدا)
الإعجاز العلمي في نفي القرآن ألوهية المسيح
د محمد عبد الخالق شريبة
كاتب وطبيب من مصر
عقيدة المسلمين في المسيح
العقيدة الإسلامية شديدة الوضوح في أن عيسى المسيح هو عبد الله ورسوله وأنه ليس إلها كما يدعي النصارى ..
والقرآن يؤكد أن المسيح هو إنسان بكل ما يحمله الإنسان من خصائص بشرية ..
( ما المسيح ابن مريم الا رسول قد خلت من قبله الرسل وامه صديقة كانا ياكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الايات ثم انظر انى يؤفكون ) المائدة 75
والطعام والشراب يستلزمان إخراج الفضلات أيضا
عقيدة النصارى في المسيح
يعتقد النصارى بوجود طبيعتين للمسيح .. طبيعة ألوهية ويطلقون عليها اللاهوت جاءت من الله وطبيعة إنسانية جاءت من السيدة مريم ويطلقون عليها الناسوت ..
وبذلك فهم يعتقدون أن المسيح إله كامل بكل خصائص الألوهية وإنسان كامل أيضا بكل الخصائص البشرية من طعام وشراب وإخراج فضلات .. أي أنهم متفقون مع المسلمين في الطبيعة الإنسانية ..
موقف العلم من العقيدتين
هل تستطيع السيدة مريم أن تعطي إنسانا كاملا ؟
العلم يؤكد استحالة ذلك فلكي يحدث الحمل لابد من وجود العنصر الذكري مع العنصر الأنثوي ولتوضيح ذلك بطريقة أكثر علمية فإن كل ذكر يحمل تكوين جيني xy
وكل أنثى تحمل تكوين جيني xx
فإذا حدث التزاوج بين الذكر والأنثى تعطى الأنثى كرموسوم x واحد من الكروموسومين xx لكي يتحد مع أحد كروموسومي الذكر xy
فإذا اتحد الكروموسومx الذي يأتي من الأنثى مع كروموسوم x من الرجل صار المولود أنثى بالتركيب الجيني المعروف للأنثى xx
وإذا اتحد الكروموسوم x الذي يأتي من الأنثى مع كروموسوم y من الرجل صار المولود ذكرا بالتركيب الجيني المعروف للذكر xy
إذا كان المسلمون والنصارى متفقون على أن المسيح كان إنسانا كاملا رجلا فماذا كان تركيبه الجيني؟
بالطبع المسيح كان تركيبه الجيني مثل أي إنسان ذكر آخر وهو xy
وإذا كانت السيدة مريم لا تملك أن تقدم غير كروموسوم x لأنها لا تملك كروموسوم y بصفتها أنثى تركيبها الجيني xx مثل باقي الإناث فإن العلم بذلك يقطع استحالة خروج إنسان كامل من السيدة مريم لأنها لا تملك ذلك .
إذن فمن أين أتى للسيدة مريم الكروموسوم الذكري y لكي تحدث عملية الإخصاب ويتم ميلاد المسيح بصورته الإنسانية الكاملة التي يتفق عليها المسلمون والنصارى ؟
الإجابة يوضحها لنا القرآن الكريم :
( إن مثل عيسى عند الله كمثل ادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) آل عمران 59
فكما أوجد الله أدم وخلقه ذكرا بكل الخصائص البشرية وبالطبع بالتكوين الجيني الذكري xy
فهو أيضا بقدرته قد أعطى الكروموسوم الذكري y ليتحد مع الكروموسوم الأنثوي x الذي تملكه السيدة مريم ..
وبذلك يتضح لنا أن الله لم يعط المسيح إلا طبيعة إنسانية فقط لأن السيدة مريم يستحيل أن تعطي إنسانا بدون العنصر الذكري المتمثل في كروموسوم الذكورة y
وبذلك يبطل العلم الأكذوبة الكبرى من أن المسيح كان لاهوتا كاملا أخذه من الله ويقطع بأن الذي أعطاه الله هو طبيعة ناسوتية فقط فجاء المسيح إنسانا كاملا من السيدة مريم بقدرة الله القدير وعظمته ..
( سنريهم اياتنا في الافاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق أولم يكف بربك انه على كل شيء شهيد ) فصلت 53
لمراسلة كاتب المقال
???????????????....الجحش!))))))))))))))))))
الكتاب المقدس والرابط العجيب ....الجحش!


لقد لحظت ان للجحش أهمية كبيرة في الكتاب المقدس .......يمكن لان رب الكتاب المقدس ركوبته المفضلة هو الجحش

ام لان الجحش يمثل الغباء ؟!
اقتباس:
وكان له ثلاثون ولدا يركبون على ثلاثين جحشا ولهم ثلاثون مدينة.منهم يدعونها حووث يائير الى هذا اليوم.هي في ارض جلعاد {القضاء 10: 4}

ما شاء الله ربنا يزيد ويبارك
له30ولد
ولهم30جحش
ولهم30مدينه
رجاء عدم الحسد
اقتباس:
وكان له اربعون ابنا وثلاثون حفيدا يركبون على سبعين جحشا قضى لاسرائيل ثماني سنين.{ القضاء 12: 14}

عيال خيبه
الأب وحده يجيب ______40 ابن
والــ40 ابن يجيبوا له 30 حفيد فقط
يصبح العدد الإجمالي 70 جحش .....لهم
اقتباس:
ابتهجي جدا يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت اورشليم.هوذا ملكك يأتي اليك هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن اتان. { زكريا 9/9 }
ما هي صفات ملك صهيون القادم
عادل..................لدرجة انه سوف يغسل أرجل جميع تلاميذه الـــ12 دون ان يترك واحد منهم
ثم صبّ ماء في مغسل وابتدأ يغسل ارجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان متزرا بها. [يوحنا 13: 5]
منصور................لدرجة انه سوف يصلب
وتكون جثتاهما على شارع المدينة العظيمة التي تدعى روحيا سدوم ومصر حيث صلب ربنا ايضا. {الرؤية 11: 8 }
وديع .................لدرجة انهم سوف يستهزئوا به
وبعدما استهزئوا به نزعوا عنه الرداء والبسوه ثيابه ومضوا به للصلب [ متي 27: 31 ]
راكب علي حمار وعلي جحش
قد يسألني أحدكم ويقول لي .....كيف هذا يا أبو تسنيم ؟
أقول له هذا إعجاز من إعجازات الكتاب المقدس
طبعا إعجاز لأنه لا يخرج عن افتراضين ليس لهم ثالوث اقصد ثالث
الافتراض الأول وضع الجحش فوق الحمار ثم ركب الجحش وبهذا يكون ركب الجحش والحمار
الافتراض الثاني وضع الجحش موازي للحمار ثم يقوم بربط كليهما ثم ركب عليهما
لا ادري لماذا الاستغراب ؟ رب الكتاب المقدس ركب حمار وجحش في وقت واحد غريبه دي!!
يمكن الاستغراب عشان الكتاب المقدس.... قال لانه هل يسكن الله حقا على الارض.هوذا السموات وسماء السموات لا تسعك فكم بالاقل هذا البيت الذي بنيت. {ملوك الأول 8: 27 }
وقال..... لانه هل يسكن الله حقا مع الانسان على الارض.هوذا السموات وسماء السموات لا تسعك فكم بالاقل هذا البيت الذي بنيت{ اخبار الايام الثاني 6/18 ]
نعم أي عاقل يقول ذلك اذا كانت السماوات والأرض لا تسع الله فهل يعقل ان يسكن مع الانسان ؟
وهل يسعه الجحش والحمار ؟!
نعم أخي الحبيب الكتاب المقدس يناقض نفسه ......عشان كده بقولك عديها
يقولون لك الرب سكن واكل وشرب وغسل أرجلهم.......اسكت
يقولون لك ان السماء والأرض لا تسع الرب .............اسكت
بلاش فضائح خلي الطابق مستور
اقتباس:
قائلا لهما.اذهبا الى القرية التي امامكما فللوقت تجدان اتانا مربوطة وجحشا معها فحلاهما وأتياني بهما.
اقتباس:
قولوا لابنة صهيون هوذا ملكك يأتيك وديعا راكبا على اتان وجحش ابن اتان. [متي 21: 5]
وقال لهما اذهبا الى القرية التي امامكما فللوقت وانتما داخلان اليها تجدان جحشا مربوطا لم يجلس عليه احد من الناس.فحلاه وأتيا به. [ مرقس 11 : 2 ]
وأتيا بالاتان والجحش ووضعا عليهما ثيابهما فجلس عليهما. {متي 21: 7}
فمضيا ووجدا الجحش مربوطا عند الباب خارجا على الطريق فحلاه. {مرقس 11: 4} [متي 21: 2]
أخي الحبيب أظن كده عرفت أهمية الجحش في الكتاب المقدس
فهو {الجحش }الذي يربط بين {العهد القديم } وبين { العهد الجديد }
العهد القديم تنبأ ....بان رب الكتاب المقدس يأتي راكب حمار وجحش
العهد الجديد جاء ....رب الكتاب المقدس راكب اتان و جحش
إذن الرابط العجيب هنا الجحش
اقتباس:
فأتيا بالجحش الى يسوع وألقيا عليه ثيابهما فجلس عليه. [مرقس 11: 7]
اقتباس:
أين الأتان ؟
قائلا.اذهبا الى القرية التي امامكما وحين تدخلانها تجدان جحشا مربوطا لم يجلس عليه احد من الناس قط.فحلاه وأتيا به. [لوقا 19: 30]
وفيما هما يحلان الجحش قال لهما اصحابه لماذا تحلان الجحش [لوقا 19: 33. ]
كيف لم يجلس عليه احد قط
وله صاحب ......كان جيبه تحفه
ثم هل الرب { يغتصب الجحش من صاحبه ]
اقتباس:
ووجد يسوع جحشا فجلس عليه كما هو مكتوب {يوحنا 12: 14}
يعني لم يقل لأحد هات لي جحش
اقتباس:
لا تخافي يا ابنة صهيون.هوذا ملكك يأتي جالسا على جحش اتان { يوحنا 12: 15}
اقتباس:
فقال لهما قوم من القيام هناك ماذا تفعلان تحلان الجحش {مرقس 11: 5. }
والله ما نعرف هو جحش فقط
ام حمار وجحش
ام اتان وجحش ابن اتان
جحش اتان
بعد كل هذا لي سؤال بسيط لأصدقائي النصارى ....لماذا لا تقدسون { الجحش } مثلما تقدسون {الصليب }
فالجحش أفضل من الصليب علي الأقل
الصليب صلب عليه
لكن
الجحش قعد عليه
يكفي ان الجحش كانت علامة معرفة ربكم في العهد الجديد
لا تخافي يا ابنة صهيون.هوذا ملكك يأتي جالسا على جحش اتان { يوحنا 12: 15}?????????????

غير معرف يقول...

))))))))))))))))))))))))))))))))اللي يجوز ام الاله...الاله يقوله يا عمي))))))))))))))))))))
جوز ام الاله ....يوسف النجار
24 فلما استيقظ يوسف من النوم فعل كما امره ملاك الرب واخذ امرأته.25 ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر.ودعا اسمه يسوع.{متى 1/24: 25 }

أولا : من هو يوسف النجار

لقد اختلفت الأناجيل في شان يوسف النجار بل اختلف المسيحيون قي شانه
يوسف النجار في انجيل متى
الاسم بالكامل : يوسف بن يعقوب بن متأن
الكنية : يوسف النجار
النسب


1 يوسف /2 يعقوب/3 مَتَّانَ/4 أَلِيعَازَرَ /5 أَلِيُودَ /6أَخِيمَ/7صَادُوقَ. /8َازُورَ /9أَلِيَاقِيم/ َ10َبِيهُودَ. /11زَرُبَّابِلَ /12شَأَلْتِئِيلَ /13 يَكُنْيَ /14 يُوشِيَّا. /15 آمُونَ /16 مَنَسَّى /.17 حِزْقِيَّا /18 أَحَازَ /19 يُوثَامَ/20 عُزِّيَّا./21 يُورَامَ/22 يَهُوشَافَاطَ/23 آسَا /24 أَبِيَّا./25رَحَبْعَامَ./26سُلَيْمَانَ /27داود /28يسّى /29عوبيد/30بوعز/31سلمون /23نحشون /33عميناداب/34ارام /35حصرون 36فارص/37يهوذا /38يعقوب /39اسحق /40بْرَاهِيمُ


يوسف النجار في انجيل لوقا
الاسم بالكامل/يوسف ابن هالي ابن متثان
الكنية/يوسف النجار


1يوسف /2 هالي /3 متثات /4 لأوي /5 ملكي /6 ينّا /7 يوسف /8 متاثيا /9 عاموص /10 ناحوم /11 حسلي /12نجّاي /13 مآث /14 متاثيا /15 شمعي /16 يوسف /17 يهوذا /18يوحنا/19 ريسا /20 زربابل /21 شألتيئيل /22 نيري /23ملكي /24 أدي /25 قصم /26 ألمودام /27 عير /28يوسي/29 أليعازر /30 يوريم /31 متثات /32 لاوي /33 شمعون /34 يهوذا /35 يوسف /36 يونان /37 ألياقيم /38مليا /39 مينان /40 متاثا /41 ناثان /42 داود /43 يسّى /44عوبيد /45 بوعز /46 سلمون /47 نحشون /48عميناداب /49 ارام /50 حصرون /51 فارص /52 يهوذا /53يعقوب /54 اسحق /55 ابراهيم /56 تارح/57 ناحور /58سروج /59 رعو /60 فالج /61 عابر /62 شالح /63قينان /64 ارفكشاد /65 سام /66نوح /67 لامك /68متوشالح/69 اخنوخ /70يارد /71 مهللئيل /72 قينان /73 انوش /74 شيت/75 آدم

ملاحظات علي اسم يوسف النجار ونسبه
بالمقارنة بين ما جاء بانجيل متي وانجيل لوقا يتضح التالي
الاسم في متي ....... يوسف بن يعقوب بن متأن
الاسم في لوقا ............ يوسف ابن هالي ابن متثان
النسب في متي...... بداء من يوسف وانتهي ........ إلي إبراهيم عليه السلام { 40 فرد )
النسب في لوقا .......... بداء من يوسف وانتهي.......... إلي ادم عليه السلام {75 فرد }
لذا نقتصر في البحث من يوسف إلي إبراهيم عليه السلام
في متي من يوسف إلي إبراهيم ....... { 40 فرد }
في لوقا من يوسف إلي إبراهيم .............{55 فرد }
وبذلك يكون هناك عدد.. {15 فرد } فرق بينهما
الاتفاق بينهما
من إبراهيم صعودا إلي داوود نفس الأفراد
في انجيلمتي........ 27داود /28يسّى /29عوبيد/ 30بوعز/ 31سلمون /23نحشون /33عميناداب/ 34ارام /35حصرون 36فارص/37يهوذا / 38يعقوب / 39اسحق /40بْرَاهِيمُ
في انجيللوفا ...... 42 داود /43 يسّى / 44عوبيد / 45 بوعز / 46 سلمون /47 نحشون /48عميناداب / 49 ارام / 50 حصرون /51 فارص / 52 يهوذا / 53يعقوب /54 اسحق / 55 ابراهيم
الاختلاف بينهما
من بعد داوود يبداء الاختلاف
في انجيل متي ....... سُلَيْمَانَ ........ فيوسف النجار هنا من أحفاد سليمان ابن داوود !!!
في انجيل لوقا ....... .... ناثان ............ فيوسف النجار هنا من أحفاد ناثان ابن داوود !!!!!
وترتب علي ذلك بالطبع اختلاف باقي الأفراد
لكن هناك ملحوظة أخري
في انجيل متي ....... من.... سُلَيْمَانَ ........ إلي.... يوسف النجار ..... { 26 فرد } !!!
في انجيل لوقا ....... .... من ... ناثان ............ إلي .. يوسف النجار ..... { 41 فرد } !!!!!
والفرق هنا عدد {15 } كما وضحنا سابق
ونفترض في المتوسط ان عمر كل منهما عندما أنجب ابنه الذي في هذا النسب 15 سنه علي الأقل
فتكون المدة التي أنجبوا هؤلاء فيها 15 × 15 = 225 سنة !
وإذا محونا عدد { 15} فرد من النسب في انجيل لوقا من بداية يوسف سنجد الاسم التالي بعد هذا الحذف شخص اسمه يوسف كذلك لكن يوسف هذا ابن يهوذا ابن يوحنا

التعقيب
كما بينا هناك اختلاف مادي ظاهر بين انجيل متي وانجيل لوقا في نسب يوسف النجار نحن لا نفتري كما يفترون علي القران فعندهم انجيل متي وانجيل لوقا ليقرءوه جيداً وعند اذن نسأل
ما سبب الاختلاف أليس هذا كتاب الله وذاك كتاب الله كما تقولون الا يستتبع ذلك ان يكون نسب يوسف في كلاهما واحد ؟
فهل أخطاء الله عندما أوحي إلي كليهما بالإنجيل ؟
وان صح ذلك من أين لنا ان نعرف الإنجيل الذي اخطأ بشأنه الرب ؟ أم ان كلاهما خطا ؟
أم ان الرب أوحي إلي كلاهما دون خطاء ولكن احد كاتبي الإنجيلين أخطاء عند كتابة إنجيله ؟
ومن أين لنا ان نعرف المخطئ ؟
وان كان كذلك لماذا لم يوحي الله له ثانية ويصحح له الخطأ
وان كان الكتاب المقدس يخطئ في نسب من هم حديثي العهد فما بالك من هم من قديم الزمن وكيف نثق في نسبهم الذي ورد بهذا الكتاب
ثم ان هناك عدد {15 } خمسة عشر فرد زيادة في نسب يوسف بانجيل لوقا عن نسبه في انجيل متي وهذا الكم ليس بالشيء الهين فكما وضحنا ب225 سنة علي الأقل
فإذا سلمنا بصدق نسب يوسف النجار بانجيل ..... متي .....فمن أين أتي ......لوقا .....بعدد { 15} فرد ....بعدد 225 سنة {فرضا} بإنجيله هذا
فإذا سلمنا بصدق نسب يوسف النجار بانجيل ..... لوقا ..... أين ذهب... عدد { 15} فرد ....بعدد 225 سنة {فرضا} بإنجيله متي ..... هل اختصر الزمن
ولماذا لا يكون يوسف النجار هو .................يوسف ابن يهوذا ابن يوحنا رقم {16} بانجيل لوقا وبهذا يكون تخلصا من الزيادة {15} الفرد
بالله عليكم هل خالق هذا الكون العظيم يخطي خطا مثل هذا ـ حاشى له ان يخطى ـ فهو اعلم بالماضي والحاضر والمستقبل {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(4) سورة الأنبياء
وحاشى له ان ينسي {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} (64) سورة مريم وان كلام الله لا يخالف بعضه {..... وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (82) سورة النساء

ولا نقول في حقهم الا قول الله تعالي

{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} (22) سورة الأنفال ????????????إله النصارى لايهتم بهذه الأمور التافهه مثل إسم يوسف النجار ونسبه .

إله النصارى يركز على ما هو أهم مثل التفاصيل الدقيقه لللعمليات الجنسيه بالإضافه إلى وصف العضاء الذكريه والمنى .......إلخ


إله النصارى مزاجه عالى قوى ????????ثانيا : علاقة يوسف بالمسيح
يوسف النجار ومريم •
كان....... خطيب مريم أم المسيح ............{كَانَتْ أُمُّهُ مَرْيَمُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ } متي 1/18
• حبلت مريم .......بالمسيح...... وهي مخطوبة له {َمَّا يَسُوعُ الْمَسِيحُ فَقَدْ تَمَّتْ وِلادَتُهُ هَكَذَا: كَانَتْ أُمُّهُ مَرْيَمُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ؛ وَقَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا مَعاً، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.} متي 1/18
• ثم ...........تزوج بها.......... { فَأَتَى بِعَرُوسِهِ إِلَى بَيْتِهِ } متي 1/24 ، ولكن لم يدخل بها لا بعد ان ولدت المسيح.................... {وَلكِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى وَلَدَتِ ابْناً، فَسَمَّاهُ يَسُوعَ} متي 1/25 .
ملاك الرب وعلاقة يوسف النجار بالمسيح
اخبره .......... ملاك الرب...... ان حمل مريم لم يكن ناتج عن زنا بل من لروح القدس { ِذَا مَلاَكٌ مِنَ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ يَقُولُ: «يا يوسف ابْنَ دَاوُدَ! لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْتِيَ بِمَرْيَمَ عَرُوسِكَ إِلَى بَيْتِكَ، لأَنَّ الَّذِي هِيَ حُبْلَى بِهِ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. } متي 1/20
ثم أمر ه ....ملاك الرب ....بالهروب بالصبي وأمه إلي مصر لان هيردوس ملك اليهود يريد ان يقتله «قُمْ وَاهْرُبْ بِالصَّبِيِّ وَأُمِّهِ إِلَى مِصْرَ، وَابْقَ فِيهَا إِلَى أَنْ آمُرَكَ بِالرُّجُوعِ، فَإِنَّ هِيرُودُسَ سَيَبْحَثُ عَنِ الصَّبِيِّ لِيَقْتُلَهُ»} متي1/13

الناس وعلاقة يوسف بالمسيح

نسب..... الناس في ذلك الوقت..... المسيح........... إلي يوسف النجار {أَلَيْسَ هُوَ ابْنَ النَّجَّارِ؟ أَلَيْسَتْ أُمُّهُ تُدْعَى مَرْيَمَ وَإِخْوَتُهُ يَعْقُوبَ وَيُوسُفَ وَسِمْعَانَ وَيَهُوذَا؟ } متى 13/55

لذا الامر لم يخرج عن ثلاث افتراضات

الأول : انه زوج أمه وأبو أخوته وانه الذي رباه فنسبوه إليه لأنه هو الذي رباه ( لكن هذا الامر يفترض ان الناس تعلم انه ولد بدون أب )
الثاني : ان الناس لم تعرف بحملها قبل الزواج بيوسف فظنوا إنها حملت من زوجها وبالتالي المسيح ابن يوسف بن يعقوب
الثالث : وإنهم علموا بحملها قبل الزواج بيوسف ونسبوا المسيح إلي يوسف من الزنا وهذا ما يقولوه اليهود وبرئها من هذا الافتراء القران الكريم

ثم ان الكتاب المقدس صرح بان المسيح لم يعلن عن نفسه لا عندما بلغ سن 30 سنة أي لم يعرف احد انه ولد من بدون أب وانه من الروح القدس خلال الثلاثون سنة السابقة عن الإعلان وبالتالي كان علم الناس به ان له أب وهو يوسف النجار سواء بطريقة شرعية الزواج أو بطريقة غير شرعية الزنا كما يدعي اليهود

والغريب ان هذا الإنجيل ينسب المسيح إلي يوسف النجار فقد ذكر تحت عنوان نسب المسيح {وَيَعْقُوبُ أَنْجَبَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ.} متى 1/16
والغرض من ذلك نجده على هذا الرابط http://www.imanway1.com/horras/showthread.php?t=1468

أخوة المسيح
هل المسيح كان له أخوة من زواج يوسف بمريم ؟
يفهم من سياق نصوص الإنجيل انه أنجب من مريم حيث انه ذكر ان المسيح ابنها البكر { فولَدَتِ اَبنَها البِكرَ وقَمَّطَتْهُ وأضجَعَتهُ في مِذْودٍ، لأنَّهُ كانَ لا مَحَلَّ لهُما في الفُندُقِ. ...لوقا 2/7 } مما يعني ان هناك أولاد لها وان المسيح هو البكر ، كذلك ذكر ان للمسيح إخوة {وَبَيْنَمَا كَانَ يُكَلِّمُ الْجُمُوعَ، إِذَا أُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ قَدْ وَقَفُوا خَارِجاً، يَطْلُبُونَ أَنْ يُكَلِّمُوهُ. فَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ: «هَا إِنَّ أُمَّكَ وَإِخْوَتَكَ وَاقِفُونَ خَارِجاً يَطْلُبُونَ أَنْ يُكَلِّمُوكَ!» متي 12/ 46 ، 47
{أَلَيْسَ هُوَ ابْنَ النَّجَّارِ؟ أَلَيْسَتْ أُمُّهُ تُدْعَى مَرْيَمَ وَإِخْوَتُهُ يَعْقُوبَ وَيُوسُفَ وَسِمْعَانَ وَيَهُوذَا؟ } متى 13/55
ورغم صراحة نصوص انجيل متي بان مريم أم المسيح قد تزوجت وأنجبت أولاد خلاف المسيح لا ان كثير من النصارى ترفض ذلك وتنفي زواجها وتنفي ان يكون هناك أخوة للمسيح من الأم ????????المشكلة أخي الحبيب أنك بعد كل هذه النصوص تجد واحد مثل القس البسيط عبد المسيح بسيط يؤلف كتابا ويسميه ( دوام بتولية العذراء )

وبالمناسبة هذه العقيدة - عقيدة دوام بتولية العذراء حتى بعد ولادة يسوع - غير مقبولة عند البروتستانت

[move=left]متـــــــــابع[/move]

[move=right]متـــــــــابع[/move]????اللي يجوز ام الاله...الاله يقوله يا عمي
مقال رائع جدا للاخ الحبيب أبوتسنيم ، و ألفت النظر الى انه طبقا لنظرياتهم و بغض النظر من ان المسيح له أخوة من عدمه ، فان هناك ناس يعيشون بيننا و ينتسبون بصلة قرابة لله سبحانه وتعالى ، فالسيدة مريم لها عائلة بالطبع ، فأولاد أختها يكون الله أبن خالتهم و أولاد أخيها يكون الله ابن عمتهم ......و هكذا وطبعا العائلة كانت كبيرة و كلهم سوف يكونوا على صلة قرابة بالله نفسه و نسلهم الى الان يتواجدون بيننا

أما ماهو مذكور فى الاناجيل و حيث ان تفسيره الوحيد ان مريم تزوجت يوسف و عاشت معه 15 سنة و انجبت منه ...فاننا امام وضع مؤكد ان الله له اخوة و أول جيل من اولادهم كان الله خالهم او عمهم " لزم " كما ان نسلهم لليوم هم اقرباء اله و يرجع نسبهم اليه بصورة ما??????بارك الله فيكم جميعا
وإذا صح زواج مريم من يوسف
ماذا كان يقول المولود ــ الطفل الاله ـ ليوسف ... هل كان يقول يا أبي ؟
وهنا يكون للإله أبوان
الأب الذي في السماء الذي حبل أمه ...بواسطة الروح القدس
والأب الذي في الأرض الذي رباه
أم كان يقول له يا عمي طبقاً للمثل القائل ألي يجوز أمي أقله يا عمي؟
وعندما كان يسوع { الطفل الاله} يخطئ هل كان يوسف يقوم بتأديبه؟
وهل اخبر يوسف يسوع { الطفل الاله} بأنه ليس أبوه وانه ابن الرب ؟
أم انتظر ان يكبر ويعقل ما يقال له فيخبره ؟
وبفرض ان السيدة مريم أنجبت من يوسف بعد ان وضعت يسوع
هل أخوة يسوع من أمه آلهة ؟
أليس من المنطق ان يكون أخوة الإله آلهة ؟ ويساعدونه في تدبر شئون الكون ؟ علي الأقل يرد الجميل للرجل الذي رباه في بيته
وهنا نسال عن علاقة يسوع بأسرته هل كان يعاملهم علي كونه اخ ام اله ؟
لقد اخبر ملاك الرب يوسف بان مريم ستلد الله ـ علي حد قولهم «اللهُ مَعَنَا». ـ كيف كان يصلي يوسف إلي الاله وهو في بطن مريم؟
ولمن كانت السيدة مريم تصلي ؟
وهل كانوا أخوته يصلون له ؟ وإذا رفض احدهم ان يصلي له فماذا هو فاعل به ؟
وأين كان ينام الطفل الاله ....؟ بجور أمه وأبيه
وإثناء ممارسة الحياة الزوجية بين ام الاله ..وبين جوز أمه...أين يكون هو ؟
هل متواجد بنفس المكان ...وهل يدرك ما يدور حوله ؟
ام كان ملاك الرب يأخذه الي السماء لحين انتهاء أمه وجوز أمه من ممارسة الحياة الزوجية ؟
.....الم يجلس النصراني مع نفسه مرة ويفكر في كل هذا ؟

غير معرف يقول...

بقلم الدكتورة زينب عبد العزيز
صورة لمخطوط قديم للإنجيل
أستاذ الحضارة الفرنسية
أدهشنى ما أثاره بعض إخواننا المسيحيين من تعليقات تستنكر ما نشرته فى مقال سابق حول تحريف الأناجيل، لذلك لا يسعنى إلا تقديم بعض النماذج الأخرى حتى وإن كانت مسألة تحريف "الكتاب المقدس" برمته محسومة بين العلماء بل واقرها الفاتيكان فى مجمعه الثانى سنة 1965 وليست بحاجة إلى مزيد من الأمثلة..
ورغمها، لن أتناول هنا إلا خمسة نماذج فقط من هذه المتناقضات، التى تُعد باللألاف، وكلها متعلقة مباشرة بيسوع عليه السلام. ويسوع المسيح يُعد أهم شخصية فى المسيحية بكل إنقساماتها وفرقها التى تعدت الثلاثمائة سبع وأربعين الأعضاء بمجلس الكنائس العالمى. ويقولون إن كل ما هو مكتوب عن يسوع فى هذه الأناجيل صحيح تماماً و"منزل من عند الله".. ليرى القارىء بنفسه ما تقدمه المؤسسة الكنسية من نصوص، عانت فعلا على مر التاريخ من شتى أنواع التلاعب والتغيير والتبديل، إلى درجة تمس تعاليم العقيدة نفسها من جهة، ومن جهة اخرى، ان هذه المؤسسة الكنسية تسعى لفرضها على العالم أجمع بدأً بالمسلمين، لذلك يتعيّن علينا كمسلمين أن نفهم ما بها..
وكل ما أرجوه من إخواننا المسيحيين هو ان يفتحوا أناجيلهم ليراجعوا فيها الآيات الواردة منها هنا أو فى أى مقال آخر كتبته. علما بأننى أستعين بطبعة 1966، لا لقلة ما لدىّ من نسخ متفاوتة التواريخ، بدأً من تسة 1671، ولكن لأنها النسخة التى لم تطلها التعديلات الجديدة بعد مجمع الفاتيكان الثانى المنتهى عام 1965، مع الأخذ فى الإعتبار بأن جميعها تختلف فعلا من طبعة لأخرى. وهذه الآيات من المفترض أنها كافية لإقناع أى قارىء بوجود متناقضات.. وابدأ بمن هو مفترض جد يسوع:
1 - الإختلاف فى والد يوسف:
يقول إنجيل متّى: "ويعقوب وَلَد يوسف رجل مريم التى وُلد منها يسوع الذى يُدعى المسيح " (1: 16). ويقول إنجيل لوقا: "ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة وهو على ما كان يُظن إبن يوسف إبن هالى" (3: 23)، فأيهما والد يوسف: يعقوب أم هالى؟ فمن المحال ان يكون له أبّان بيولوجيان، والحديث هنا عن إنسان، بشر عادى، وليس عن إنسان تم تأليهه ويطلقون عليه "ربنا يسوع المسيح" !.
2 – الإختلاف فى شجرة نسب يسوع:
توجد شجرة نسب يسوع ابن مريم فى إنجيل متّى (1: 6-16)، كما توجد فى إنجيل لوقا (3: 23-31). إنجيل متّى يبدأ من سيدنا إبراهيم نزولا إلى يسوع، ولوقا يبدأ من يسوع صعودا إلى آدم، والإسم الوحيد المشترك بين هاتين القائمتين، من داود ليسوع، هو يوسف.. فكيف يستقيم كل ذلك التفاوت ؟! بل والأدهى من ذلك كيف يمكن أن يكون ليسوع شجرة عائلة مثبوتة بالإسماء، وإن إختلفت، والكنيسة تؤكد أنه أتى من الروح القدس وأنه إبن الله ؟. بغض الطرف هنا عن ان الروح القدس – كما تؤكد الكنيسة أيضا، هو جزء من الثالوث الذى لا يتجزأ فالثلاثة واحد وهو ما يُفهم منه ان يسوع قد أنجب نفسه، لكى لا نكرر أقوال بعض العلماء فى الغرب من ان ذلك يمثل حالة زنا إذا ما أخذنا والعياذ بالله بأن مريم "ام الله" كما يقولون، حملت من الروح القدس أى من إبنها !.
3 – الإختلاف فى مولد يسوع:
تورد الأناجيل مرة ان يسوع وُلد أيام هيرودس (متّى 2: 1)، ومرة أيام كيرينيوس (لوقا 2: 2).. والثابت تاريخيا أن هيرودس مات سنة 4 قبل الميلاد، بينما كيرينيوس قد تم تعيينه والياً على منطقة سوريّة فى عام ستة ميلادية ! أى ان الفرق الزمنى بين التاريخين قدره على الأقل عشر سنوات لتحديد تاريخ ميلاد يسوع، فهل هذا معقول ؟ بل والثابت تاريخيا أيضا أنه لم تحدث أية مجزرة للأطفال أيام هيرودس ! وما يكشف عن إختلاف آخر أن إنجيل مرقس يقول أنه وُلد فى الناصرة، بالجليل، بينما يقول كل من متّى ولوقا انه وُلد فى بيت لحم بمنطقة اليهودية: فأيّهم أصدق، وجميعهم رسل وقديسين ؟!. وهنا لا بد من الإشارة إلى قول العالم الفرنسى إميل بويخ (E. Puech) مدير المعهد القومى للأبحاث العلمية (CNRS) فى فرنسا مؤكدا: "يجب علينا أن نعترف بأمانة أننا لا نمتلك حتى الآن أى نص من شهود عيان عن يسوع"، وذلك لأن كل ما كتب عنه كتب بأثر رجعى وبعد أجيال وقرون...
4 – الإختلاف فى معرفة يسوع إبن من ؟!:
يقول إنجيل لوق أنه عندما تخلّف الصبى يسوع فى المعبد وهو فى الثانية عشر " وكان أبواه يذهبان كل سنة إلى أورشليم فى عيد الفصح" (2: 41) ضل عنهما الطفل يسوع، وبعد ثلاثة أيام من البحث وجدا الصبى فى الهيكل جالسا وسط المعلمين فلما أبصراه إندهشا: " وقالت له أمه يابنىّ لماذا فعلت بنا هكذا. هو ذا أبوك وأنا كنّا نطلبك معذّبين" (2: 48).ويزداد الأمر خلطاً حينما يجيبها الطفل يسوع قائلا: " لماذا كنتما تطلبانى ألم تعلما أنه ينبغى أن أكون فى ما لأبى. فلم يفهما الكلام الذى قاله لهما" (2: 39-50) أى ان مريم وزوجها والد الطفل يسوع ( كما تقول هى فالمفترض أنها أدرى ممن أنجبت إبنها) وأيضا كما يقول إنجيل لوقا، المهم ان الإثنين لا يعرفان أى شىء عن رسالة يسوع، وهو ما يخالف ما ورد بنفس الإصحاح فى الآية 19 حينما راح ملاك الرب يخبر الرعاه بمجىء الرب يسوع المخلّص، ثم ذهب الرعاة يخبروا بالكلام الذى قيل لهم عن هذا الصبى: "وأما مريم فكانت تحفظ هذا الكلام متفكرة به فى قلبها".. فكيف تعرف مريم هذا الكلام عن ظهر قلب وحينما يحدثها ذلك الرب، الذى هو إبنها، لا تفقه منه شيئا ؟؟. بل والأكثر من ذلك ان كل ما ورد بإنجيل لوقا حول واقعة المعبد يتناقض تماما مع قصة نزوح العائلة المقدسة إلى مصر..
وعملية تفنيد حضور العائلة المقدسة الى مصر تناولها فى الغرب العديد من المؤرخين والباحثين ولن أشير هنا سوى الى ميشيل كوكيه ( M. Coquet ) القس السابق وكتابه "إزالة الخدع عن حياة يسوع" الصادر عام 2003، وتقول الفقرة:
"أقر المؤرخون ولله الحمد ان هروب العائلة المقدسة الى مصر، كما يصفها لنا إنجيل متّى لا مصداقية لها. فعبور الصحراء الشديدة الحر نهاراً والشديدة البرودة ليلا، مسافة خمسمائة كيلومترا، فى منطقة مليئة باللصوص وبالحيوانات المفترسة، على ركوبة لا يمكنها ان تحمل على ظهرها المياة والأكل اللازم لمثل هذه الرحلة، تبدو عملية مستحيلة التنفيذ بالنسبة لزوجين وطفل رضيع. والأكثر من ذلك، إذا سار يوسف على قدميه بواقع خمسة عشر كيلومتراً فى اليوم، فسيأخذ منه ذلك حوالى شهرا فى ظروف شديدة القسوة. فالطريق الذى سار فيه بدأ من بيت لحم الى الخليل. ومن غزة كان على العائلة المقدسة ان تتبع قرب الشاطىء الى القنطرة والإسماعيلية واخيرا القاهرة. وفى واقع الأمر، ليس لدينا أى دليل على هذه الرحلة، حتى وإن قامت الكنيسة القبطية بنشر خط السير هذا (بمساعدة وزارة السياحة المصرية !) (الأقواس وعلامة التعجب من الكاتب)، إعتمادا على بردية من القرن الخامس مكتوب عليها خط السير الذى سلكته العائلة المقدسة، بل ويحددون ان الإقامة إمتدت لمدة ثلاث سنوات وأحد عشر شهراً, والقرن الخامس بكل سوء حظ هو القرن الذى إنتهوا فيه من إستكمال إختلاق قصة يسوع. وبعد قرن من الحفائر الأثرية فى الأرض المقدسة لم يتم العثور على أى دليل لهذا الهروب" (صفحة 266).. واللهم لا تعليق !
5 – الإختلاف حول إنجيل يسوع:
يقول القديس بولس، الذى افرَدَت له مؤسسة الفاتيكان عاما بأسره، من 28/6/2008 الى 29/6/2009 للإحتفال به، نظراً لأهميته اللاهوتية وفى الدعوة وسط الأمم، يقول هذا الرسول القديس إلى أهل رومية: "... حتى انى من أورشليم وما حولها إلى الليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح" (15: 19)، وفى نفس الرسالة فى الآية 29 يقول "... وأنا أعلم انى اذا جئت اليكم سأجى فى ملء بركة إنجيل المسيح"، وفى الرسالة الثانية الى أهل كورنثوس يقول: "... إنجيل مجد المسيح الذى هو صورة الله" (4: 4)، وفى نفس الرسالة يقول: "فإنه إن كان الآتى يكرز بيسوع آخر لم نكرز به أو كنتم تأخذون روحا آخر لم تأخذوه أو إنجيلا آخر لم تقبلوه فحسنا كنتم تحتملون" (11: 4)، وإلى أهل غلاطية يقول: " إنى أتعجب أنكم تتنقلون هكذا سريعا عن الذى دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر. ليس هو آخر غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ويريدون ان يحوّلوا إنجيل المسيح " (1: 3-6)..
و ما نخرج به من هذه الآيات الصادرة عن أهم الحواريين فى نظر الكنيسة، وبوضوح لا لبس فيه، ان السيد المسيح كان له إنجيلا يكرز به، وهو ما لا أثر له فى التراث الكنسى الحالى بكله وإن كان يتفق تماما مع ما يثبته القرآن الكريم من أن الله عز وجل قد أوحى الإنجيل إلى عيسى بن مريم..
ومن ناحية أخرى، من المفترض ان رسائل بولس هذه صيغت سنة 54 ميلادية كما يقول المختصون الكنسيون.. وهنا يمكن الجهر بكل ثقة للمؤسسة الكنسية بكامل هيئاتها وبناءً على أقوال بولس الرسول: ان السيد المسيح كان له إنجيلا يبشر به فأين هو ؟! فرسائل بولس وأعمال الرسل هى أول نصوص كتبت فى المسيحية وتؤرخونها بعام 54، وكل ما يقال فى الوثائق الكنسية ان صياغة الأناجيل تمت من سنة 70 الى 95. فإذا اضفنا أعمار الحواريين الى هذه التواريخ لأدركنا انهم كانوا فى حوالى المائة سنة سناً أو أكثرً، وهو ما لا يتمشّى مع نسبة متوسط الأعمار من الفين سنة مضت – بغض الطرف عن مخالفة هذه المعلومة للواقع، إذ ان صياغة الأناجيل إمتدت حتى أواخر القرن الرابع بإعتراف القديس جيروم نفسه، فهو الذى كوّن هذه الأناجيل الأربعه وعدّل وبدّل فيها كما قال فى المقدمة التى تتصدر ترجمته.. فكيف يتحدث بولس ويحذّر الأتباع من الإلتفات إلى أى إنجيل آخر سوى إنجيل يسوع الذى كان يبشّر به ؟!.
وأغض الطرف هنا أيضا عن إن هذا القول من بولس يتضمن إتهاما لباقى الحواريين، إتهام بالكذب وتحريف الرسالة، فلم يكن آنذاك اى فرد آخر يقوم بالتبشير سوى الحواريين الذين يتهمهم بولس صراحة بأنهم كذبة..
فهل يحتاج الأمر بعد ذلك إلى مزيد من الأدلة على التناقضات فى الأناجيل ؟ ولا يسعنى إلا أن أضيف بكل هدوء إلى إخواننا المسيحيين بكل فرقهم: إقرأوا أناجيلكم بدلا من الإنسياق فى التعاون مع الذين فرضوا عليكم المساهمة فى عملية تنصير العالم، فوثيقة "إلى العلمانيين" المخجلة، الصادرة عن مجمع الفاتيكان الثانى، التى يفرض فيها لأول مرة فى التاريخ على كافة المسيحيين، الكنسيين منهم والمدنيين، العمل على إقتلاع الإسلام والمسلمين لتنصير العالم، موجودة ومنشورة ضمن قرارات ذلك المجمع.
إقرأوا أناجيلكم بإمعان، وافهموا ما بها، فما من عاقلٍ أمين مع نفسه يمكنه قبول مثل هذه المتناقضات أو الإيمان بها لسبب بسيط هو: هل يمكن لمثل هذا الخلط والتناقض أن يكون منزّلا من عند الله ؟!..
قال الله تعالى في في كتابه الكريم: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) صدق الله العظيم.???????????????
نيوتن موحّد:

موضوع نيوتن موحِّد يعتمد بشكل أساسي على بحث مسمّى لـ ستيفن د.سنوبلن واسمه "إسحاق نيوتن ، مهرطق : إستراتيجيات نيقوميديّ" نُشِرَ في الصفحات 381-419 في The British Journal for the History of Science ، الصادرة عن جامعة كامبردج العريقة ، العدد 32 . هذا مع التصرف الشديد و الإضافة..
بالإضافة إلى الصفحات 144-159 من كتاب "اللاهوت التثليثي عند د.صمويل كلارك" للكاتب د. ثوماس بفايزنماير.

إسحاق نيوتن (1643-1727م) الإنجليزي ذلك العالم الفيزيائي العظيم .. و لكن الذي لم يعرفه الكثير أنه كان شخصًا متديّنًا جدًّا و عالمًا دينيًّا.. بل في الحقيقة كان متديّنًا أكثر من كونه عالم فيزياء !
فنيوتن كان قد كتب أكثر من مليون كلمة في اللاهوت و الموضوعات الكتابية . [1]

يقول عنه وليام ستوكلي : " إن كنيسة إنجلترا بأكملها تدّعيه ابنًا لها في العقيدة و الممارسة" و " لا يوجد رجل في إنجلترا يقرأ الكتاب المقدس بحذر أكثر منه ، و لم يدرسها أحد أكثر منه ، كما يظهر من أعماله المطبوعة." [2]

و يقول عنه إبراهام دي لا برايم : "نيوتن كان أفضل رياضي و فيلسوف و قدّيس (divine) ".[3]

و يقول الأسقف جلبرت بيرنت عنه : " أَشدُّ نفس عرفتها بياضًا ". [4]


و الأعجب أنه كان موحدًا ، لكن لم يُعرَف ذلك حتى موته.. فهو يشبه نيقوميدوس تلميذ المسيح -عليه السلام-. هو نفسه يقول : " أي رجلٍ يدّعي أنواعًا أخرى من العبادات لم تكن موجودة على زمن الرسل ، فليمارسها لكن في مختلاه ، من دون أن يشغل الكنائس بخوالجه الخاصة". [5]

و قد حُكي أنه قد غلب اعتقادٌ شعبي على أن نيوتن كان موحدًا. [6]

و سبب خوفه من الإخبار بذلك واضح ، فهو كان ذا منصبٍ عالٍ يعيش في عصر الصحوة المسيحية ، و التي ظهرت مقاومةً لظهور البروستانت . فلو علموا بتوحيده لكان قُتِل ، ففي شبابه (عام 1648 م ) صدر "مرسوم عقابات التجديف و الهرطقة" و قد كان من بين البنود : العقاب بالقتل لمنكري التثليث أو أقانيمه . و هو طبعًا لم ينسَ ما حدث لمنكري التثليث الذين عاصرهم كـبِسْت و ليجيت ووَايتْمَان و بِدِل و آيكنهيد و إملِن ..












[gdwl][glow1=330066]نيوتن و السوسانية:[/glow1][/gdwl]

على عهد نيوتن كانت السوسانية( Socinian ) -أو الأخوة البولنديّون- قد انتشرت في العالم المسيحي حتى اكتسحت إنجلترا ، لكن بسرية تامة .

وُجِدَ بمكتبة نيوتن 8 كتبٍ سوسانيّةٍ على الأقل. [7]
، و كتابٌ بعنوانٍ مضادٍّ للتثليث كتبه جيورجي إنييدي -المتأثِّر بالسوسانيين- .[8]
، و آخر كتبه موحّدٌ إنجليزي عنوانه "عقيدة الإله الواحد ".[9]
و كذلك مكتبة أستاذه كَانت مليئةً بالكتبِ السوسانيّةِ ( كـ"التقليد الراكوفي الشفوي" و "مختصر المقالة" و "فوتنيانسموس" ) .[10]

و كان كذلك صديقه اللاهوتي جون لوك يمتلك مجموعة من الكتب السوسانية .[11]

ولقد كان جار نيوتن و خليله صمويل كلارك -الذي ثبت أنه كان أعز أصدقاء نيوتن في آخر عشرين سنة من حياته حسب ما ذكره ابن أخ نيوتن الملازم له- موحدا.[12]
صمويل كلارك هرطوقيًّا موحّدًا يمتلك مجموعة ضخمة من أعمال السوسانيين المجموعة و اسمها Bibliotheca Fratrum Polonorum .[13]
. أضف على ذلك أن المكتبة التي كان يعمل بها بها كلارك يوجد بها أكثر من 70 كتابًا سوساني. و هرطقة كلارك كانت مُعْلَنة حتى أنه عُوقِبَ عليها.

وقد تبيّن للباحثين أن نيوتن كان يقرأ هذه المؤلّفات السوسانية قبل عام 1690 م ، و ذلك لأنه في كتابه "اعتبار تاريخي لتصحيفين جديرين بالذكر("(An Historical Account of Two Notable Corruptions أشار إلى السوسانيين ؛ مما يوضِّح أنه كان يقرأ كتبهم قبل تأليفه للكتاب.

وفي اجتماع لايبنتز الفيلسوف الشهير مع كلارك اتهم نيوتن بأنه لديه مفهوم سوسانيّ عن الله. [14]
(لايبنتز : عالم رياضيات و لاهوتي كبير ، صاحب كتاب ثيوديسي الدفاعي و هو الذي اختلف العلماء في حلّه للتفاضل هل كان قبل نيوتن ام بعده ، فحصلت عدة نظريات تتهم أحدهما بالسرقة الفكرية من الآخر)



و لكن الفرق بينه و بين السوسانيين ، أنه كآريوس : يؤمن بوجود المسيح السابق بينما لا يؤمن السوسانيين بهذا . و يقول باحثون آخرون (كـبريوستر) : أن نيوتن كان موحدًا أكثر من كونه أريوسيًّا ، إذ أنه كان يركز على يسوع النبي .[15]













[gdwl]أهم الأعمال التوحيدية التي قام بها نيوتن:[/gdwl]
هذه الأعمال التي قام بها نيوتن كانت تتم بدون أن يظهر عقيدته التوحيدية في الموضوع ، بالأحرى "تحت التخفي"!


1-النقد النصي للنصوص التثليثية و المؤلهة للمسيح:
و للعلم فإن الشيخ رحمه الله الهندي –رحمه الله- ذكر هذا الكتاب في نهاية باب:إثبات التحريف بالزيادة من كتابه الشهير المخرِس "إظهار الحق".
كـ"الفاصلة اليوحناويّة" (رسالة يوحنا الأولى 5 :7) و تيموثاوس الأولى 3:16 . حيث أثبت أنهما تحريفان و ذلك في كتابه "تصحيفان جديران بالذكر" (وهو الاسم المختصر للكتاب الذي تحدثنا عنه سابقًا).
و هذا الكتاب كان بالأساس رسالة من نيوتن إلى صديق .
و لقد وُجِد لنيوتن رسالة يخبر صديقه الهرطوقي لوك بعزمه على طباعته بالإنجليزية [16]
و لكن لما رأى أن لوك سيطبع الكتاب و الوقت ليس بمناسب بعث له برسالة أخرى يخبره بأن يلغي العملية. [17]






2- في مجال اللاهوت :
يؤمن أن الآب هو الإله فقط ، مستشهدًا بنص كورونثوس الأولى 8 :6 : "لكِنْ لَنَا إِلهٌ وَاحِدٌ: الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ بِهِ." [18]

بالإضافة إلى أنه في المقالة 12 من مخطوطة كاينز Keyens قد علّق قائلا : "عن ديننا ، لله و للمسيح و للكنيسة" . و هذا يوضح أن المسيح في فهم نيوتن لم يكن هو الله .
نيوتن أنكر 5 بنود من الـ 39 بندًا التي تقوم عليها عقيدة كنيسة إنجلترا ، و قد كانت كلُّها عن التثليث .[19]

إضافة إلى أن ستوكلي قد أخبره أحد أصدقاء نيوتن –وهو مِيد- أن : نيوتن كان مسيحيًّا يؤمن بالوحي لكن ليس كل ما جعلته كنيستنا القويمة بنودًا للإيمان. [20]

و لقد التقى نيوتن بالسوسانيّ صمويل كْرِل (ابن يوحنا كرل أحد مؤسسي السوسانية) عند زيارته لإنجلترا لطباعة كتاب مضادٍّ للتثليث. [21]

ووُجِدَت رسالة من كْرِل كتبها قبل المقابلة إلى نيوتن يطلب منه رعاية كتابه هذا! [22]

هذا بالإضافة إلى أن الباحثين وجدوا أن نيوتن يشابه كْرِل في كتابه المُسمَّى "عن الله" (De Deo ) بشكل كبير جدًّا .

و كان يؤكّد على أن وحدة الآب و الابن معنوية و ليست حقيقية . [23]








3- كونترا أثناسيوس !:
أثناسيوس هو أب مسيحي شهير ، له قانون في التثليث اسمه "القانون الأثناسي" . و هو لديه مكانة عظيمة لدى المسيحيين .
و العنوان هو ليس كتاب لنيوتن ، بل كان اسمًا مني أطلقته على كتابات نيوتن ضدّه و الموجودة في المقالة 10 من مخطوطة كاينز (كلمة كونترا كلمة لاتينية تعني ضد ، و كثير من الكتب المسيحية يبدأ عنوانها بكونترا مما يذكرنا بالعداوة العظيمة بينهم كما في قول الله تعالى عن النصارى: " فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " المائدة 14)

في هذا المقال نعت نيوتن أثناسيوس بالكاذب القاتل الزاني الذي استولى على كنيسة الاسكندرية بالفتنة و العنف ضد قوانين تلك الكنيسة ، لأنه تم تجاهله في مجمع صور. و لقد اتهمه بتزوير قصة نهاية آريوس ، حيث أن أثناسيوس لفق قصة موت آريوس في "بيت المستنقع" و ذلك قبيل دخوله في الرعاية الكنسية حتى يصوّر أنه قد تم رفضه بقضاء الله و قدره . و قد أثبت نيوتن كذب القصة ، إذ أن المؤرخين الأوائل كسقراط و سوزومان و روفينوس أخبروا أن آريوس سافر من القسطنطينية إلى صور و القدس ثم إلى الاسكندرية قبل موته و كان من الذين استقبلتهم كنيسة القدس برعايتها و اكتنفتهم بالعشاء المقدس. فهو أصبح مستقيم العقيدة بعد زيارته للقدس و ذلك قبل أن يصل إلى الاسكندرية ! [24]

و كان يرى أن كلمة "هوموأوسيوس" التي أدخلها أثناسيوس كانت شرًّا أفسد الكنيسة. [25]
و اتهمه أيضًا بأنه حرّف الكتاب المقدس . [26]







[gdwl][glow1=660000]أقوال لنيوتن:[/glow1][/gdwl]

"الله قد أرسل محمدًا ليطلع العرب على الإله الواحد" [27]
"سيأتي الوقت الذي الذي تتفجر فيه عقيدة التجسد كتعذُّر عقيدة الاستحالة." [28]
" الابن [يخضع] للآب ، و لا [أ]رى أن آراء الآباء في أول ثلاث أو أربع قرون تتفق مع عقيدة التثليث الحديثة". [29]
" و بذلك ، عندما سمى يسوع نفسه ((ابن الله)) و قال : ((أنا و الآب واحد)) لم يعنِ غير أن الآب كرّسه و أرسله للعالم ". [30]









______________________________________________
[1] The Trinitarian Theology for Dr.Samuel Clarke ,146
[2]William Stukeley, Memoirs of Sir Isaac Newton’s Life, London, 1936, 71
و الشاهد الآخر من Stukeley, op. cit. (5), 70
[3] Abraham de la Pryme, The Diary of Abraham de la Pryme, London, 1870, 23
[4] Keynes MS 130.7, f. 1r
[5] KeynesMS3,p.1(seealsopp.13,31,32(bis))
[6] Brewstir , memoirs , vol 2 , 316
[7] Harrison, op. cit. (11), items 421, 458, 459, 495, 496, 985, 1385, 1534.
و اسم المؤلف بالإنجليزية :" Gyorgy Enyedi"[8] Harrison, op. cit. (11), item 557.
و اسم الكتاب بالإنجليزي ". "The Faith of One God. [9] Harrison, op. cit. (11), item 604
[10] Feingold, op. cit. (18), 344, 361, 365. Faris:Their names in English are " Racovian Catechism & Brevis disquisition & Photinianismus .
[11] 28 In full, there are forty-two separate titles. See Harrison and Peter Laslett, The Library of John Locke,
Oxford,1971,items331,723,876,877,878,879,880,881,8 82,883,883a,884,1062,1960,1377,1378,2508,2509 , 2705 , 2704 , 2697 , 2696 , 2695 , 2694 , 2693 , 2683 , 2577 , 2576 , 2575 , 2574 , 2706 , 2712 , 2711 , 2710 , 2709 , 2708 , 2707 ,3174 , 3170 , 3104 , 3103 , 3009 . Locke also owned four titles by Sand (2549, 2550, 2551, 2748) and one by Enyedi (1052).
[12] Nichols, op. cit. (152), iv, 33; Whiston, Memoirs, op. cit. (47), i, 250
[13] ‘The library of Samuel Clarke’, Enlightenment and Dissent (1997), 16, 187–8, 193, 197
[14] A Collection of Papers, which Passed between the Late Learned Mr. Leibnitz, and Dr. Clarke, in the Years 1715. and 1716, London, 1717, 30, 31
[15] Brewster , memoirs , 644.
[16] Newton, op. cit. (15), iii, 82. Locke sent a copy of the document to Jean le Clerc in Amsterdam.
[17] Newton, op. cit. (15), iii, 195.
[18] 40 A few representative examples are: Keynes MS 2, f. XIr; Keynes MS 3, pp. 1, 39; Keynes MS 8, f. 1r Bodmer MS 1, f. 12r; Williams, op. cit. (33), 316, 392, 398;;
Rees (tr.), op. cit. (37), 29, 34, 57, 151, 196 Lubieniecki, op. cit. (31), 163; Crell, op. cit. (37), 13–22, 190, 214, 222.
[19] A Theological Introduction to the Thirty-Nine Articles of the Church of England, London, 1955.

[20] Mead to Stukeley, 4 April 1727, The Family Memoirs of the Rev. William Stukeley, M.D. (ed. W. C Lukis), 3 vols. London, 1882, i, 424.
[21] J. Crell, Initium Evangelii S. Joannis Apostoli, [London], 1726
[22] Crell to Newton, 16 July 1726, Uppsala Universitetsbibliotek, Wallers autografsamling England och USA hereafter Uppsala). This letter, uncovered
complete, has been left virtually untouched by scholars (after The Correspondence of Sir Isaac Newton (op. cit. (15)) was
. See the abbreviated translation in A. Rupert Hall Further Newton correspondence’, Notes and Records of the Royal Society of London (1982), 37, 33,
[23] Yahuda MS 15.5, f. 154r; Bodmer MS 5A, f. 8r; Rees (tr.), op. cit. (37), 132–3
[24] Lubieniecki, op.cit. (31), 248–9;‘Paradoxical questions concerning the morals and actions of Athanasius.
[25]*The Trinitarian Theology for Dr.Samuel Clarke,154
[26] Yahuda MS 15.5, ?. 177v, 183r–v. Pfizenmaier does not cite these examples.

[27] This report is cited in German in J. Edleston, Correspondence of Sir Isaac Newton and Professor Cotes London, 1850, p. lxxx.
[28] Richard Baron, Preface, Cordial For Low Spirits, 3 vols., London, 1763, i, pp. xviii–xix.
[29] هذا الكلام يرويه ودروعن ماكلارن – عالم الرياضيات الذي صاحب نيوتن آخر أيامه- أنه سمع نيوتن هذا الكلام.. و جعلتها أن في صيغة المتكلم . إذ أن النص يقول :.. يعبر بقوة و جدية عن خضوع الابن.. و كان لا يرى .. و المصدرWodrow, op. cit. (84), iv, 59.
[30] in More, 643

غير معرف يقول...

((((((((((((((((((((((((((((((((((((حوار جاد مع نصراني )))))))))))))))))
شبهات منوعة

السؤال :


كنت أتصفح موقعكم ولقد استمتعت بذلك حيث أنني طالب مسيحي بمدرسة دينية وأرغب في تعلم المزيد. أريد أن أعرف رأيك فيما يلي هل هو صحيح ؟

في الإسلام : الجنة عبارة عن خمر ونساء وغناء. وطريق الجنة يكون بالبعد عن هذه الأمور التي سوف يكافأ بها بالإضافة إلى الالتزام بأركان الإسلام الخمسة.
في الإسلام : لا يبدو أن هناك ضماناً بالنجاة والخلاص. فقط يقال اتبع هذه الطريقة خلال الحياة وستنال الخلاص والنجاة من الله. ليس هناك ضمان. أنا لا أحب أن أعيش كذلك بلا ضمان. أنا أعلم أن المسلمين لا يعتقدون بالخطيئة الأصلية ولكن بغض النظر عن كون الإنسان يولد مخطئاً أو لا ، ألا توافقني بأن الإنسان خطاء وكثير الخطأ؟ ماذا يفعل الإنسان تجاه خطئه ومعصيته ؟ أنا أفهم التوبة لكن يبدو أنه لا يمكن لأحد أن يبلغ النجاة عند الله. ولهذا أرسل الله ابنه ليقتل على الصليب من أجلنا ، من أجل الخلاص من ذنوبنا الحاضرة والماضية والقادمة.
ليس هناك ضمان للنجاة في الإسلام، إن هذا أمر مرعب حقاً أن تعيش بلا ضمان للنجاة. أن تعيش حياتك ولا تدري هل عملت من الأعمال الصالحة ما يكفي لخلاصك يوم القيامة ولا تدري هل صليت بما فيه الكفاية أم لا …الخ إنه أمر مرعب حقاً.
لقد سألت العديد من زملائي المسلمين هل هم متأكدون من دخولهم الجنة أو النار بعد الموت ولكن لم أتلق منهم رداً بالإيجاب. إنه ليس هناك ضمانات في الإسلام لأنه ليس هناك اعتقاد في الخلاص بالإيمان بالمسيح ، إنما يعتمد الإسلام على فعل الشخص وأعماله.
أيضاً: لو أردت أن أصبح مسلمة فإنني لا أستطيع. إذا كان المسلمون يعتقدون أنهم المصطفون من بين الناس فلماذا لا ينشرون دينهم ؟ هل يقتصر الأمر على أن تكون محظوظاً لأنك ولدت مسلماً ؟
إذا أراد شخص أن يكون نصرانياً فإنه يستطيع ذلك. أي شخص يمكن أن يصبح نصرانياً في خلال ثوان. أنا لم أكن نصرانية عندما ولدت . إن النصارى يؤكدون أن عيسى المسيح هو الطريق الوحيد للرب.
عيسى المسيح قال بنفسه أنا الطريق أنا الحق أنا الحياة لا أحد سيصل إلى الأب من غير طريقي إنه لم يقل أنا أحد الطرق بل قال أنا الطريق
وقال أيضاً: أنا والأب واحد.
أنا لا أفهم كيف يكون أي شخص متعامياً عن هذه الحقائق إلا إذا لم يسمعوا بها من قبل.
أنا أرغب في رد وتعليق من قبلك.

الجواب :

الحمد لله

مما نقدّره لك أيها السائل توجهك بالسؤال عن إفادة بشأن ما عرضته عن تصورات لقضايا في دين الإسلام ، ونحن نرجو أن تكون المناقشة لبعض ما كتبت والتصحيح لبعض التصورات التي عرضتها سبيلاً إلى الوصول إلى الحقيقة والاقتناع بها :

1- ما أوردته عن العقيدة الإسلامية حيال موضوع الجنة وأنه نعيم بالخمر والنساء والغناء فيه قصور كبير عن الاعتقاد الصحيح حيال ذلك ، فإن نعيم الجنة ليس نعيما حسيّا جسديا فقط بل هو كذلك نعيم قلبي بالطمأنينة والرضى به سبحانه وتعالى وبجواره ، بل إن أعظم نعيم في الجنة على الإطلاق هو رؤية الربّ سبحانه وتعالى ، فإن أهل الجنة إذا رأوا وجهه الكريم نسوا كلّ ما كانوا فيه من ألوان النعيم ، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين ولا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما ، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ، والمقصود بيان أن نعيم أهل الجنة ليس مقصورا على ما ورد في كلامك بل هو أوسع من ذلك بكثير .

2- ما ذكرته من أن دخول الجنة يتحقق بترك محرمات معينة ليفوز الإنسان بها في الآخرة هو أيضا خطأ كبير بهذا الإطلاق إذ أن الإسلام دين يأمر بالعمل لا بالترك فقط فلا تتحقق النجاة إلا بفعل المأمورات وليس بترك المنهيات فقط فهو قيام بالواجبات وانتهاء عن المحرمات ، وكذلك فإنه ليس كل نعيم الجنة مما كان محرما في الدنيا على سبيل المكافأة بل كم في الجنة من النعيم الذي كان مباحا في الدنيا فالزواج مباح هنا وهو نعيم هناك والفواكه الطيبة من الرمان والتين وغيرها مباح هنا وهو من النعيم هناك والأشربة من اللبن والعسل مباح هنا وهو نعيم هناك وهكذا ، بل إن المفسدة التي تشتمل عليها المحرمات في الدنيا تنتزع منها في الآخرة إذا كانت من نعيم الجنة كالخمر مثلا قال الله سبحانه وتعالى عن خمر الجنة : (( لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون )) فلا تُذهب العقل ولا تسبّب صداعا ولا مغصا ، فطبيعتها مختلفة عما هي عليه في الدنيا ، والمقصود أن نعيم الجنة ليس مقصورا على إباحة المحرمات الدنيوية . وكذلك مما يجدر التنبيه عليه أن هناك من المحرمات التي لا يجازى على تركها في الدنيا بإعطاء نظيرها في الآخرة سواء من ذلك المطعومات أو المشروبات أو الأفعال والأقوال فالسم مثلا لا يكون نعيما في الآخرة مع حرمته في الدنيا وكذا اللواط ونكاح المحارم وغير ذلك لا تباح في الآخرة مع حظرها في الدنيا ، وهذا واضح بحمد الله .

3- أما مسألة وجود الضمانات من عدمها وأن حياة الشخص ستكون رديئة شنيعة على حد تعبيرك إذا لم يكن لديه ضمان بالجنة فالجواب أنّ سوء التصور هو الذي يوصل إلى هذه النتيجة ، ولو أنّك قلت : لو كان كلّ شخص عنده ضمان بالجنة لكانت مصيبة عظيمة إذ أنّه سيفعل كلّ حرام ويرتكب كلّ محظور بهذا الضمان ، وكثيرا ما يفعل المجرمون من اليهود والنصارى ما يفعلون اعتمادا على ذلك الضمان الباطل وصكوك الغفران وطلبات الصّفح من الرهبان ، وقد أخبرنا ربنا عن هؤلاء بقوله : (( وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين ))َ (111) سورة البقرة ، وقضية الجنّة عندنا نحن المسلمين ليست بأهوائنا ولا بأهواء غيرنا كما قال ربنا : (( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا )) (123) سورة النساء

وإليك فيما يلي نبذة مختصرة في الاعتقاد الإسلامي بشأن ضمان المصير :

يقدم الإسلام ضمانا لكل مسلم مخلص مطيع لله حتى يموت على ذلك بأنه سيدخل الجنة قطعا وجزما . قال الله تعالى في محكم تنزيله : (( وَالَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا )) (122) سورة النساء وقال تعالى : (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ )) (9) سورة المائدة . وقال تعالى : (( جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا )) (61) سورة مريم ، وقال : (( قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا )) (15) سورة الفرقان ، وقال : (( لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ )) (20) سورة الزمر ، وكذلك يضمن الإسلام للكافر المعرض عن أمر الله عز وجل بأنه سيدخل النار قطعا وجزما ، قال تعالى :

(( وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ )) (68) سورة التوبة ، وقال سبحانه : (( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ )) (36) سورة فاطر ، وقال تعالى عن الكافرين يوم الدّين : (( هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(63)اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ )) (64) سورة يس . فوعْد الله لا يتخلّف مع الفريقين كما ذكر عن حالهما بعد انتهاء يوم القيامة :

(( وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ )) (44) سورة الأعراف ، فكلّ من آمن وعمل صالحا ومات على ذلك يدخل قطعا الجنة ، وكلّ من كفر وعمل السيئات ومات على ذلك يدخل النّار قطعا ، ثمّ إن من قواعد الإسلام العظيمة ان يعيش المؤمن بين الخوف والرّجاء فلا يحكم لنفسه بالجنة لأنّه سيغترّ ثمّ إنه لا يدري على أيّ شيء سيموت ، ولا يحكم على نفسه بالنّار لأنّ ذلك قنوط من رحمة الله ويأس محرّم ، فهو يعمل الصّالحات ويرجو أن يثيبه الله عليها ويجتنب السيئات خوفا من عقاب الله ، ولو أذنب فإنه يتوب لينال المغفرة ويتقي بتوبته عذاب النّار والله يغفر الذّنوب ويتوب على من تاب ، وإذا خاف المؤمن أن ما قدّمه من العمل لا يكفي على حد تعبيرك زاد في العمل خوفا ورجاء . ومهما قدّم من أعمال صالحة فإنّه لا يركن إليها ولا يغترّ فيهلك بل يعمل ويرجو الثواب ، وفي الوقت ذاته يخشى على عمله من الرياء والعُجب والحبوط كما قال الله تعالى في وصف المؤمنين : (( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ )) (60) ، فهكذا يبقى المؤمن يعمل ويرجو ويخاف إلى أن يلقى الله على التوحيد وعمل الصّالحات فيفوز برضى الربّ وجنّته ، ولو أنّك تمعنت في الأمر لعلمت أنّ هذه هي الدوافع الصّحيحة للعمل ، وأنّ الاستقامة في الحياة لا تحصل إلاّ بهذا .




4- وأما ما أوردته حيال مسألة الخطيئة الأصلية فالكلام عليه من عدّة جهات :



الأولى : أن موقف العقيدة الإسلامية حيال الذنوب البشرية هو : أن الشخص كما يتحمّل تبعة عمله ولا يتحمّلها غيره فكذلك لا يتحمّل هو تبعة عمل غيره ، كما قال عز وجل : (( ولا تزر وازرة وزر أخرى )) ، ففكرة الخطيئة الأصلية منتفية بهذا فإذا أخطأ الأب فما ذنب الأولاد والأحفاد أن يتحملوا خطيئة عملها غيرهم ، إنّ العقيدة النصرانية التي تحمّل الذرية خطأ أبيهم هي عين الظّلم ، فهل يقول عاقل أنّ الذّنب يتسلسل عبر قرون البشرية ، وأنّ ذنب الجدّ يلطّخ الأولاد والأحفاد والأجيال ؟؟

الثانية : أنّ الخطأ من طبيعة البشر وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم : " كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ " . رواه الترمذي 2423 ، لكن الله لم يجعل الإنسان عاجزا عند حصول الذّنب لا يملك أن يفعل شيئا حياله بل أعطاه الفرصة وفتح له الباب للتوبة والعودة ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في تكملة الحديث السابق : " وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ . " ، وتظهر رحمة الربّ في شريعة الإسلام جليّة عندما ينادي سبحانه وتعالى عباده بقوله : (( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )) (53) سورة الزمر . فهذه طبيعة النفس البشرية وهذا سبيلها وحلّ مشكلتها إذا أذنبت ، أما أن تجعل هذه الطبيعة البشرية وهي طبيعة الخطأ سداً منيعاً بين العبد وبين الرب وأن العبد لا يقدر على بلوغ مرضات الرب إطلاقا إلا بأن يُنزل لهم ابنه ( المزعوم !! ) ليُصلب ذليلاً مهانا تحت سمع وبصر ( أبيه !! ) فعند ذلك يغفر للبشرية فأمر في غاية العجب والسّخافة ومجرّد حكاية هذا الكلام الباطل يُغني عن الردّ عليه ، وقد قلت مرة لشخص نصراني ونحن في نقاش هذه المسألة إذا كنتم تقولون أنه أنزل ابنه ليصلب فداء للبشرية الذين في عصره أو الذين سيأتوا بعد الصّلب فما هو ياتُرى حال الذين أذنبوا وماتوا مُذنبين قبل ولادة المسيح ولم يتسنى لهم أن يعرفوا المسيح ليؤمنوا بعقيدة الصّلب المذكورة ليغفر لهم ؟ ، فلم يزد على أن قال : بالتأكيد عند قساوستنا ردّ على هذا الإشكال ! ولو وُجد فإنّه تلفيق فماذا عساهم يقولون .

وأنت إذ استعرضت العقيدة النصرانية حيال موضوع الخطيئة البشرية بعقل منصف وجدتهم يقولون أن الرب قد ضحى بولده البكر الوحيد ليكفر بذلك خطايا البشر وهذا الابن إله فلئن كان الإله قد ضرب وشتم وصلب فمات فإن هذه العقيدة تحمل في طياتها الإلحاد فيه سبحانه وتعالى واتّهامه بالتخاذل والضّعف . وهل الرّب عاجز عن غفران ذنوب العباد كلّهم بكلمة واحدة منه ، إذا كان كذلك وهو على كلّ شيء قدير ( والنّصارى لا يعترضون على هذا ) فما الذي يجعله إذن يُضحّي بولده من أجل ذلك ( تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوا كبيرا ) ،

(( بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )) (101) سورة الأنعام ، وإذا كان الشّخص العادي لا يرضى أن يُمسّ ولده بسوء بل يُدافع عنه ولا يُسْلمه إلى عدوّ لينال منه أو يسبّه ويشتمه فضْلا عن أن يتركه يواجه مصير القتل صلبا بأبشع القتْلات ، إذا كان هذا حال المخلوق العادي فكيف بالربّ .

الثالثة : إن عقيدة التكفير عن الخطيئة الأصلية التي يعتقدها النصارى لها أثر سلبي على واقع الحياة البشرية إذ أن العقيدة النصرانية كما أوردت لا تفرض على الإنسان أي التزامات فما عليه إلا أن يعتقد أن الله قد أرسل ابنه إلى هذه الأرض ليصلب فيموت تكفيرا لأخطاء البشر فيكون بذلك نصرانيا يضمن بذلك الفوز برضى الرب ويدخل الجنة ، وليس هذا فحسب بل يعتقد أن كل ما حدث بابن الله إنما هو لتكفير خطاياه السالفة والحاضرة والمستقبلية ولا تتساءل بعد ذلك عن سبب ما تعيشه المجتمعات النصرانية من تزايد حالات القتل والاغتصاب والسرقة وإدمان الكحول إلى غيرها من الخطايا .. أليس المسيح قد مات لتكفيرها وقد كفّرت ومُحيت فلما لا يتوقّفون عن عمل المعاصي . وقل لي بربّك لماذا تُعدمون القاتل أحيانا ، وتسجنون المجرم ، وتُعاقبون بالعقوبات المختلفة إذا كان المجرم في نظركم قد كفّرت ذنوبه وغُفرت سائر جرائمه بدم المسيح ؟ أليس تناقضا عجيبا ؟

5- ما أوردته في كلامك من أن المسلمين ما داموا يعتقدون أنهم المصطفون من البشر فلماذا لا ينشرون عقيدتهم ، فالجواب أنّ المخلصين منهم العاملين بالكتاب الكريم قد قاموا بذلك وإلا فما الذي أوصل الإسلام من مكة إلى أندنوسيا وسيبريا والمغرب والبوسنة وجنوب أفريقية وسائر بلاد الشّرق والغرب ، والأخطاء الموجودة في سلوكيات بعض المسلمين اليوم لا يتحمّلها الإسلام وليس سببا فيها بل إنّها لم تحصل إلا نتيجة مخالفة الإسلام ، وليس من العدل أن يُحمّل المنهج أخطاء بعض أتباعه الذين خالفوه وانحرفوا عنه . أليس المسلمون أعدل من النّصارى عندما يُقرّون بأنّ المذنب مهدّد بعقاب الله مالم يتب وأنّ من الذّنوب ما فيه حدّ يردع في الدّنيا ويكون كفّارة في الآخرة كحدّ القتل والسّرقة والزّنا .. إلخ .

6- وأما ما ذكرته من سهولة الدّخول في النّصرانية بالنسبة للإسلام فخطأ ظاهر فإن مفتاح الإسلام عبارتان لا غير : أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله يدخل بها الشخص الإسلام في ثوان لا يحتاج إلى تعميد ولا قسّيس ولا ذهاب إلى مكان معيّن لا مسجد ولا غيره ، قارن بين هذا وبين إجراءات التعميد المُضحكة التي يفعلها النّصارى إذا أرادوا إدخال شخص في النّصرانية . ثمّ يقدّس النّصارى الصّليب الذي آذى عيسى لما صُلب عليه - بزعمهم - وآلم ظهره وأوجعه فيجعلونه مقدّسا وبركة وشفاء بدل أن يذمّوه ويكرهوه ويعتبروه رمزا للظلم وشكلا بشعا لموت ابن الإله !! وهو الذي أوجع ظهره وحرمه النّوم .

7- ألا ترى معي بأنّ المسلمين أولى بالحقّ من غيرهم وهم يؤمنون بجميع الأنبياء والمرسلين ويجلّونهم ويعتقدون أنهم على الحقّ والتوحيد جميعا وأنّ كلا نبّأه الله أو أرسله إلى قومه بشريعة تُناسب ذلك الزّمان والمكان ، إنّ النّصراني المُنصف إذا رأى أهل الإسلام يُؤمنون بموسى وعيسى ومحمد عليهم صلوات الله وسلامه وبالتوراة والإنجيل الأصليين والقرآن الكريم ، ثم يرى بني قومه من النّصارى يكفرون بمحمد صلى الله عليه وسلم ويجحدون نبوته ويكذّبون بكتابه ، ألا يقوده إنصافه إلى ترجيح كفّة المسلمين ؟

8- أما ما ذكرته من أن قول المسيح : لا أحد يستطيع أن يصل إلى الأب إلا من خلالي . فإنه لا بدّ من إثبات هذه المقولة وصحّة نسبتها إلى عيسى أولاً ، وثانيا : إنّها واضحة البطلان فكيف عرفت البشرية الله في عهد نوح وهود وصالح ويونس وشعيب وإبراهيم وموسى وغيرهم من الأنبياء ؟ ولو كانت المقولة إنّ بني إسرائيل في عهد عيسى عليه السلام وعصره وما بعده إلى عهد خاتم الأنبياء محمد عليه السلام - لا يستطيعون الوصول إلى دين الله وشريعته إلا من طريق عيسى عليه السّلام فقط لقلنا إنّ ذلك قول صحيح وعبارة وجيهة .

9- أما ما ختمت به من قول المسيح أنا والأب واحد فهذه عقيدة مرفوضة ولو سلكت سبيل الإنصاف وتجرّدت عن الهوى لتبيّن لك أن قولة : " أنا والأب " ، مركبّة من معطوف ومعطوف عليه وأداة العطف بينهما ، والعطف في علم اللغة يقتضي التّغاير أي أنّه شئ والأب شئ آخر ، ولو قال شخص أنا وفلان لعلم كلّ عاقل أنهما اثنان مختلفان ، ومعادلة 1+1+1=1 هي معادلة مرفوضة عند جميع العقلاء من الرياضيين وغيرهم .

وختاما أوصيك وما أظنك ترد ذي الوصية أن تقوم لله متفكراً في نفسك فيما قرأت من الكلام متجرداً عن أيّ خلفيّة أو مقالة سابقة وعن كلّ هوى أو عصبية صادقاً في طلب الهداية من الله وحده ، والله أكرم من أن يخيب عبدا هذا شأنه . والله الهادي إلى سواء السبيل ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .

الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد (www.islam-qa.com)
?????????????شبهات من نصراني حائر
شبهات منوعة

السؤال :


_ قرأت في الصحيفة أن 15 % من القرآن يتحدث عن المسيح ؛ وكذلك فقد قرأت في النسخة الإنجليزية (لمعاني) القرآن أن محمدا كان يؤمن بالمسيح وإبراهيم وبجميع الأنبياء وبكتبهم التي سبقت القرآن . إذا كان الأمر كذلك ، فلماذا يقبل القرآن ببعض التعاليم الواردة في الكتاب المقدس , مثل معجزات المسيح ، وعدم وقوعه في المعصية، وأنه نبي … إلى غير ذلك ، ويتناقض مع العديد من التعاليم الواردة فيه مثل لاهوت المسيح كما ورد في "جان" 1:1 ، و3:16 ، وتألم المسيح وموته تكفيرا عن خطايا البشر كما ورد في العهدين القديم والجديد ؟
_ إذا كان القرآن خاليا من الخطأ، فلماذا توجد كل هذه الطوائف في الإسلام مثل "شوهيت " و" الشيعة" على التوالي؟
_ لماذا يسمح القرآن بتعدد الزوجات, بينما يمنع الكتاب المقدس من ذلك كما ورد في "يوحنا." 2:24 و"متى " 19:5 ؟
إن روحي تبحث عن الحقيقة.

الجواب :

الحمد لله

أولاً : إن الله تبارك وتعالى قد أكثر من ذكر المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام في كتابه لأسباب عديدة منها :

1 _ أنه نبيٌّ من أنبيائه ، بل ومن أولي العزم من رسله إلى خلقه وعباده ، والإيمان به واجب كباقي الأنبياء كما أمر الله سبحانه بقوله { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } البقرة/36 .

2 _ إن أولى الناس بالعناية الدعوية هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ؛ وذلك أنهم أقرب الأمم ممن جاءتهم الرسل من آخر الأمم التي بعث فيها آخر الرسل ، وقد علم كلٌّ من اليهود والنصارى مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، وأوصافه مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل ، والواجب أن لا ينكروها وأن يسارعوا إلى الإيمان به ؛ لأنهم يؤمنون من قبل بالرسل خلافاً لغيرهم من عبدة الأوثان ، فلما لم يكن منهم ما أُمروا به من الإيمان بآخر الرسل عليه الصلاة والسلام : كان لابد من الرد عليهم وتبين ما آلو إليه من تحريف التوحيد والأحكام فكثر ذكرهم في الآيات لذلك .

3 _ وهو أصل الأصول ، وعليه قوام الدين والدنيا ، وبه تكون النجاة من النار ، والدخول إلى الجنان ، وهو تقرير التوحيد لله الواحد الأحد ، وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا في عيسى عليه السلام فقالت اليهود : هو دجَّال أفاك كذاب مفتر على الله وجب قتله ! والنصارى كان خلافهم أشد، فمنهم من قال : إنه الله ! ومنهم من قال : إنه ابن الله متحد مع الله في الأقانيم ، في الظاهر ابن الله وفي الحقيقة الله ! ومنهم من قال : هو ثالث الأقانيم التي هي مرجع أصل التوحيد ومدار التثليث ! وآخرون قالوا : بل هو رسول من عند الله وبشر كسائر الخلق لكن الله خصه بمعجزات ليقيم الحجة على العباد ، والآخِرون هم المصيبون فكان لابد من تفصيل الحال وبيان حقيقة الأمر وإظهار عيسى بما يليق به ولا يُنقصه كسائر الأنبياء والمرسلين أنه بشر مخلوق من طين اختاره الله عن سائر البشر ليكون من غير أب إظهاراً لقدرة الله على إيجاد الخلق مع زوال الأسباب ، وإن مثل عيسى عند الله كمثل آدم كما قال الحق سبحانه : (( إن مَثَل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون )) آل عمران/59 فهذا الفيصل في خلق نبي الله عيسى مع إعجازه أمام أعين البشر وآدم عليه السلام أكثر إعجازاً منه .

فإن كان عيسى عليه السلام وُلد من غير أب : فإن آدم خلقه الله من غير أب وأم وهذا أدعى لإظهار قدرة الله سبحانه وتعالى في الخلق والإبداع وأعظم إعجازا من خلق عيسى عليه السلام فلكل ذلك وغيره كان لابد من التفصيل في أمر عيسى عليه السلام ووضع الأمور في نصابها وبيانها على حقيقتها .

والخلاصة : أن المعجزات التي وهبها الله تبارك وتعالى لعيسى عليه السلام إنما هي كسائر معجزات الأنبياء للتدليل على صدقه وأنه رسول الله حقّاً فخلط المحرِّفون هذه المعجزات على بسطاء الناس ، وجعلوا من معجزاته وسلية للقول بأنه ابن الله أو أنه الله ، وهذا كله تحريف لتعاليم المسيح ورسالة المسيح عليه السلام .




ومن ثم لو أن كل من اتبع نبيّاً جعل من معجزاته التي وهبه الله إياها أنَّه إلهٌ لكان كل الأنبياء آلهة فما من نبي إلا وتميز عن غيره بمعجزاته فالجبال سبَّحت مع داود عليه السلام وما سبحت مع عيسى ، والبحر شُق لموسى وكلَّم ربَّه وكلمه ربُّه فكان كليم الله وما كان هذا لعيسى عليهما السلام ، ونوح أغرق الله الأرض بدعائه وما كان هذا لعيسى ومحمد صلى الله خصه الله بكلامه وحفظ له معجزته من الزوال والتحريف وبعث للناس كافة وكان له من المعجزات ما لم يكن لعيسى فهل يجوز أن يكونوا آلهة ؟!



ثانياً : أما القول أنه إذا لم يكن القرآن محرَّفاً فلمَ توجد هذه الفرق الكثيرة من شيعة وغيرها من الفرق ؟

والجواب على هذا السؤال : أنه لا دخل للقرآن بصواب النَّاس وخطئهم ؛ لأن القرآن الكريم هو سبيل الهداية للنَّاس وهذه الفرق قد حذَّر الله تبارك وتعالى منها ، ونهى أن نتشبه بالأمم التي فرَّقت دينها كما قال الله تبارك وتعالى :{ ولا تكونوا من المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون } الروم/31-32 ، وقال الله تعالى { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم } آل عمران/105 ، وأمرهم الله سبحانه بالاعتصام بكتابه واتباع سنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم فقال : { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون } آل عمران/103 ، وقال سبحانه { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع بصير } الحجرات/11 أي : لا تقولوا قولاً ولا تفعلوا فعلاً خلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

فالمراد : بيان أن الله تبارك وتعالى نهى الناس عن الفرقة وأمرهم بالاجتماع فاتَّبعوا أهواءهم وتترسوا خلف شهواتهم وشبهاتهم ونبذوا كتاب الله خلف ظهورهم وإن حملوا آية من كتاب الله لم يرجعوا في فهمها إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل يكون الرأي عندهم هو الحكم وعقلوهم الفاسدة هي المرجع وكل ذلك ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثالثاً : أما السؤال عن تعدد الزوجات في الإسلام ومنعها في العهد الجديد : فاعلم أن الله تبارك وتعالى جعل لكل رسول شرعةً ومنهاجاً فما مِن نبيٍّ أرسله الله إلا وأمره بالتوحيد ، وأما الشرائع فكانت مختلفة ناسخة لبعضها البعض ، فما كان جائزاً في زمن آدم عليه السلام من الأحكام والشرائع نُسخ بعضُه في زمن نوح عليه السلام . وما كان في زمن موسى نسخ بعضه في زمن عيسى عليه السلام وهذا كما قال الحق سبحانه وتعالى : { لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً } ، فإذا فهمت هذا فاعلم أن تعدد الزوجات لم يكن في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وحسب بل كان التعدد في شرائع الأنبياء السابقين ومثاله أن يعقوب عليه السلام قد تزوج من امرأتين وجمع بين أختين على ما ذكر في العهد القديم من سفر التكوين في الباب التاسع والعشرين ( 15 – 35 ) .

وأبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام كان قد تزوج من امرأتين وهما هاجر وسارة وذكر العهد القديم أن نبي الله داود تزوج نساء كثيرات كما جاء في سفر صموئيل الثاني [ 3 : 2 _ 5 ] ، وغير ذلك مما يبين لك أن كلَّ نبيٍّ من الأنبياء يطبق ما شرع الله له من الأحكام ، وأن تعدد الزوجات ليس خاصّاً بهذه الأمة ، وأما منع النصارى من هذا التعدد فيمكن أن يكون لسببين :

الأول : أنه من شرع الله ، وهذا واجب التطبيق قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم . والثاني : أنَّهم ابتدعوه من عند أنفسهم تشديداً عليها كما فعلوا في الرهبانية التي ابتدعوها ولم تكن قد كتبت عليهم لكن أرادوا منها أن يرضوا الله عز وجل بها .

والله اسأل لك الهداية والتوفيق لبلوغ دين الحق وهو الإسلام وعلى سنة نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام بفهم أصحابه الغر الميامين الكرام . والله الهادي

غير معرف يقول...

((((((((((((((((((تاتا تاتاااا)))))))))))))))))))))))=============================لي أبن يبلغ من العمر سنة وستة أشهر

وهو لا يستطيع أن يتكلم إلا بعض الكلمات البسيطة مثل
بابا وماما
أمبوووو ( يقصد الماء )
كما أنه يقول لأخيه الصغير الذي يبلغ من العمر شهر ونصف
**** نونو ****
وبالأمس إصطحبت إبني هذا إلي محل جاري المسيحي
وكنا نتكلم سوياَ أنا وجاري هذا
وفجأة
قال إبني "" نونو ""
فنظرت اليه مستغربا وقلت له
النونو في البيت مع ماما
ثم وجدته يكرر ويقول
نونو , نونو
ويشير الي صورة علي الحائط عند جاري المسيحي بداخل محله
ونظرت إلي الصورة أنا وجاري المسيحي
وكانت صورة للعذراء تحمل المسيح وهو صغير
مثل هذه الصورة


وأخذ إبني يكرر ويقول نونو ، نونو
ثم نظرت الي جاري المسيحي وضحكت بصوت عال
وتبسم هو إبتسامة صفراء باهتة
فقد فهم لماذا أضحك ؟؟؟
ثم أخذت إبني وأنا أضحك وأقول
أيوة "" نونو""
أما جاري هذا فقد إحمر وجهه وإصفر , وأتت عليه جميع الوان الطيف
ولم ينبس ببنت شفة إلا إبتسامته الباهتة
ولم يعرف ماذا يقول فقد تلقي صدمة
من طفل عمره سنة وستة أشهر
هذا الطفل نطق بالفطرة فقد عرف إبني
أن الذي بالصورة بشر وكماااااااااااااان
"" نونو ""
وهذا بالفطرة
???????????????????

إذا جاع الطفل الإله هل سيبكي مثل بقية الأطفال ؟؟ الإجابة عندهم نعم ..

جدلاً لو فرضنا أن أم الإله توقفت عن رضاعة طفلها الإله ، ماهو مصير هذا الإله ؟؟

سبحان الله عما يصفون .. أَيُّ كمالٍ هذا الذي يرتبط بِرَضْعة يا عقلاء ؟
__________________
" يا أيها الذين آمنوا ان تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين " (آل عمران:149)


???????????????
Lk:2:7:
7 فولدت ابنها البكر وقمطته واضجعته في المذود اذ لم يكن لهما موضع في المنزل (SVD) قمطته يعن حطته فى اللفة

الرب لم يكن مختونا وختـنووووووووووووووووووووووووووووووووه
Lk:2:21:
21. ولما تمت ثمانية ايام ليختنوا الصبي سمي يسوع كما تسمى من الملاك قبل ان حبل به في البطن (SVD)

الرب ضعيف ويتقوى كان فارغا من الحكمة ( جاهل يعنى)
Lk:2:40:
40 وكان الصبي ينمو ويتقوى بالروح ممتلئا حكمة وكانت نعمة الله عليه (SVD)
Lk:2:52:
52 واما يسوع فكان يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس (

غير معرف يقول...

(((((((((((((((((((((((((((ماما انا لا احب الرسول محمد !!!)))))))))))))))
هكذا قالها لا تستغربوا

دخل الطفل من إحدى الجنسيات العربية وهو في المرحلة
الابتدائية إلى البيت فسألته أمه كيف قضى يومه في مدرسته الأجنبية ..

قال الطفل

ماما

أنا لا أحب محمد !
قالت الأم : ومن هو محمد ؟
قال

الرسول المسلم

تقول الأم و هي تشكي هذا الموضوع لإذاعة القران الكريم .. وكانت عبرتها تخنقها .. !
تكمل قائلة :
أحسست بصدمه كبيرة .. فنحن عائله ملتزمة ..
فكيف يخرج ابني بهذا الفكر !
تقول
لم اهتم بتعليمه الصلاة فهو الى الآن لم يكمل حتى التاسعة من عمره !
قالت له بعد ان حاولت ان تفهم منه
محمد عليه السلام هو رسولنا و حبيبنا
كيف تقول هذا الكلام !
قال : لأنه لايعطيني الشوكولاته ..!
تقول الأم

استغربت قوله هذا ..

وقالت له
وهل رأيته أنت حتى يعطيك؟؟

قال : لا

و لكن اليوم قالت لنا المدرسة ان محمد سوف يأتي

بروحه الى المدرسة .. و المسيح سوف يأتي .. و سنرى من تحبون و من هوالكريم !!
طلبت المعلمة من الأطفال أن يغمضوا أعينهم و يضعوا رؤوسهم على الطاولة ..
أمتثل التلاميذ لها ..
وقالت الآن سيأتي محمد و سنرى هل يعطيكم هديه ام لا !
بعد فترة
قالت لهم افتحوا أعينكم ..
وعندها لم يجدوا شيئا
.. فأصاب الأطفال الإحباط ..!
و قالت
لنرى ماذا سيعطيكم المسيح ؟!
أغمضوا أعينهم مره أخرى ..
وعندما فتحوها وجدوا الشوكولا ..

===============

انظر لخبث هؤلاء النصارى و كيف هي طريقة تفكيرهم .. يحاولون تنصير الأطفال عن طريق أشياء محببة لديهم !



انتبه اخي لأطفالك .. انتبهي أختي لأطفالك .. واتقوا الله فيهم .. تلك المدارس الأجنبية ليست سوى مراكز تنصير في البلاد الاسلامية ، وربما يكونون في الدول المسلمة والمعلم النصراني وغيره يسعون طبعاَ ليس فقط في حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم بل حتى في الصحابه والمشايخ والصالحين.


منقول .????????????
ودائماً نحــــن .. أسواقهم
ودائماً أموالنا .. أسلحة ضدنا لهم
ودائماً أولادنا أكبادنا .. نسلمها لهم على أطباق من جهل

حسبنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــا الله ونعـــــــــــــم الوكيــــــــــــل????????????
النصارى يتعاملون معنا بمنطوق المحبة .......ويسرقون أولادنا من وراء ظهورنا
ذكر الشيخ محمد الغزالى فى أحد كتبه:
أن الشيخ عبد الله كنون(أظنه أحد علماء المغرب )فى إحدى زياراته لأوربا يقول :
أذكر للإعتبار أنى كنت فى أسبانيا ذات مرة وصادف وجودى فى غرناطه يوم الإثنين . وهو يوم تعطل فيه الصحف الأسبانية
ولاتصدر إلا جريدة واحدة تسمى صحيفة الإثنين .فاخذت هذه الجريدة لأنظر فيها أخبار اليوم ...فإذا داخلها ملحق صغير للأطفال
.يكاد يستغرقه كله مقال رئيس بعنوان "محمد النبى المزيف " كُتب بلغة سهلة بسيطة ولكنها مليئة بالهزء والسخرية...وقد بُنى المقال على فكرة أن القرآن مقتبس من التوراة والإنجيل إقتباسا مشوها .لأن صاحبه كان أُميا لايعرف قراءة ولا كتابه .....!!
وهكذا يعمل النصارى على تنشئة أبناءهم منذ الصغر على احترام عقيدتهم ....وازدراء الآخرين ..! ......فهل نعى ؟؟؟؟؟؟؟
امادو???????????

إنها و الله لداهية الدواهى
لا أقصد ما قاله هذا الطفل الصغير
و لكن الداهية هى أمه التى أنجبته و لا تعلم لِمَ أنجبته , بل لا تعلم لم تزوجت أصلاً .
فهى كالكثيرين , تتزوج لان الناس يتزوجون و تنجب لان الناس ينجبون .

فهذه الأم لم تعلم ابنها الصلاة و قد بلغ التاسعة !!!!!!
ثم تلحقه بمدرسة نصرانية يمكث فيها أكثر من نصف يومه !!!!!
ثم تستنكر على الولد عدم حبه للنبى صلى الله عليه و سلم !!!!!!!
شوف إزاى ؟؟!!!!!!
بل و الأعجب من ذلك أنها ( و بعد ذلك كله ) تدعى لنفسها و أسرتها الالتزام !!!!!!!!!

و هذا هو ما يسمى بالجهل المركب , ان تجهل الشئ و تجهل انك تجهله .
فهى لا علاقة لها بالالتزام و تدعى لنفسها و لاسرتها الالتزام , بل و تصدق ذلك لدرجة استنكارها ما يقوله ولدها من عدم حبه للنبى صلى الله عليه و سلم !!!!!!!!!!!!

لاحول و لا قوة إلا بالله
الأم قد تحترق حزنا على ابنها لانه لم يأكل او ينجح او يعمل , و فى الوقت ذاته لا تبالى بكونه ميتاً يمشى على رجلين !!!!!!

إن هذا لشئ عجاب !!!!!!!!!!!!!??????????????????


الفكرة او الطامة الكبرى هى ما يفعله المسلمون بأبنائهم
حين يترك الوالد ابنه فى مدرسة نصرانية اكثر من نصف يومه يتعامل فيها مع النصارى و يلعب معهم و يحبهم و يندمج فى مجتمعهم , أليس الوالد بذلك يساهم بنفسه فى تنصير ابنه ؟!
أليس الوالد بذلك يقتل فى قلب ابنه عقيدة الولاء و البراء ؟!

و أقول لك ان هوجة هذه المدارس النصرانية ما هى الا شكل من اشكال التنصير الذى لا يلتزم باطار القسيس الذى يجمع الناس حوله و يبشرهم .


اقتباس:
غير مسجل
بارك الله فيك أختنا نصرة الإسلام
الأدهى من ذلك الإتيان بخادمات كافرات بالله من كل الطوائف والملل ويظل الطفل رهنا عندها حتى يعود الأبوين من العمل (الترفيهى بالطبع )فهم ليسوا بحاجه لهذا العمل ...وإنما واجهة إجتماعية
تعلمه هذه الخادمة كل شيئ مخالف للعقيدة والإسلام ....وكم سمعت من أرباب هذه المشاكل ما يوغر له الصدر ويدمى له القلب من قصص الخيانة وتنشئة الأولاد على تقديس الصليب وبوذا والبقرة فى بعض الأحيان
والله لقد كان الفقر مؤدب ......ولاأحسب هذا إلا مطل الغنى

امادو ??????????

غير معرف يقول...

((((((((((((((((((((((((البقااااء لله يانصاري؟؟؟تعزية حارة لآم النور؟؟؟))))))))))))


مات ربى . مات الله ، ابن الله ، " الوحيدالذى هو فى حضن ( الله ) الآب " يو1/18 .
مات ربى ، ملعونا من الله الآب " لأنه مكتوب ملعون كل من عُلّق على خشبـة " غل 3/13
مات ربى ، قتيلا بيد اليهود ، رغم أن أباه " يعود ويرحمهم استجابة لطلبة الرب يسوع : ( يا أبتاه اغفر لهم ... ) لو 23/34 ، فإن الله قد اعتبرهم قاتلين سهوا للرب يسوع " (1) !!!! .
مات الإبن الذى ضحى به أبوه ، بعد أن استرحم أبا الآب فلم يرحم ، مات صارخا : " لَمَا شبقتنى " مت 27/46 .
مات ربى ، بعد أن " تذلل ولم يفتح فاه ، كشاة تساق إلى الذبح ، وكنعجة صامتة أمام جازيها ، فلم يفتح فاه " إش 53/7 .
مات ربى وإلهى ، مات معبودى من دون الحى الذى لا يموت " بل العبادة هى لهذا الإله المتجسد " (2) .
مات ربى وإلهى . دفنه يوسف " ودحرج حجرا كبيرا على باب القبر " !!!! مت 27/60 .
مات ربى ، كيوم ولدته أم ربى ، عريانا مكشوف السوأتين .
مات ربى وإلهى ، جلدوه ، ولكموه ، وضربوه بالقصبة ، وبصقوا عليه ، وألبسوه إكليل الشوك .
مات رب العزة ، ديان الخليقة ، بيد أحقر وأذل خليقته : اليهود " الذين قتلوا الرب يسوع وأنبياءهم " 1 تس 2/15 .
مات ربى ، مالك الملك ، و " ليس له أين يسند رأسه " مت 8/21 ، لو9/58 .
مات ربى ، " أبو اليتامى " مز 68 / 5 ، وإن كان لم يكفل يتيما ، أو يمسح دمعة يتيم .
مات ربى ، " قاضى ( المدافع عن ) الأرامل " مز 68/ 5 ، القائل مستنكرا " من أقامنى عليكما قاضيا ؟ " لو 12/14 ، ولم ينصف يوما أرملة .
مات ربى ، ملك السلام ، الذى لم يمسك هراوة أو نبلا ، ودفع الجزية للرومان ، برغم أنه المعنىّ بـالنبوءة " تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار ... وبجلالك اقتحم . اركب ... نبلك المسنونة فى قلب أعداء الملك ، شعوب تحتك يسقطون " !!!! مز 45/ 3 – 5 .
مات ربى ، " ملك اليهود " مت 2/ 2 القائل عن غيرهم من الأمم : " ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب " مت 15/26 ، " لا تعطوا القدس للكلاب ، ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير " مت 7/6 " .
مات ربى وإلهى ، ناعيا على تلاميذه : " كلكم تشكون فىّ فى هذه الليلة " مت 26/31 ، و " من ثمارهم تعرفونهم " مت 7/16 .
مات ربى ، وقد تنكر له أهله وإخوته " ولما سمع أقرباؤه خرجوا ليمسكوه ، لأنهم قالوا إنه مختل " مر 3/21 ، " لأن إخوته أيضا لم يكونوا يؤمنـون به " يو 7/5 .
مات ربى وإلهى ، " لأنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة " عب 9/22 .
مات ربى ، " لكى يبيد بالموت ذاك الذى له سلطان الموت ، أى إبليس " عب 2/14 ، و " لينزع عنه كل سلطانه على البشر " (3) .


مات ربى وإلهى ، يقول القوم : " أنه بعد أن أسلم الروح ، طُعِن بحربة ، فخرج للوقت دم ومـاء يو 19/34 وهذا لا يمكن خروجه من أجساد الموتى البشريين" (4) .

ربى وإلهى : ما أعظم أجساد الموتى الإلهيين وأقدسها . إنها تفعل ما لا تفعله أجساد الموتى البشريين . شتان بين جسد أموات الآلهة ، وجسد أموات البشر ، هكذا قال لنا القساوسة الذين قلتَ فيهم " مَن غفرتم خطاياه تغفر له ، ومن أمسكتم خطاياه أُمسِكتْ " يو 20/23 . كَمْ هو عظيـم سـر التقـوى الإلهيـة .


ولكن لى سؤال عن هذا المـاء والـدم الإلهى الذى خرج من جنبك بطعنة الحربة : هل هو ماء نقى ، صافٍ ، طاهر ، معقم ، أم أنه مما يليق بأنابيب الصرف الصحى ؟ .
مع عظـيم الاعتـذار سيدى وإلهى . إذن لنـدَعْ ما يُعتـذَر منـه .

وهذا الدم الإلهى ، يقول الأنبا يوأنس : " يقول الكتاب المقدس عن دم المسيح أنه دم أزلى (عب 9/14 ) وأنه دم الله ، كما يقول بولس لقسوس أفسوس أن يهتموا برعاية كنيسة الله التى اقتناها بدمه ، فإذا كان الدم الذى سال على الصليب يوصف بأنه دم الله ... " (5) .


ربى وإلهى : هل يوجد الدم الأزلى إلا فى أوعية دموية أزلية ، تكونتْ وامتدتْ وتفرعتْ فى جسد أزلى ؟ ؟ منذ الأزل : قبل خلق الزمان ، والمكان .
جسدك : لحمك وعظامك ، شَعرك وبَشَرُك ، جلدك وعَصبك ، غددك وأحشاؤك ، دمك وإفرازاتك ، كلها أزلية ؟ ؟ ؟ ما أقدس هذا ، وما أروعه ، كم أنت عظيم يا إلهى .


أم كان الدم الأزلى فى سَحّاحَةٍ أزلية ، تساقطت قطراته فى رحم العذراء ، على مراحل تكوين الجنين ، ابن المبارك ؟ ؟ .


ربى وإلهى ، لا يليق بالدم الأزلى أن يخرج من فتحة يستقذرها الكهنة والقساوسة والرهبان ، من مخـرج بـول أنـثى ؟ ؟ " مولودا من امرأة ، مولودا تحت الناموس " غل4/4 .
لِمَ لَمْ تخرج من فمها مثلا ؟ ؟ فتكون المعجزة أكبر ، وأظهر ، وأطهر . بعيدا عن موضع الدنس والنجاسة ومستقذرات الكهنة ... ؟ وما يخدش الحياء من عورات النساء ؟ ؟


يقول القساوسة عن ربى : " أن لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين " (6) حتى وهو فى القبر .
فما كُنْـه علاقة اللاهوت بجسـدٍ ميـتٍ ، رهـين القـبر ؟ ؟ طريـح التـراب ؟ ؟

كما يقولون إن " القديس توما ( الشكّاك ) عندما وضع يده فى جنب الرب ، كادت تحترق يده من نار اللاهوت " (7) . بربك ، كيف أن يوسف ونيقوديموس اللذين لفّا جسدك بالأطياب والأكفان لم يدركا هذه النيران المشتعلة ؟ ؟ لم تلسع أياديهما ؟ مع أن " اللاهوت لم يفارق الناسوت لحظة واحدة " .


ويقولون : " فالمتألم إله ، تكبر آلامه وإهانته بما لا يقاس ، فهو غير محدود ، فآلامه غير محـدودة ، ولذا ظلت آثار الصليب ( المسامير والحربة ) على جسده الممجد حتى فى السماء " (8) .

ربى وإلهى : ما زلت تعانى عذابا لا نهائيا ، غير محدود ، ولا محصور ، دائما لا ينقطع ولا ينقضى ؟ ؟ ؟ سرمديا بمقدار طلاقة قدرتك ، ومجدك ، وعظمتك ، وسلطانك ، ومحبتك ... اللانهـائية ، واللامحـدودة ؟ ؟
ما زلت تتوجع وتتألم وتتأوه يا إلهى ؟ ؟ عذابك لا يفتر ولا ينتهى ، كامل باق لا أمَدَ له ، لا يحـده حـد ، ولا يحصيه عـد ؟ ؟
لهـفى عليـك ربى وإلـهى وسيـدى ومـولاى .
عليـك يتفطـر قلبـى كـل وقـت وحـين !!!! .


لماذا لم يعتبر أبوك الآب خطيئة آدم سهـوا فيغفـرها ، كما اعتبر قتل اليهـود لك سهوا ويرحمهم ؟ ؟
تلك زلة من زلات الآب ، أو قل خدْعـةً من خدَعـهِ .


ألم يكن لديك ربى وإلهى وسيلة أخرى للانتصار على إبليس بغير الموت المهين على الصليب ؟ ؟


كيف لم يتملك هذا الفزعُ من الشيطان كُلا من موسى ومحمـد ، بينما يفر ربى هلعا من أن يتعرف عليه الشيطان " فلم يدَعْ لإبليس ولا لجنوده فرصة لمعرفة حقيقته ، حتى لا يعـمد المعـاند إلى مقاومة تدبير الله فى الخلاص " (9) .


أيهما أحق بالخوف : الله ، أم الشيطان ؟ ؟ أيهما أقدر على إفساد تدبير الآخر : الله ، أم الشيطان ؟ ؟ أيهم أثبت جنانا ، وأقوى قلبا ، وأصلب إرادة : ربى وإلهى ، أم موسى ومحمـد ؟ ؟ ؟

أجبنـى سيـدى : " لَمَا شبقتنى ؟ ... أى لماذا تركتنى ؟ " مت 27/46 .

المراجع :
1- دراسات فى إنجيل متى – تعريب وهيب ملك صـ 35 .
2- طبيعة المسيح – البابا شنوده صـ 9 .
3- تفسير الأناجيل الأربعة معا – د. شماس حمدى صادق صـ 282 .
4- التثليث والتوحيد – الأستاذ فوزى جرجس صـ 109 .
5- عقيدة المسيحيين فى المسيح – الأنبا يوأنس صـ 214 – 215 .
6- اللاهوت المقارن – الأنبا شنوده صـ 11 .
7- السنكسار جـ 2 – صـ 96 .
8- تفسير الأناجيل الأربعة معا – د. شماس حمدى صادق صـ 281 .
9- تفسير الأناجيل الأربعة معا – د. شماس حمدى صادق صـ 55 . ???????????
[glint]------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

((((((((((((((((((((((((((((قرات خبر تراجع اعداد معتنقى المسيحيه واليهوديه فى امريكا)))))))))))))) فى احصائيه امريكيه خالصه اجرتها جامعة جامعة "ترينيتي كوليدج " تحت عنوان "تقرير حول الانتماء الديني في الولايات المتحدة "
فوجدت كيف ان العالم يتحرر فى ظل التقدم العلمى من عبادة الغير معقول والارتباط الوهمى بما يسمونه ارتباط روحى مع الاب والابن والروح القدس وزاد عجبى فى ان هذه البلاد التى يتحرر منها اهلها من العبادة غير العقليه كعبادة انسان ووصف هذا الاله بصفات اقل من الحيوانيه
هم هم هؤلاء الناس الذين يدخلون فى دين الله افواجا
واعنى بدين الله الدين الحق الاسلام العظيم
ويكفى قراءة هذه السطور لمعرفة ان الاسلام هو الدين الاكثر انتشار فى العالم
http://www.islamway.com/?iw_s=outdoor&iw_a=print_articles&article_id=2357

رعب اليهود من انتشار الإسلام في أوروبا وأمريكا

http://www.islamway.com/?iw_s=Article&iw_a=view&article_id=134
http://www.islammemo.cc/akhbar/American/2008/09/06/69113.html
وغيرها من التقارير الكثيرة التى تتحدث عن انتشار الاسلام بشكل واسع فمن الذى يدخل الاسلام اليس هم اصحاب هذه البلاد الذين يدينون بالنصرانيه واليهوديه وغيرها من العقائد الغير سماويه
ولنرجع الى احصائية جامعة ترينتى التى لا تتحدث عن زيادة المسلمين فى جزء من تقريرها فحسب بل انها تتحدث بالارقام عن تراجع اعداد النصارى واليهود فى اميركا ِ


المصريون – (وكالات) : بتاريخ 10 - 3 - 2009 افادت دراسة جامعية ان التدين يتراجع في الولايات المتحدة مع تضاعف نسبة الاميركيين اللاادريين منذ 1990 في بلد تبلغ نسبة الكاثوليك فيه 76% ويشهد تزايدا في عدد البروتستانت الانجيليين.

والدراسة التي تحمل عنوان "تقرير حول الانتماء الديني في الولايات المتحدة" (اميركن ريليجيوس ادنتفيكيشن سيرفي) اجرتها جامعة "ترينيتي كوليدج" في 2008 وشملت 54 الف اميركي بالغ، هي الثالثة من نوعها منذ 1990. وكانت الدراسة الثانية اجريت في 2001. وتشير الدراسة الى تراجع المسيحية حيث اكد 76 بالمئة من الاميركيين انهم مسيحيون في 2008 مقابل 86,2 بالمئة في 1990.

ولا يزال البروتستانت يشكلون اغلبية بسيطة بنسبة 50,9 بالمئة وهم موزعون بين عدة كنائس كبرى (معمدانية وميثودية ولوثرية ..) مقابل 60 بالمئة في 1990. ويسجل عدد الكاثوليك زيادة مستمرة بسبب هجرة الناطقين بالاسبانية (57 مليون شخص في 2008 مقابل 46 مليونا في 1990) غير ان نسبتهم تراجعت بشكل طفيف من 26,2 بالمئة الى 25,1 بالمئة.

وتراجع عدد الكاثوليك الذين يشكلون تقليديا الاغلبية في الشمال الشرقي بسبب الهجرة التاريخية للايرلنديين خصوصا في ماساشوستس وكونيتيكوت ورود ايلند، كثيرا في هذه المنطقة. وهم لا يشكلون الا 36 بالمئة من البالغين مقابل 50 بالمئة في 1990. في المقابل فان زيادة عدد الكاثوليك في الغرب الاميركي واضحة جدا حيث ارتفعت نسبتهم من 23 بالمئة في 1990 الى 32 بالمئة حاليا في تكساس ومن 29 بالمئة الى 37 بالمئة في كاليفورنيا.

ولاحظ غاري كوسمين احد واضعي الدراسة ان "تراجع الكاثوليك في الشمال الشرقي مثير للاستغراب. لكن بفضل الهجرة والزيادة الطبيعية للسكان من اصول اسبانية فان كاليفورنيا اصبحت اليوم نسبيا اكثر كاثوليكية من انكلترا الجديدة".

والمذهب البروتستانتي الانجيلي الذي يضم بالخصوص اتباع تجديد المعمدانيين والمنونيين (اتباع مذهب منون البروتستنتي الهولندي) واتباع العنصرة، هو الاكثر شيوعا (34 بالمئة من الاميركيين).

وزاد اعضاء هذا التيار بسبب نجاح "المسيحيين الجدد" والكنائس الضخمة ذات الجاذبية التي لم يكن يرتادها اكثر من مئتي الف متدين في 1990 مقابل ثمانية ملايين حاليا.

وبموازاة ذلك فان الدين يتراجع اجمالا ويؤكد 15 بالمئة من الاميركيين انهم لا يؤمنون "باي دين" اي 4,7 ملايين شخص نصفهم من اللاادريين والنصف الآخر ملحدون. وكانت نسبة هؤلاء 8,2 بالمئة في 1990 و14,1 بالمئة في 2001.

وقالت ارييلا كايزر المشاركة في اعداد الدراسة "خلال دراستنا لعام 2001" التي لوحظت خلالها زيادة في عدد اللاادريين "كنا نعتقد ان الامر يتعلق بعيب" في الدراسة. واضافت "الآن نعرف ان الامر ليس كذلك. مجموعة من لا يؤمنون باي دين هي الوحيدة التي زاد عددها في كافة مناطق البلاد".

وهكذا فان المنطقة الاقل "تدينا" في الولايات المتحدة اصبحت نيو انغلند (شمال شرق) مع 34 بالمئة من اللاادريين في فيرمونت و29 بالمئة في نيوهمشير و22 بالمئة في ماساشوتسيتس.

كما تشهد الديانة اليهودية تراجعا حيث اصبحت تشكل 1,2 بالمئة من السكان اي 2,7 مليون نسمة في 2008 مقابل 3,1 ملايين في 1990. في المقابل يزداد عدد المسلمين الذين اصبحوا يمثلون 0,6 بالمئة من البالغين الاميركيين في 2008 (1,3 مليون نسمة) مقابل 0,3 بالمئة في 1990 (527 الف).

اما المورمون فان عددهم عددهم زاد الى 3,1 ملايين في 208 مقابل 2,5 بالمئة في 1990 غير ان نسبتهم ظلت على حالها عند 1,4 بالمئة. ومع تأكيد 76 بالمئة من الاميركيين انهم مسيحيون واكثر من 80 بالمئة انهم متدينون فان 27 بالمئة منهم لم يخططوا لموكب جنائزي لوفاتهم.

فهم للاسف اما ان يدخلوا الاسلام لانهم عرفوه او انهم يكفرون بكل شىء لانهم لم يصل اليهم الاسلام


نسأل الله العلى القدير رب العرش العظيم ان يهدى هؤلاء المغضوب عليهم والضالين الى الحق انه ولى ذلك وهو القادر عليه

[/glint]/?????????????
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصاحبه وسلم .. أما بعد

(((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((أقدم لكم ما بعض ما قاله إسحاق نيوتن عن الكتاب المقدس))))))))) ويعتبر بمثابة تصريح من شخص كهذا في تحريف الكتاب المقدس ..

قام بترجمة هذه المقالة الأخ حامل اللواء من برنامج البالتوك ( بتصريف ) جزاه الله خيراً

فنبدأ

من منا لا يعرف اسحق نيوتن العالم الفيزيائي الشهير؟ الجواب لا أحد.
حتى اسحق نيوتن ترك تفاحته وترك الشجره وقوانين الجاذبية واختراع علم التفاضل والتكامل من أجل أن يبين التحريف في الكتاب المقدس, وأهم ما نقل عنه في هذا المجال نقضة للنصين الشهيرين في رسالة يوحنا الأولى الاصحاح الخامس العدد السابع
]الفاندايك][jn1.5.7][فان الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد[
والنص الثاني هو من رسالة تيموثاوس الأولى الإصحاح الثالث والعدد السادس عشر
]الفاندايك][Tm1.3.16][وبالاجماع عظيم هو سرّ التقوى الله ظهر في الجسد تبرر في الروح تراءى لملائكة كرز به بين الامم أومن به في العالم رفع في المجد[
وكان ذلك في العام 1690 ميلادية حيث قام السير اسحق نيوتن بكتابة بحث حول وجود أخطاء وتحريفات في العهد الجديد فيما يختص بالنصين السالف ذكرهما وسميت هذه الوثيقه او البحث
" وصف تاريخي للتحريفين المهمين للكتاب المقدس "
وبسبب البيئه التي ترفض الانتقاد ( إرهاب الكنيسه ومحاكم التفتيش ) رأى أنه من غير المناسب نشر معتقداته بشكل علني, وأن طباعة مثل هذه الأفكار في إنجلترا سيكون بالغ الخطوره. فقام بإرسال نسحة من مخطوطته أو بحثه الى صديق اسمه جون لوك وطلب منه أن يترجمها إلى الفرنسيه ليتم نشرها في فرنسا.
وبعد عامين إعلم نيوتن عن محاولة شخص مجهول نشر نسخة لاتينية من بحثه, ورفض نيوتن ذلك وأقنع صديقة جون لوك باتخاذ خطوات لمنع نشر هذه النسخه.
نيوتن ونص رسالة يوحنا الأولى 7:5
]الفاندايك][jn1.5.7][فان الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد[
يقول نيوتن أن هذا العدد ظهر لأول مرة في الطبعة الثالثة من نسخة العهد الجديد ل إيراسموز Erasmus"".
وننقل قوله هنا فيقول: "عندما أدخلوا التثليث إلى طبعته (- طبعة العهد الجديد لإيراسموز - ) قاموا برمي نسختهم المخطوطه, هذا إذا كان عندهم مخطوطه, كما لو أنها تقويم قديم, وهل يمكن لمثل هذا التغيير أن يرضي رجلا باحثا؟.....إن هذا الفعل يعتبر خطرا على الدين بدل أن يكون ميزة تحقق وها هي الآن تتكئ على قصبة مكسورة."
ويقول: " في كل المجادلات العالميه والشديدة والدائمه حول الثالوث منذ عصر جيروم ومن قبله ولفتره طويله بعده هذا النص "الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة" لم يكتشف نقل واحد له ولو لمرة واحدة. والآن هذا النص تجده على كل فم ويمثل النص الرئيس لهذا الموضوع وسيكون بالتأكيد كذلك بالنسبة لهم. ونجد ذلك في كتبهم"
ويقول" اترك من يستطيعون ان يعطوا حكما صحيحا, يفعلوا ذلك إذا استطاعوا. بالنسبة لي أنا لا أستطيع. إذا قيل أننا لا يجوز أن نحدد ما هو من الكتاب المقدس وما هو ليس منه بحكمنا الشخصي, أنا أقر بهذا في الاكامن التي لا جدال حولها, لكن في الأماكن المتنازع عليها أحب ان أخوض في ما أفهم به. انها الخرافه الاهم في فن الخرافات الانسانية فيما يتعلق بالاديان التي يتم اكتشافها من بين الاسرار, ولهذا السبب أكثر ما أفضله هو أقل ما يفهمونه. أمثال هؤلاء الرجال يمكنهم استخدام يوحنا الرسول كما يفضلون, ولكن أنا أكرمه واحترمه بشكل يمنعني من أن أعتبر هذا من كتاباته وهذا هو الافضل.



نيوتن ونص الرسالة الاولى الى تيموثاوس 16:3
]الفاندايك][Tm1.3.16][وبالاجماع عظيم هو سرّ التقوى الله ظهر في الجسد تبرر في الروح تراءى لملائكة كرز به بين الامم أومن به في العالم رفع في المجد[
وبخصوص هذا النص يقول نيوتن:
" في جميع الأوقات الساخنه والدائمه من مجادلات آريوس لم يدخل هذا في الحسبان .......... هؤلاء الذين قرأوا "الله ظهر في الجسد" اعتقدوها واحدة من أكثر النصوص وضوحا وذات علاقة بالموضوع "
" كلمة ( اله ) تعني ممارسة الهيمنه على إخضاع من هو أدنى منه, وكلمة ( رب ) في أغلب استعمالاتها تعني سيد. وليس كل سيد هو الله. ممارسة الهيمنه على النواحي الروحيه تشكل إله.فإذا كانت تلك الهيمنه حقيقيه يكون هذا الاله هو الاله الحقيقي (الله)؛ وإذا كانت هيمنة زائفه؛ يكون إلها زائفا؛ وإذا كانت هيمنة عليّه يكون إلها عليّا."
وقد كتب نيوتن مناقشات حول نصين آخرين حاول أثاناسيوس تحريفهما. لكن هذا العمل لم يحفظ.
ومن المعروف ان إسحق نيوتن كان في عقيدته لا ثالوثيا وربما كان آريوسيا وكان متعاطفا من السوسينيين, وقام أيضا بحساب تاريخ صلب المسيح أنه 3 أبريل للميلاد سنة 33، وحاول بدون نجاح اكتشاف رسائل سرية في الكتاب المقدس. وكتب نيوتن في حياته عن الدين أكثر من كتابته عن العلوم الطبيعية.
كافة الاقتباسات في هذا الموضوع هي من كتاب روبرت أ. والاس من كتابه ( سير مناهضي التثليث ) المجلد الثالث الصفحات 428-439 طبعة 1850
راجع ايضا أفكار نيوتن الدينية في موسوعة الويكيبيديا.

والنص الإنجليزي



In 1690 Sir Isaac Newton (1642-1727) wrote a manuscript on the corruption of the text of the New Testament concerning I John 5:7 and Timothy 3:16. It was entitled, "A Historical Account of Two Notable Corruptions of Scripture." Due to the prevailing environment against criticism, he felt it unwise to profess his beliefs openly and felt that printing it in England would be too dangerous. Newton sent a copy of this manuscript to John Locke requesting him to have it translated into French for publication in France. Two years later, Newton was informed of an attempt to publish a Latin translation of it anonymously. However, Newton did not approve of its availability in Latin and persuaded Locke to take steps to prevent this publication.



Below are excerpts from "A Historical Account of Two Notable Corruptions of Scripture".




Newton on I John 5:7

Newton states that this verse appeared for the first time in the third edition of Erasmus's New Testament.

"When they got the Trinity; into his edition they threw by their manuscript, if they had one, as an almanac out of date. And can such shuffling dealings satisfy considering men?....It is rather a danger in religion than an advantage to make it now lean on a broken reed.



"In all the vehement universal and lasting controversy about the Trinity in Jerome's time and both before and long enough after it, this text of the "three in heaven" was never once thought of. It is now in everybody’s mouth and accounted the main text for the business and would assuredly have been so too with them, had it been in their books.
"Let them make good sense of it who are able. For my part, I can make none. If it be said that we are not to determine what is Scripture what not by our private judgments, I confess it in places not controverted, but in disputed places I love to take up with what I can best understand. It is the temper of the hot and superstitious art of mankind in matters of religion ever to be fond of mysteries, and for that reason to like best what they understand least. Such men may use the Apostle John as they please, but I have that honour for him as to believe that he wrote good sense and therefore take that to be his which is the best." [1]






Newton on I Timothy 3:16

"In all the times of the hot and lasting Arian controversy it never came into play....they that read "God manifested in the flesh" think it one of the most obvious and pertinent texts for the business."
"The word Deity imports exercise of dominion over subordinate beings and the word God most frequently signifies Lord. Every lord is not God. The exercise of dominion in a spiritual being constitutes a God. If that dominion be real that being is the real God; if it be fictitious, a false God; if it be supreme, a supreme God." [1]

Newton also wrote a discussion on two other texts that Athanasius had attempted to corrupt. This work has not been preserved. He believed that not all the books of the Scriptures have the same authority.



Issac Newton was born in Lincolnshire in 1642 and educated at Cambridge. He was elected to the Royal Society in 1672, and was a member of the Gentleman's Club of Spalding. Newton became Warden of the Royal Mint in 1696, where he was instrumental in fixing the gold standard. Newton was elected President of the Royal Society in 1703. Sir Isaac Newton held unitarian views and was a follower of Arius.
Reference

1. A. Wallace, "Anti-Trinitarian Biographies," Vol. III, pp. 428-439, 1850.



المرجع
http://www.cyberistan.org/islamic/newton1.html

غير معرف يقول...

(((((((((((((((((((((((((((((((((((((مبررات صلب المسيح عند النصارى)))))))))))))))))

ويقول النصارى: إن الله أراد برحمته أن يخلص الأرض من اللعنة التي أصابتها بسبب معصية آدم، لكن عدله يأبى إلا أن يعاقب أصحاب الذنب، فكيف المخرج للتوفيق بين العدل والرحمة ؟

يلخص أوغسطينوس المسألة بأن الله رحيم ولا يريد أن يغير قوانين المحكمة، وفيها أن الموت عقوبة عادلة لهذه الخطيئة الأصلية، فاتخذ حيلة ينجي بها عباده، فيموتون ثم يحيون من جديد، فتعود إليهم حريتهم بعد حياتهم الجديدة.

ولما كانت إماتة الناس جميعاً تتعارض مع قانون الطبيعة وسنن الكون، فكان لابد من شخص معصوم من الذنب الأصلي يعاقبه الله بموته، ثم يبعثه، فيكون موته بمثابة موت البشرية وعقوبتها، وقد اختار الله ابنه لهذه المهمة.

ويقول القس لبيب ميخائيل: " إن الله الرحيم هو أيضاً إله عادل، وإن الله المحب هو أيضاً إله قدوس يكره الخطيئة، وإذا تركزت هذه الصورة في أذهاننا.... سندرك على الفور أن صفات الله الأدبية الكاملة لا يمكن أن تسمح بغفران الخطية دون أن تنال قصاصها... فإن الصليب يبدو أمامنا ضرورة حتمية للتوفيق بين عدل الله ورحمته ".

ويؤكد هذه المعاني عوض سمعان في كتابه " فلسفة الغفران " بقوله: " لو كان في الجائز أن تقل عدالة الله وقداسته عن رحمته ومحبته اللتين لا حد لهما، فإن من مستلزمات الكمال الذي يتصف به، أن لا يتساهل في شيء من مطالب عدالته وقداسته، وبما أنه لا يستطيع سواه إيفاء مطالب هذه وتلك، إذن لا سبيل للخلاص من الخطيئة ونتائجها إلا بقيامه بافتدائنا بنفسه ".

فالمسيح المتأنس غير مولود من الخطيئة، ومسارٍ لقيمة جميع الناس، فكان الفدية التي اصطلح فيها الله مع الإنسانية.

ويقول حبيب جرجس في كتابه "خلاصة الأصول الإيمانية":" ولما فسد الجنس البشري، وصار الناس مستعبدين للخطيئة، وأبناء للمعصية والغضب لم يتركهم الله يهلكون بإنغماسهم فيها، بل شاء بمجرد رحمته أن ينقذنا من الهلاك بواسطة فادٍ يفدينا من حكم الموت، وهذا الفادي ليس إنساناً ولا ملاكاً ولا خليقة أخرى، بل هو مخلصنا وفادينا ابن الله الوحيد ربنا يسوع المسيح الذي له المجد إلى أبد الآبدين ".

ويؤكد القس جولد ساك على أهمية القصاص فيقول: " لابد أن يكون واضحاً وضوح الشمس في ضحاها لأي إنسان بأن الله لا يمكنه أن ينقض ناموسه، لأنه إذا فعل ذلك من الذي يدعوه عادلاً ومنصفاً ".

إذن لابد من العقوبة حتى تحصل المغفرة. وفي ذلك يقول بولس: " وكل شيء تقريباً يتطهر حسب الناموس بالدم، وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة " ( عبرانيين 9/22 ).

ويقول: " لأنكم قد اشتريتم بثمن فمجدوا الله في أجسادكم، وفي أرواحكم التي هي لله " (كورنثوس (1) 6/20 )، ويقول: " أجرة الخطية هي موت " ( رومية 6/23 ).

ويقول: " لأنه وإن كنا ونحن أعداء فقد صولحنا مع الله بموت ابنه " ( رومية 5/10 ).

ويقول بطرس: " عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى: بفضة أو ذهب، من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدم كريم كما من حَمَلٍ بِلاَ عيْب، ولا دنس دم: المسيح " ( بطرس (1) 1/18 - 19).

ويعتبر النصارى فداء المسيح للبشرية العمل الحقيقي للمسيح والذي من أجله تجسد وتأنس، يقول الأنبا أثناسيوس: " فالمسيح هو الله غير المنظور، وقد صار منظوراً، ولماذا صار منظوراً، لينجز مهمة الفداء والخلاص، التي ما كان يمكن لغير الله أن يقوم بها، فالله قد تجسد في المسيح من أجل الفداء والخلاص، فالفداء كان هو الغاية، والتجسد كان هو الوسيلة ".


نقد مبررات النصارى لضرورة الصلب التكفيري :

ويرى المسلمون في هذا الفكر النصراني انحرافاً وتجافياً عن المعقول والمنقول، فإن فيه إساءة أدب مع الله وكفراً به كان ينبغي أن ينزهه النصارى عنه، فقولهم بتناقض العدل مع الرحمة قروناً حتى جاء الحل بصلب المسيح رحمة من الرب بالعالمين.

وتظهر العقيدة النصرانية الله عز وجل عاجزاً عن العفو عن آدم وذنبه، حائراً في الطريقة التي ينبغي أن يعاقبه بها بعد أن قرر عقوبته.

ويظهر قرار العقوبة وكأنه قرار متسرع يبحث له عن مخرج، وقد امتد البحث عن هذا المخرج قروناً عديدة، ثم اهتدى إليه فكان المخرج الوحيد هو ظلم المسيح وتعذيبه على الصليب كفارة عن ذنب لم يرتكبه.

ويشبه النصارى إلههم وقتذاك بصورة مستقذرة بصورة المرابي وهو يريد عوضاً على كل شيء، ونسى هؤلاء أن الله حين يعاقب لا يعاقب للمعاوضة أو لإرضاء نفسه، بل لكبح الشر وتطهير الذنب وعليه فإن جهنم أشبهت مستشفىً للمرضى بالأضغان والأحقاد والنفاق إلى غير ذلك من كبائر الآثام.

وقد فات الفكر النصراني وجود بدائل كثيرة مقبولة ومتوافقة مع سنن الله الماضية في البشر، وهي جميعاً أولى من اللجوء إلى صلب المسيح تكفيراً للخطيئة ووفاءً بسنة الانتقام والعدل بالمفهوم النصراني.، ومن هذه البدائل: التوبة، والمغفرة والعفو، ومنها العفو بصك غفران، ومنها الاكتفاء بعقوبة الأبوين على جريمتهما، وكل ذلك من سنن الله التي يقرها الكتاب المقدس.


التوبة من الذنب كفارة له :

فلئن كان ثمة تنازع بين الرحمة والعدل- كما يزعم النصارى - فإن من أهم مخارج المسألة التوبة التي ذكر الله في القرآن أن آدم صنعها، وهي باب عظيم من أبواب فضل الله، جعله للخاطئين.

التوبة تغسل الذنب وتنقي القلب، فيكون الخاطئ التائب حبيباً إلى الله، فلم لا يقول النصارى بأن آدم تاب وقبلت توبته، لم يصرون على القصاص، ولم يصرون أنه " بدون سفك دم لا تحصل مغفرة " ( عبرانيين 9/22 ).

لقد تحدثت نصوص التوراة والإنجيل بإسهاب عن التوبة وقصصها قبول الله لها.

فها هو المسيح يجلس مع العشارين والخطاة فيتذمر الفريسيون والكتبة لذلك قائلين: " هذا يقبل خطاة ويأكل معهم " ( لوقا 15/2 ) فأراهم المسيح حرصه على التوبة وفرحة الله بالتائب " وكلمهم بهذا المثل قائلاً: أي إنسان منكم له مائة خروف وأضاع واحداً منها، ألا يترك التسعة والتسعين في البرية ويذهب لأجل الضال حتى يجده، وإذا وجده يضعه على منكبيه فرحاً ويأتي إلى بيته، ويدعو الأصدقاء والجيران قائلاً لهم: افرحوا معي، لأني وجدت خروفي الضال.

أقول لكم: إنه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب... " ( لوقا 15/3-7 )، وعليه فالتوبة مقبولة عند الله كوسيلة للخلاص من الذنب.

كما ضرب لهم مثلين آخرين بالابن الضال والدرهم الضائع ( انظر لوقا 15/8 - 32 ).

ولقد وعد الله التائبين بالقبول ففي حزقيال " فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها، وحفظ كل فرائضي وفعل حقاً وعدلاً، فحياة يحيا، لا يموت، كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه، بره الذي عمل يحيا، هل مسرة أسر بموت الشرير" (حزقيال 18/21-23).

ويقول يوحنا المعمدان مخاطباً اليهود مذكراً إياهم بأهمية التوبة: " يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي، فاصنعوا أثماراً تليق بالتوبة، ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم لنا إبراهيم أباً " (متى 3/7 -9) فالتوبة هي الطريق وليس النسب كما ليس الفداء.

تقول التوراة: " فإذا تواضع شعبي الذين دعي اسمي عليهم وصلّوا وطلبوا وجهي ورجعوا عن طرقهم الردية فإنني أسمع من السماء " (الأيام (2) 7/14).

ولكن ورغم هذا كله يقول عوض سمعان: " فالتوبة مهما كان شأنها ليست بكافية للصفح عما مضى من خطايانا ".

إذاً لماذا أكدت النبوات عليها وعلى فضلها ومحبة الله لها، ولم أغلق هذا الباب في وجه آدم، وهو أولى الناس به لمعرفته بالله العظيم وجزاءه ورحمته، إضافة إلى شعوره بالذنب وأثره الجم عليه وهذا الذي ذكره الله عنه [ فعصى آدم ربه فغوى  ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ] (طه: 121-122)


العفو والغفران للمذنبين :

ثم إنه ثمة مخرج آخر للجمع بين سنة الله في عقاب الظالمين وعفوه عنهم، ألا وهو سنته في العفو عنهم، فهو لا يتناقض مع العدل، إذ لن يسأل أحد ربه لماذا عفا عمن عفا عنه من المسيئين ؟

وقبل أن نتحدث عن العفو نلاحظ أن لمصطلح العدل عند النصارى مفهوم خاطئ، فالعدل هو عدم نقص شيء من أجر المحسنين، وعدم الزيادة في عقاب المسيء عما يستحق، فهو توفية الناس حقهم بلا نقص في الأجر، ولا زيادة في العقاب.

وعليه فإخلاف الوعيد لا يتعارض مع العدل، بل هو كرم الله الذي منحه للمسيئين بعفوه وغفرانه.

والعفو من الصفات الإلهية التي اتصف بها الرب وطلبها في عباده، وهو أولى بها لما فيها من كمال وحُسن، وقد عفا عن بني إسرائيل " رضيت يا رب على أرضك. أرجعت سبي يعقوب. غفرت إثم شعبك. سترت كل خطيتهم. سلاه حجزت كل رجزك.رجعت عن حمو غضبك". (مزمور 85/1-3).

ويقول بولس: " طوبى للذين غفرت آثامهم وسترت خطاياهم. طوبى للرجل الذي لا يحسب له الرب خطية" (رومية 4/7-8).

وقد علم المسيح تلاميذه خلق العفو، وضرب لهم مثلاً قصة العبد المديون والمدين (انظر متى 18/23 - 34 ).

وكان بطرس قد سأل المسيح: " يا رب كم مرة يخطئ إلى أخي وأنا أغفر له؟ هل إلى سبع مرات؟ قال له يسوع: بل إلى سبعين مرة " ( متى 18/21 - 22 ).

ومرة أخرى قال لهم: " أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فإنه تشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين " ( متى 5/44 - 45 ).

ولم لا يكون العفو بصك غفران يمنحه الله لآدم، ويجنب المسيح ويلات الصلب وآلامه، أو يجعل للمسيح فدية عن الصلب كما جعل لإبراهيم فدية فدى بها ابنه إسماعيل.

وكذا فإن إصرار النصارى على أنه لا تكون مغفرة إلا بسفك دم (انظر عبرانيين 9/22) ترده نصوص أخرى منها ما جاء في متى " إني أريد رحمة لا ذبيحة، لأني لم آت لأدعو أبراراً، بل خطاة إلى التوبة " ( متى 9/13 ).

وفي التوراة أن الله قال لبني إسرائيل: " بغضت، كرهت أعيادكم، ولست ألتذّ باعتكافاتكم، إني إذا قدمتم لي محرقاتكم وتقدماتكم لا أرتضي، وذبائح السلامة من مسمناتكم لا ألتفت إليها " (عاموس 5/21 - 22 )، فليست الذبيحة الوسيلة الأقرب لرضوان الله، بل أفضل منها العمل الصالح.

لكن النصارى يمنعون أن يكون هناك عفو عن آدم وأبنائه، بل لابد من العقوبة المستحقة لهم.


الاكتفاء بالعقوبة التي نالها الأبوان :

ذكر سفر التكوين أن الله توعد آدم بالموت إن هو أكل من الشجرة.

ثم بعد الموت عاقبه بقوله: " ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك، وشوكاً وحسكاً تنبت لك، وتأكل عشب الحقل بعرق وجهك تأكل خبزاً، حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها، لأنك تراب وإلى تراب تعود ". فطرد آدم من الجنة ليعيش في الأرض ويكد فيها.

وكذلك فإن زوجه عوقبت " تكثيراً أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولاداً، وإلى رجلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك " ( التكوين 3/16-19).

ونلاحظ أن آدم أوعد بعقوبة الموت، لكنه بدلاً عن أن يموت وزوجه جزاء خطيئتهما وتنطفىء الفتنة والفساد والشر في المهد، بدلاً من ذلك كثّر نسلهما، فكان ذلك حياة لهما لا موتاً، وكان سبباً في زيادة الشر والفساد.

لقد عوقب آدم وحواء إذاً، ونلحظ في العقوبة شدة متمثلة في لعن الأرض كلها والأتعاب الطويلة للرجال والنساء، ونلحظ أن ليس ثمة تناسباً بين الذنب والعقوبة، فقد كان يكفيهم الإخراج من الجنة.

وقد بقيت هذه القصاصات من لدن آدم حتى جاء المسيح الفادي - ثم ماذا ؟ هل رفعت هذه العقوبات بموت المسيح، هل رفعت عن المؤمنين فقط أم أن شيئاً لم يتغير؟

وهذا هو الصحيح، فما زال الناس يموتون من لدن المسيح، يموت أبرارهم وفجارهم فلم يبطل حكم الموت فيهم - كما ذكر بولس -: " مخلصنا يسوع الذي أبطل الموت، وأنار الحياة والخلود " (تيموثاوس (2) 1/10 )، وقوله: " بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع " ( رومية 5/12 ).

فالمسيح لم يبطل بصلبه ولا بدعوته أي موت سواء كان موتاً حقيقياً أو موتاً مجازياً، إذ مازال الناس في الخطيئة يتسربلون.

وأما الموت الحقيقي فليس في باب العقوبة في شيء، بل هو أمر قد كتب على بني آدم برهم وفاجرهم على السواء، قبل المسيح وبعده وإلى قيام الساعة، كما كتب الموت على الحيوان والنبات فما بالهم يموتون؟ وهل موتهم لخطأ جدهم وأصلهم الأول أم ماذا ؟!

ثم إن هناك من لا يملك النصارى دليلاً على موتهم، فنجوا من الموت من غير فداء المسيح، وذلك متمثل في أخنوخ وإيليا اللذين رفعا إلى السماء وهم أحياء كما في الأسفار المقدسة ( انظر تكوين 5/24، وملوك (2) 2/11، وعبرانيين 11/5 ).

وعليه نستطيع القول بأن ليس ثمة علاقة بين الموت وخطيئة آدم.

وكذلك فإن القصاصات الأخرى ما تزال قائمة فما زال الرجال يكدون ويتعبون، وما تزال النساء تتوجع في الولادة.... ويستوي في ذلك النصارى وغيرهم.

وقد يقول النصارى بأن بقاء هذه الأمور لم يعد من باب العقوبة، فقد افتدانا المسيح من لعنة الموت مثلاً وليس من الموت وكذلك بقية العقوبات، ولكن هذا يرد عليه هرب المسيح من الموت وطلبه للنجاة. فمم كان يفر إذن ؟

والعجب من إصرار النصارى بعد هذه العقوبات على أن الذنب مستمر، وأنه لابد من فادٍ بعد هذه العقوبات.

ويزداد العجب لنسبة النصارى الغائلة لله عز وجل والغضب المتواصل بسبب ذنب آدم طوال قرون عدة، ولنا أن نسأل كيف جهل الأنبياء ذلك فلم يذكروه في كتبهم كما لم يذكره المسيح ولم يعرفه تلاميذه من بعده حتى جاء به بولس وآباء الكنيسة فكشفوا ما غاب عن الأنبياء والمرسلين.


مسئولية الإنسان عن عمله :

ومما يبطل نظرية وراثة الذنب أيضاً النصوص التي تحمل كل إنسان مسئولية عمله.

وقد تعاقب الأنبياء على التذكير بهذا المعتقد في نصوص كثيرة ذكرتها التوراة والأناجيل.

ومنها ما جاء في التوراة " وكلم الرب موسى وهارون قائلاً: افترزا من بين هذه الجماعة فاني أفنيهم في لحظة. فخرّا على وجهيهما وقالا: اللهمّ اله أرواح جميع البشر، هل يخطئ رجل واحد فتسخط على كل الجماعة " (العدد 26/23)، واستجاب له فعذب بني قورح فقط.

وجاء في سفر المزامير: " الأخ لن يفدي الإنسان فداء، ولا يعطي الله كفارة عنه " ( مزمور 49/7 ).

وأيضاً في التوراة: " لا تموت الآباء لأجل البنين، ولا البنون يموتون لأجل الآباء، بل كل واحد يموت لأجل خطيته " ( أيام (2) 25/4 ).

وأيضاً يقول المسيح: " فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله " ( متى 16/27 ).

وهو عين كلام المسيح: " كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساباً يوم الدين، لأنك بكلامك تبرر، وبكلامك تدان " ( متى 12/36 ).

وقد ورد إثبات مسئولية الإنسان عن عمله في كلام بولس الذي ابتدع معتقد وراثة الذنب، ومنها قوله : " الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله " ( رومية 2/6 ).


من الفادي ؟

ورغم هذه العقوبات والمخارج فإن النصارى يقولون بلزوم الفداء والقصاص، فلم لا يكون القصاص في آدم وحواء فيحييهما الله ويصلبهما، أو يصلب بدلاً منهما شيطاناً أو سوى ذلك فإن ذلك، أعدل من صلب المسيح البريء.

يجيب النصارى بأنه لابد في الكفارة أن تكون شيئاً يعدل البشر جميعاً من غير أن يحمل خطيئتهم الموروثة، وهذه الشروط لا تتوافر في آدم وغيره، بل هي لا تتوفر إلا في المسيح الذي تجسد وتأنس من أجل هذه المهمة العظيمة فكان أوان خلاصنا ورحمة الله بنا كما قال لوقا: " لأن ابن الإنسان قد جاء، لكي يصلب ويخلص ما قد هلك " ( لوقا 19/10 ) و " لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، كي لا يهلك كل من يؤمن، بل تكون له الحياة الأبدية، ولأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص " ( يوحنا 3/16 - 17 )، فالمسيح يتميز عن سائر البشر بأنه ولد طاهراً من إصر الخطيئة، ولم يصنعها طوال حياته، فهو وحده الذي يمكن أن يصير فادياً وأن يقبل به الفداء، وكما يقول بطرس: " عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى: بفضة أو ذهب، من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدم كريم كما من حَمَلٍ بِلاَ عيْب، ولا دنس دم: المسيح " (بطرس (1) 1/18 - 19).

لكن المسيح لا يمتاز هنا عن كثيرين من الأبرار والمؤمنين الذين لم يفعلوا خطيئة ولا ذنباً، " كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية " (يوحنا 3/9)، ولا يخفى أن كل المؤمنين مولودون من الله " وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا : أولاد الله. أي المؤمنين باسمه" (يوحنا 1/12).

أما كان صلب أحد هؤلاء كفارة أولى من صلب الإله ؟

لكن نرى أن شرط النصارى في براءة الفادي من الذنب لم يتحقق حتى بالمسيح رغم أنه وضع له، فالمسيح عندهم جسد أرضي ويكتنفه حلول إلهي، وهم حين يقولون بالصلب فإن أحداً منهم لا يقول بصلب الإله، لكن بصلب الناسوت، وناسوت المسيح جاءه من مريم التي هي أيضاً حاملة للخطيئة، فالمسيح بجسده الفادي الحامل للخطيئة وراثة لا يصلح أن يكون فادياً، فإن زعمت النصارى بأن مريم قد تطهرت من خطيئتها بوسيلة ما من غير حاجة للفداء، فلم لا يطهر جميع الناس بهذه الوسيلة !

وإن قال النصارى بأن المسيح طهر بالتعميد الذي عمده يوحنا المعمدان وعمره ثلاثون سنة، فقد قالوا بحلول الإله في جسد خاطئ، ويلزمهم أيضاً أن يجوز طهارة كل أحد بالتعميد من غير حاجة لخلاص وفداء.

ثم المتأمل في نصوص العهد الجديد يراها تنسب للمسيح – وحاشاه – العديد من الذنوب والآثام التي تجعله أحد الخاطئين فلا يصلح حينئذ لتحقيق الخلاص لحاجته هو إلى من يخلصه، فالمسيح كما تذكر الأسفار الإنجيلية سبّاب وشريب خمر، مستوجب لدخول جهنم، ومحروم من دخول الملكوت.

فقد اتهمه متى بشرب الخمر "جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب. فيقولون: هوذا إنسان أكول وشريب خمر. محب للعشارين والخطاة" (متى 11/9).

فيما نسبت إليه الأناجيل الكثير من السباب والشتائم كما في قوله لتلميذيه: " أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء" ( لوقا 24/25)، وقوله لبطرس : " اذهب عني يا شيطان " ( متى 16/23 )، وكذا شتم الأنبياء وتشبيههم باللصوص في قوله: " قال لهم يسوع أيضاً: الحق الحق أقول لكم: إني أنا باب الخراف. جميع الذين أتوا قبلي هم سراق ولصوص" (يوحنا 10/7-8).

وهذا السباب وغيره يستحق فاعله، بل فاعل ما هو أقل منه نار جهنم، وذلك حسب العهد الجديد، يقول متى: " ومن قال: يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم" (متى 5/23)، وقال بولس متوعداً الذين يشتمون والذين يشربون الخمر بالحرمان من دخول الجنة، حيث يقول: " ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله" (كورنثوس (1) 6/10) فمن استحق النار – وحاشاه – هل يصلح ليفدي البشرية كلها ؟

وعلى كلٍ فالمصلوب هو ابن الإنسان، وليس ابن الله، فالثمن دون الغرض الذي يدفع له، كيف لإنسان أن يعدل البشرية كلها بدمه ؟

كما يؤكد المسلمون أن صلب المسيح البريء نيابة عن المذنب آدم وأبنائه حاملي الإثم ووارثيه نوع من الظلم لا تقره الشرائع باختلاف أنواعها، ولو عرضت قضية المسيح على أي محكمة بشرية لصدر في دقيقتين حكم ببراءته. فكيف رضي النصارى أن ينسبوا الله عز وجل أن يرضى عن مثل هذا الظلم فيصلب البريء بذنب المذنب، وهو قادر على العفو والمغفرة.

ويجيب النصارى بأن ليس في الأمر ظلم، وذلك أن المسيح تطوع بالقيام بهذه المهمة، بل إن نزول لاهوته من السماء وتأنسه كان لتحقيق هذه المهمة العظيمة المتمثلة بخلاص الناس من الإثم والخطيئة، وهذا القول مردود من وجوه عدة.

- منها أن المسيح لا يحق له أن يرضى عن مثل هذا الصنيع فهذا من الانتحار لا الفداء. فقاطع يده مذنب مع أن ذلك برضاه.

- ومنها أن المسيح صدرت منه تصرفات كثيرة تدل على هروبه وكراهيته للموت، ولو كان قد جاء لهذه المهمة فلم هرب منها مراراً، وصدر عنه طبيعة ما يشعر بجهله بهذه المهمة.

فقد هرب المسيح من طالبيه مراراً ( انظر يوحنا 11/53 ).

ولما رأى إصرارهم على قتله قال: " بل ينبغي أن أسير اليوم وما يليه، لأنه لا يمكن أن يهلك بني خارجاً عن أورشليم " ( لوقا 13/33 ).

ولما أحس بالمؤامرة أمر تلاميذه أن يشتروا سيوفاً ليدفعوا بها عنه ( انظر لوقا 22/36 - 38).

ثم هرب إلى البستان وصلى طويلاً وحزن واكتئب وتصبب عرقه وهو يطلب من الله " إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس " ( متى 26/39 ).

ثم لما وضع على الصليب صرخ " إيلي إيلي، لم شبقتني، أي: إلهي إلهي، لماذا تركتني؟ " ( متى 27/46 ).

والنص الأخير اعتبرته دراسة صموئيل ريماروس ( ت 1778م ) حجة أساس في نتائجه التي توصل إليها بعد دراسته الموسعة فاعتبره دالاً على أن المسيح لم يخطر بباله أنه سيصلب خلافاً لما تقوله الأناجيل.

- ومنها أن المسيح لم يخبر عن هذه المهمة أحداً من تلاميذه، وأن أحداً منهم لم يعرف شيئاً عن ذلك، كما لم تخبر به النبوات على جلالة الحدث وأهميته، ثم إنه قال قبيل الصلب والفداء المفترض: " أنا مجدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته " ( يوحنا 17/5 )، فقد أكمل عمله على الأرض قبل الصلب.


لم أُرسل المسيح ؟

يحصر النصارى مهمة المسيح المتجسد بالصلب ليحصل الفداء والخلاص الذي قاله يوحنا: "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية " (يوحنا 3/16 ).

وهو " الذي لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين " ( رومية 8/32 ).

ونص يوحنا قول مهم في بيان مهمة المسيح، لكن أحداً لم يذكره غير يوحنا، فإما أن يكون القول من عنده كذباً وزوراً، وإما أن نقول بأن الإنجيليين الثلاثة فرطوا أيما تفريط، فتخرم الثقة بهم، وإما أن تكون الفقرة رأياً ليوحنا وأتباعه ولا تصح عقيدة.

ويكذب هذا النص المهمات التي أطبقت على ذكرها الأناجيل، فمن لدن بعثته ذكر مهمة تذكير الناس بالقيامة والحساب وبعثة النبي الخاتم " قد تم الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل " ( مرقس 1/14 ).

واستمر في دعوته قائلاً: " إنه ينبغي لي أن أُبشر المدن الأخر أيضاً بملكوت الله، لأني لهذا قد أُرسلت " ( لوقا 4/43 ).

ومن مهماته إتمام الناموس، لذا تجده يقول: " لا تظنوا أني أتيت لأنقض الناموس، أو الأنبياء، ما جئت لأنقض، بل لأكمل " ( متى 5/17 ).

وأعظم مهماته عليه السلام الدعوة لتوحيد الله " وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته. أنا مجدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل، قد أكملته " ( متى 17/3 - 4 ).

ونص يوحنا السالف معارض أيضاً بسؤال المسيح الله أن يجيز عنه كأس الصلب، فلو كانت تلك مهمته لما جاز سؤاله بإجازة الكأس عنه.

وأما نص بولس فهو لا يشعر برضا المسيح، بل ناطق بظلم لا يصح أن ينسب لله، ويرد عليه ما يرد على نص يوحنا.

ويزعم نص يوحنا أن محبة الله للبشرية هي سبب صلب المسيح فداء عن العالمين. فماذا عن محبة الله للمسيح الذي لم يشفق عليه، وأسلمه لأشنع قتلة وإهانة. أفما كان له نصيب في هذا الحب ؟ ولم يصر النصارى على الحب الممزوج بالدماء ؟ هل أرسل الله خالق الكون العظيم ابنه الوحيد إلى هذه البشرية التي لا تساوي في مجموعها كوكباً من الكواكب المتناهية في الصغر، لكي يعاني موتاً وحشياً على الصليب لترضية النقمة الإلهية - المزعومة -على البشر، ولكي يستطيع أن يغفر للبشرية ذنبها، على شرط أن تعلن البشرية اعترافها بهذا العمل الهمجي ؟ هل هذا ما يريد منا النصارى تصوره !

ثم إن كان خطأ آدم قد احتاج لتجسد إله وصلبه من أجل أن يغفر، فكم تحتاج معاصي بنيه من آلهة تصلب ؟ إن جريمة قتل المسيح التي يدعيها النصارى أعظم وأكبر من معصية آدم، وأعظم منها ما نسبه القوم لأنبيائهم من القبائح التي لا تصدر إلا عن حثالة البشر.

يقول فولتير: " إذا كانت المسيحية تعتبرنا خطاة حتى قبل أن نولد، وتجعل من خطيئة آدم سجناً للبريء والمذنب. فما ذنب المسيح كي يصلب أو يقتل ؟ وكيف يتم الخلاص من خطيئة بارتكاب خطيئة أكبر؟ ".

ولنا أن نتساءل لم كان طريق الخلاص عبر إهلاك اليهود وتسليط الشيطان عليهم وإغراء العداوة بين اليهود والنصارى قروناً طويلة.

إن الحكمة تفرض أن يكون الفداء بأن يطلب المسيح من تلاميذه أن يقتلوه، ويجنب اليهود معثرة الشيطان، ويقع الفداء.


من الذي خلص بصلب المسيح ؟

وقد حار علماؤنا في فهم نصوص الفداء المتناقضة، كما حاروا في فهم ما يريده النصارى من الغفران، هل الغفران خاص بالنصارى أم أنه عام لكل البشر، وهل هو خاص بذنب آدم الموروث أم أنه عام في جميع الخطايا ؟

كما تبقى في ذمة النصارى أسئلة تحير الإجابة عنها إن كان من إجابة.

منها: لماذا تأخر صلب المسيح طوال هذه القرون ؟ هل كان ثمة حيرة في البحث عن الحل فكان سبباً في التأخير. لماذا لم يصلب المسيح بعد ذنب آدم مباشرة ؟ أو لماذا لم يتأخر الصلب إلى نهاية الدنيا بعد أن يذنب جميع الناس ليكون الصلب تكفيراً لذنوب هؤلاء جميعاً.

ثم ما هو مصير أولئك الذين ماتوا قبل الصلب، ماتوا وقد تسربلوا بالخطيئة أين كان مصيرهم إلى أن جاء المسيح فخلصهم ؟ لماذا تأخر خلاصهم.

والسؤال الأهم تحديد من الذين يشملهم الخلاص ؟ هل هو لكل الناس أم للمؤمنين فقط ؟ وهل هو خلاص من جميع الخطايا أم من خطيئة آدم؟

لعل الإجابة عن هذين السؤالين من أصعب النقاط التي تواجه الفكر المسيحي، فالكنيسة تقول: " آمنوا بأن المسيح صلب لخلاصكم فتخلصون، لأن صلبه فداء لكل خطايا البشر وتكفير لها".

ولنتأمل في إجابة النصارى على هذه الأسئلة التي طرحناها.

يقول أوغسطينوس بأن الإنسان وارث للخطيئة، غير مفدي إلا إذا آمن بالمسيح، ودلالة الإيمان التعميد، فمن عمد فدي ونجا، ومن لم يُعمد لا ينجو ولو كان طفلاً، فإن الأطفال الذين ماتوا قبل التعميد يقول عنهم أكونياس: " سوف لا يتمتعون برؤية ملكوت الرب ".

ولا ندري كيف يبرر أوغسطينوس تعذيب هؤلاء الأطفال وحرمانهم من الملكوت، لا بذنب أذنبوه، بل خطيئة أورثوها من غير حول منهم ولا قوة، ثم قصر آباءهم فلم يعمدوهم.

وأما الذين ماتوا قبل المسيح فإن أوغسطينوس يرى بأنهم أيضاً لا ينجون إلا بالإيمان بالمسيح.

ولم يبين أوغسطينوس كيف يتسنى لهؤلاء الإيمان بالمسيح وقد ماتوا، ولعله أراد ما قاله بطرس عن أن المسيح " ذهب فكرز للأرواح التي في السجن، إذ عصت قديماً، حين كانت أناة الله تنتظر مرة في أيام نوح..." ( بطرس (1) 3/19 )، ومراده ما يقوله النصارى بدخول المسيح إلى الجحيم وإخراجه أرواح الناجين من الجحيم.


هل لغير الإسرائيليين خلاص ؟

إن المتأمل في سيرة المسيح وأقواله يرى بوضوح أن دعوة المسيح كانت لبني إسرائيل، وأنه نهى تلاميذه عن دعوة غيرهم، وعليه فالخلاص أيضاً يجب أن يكون خاصاً بهم، وهو ما نلمسه في قصة المرأة الكنعانية التي قالت له: " ارحمني يا سيد يا ابن داود. ابنتي مجنونة جداً، فلم يجبها بكلمة واحدة، فتقدم إليه تلاميذه، وطلبوا إليه قائلين: اصرفها لأنها تصيح وراءنا، فأجاب وقال: لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة، فأتت وسجدت له قائلة: يا سيد أعني، فأجاب وقال: ليس حسناً أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب.

فقالت: نعم يا سيد، والكلاب تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها. حينئذ أجاب يسوع وقال لها: يا امرأة عظيم إيمانك، وليكن لك كما تريدين، فشفيت ابنتها من تلك الساعة "( متى 15/22 - 28 ) فالمسيح لم يقم بشفاء ابنة المرأة الكنعانية وهو قادر عليه، فكيف يقوم بالفداء عن البشرية جمعاء ؟

ويوضح عبد الأحد داود - في كتابه الإنجيل والصليب - هذا المعنى بقوله: " فها أنذا أقول لهؤلاء المسيحيين الذين يبلغ عددهم الملايين وهم ليسوا من الإسرائيليين: انظروا، إن مسيحكم لم يعرفكم قطعاً ولم ينقل عنه أنه قال عنكم حرفاً واحداً، بل إنه سمى غير الإسرائيليين كلاباً …. أتعلمون ماذا أنتم حسب شريعة موسى ؟ إن الذين لم يختتنوا إنما يعدون ملوثين (نجساً) ".

ويقول أيضاً في تعليقه على قصة المرأة: " المسيح لم يكن ليفدي أحداً بحياته، بل لم يكن يسمح بتقديم قلامة من أظفاره هدية للعالم، فضلاً عن أنه لم يتعهد للروس والإنجليز والأمريكيين بالنجاة، لأنه لم يعرفهم...".

فكما كانت رسالته خاصة في بني إسرائيل، فإن خلاصه خاص ببني إسرائيل بدليل اشتراطهم الإيمان به لحصول الخلاص، وهو أمر لا دليل عليه حيث أن صلب المسيح وموته لا علاقة له بإيمان هؤلاء أو كفرهم، فالصلب قد تم من أجل الخطايا برمتها كما ذكرت النصوص ذلك غير مرة (انظر يوحنا 3/16 - 17، ويوحنا (1) 2/2.. )

والإصرار على نجاة المؤمنين فقط يجعل تجسد الإله نوعاً من العبث، فهو لم يؤد الدور الذي بعث من أجله، إذ عدد المؤمنين بمسألة الفداء أقل بكثير من المنكرين.

ويرد هنا سؤال: ما معنى قول بولس وهو يخاطب نصارى أهل كورنثوس فيقول: " إنه يتضايق لأجل خلاصهم " ( كورنثوس (2) 1/6 )، والمفروض أنهم قد خلصوا ونجوا فمم يخاف بولس عليهم ؟


الدينونة دليل بطلان عقيدة الخلاص :

وتتحدث النصوص المقدسة عند النصارى عن الدينونة والجزاء الأخروي الذي يصير إليه العصاة والمذنبون من النصارى وغيرهم، وهو مبطل لمعتقدات كافة الفرق النصرانية في الفداء.

فالنصارى يتحدثون في أناجيلهم عن الدينونة التي يعطيها الله يومئذ للمسيح، ففي يوحنا " وقد أعطاه السلطان لأن يدين، لأنه ابن إنسان " ( يوحنا 5/27 ).

كما تتحدث النصوص المقدسة أيضاً عن وعيد في النار لبعض أبناء البشر، فدل ذلك على أنهم غير ناجين " متى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة والقديسين معه فحينئذ يجلس على كرسي مجده... ثم يقول أيضاً للذين عن اليسار: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته.. " ( متى 25/31 - 42 ).

ومثله قوله: " يرسل ابن الإنسان ملائكته فيجمعون في ملكوته جميع المعاثر، وفاعلي الإثم، ويطرحونهم في أتون النار " ( متى 13/41-42 ).

ومثله أيضاً قول متى: " وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي " ( متى 12/32 ).

ومثله تهديد يوحنا المعمدان لبني إسرائيل من الاتكال على النسب من غير توبة وعمل صالح، إذ يقول: " يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي، فاصنعوا أثماراً تليق بالتوبة، ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم: لنا إبراهيم أباً " ( متى 3/7 - 9 ).

ويقول المسيح لهم: " أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم " ( متى 23/33 )، فلم يحدثهم عن الفداء الذي سيخلصون به من الدينونة.

بل توعدهم بجهنم فقال أيضاً: " خير لك أن يهلك أحد أعضائك، ولا يلقى جسدك كله في جهنم " (متى 5/29).

وفي التوراة: " أليس ذلك مكنوزاً عندي، ومختوماً عليه في خزائني: لي النقمة والجزاء في وقت تزل أقدامهم " ( التثنية 32/34 ).

ومثله ما جاء في سفر حزقيال حيث توعد الله الذي لا يتوبون من بني إسرائيل أو غيرهم فقال: " توبوا، وارجعوا عن أصنامكم وعن كل رجاساتكم... لأن كل إنسان من بيت إسرائيل أو من الغرباء... إذا ارتد عني... أجعل وجهي ضد ذلك الإنسان، وأجعله آية ومثلاً واستأصله "( حزقيال 14/6 - 8 ).

وقد خاطب المسيح تلاميذه: " فإني أقول لكم: إنكم أن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات.. وأما أنا فأقول لكم أن كل من يغضب على أخيه باطلاً، يكون مستوجب الحكم، ومن قال لأخيه: رقا، يكون مستوجب المجمع، ومن قال: يا أحمق، يكون مستوجب نار جهنم" (متى 5/20-23).

فلو كان الناس كلهم ينجون بالفداء كما قال البرتستانت، لما كان لهذه النصوص معنى.

ثم إن كان الفداء عاماً لكل البشر ولكل الخطايا، فإن هذا الفداء يشمل الإباحيين الذين يرتكبون الموبقات ويملؤون الأرض بالفساد، وتكون عقيدة الفداء دعوة للتحلل والفساد باسم الدين.

ثم القول بفداء الجميع يجعل ضمن الناجين أعداء الأنبياء كفرعون وقارون واليهود الذي تآمروا على المسيح، كما يشمل يهوذا فلماذا تركه المسيح ينتحر؟ ولماذا لم يخبره بأن خلاصه قريب جداً، وأن لا داعي للانتحار.


نقض الناموس :

إن أبرز ما يلحظه الدارس لعقيدة الفداء اقترانها ببولس منذ نشأتها، وقد أراد بولس منها أن تكون ذريعة لإلغاء الشريعة والناموس، حيث جعل الخلاص بالإيمان فقط من غير حاجة للعمل الصالح، فأضحى الفداء ليس مجرد خلاص من الذنوب، بل هو خلاص حتى من العمل الصالح.

وقد أكثر بولس من التجريح للشريعة الموسوية ومن ذلك قوله: " فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها، إذ الناموس لم يكمل شيئاً، ولكن يصير إدخال رجاء أفضل به نقترب إلى الله " ( عبرانيين 7/18 - 19 )

ويقول عن الناموس أيضاً: " وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال " ( عبرانيين 8/13 ).

ويقول عنه: " فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب لما طلبت موضع لثانٍ " ( عبرانيين 8/7 )

ويتجنى بولس على شريعة الله فيعتبرها سبباً للخطيئة فيقول: " لم أعرف خطيئة إلا بالناموس، فإني لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس: لا تشته... لأن بدون الناموس الخطيئة ميتة.. لما جاءت الوصية عاشت الخطيئة فمت أنا " ( رومية 7/7 - 9 ).

ويسمى الشريعة لعنة فيقول: " المسيح افتدانا من لعنة الناموس " ( غلاطية 3/13 )

وقد سماه لعنة لأنه بسبب اللعنة عند عدم الامتثال لأوامره " لأن جميع الذين هم من أعمال الناموس هم تحت لعنة، لأنه مكتوب: ملعون كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في الكتاب الناموس ليعمل به، ولكن أن ليس أحد يتبرر بالناموس عند الله " ( غلاطية 3/10 - 11 ).

ويعلن عن عدم الحاجة إليه بعد صلب المسيح فيقول: " قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان، ولكن بعد ما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب " ( غلاطية 3/24 - 25 ).

ويؤكد إبطال الناموس فيقول: " سلامنا الذي جعل الاثنين واحد... مبطلاً بجسده ناموس الوصايا " ( أفسس 2/14-5 ).

ويقول: " الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس، بل بإيمان يسوع، لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما " ( غلاطية 2/16 )

وهؤلاء الذين يصرون على العمل بالناموس يسيئون للمسيح " قد تبطلتم عن المسيح أيها الذين تتبررون بالناموس " ( غلاطية 5/4 ) لأنه " إن كان بالناموس بر فالمسيح إذا مات بلا سبب " (غلاطية 2/21 )، " أبناموس الأعمال، كلا بل بناموس الإيمان إذا نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس " ( رومية 3/27-28 ).

وجعل بولس الإيمان سبيلاً للبر والنجاة كافياً عن الناموس والأعمال التي عملها اليهود ولم يحصلوا بها على البر " إن الأمم الذين لم يسعوا في أثر البر أدركوا البر، البر الذي بالإيمان، ولكن إسرائيل وهو يسعى في أثر ناموس البر لم يدرك ناموس البر، لأنه فعل ذلك ليس بالإيمان، بل كأنه بأعمال الناموس، فإنهم اصطدموا بحجر الصدمة " ( رومية 9/30 - 31 ).

ويقول أيضاً: " الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة لا بمقتضى أعمالنا، بل بمقتضى القصد والنعمة التي أعطيت لنا في المسيح يسوع الذي أبطل الموت، وأنار الحياة والخلود " ( تيموثاوس (2) 1/9 - 10 ).

ويواصل: " ظهر لطف فخلصنا الله وإحسانه، لا بأعمال في بر عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس " ( تيطس 3/4 - 5 ).

ولذلك فإن بولس يعلن إباحته لكل المحرمات من الأطعمة مخالفاً التوراة وأحكامها ( انظر التثنية 14/1-24)، فيقول: " أنا عالم ومتيقن في الرب يسوع أن لاشيء نجس في حد ذاته، ولكنه يكون نجساً لمن يعتبره نجساً "( رومية 14/14 )، ويقول: " كل شيء طاهر للأطهار، وما من شيء طاهر للأنجاس" (تيطس 1/ 15 )، " لأن كل خليقة الله جيدة، ولا يرفض شيء إذا أخذ مع الشكر" ( تيموثاوس (1) 4/4 ).

وهكذا وفي نصوص كثيرة أكد بولس أن لا فائدة من العمل الصلح والشريعة في تحصيل النجاة، وأن البر إنما يتحقق بالإيمان وحده، وقد كان لهذه النصوص صدىً كبيراً في النصرانية ونظرتها للشريعة.

فيقول لوثر أحد مؤسسي المذهب البروتستانتي " إن الإنجيل لا يطلب منا الأعمال لأجل تبريرنا، بل بعكس ذلك، إنه يرفض أعمالنا.... إنه لكي تظهر فينا قوة التبرير يلزم أن تعظم آثامنا جداً، وأن تكثر عددها ".

ويقول في تعليقه على يوحنا 3/16: " أما أنا فأقول لكم إذا كان الطريق المؤدي إلى السماء ضيقاً وجب على من رام الدخول فيه أن يكون نحيلاً رقيقاً... فإذا ما سرت فيه حاملاً أعدالاً مملوءة أعمالاً صالحة، فدونك أن تلقيها عنك قبل دخولك فيه، وإلا لامتنع عليك الدخول بالباب الضيق.. إن الذين نراهم حاملين الأعمال الصالحة هم أشبه بالسلاحف، فإنهم أجانب عن الكتاب المقدس. وأصحاب القديس يعقوب الرسول فمثل هؤلاء لا يدخلون أبداً ".

ويقول: " إن السيد المسيح كي يعتق الإنسان من حفظ الشريعة الإلهية قد تممها هو بنفسه باسمه، ولا يبقى على الإنسان بعد ذلك إلا أن يتخذ لنفسه، وينسب إلى ذاته تتميم هذه الشريعة بواسطة الإيمان، ونتيجة هذا التعليم هو أن لا لزوم لحفظ الشريعة، ولا للأعمال الصالحة ".

ويقول ميلا نكتون في كتابه " الأماكن اللاهوتية ": " إن كنت سارقاً أو زانياً أو فاسقاً لا تهتم بذلك، عليك فقط أن لا تنسى أن الله هو شيخ كثير الطيبة، وأنه قد سبق وغفر لك خطاياك قبل أن تخطئ بزمن مديد ".

ويقول القس لبيب ميخائيل: " الأعمال الصالحة حينما تؤدى بقصد الخلاص من عقاب الخطيئة تعتبر إهانة كبرى لذات الله، إذ أنها دليل على اعتقاد من يقوم بها، بأن في قدرته إزالة الإساءة التي أحدثتها الخطيئة في قلب الله عن طريق عمل الصالحات... وكأن قلب الله لا يتحرك بالحنان إلا بأعمال الإنسان، وياله من فكر شرير ومهيمن "، وهذا ما قاله بولس " الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس.. لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما.. لأنه إن كان الناموس بر، فالمسيح إذاً مات بلا سبب " ( غلاطية 2/16 - 21 ).

وهكذا كانت عقيدة الخلاص البولسية سبيلاً لإلغاء الشريعة والتحلل من التزاماتها.


الخلاص والأعمال عند المسيح وتلاميذه :

وإذا كان بولس ولوثر ومن بعده لا يريان للأعمال والناموس فضلاً في تبرير الإنسان وفدائه فإن ثمة نصوص كثيرة تشهد بغرابة هذه الفكرة، وأن الأعمال هي الطريق إلى ملكوت الله.

ومن ذلك أن المسيح لم يذكر شيئاً عن الخلاص بغير عمل في نصائحه لأتباعه فقد جاءه رجل: " وقال له: أيها المعلم الصالح: أية صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية ؟

فقال له: لماذا تدعوني صالحاً، ليس أحد صالح إلا واحد وهو الله، ولكن إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا. قال له أية الوصايا ؟ فقال يسوع: لا تقتل. لا تزن. لا تسرق. لا تشهد بالزور... " ( متى 19/16 - 20 )

فلم يطلب منه المسيح الإيمان فقط، بل طالبه بالعمل بما جاء في وصايا موسى عليه السلام (انظر الخروج 20/1 - 7 ).

وفي مرة أخرى قال لهم المسيح: " فإني أقول لكم: إن لم يزد بِركم على الكتبة والفريسيين، فلن تدخلوا ملكوت السماوات " ( متى 5/20 ).

ويشرح النص العلامة ديدات: " أي لا جنة لكم حتى تكونوا أفضل من اليهود. وكيف تكونون أفضل من اليهود، وأنتم لا تتبعون الناموس والوصايا ؟ ".

وفي موضع آخر يقول ينبه إلى أهمية الكلام وخطره، فيقول: " أقول لكم: إن كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساباً يوم الدين، لأنك بكلامك تتبرر، وبكلامك تدان" (متى 13/36-37).

وأكد المسيح على أهمية العمل الصالح والبر، فقال للتلاميذ: " ليس كل من يقول: لي يا رب يا رب، يدخل ملكوت السموات. بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات، كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب، أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة، فحينئذ أصرّح لهم: إني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (متى 7/20-21).

وضرب بعده لتلاميذه مثلاً بيّن فيه حال العامل بالناموس فقال لهم: " لماذا تدعونني يا رب يا رب. وأنتم لا تفعلون ما أقوله، كل من يأتي إلي، ويسمع كلامي، ويعمل به، أريكم من يشبه ؟

يشبه إنساناً بنى بيتاً وحفر وعمق، ووضع الأساس على الصخر، فلما حدث سيل صدم النهر ذلك البيت، فلم يقدر أن يزعزعه لأنه كان مؤسساً على الصخر.

وأما الذي يسمع ولا يعمل فيشبه إنساناً بنى بيته على الأرض ومن دون أساس، فصدمه النهر حالاً، وكان خراب ذلك البيت عظيماً " ( لوقا 6/46 - 49 ).

ويلاحظ أدولف هرنك أن رسائل التلاميذ خلت من معتقد الخلاص بالفداء، بل إنها جعلت الخلاص بالأعمال كما جاء في رسالة يعقوب " ما المنفعة يا إخوتي إن قال أحد:إنّ له إيماناً، ولكن ليس له أعمال. هل يقدر الإيمان أن يخلصه ؟ " الإيمان أيضاً إن لم يكن له أعمال ميت في ذاته.. الإيمان بدون أعمال ميت " ( يعقوب 2/14 – 20 ).

ويقول: " كونوا عاملين بالكلمة، لا سامعين فقط خادعين نفوسكم " ( يعقوب 1/22 )، ويقول: " الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هي هذه: افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم، وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم "( يعقوب 1/27 ) ومثل هذا كثير في أقوال المسيح والحواريين.

والعجب أن بولس نفسه الذي أعلن نقض الناموس وعدم فائدة الأعمال، وأن الخلاص إنما يكون بالإيمان، هو ذاته أكد على أهمية العمل الصالح في مناسبات أخرى منها قوله " إن الذي يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضاً... فلا تفشل في عمل الخير لأننا سنحصده في وقته " ( غلاطية 6/7).

ويقول: " بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون " ( رومية 2/13 ).

ومنها قوله: " ليس الختان شيئاً وليست الغرلة شيئاً، بل حفظ وصايا الله " ( كورنثوس (1) 7/19 ).

وفي رسالته لتيموثاوس يقول بولس: " أوصي الأغنياء... وأن يصنعوا صلاحاً، وأن يكونوا أغنياء في أعمال صالحة وأن يكونوا أسخياء في العطاء، كرماء في التوزيع، مدخرين لأنفسهم أساساً حسناً للمستقبل، لكي يمسكوا بالحياة الأبدية " ( تيموثاوس (1) 6/17 - 19 ).

ويقول: " كل واحد سيأخذ أجرته حسب تعبه" (كورنثوس (1) 3/8).

وأخيراً فإن بولس بتنقصه السالف للناموس وإبطاله له مستحق للوعيد الشديد الذي جعله المسيح لمثل هذا الفعل وذلك بقوله: " لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض، بل لأكمل، فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد، أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل، فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى، وعلم الناس هكذا يدعى: أصغر في ملكوت السماوات " ( متى 5/17 - 19 ).

وفي شأن الناموس وتعظيمه قال المسيح: " زوال السماء والأرض أيسر من أن تسقط نقطة واحدة من الناموس " ( لوقا 16/17 ).

وجاء في سفر التثنية " ملعون من لا يقيم كلمات هذا الناموس ليعمل بها " ( التثنية 27/26 ).

غير معرف يقول...

((((((((((((((((((((((((((((عقيدة إلـهية المسيح لدى فرق النصارى المختلفة و تطورها عبر التاريخ)))))))))


يقـرّر دستور الإيمان المسيحي الذي أقرته كنيسة روما العامة، بناء على قرار مجمع نيقية المسكوني للأساقفة عام 325 م. أن :

يسوع المسيح (هو) ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مسا و للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء، الذي من أجلنا نحن البشر و من أجل خلاصنا، نزل من السماء و تجسَّد من الروح القدس و من مريم العذراء و تأنَّس و صُلِب عنَّا على عهد بيلاطس البنطي و تألم و قبر و قام في اليوم الثالث "[1] .

تلك هي عبارة دستور إيمان النصارى بالمسيح بحروفـها، و هي ـ كما نرى ـ صريحة في النص على إلـهية المسيح و أنه إله حق غير مخلوق ـ أي أزلي بلا بداية ـ و أنه مساو للآب في جوهريته: أي في ألوهيته.

لكن دستور الإيمان هذا، حسب ظاهره، يؤدي للقول بتعدد الآلهة، باعتباره يثبت الغيرية بين الآب ( الله ) و الابن ( المسيح ) من جهة، مع تأكيده بنفس الوقت على إلـهية كل منهما و تساويهما في الألوهية.

إذن صار عندنا إلـهان اثنان! و هذا يتناقض بظاهره مع إيمان المسيحية القاطع بوحدانية الله، لذا لا بد من تفصيل تلك العقيدة المجملة، و بيان شرح مختلف فرق النصارى لها، لتتضح حقيقة ما يعتقده إخواننا النصارى حول المسيح و علاقته بالله عز و جل حسبما جاء في كتب عقائدهم و تقريرات لاهوتييهم، فنقول:

يعتقد الجمهور الأعظم من النصارى أن الله تعالى واحد ذو أقانيم ثلاث، و الأقنوم لفظة يونانية تعني الشخص Person، و هذه الأقانيم أو الأشخاص الثلاث هي: شخص الآب، و هو الخـالق لكل شيء و المالك و الضابط للكل، و شخص ابنه، المولود منه أزلا المساوي لأبيه في الألوهية و الربوبية لأنه منه، و شخص الروح القدس[2] ، و هذه الأقانيم الثلاثة متحدة في الجوهر و الإرادة و المشيئة، إلا أن هذا لا يعني أنها شخص واحد بل هم أشخاص ثلاثة، كل واحد منهم إله كامل في ذاته غير الآخر، فالآب إله كامل، و الابن إله كامل غير الآب، و روح القدس أيضا إله كامل غير الآب و الابن، و لكن مجموع الثلاثة لا يشكل ثلاث آلهة ـ كما هو مقتضى الحساب! ـ بل يشكل إلـها واحدا، و يعترفون أن هذا لا سبيل لفهمه و إدراكه بالعقل و يسمونه "سرّ التثليث".

ثم يعتقدون أن الأقنوم الثاني لله، أي أقنوم الابن، هو الذي تجسد و صار إنسانا حقيقيا، بكل ما في الإنسانية من معنى، و هو المسيح المولود من مريم العذراء، فالمسيح في اعتقادهم إله إنسان، أي هو بشر حقيقي مثلنا تماما تعرض له جميع أعراض الضعف و الاحتياج البشرية، و هو في عين الحال إله قادر كامل الألوهية، و يسمون هذا بـ " سر التجسد ".

و هكذا، فالمسيح، حسب تفسير قانون الإيمان المسيحي الذي تقرر في مجمع خلقيدونية سنة 451 م.، هو شخص واحد ذو طبيعتيـن، طبـيعة إنسـانية (ناسوت) و طبيعة إلهية (لاهوت) فهو إله بشر.

و نتيجة هذه العقيدة أن يكون عيسى المسيح عليه السلام ـ في نظرهم ـ شخص واحد هو خالق و هو نفسه مخلوق، رازق و مرزوق، قديم وحادث! معبود وعابد، كامل العلم و ناقصه، غني و محتاج!...الخ

أقول: و لو كانت هذه الصفات المتناقضة لشخصين اثنين اتحدا بمظهر واحد لكان هناك مجال لفهم ما يقولون، لكن الذي يعسر على العقل فهمه بل يستحيل فهمه و قبوله عقلا هو أن تكون هذه الصفات لشخص واحد و ذات واحدة.... لأن هذا بمثابة أن نقول أن هذا الشكل مربع و دائرة بنفس الوقت، أو موجود و معدوم بنفس الوقت؟! لكن على أي حال الكنيسة الغربية تؤمن بذلك و تقر بأن هذا لا سبيل للعقل البشري القاصر أن يفهمه و يدركه و لذلك تعتبره سرا من أسرار الله و تسميه، كما قلنا، بـ " سر التجسد ".

ما تقدم كان عقيدة جمهور المسيحيين أي: الروم الكاثوليك (اللاتين) أو الكنيسة الغربية التي رئاستها في روما، و الروم الأرثوذكس، أي الكنيسة الشرقية اليونانية الأورثوذكسية التي رئاستها في القسطنطينية ( و التي انفصلت عن الكنيسة الغربية عام 879 م.)، و البروتستانت بفرقهم المختلفة من أنجليكان ولوثريين و إنجيليين و غيرهم... الذين خرجوا من بطن الكنيستين السابقتين في القرن السادس عشر الميلادي و ما تلاه، لكن هناك طائفتين قديمتين من النصارى لم تعترفا أبدا بقرار مجمع خلقيدونية المذكور، الذي نص على أن المسيح شخص واحد في طبيعتين، و هما: النساطرة أتباع نسطوريوس و اليعاقبة أتباع يعقوب البرادعي.

أما النساطرة ـ و هم أقلية قليلة العدد تتوطن حاليا شمال غرب إيران وجنوب شرق تركيا و شمال العراق و عدد من المناطق الأخرى و يسمون كذلك بالآشوريين ـ فهم يميزون في المسيح بين شخصين: شخص عيسى البشر المولود من مريم العذراء الذي هو إنسان بشر محض، و شخص الله الابن، أو ابن الله الذي هو إله كامل، المتحد بعيسى الإنسان، حسب زعمهم، فالذي ولد من مريم العذراء هو عيسى الإنسان و ليس الله، و لذلك رفضوا قبول عبارة " مريم والدة الله "، كما أن الذي صُلِبَ ـ في اعتقادهم ـ و تألم و مات، لم يكن الله الابن، بل عيسى الإنسان البشر، و الحاصل أن المسيح في اعتقادهم شخصيتان متمايزتان لكل شخصية طبيعتها الخاصة: البشرية المحضة لعيسى الناصري المولود من مريم العذراء، و الإلهية المحضة لابن الله المتحد بعيسى في اعتقادهم.

و على النقيض من ذلك تماما الطائفة الأخرى و هم اليعاقبة، الذين يرون أن عيسى المسيح شخص واحد فقط، لا شخصان، و ليس هذا فحسب، بل هذا الشخص الواحد ذو طبيعة واحدة أيضا، و لذلك يُسمَّوْن أيضا بالمونوفيزيين، أي القائلون بالطبيعة الواحدة للمسيح، فاعتقادهم هو أن: أقنوم الابن من الله تجسد من روح القدس و مريم العذراء فصيَّر هذا الجسد معه واحدا وحدة ذاتية جوهرية، أي صار الله (الابن) المتجسد، طبيعة واحدة من أصل طبيعتين، ومشيئة واحدة و شخصا واحدا. و بعبارة أخرى: المركز المسيّر و الطبيعة الحقيقية لعيسى المسيح الذي ولد من مريم هي الألوهية المحضة، فهو الله عينه، أما بشريته فهي مجرد لباس فانٍ في إلـهيته. فلذلك الله تعالى عندهم هو بذاته الذي وُلِدَ من مريم العذراء، لذا فهي والدة الله، و الله نفسه هو الذي عُذِّب و تألم و صلب و مات! ثم قام بعد ثلاثة أيام من قبره حيا. تعالى الله عن ذلك علوَّاً كبيراً.

قلت: و في هؤلاء جاء قوله تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم، قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم و أمه و من في الأرض جميعا و لله ملك السموات و الأرض و ما بينهما يخلق ما يشاء و الله على كل شيء قدير } المائدة /17. و قوله سبحانه كذلك: { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم، و قال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي و ربكم، إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة و مأواه النار وما للظالمين من أنصار } المائدة / 72. و بهذا المذهب اليعقوبي تدين الكنيسة القبطية في مصــر وكنيسة الحبشة التابعة لها، كما هو مذهب السريان الأرثوذكس في بلاد الشام، و مذهب الكنيسة الأرمنية الغريغورية.

أما مذهب الجمهور الأعظم فهو الذي قال الله تعالى في شأنه: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة و ما من إله إلا إلـه واحد، و إن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم } المائدة / 73.

و الحاصل أن جميع الفرق المسيحية تتفق على أن المسيح بشرٌ وإلهٌ بنفس الوقت! و إنما تختلف عن بعضها في مدى تأكيدها و إبرازها لأحد الجانبين الإلهية أو البشرية في المسيح، فاليعاقبة يؤكدون الجانب الإلـهي أكثر و على عكسهم النساطرة الذين يبرزون أكثر الجانب البشري في حين يطرح الجمهور الأعظم رؤية متوازية و متعادلة للجانبين الإلـهي و البشري دون ترجيح أي منهما على الآخر.

بهذا نكون قد عرفنا عقيدة مختلف الفرق النصرانية بإلهية المسيح و كيفية تفسيرهم لهذه العقيدة. لكن هل آمن جميع المسيحيين دون خلاف بهذه العقيدة؟ هذا ما تجيب عنه الفقرة التالية :

- عقيدة تأليه المسيح بين الرفض و القبول في الأوساط المسيحية عبر التاريخ :

يعترف جُلُّ المؤرخين المسيحيين، أن هذا الاعتقاد بإلهية المسيح لم يصبح عقيدة مستقرة و سائدة بين المسيحيين إلا بعد انقضاء عهد الحواريين و عهد التلاميذ الأوائل للمسيح عليه السلام، أي بعد انقضاء قرن على الأقل على انتقال المسيح و رفعه، أما قبل ذلك، أي في القرن الأول لبعثة المسيح، فكانت مذاهب الناس في المسيح لا تزال متشعبة، فغالبية اليهود المعاصرين له أبغضوه و أنكروا رسالته من الأساس و اعتبروه ساحرا و دجالا ـ حاشاه من ذلك ـ و صرفوا جهودهم لمحاربة أتباعه و القضاء على دعوته، و في المقابل آمن به عدد من يهود فلسطين ممن تجرد لله تعالى و كان تقيا مخلصا، و رأوا فيه المسيح المبشر به في الكتب المقدسة السابقة، و من هؤلاء الحواريون، الذين تدل كتاباتهم و رسائلهم أنهم كانوا يرون في المسيح نبيا بشرا، و رجلا أيده الله تعالى بالمعجزات الباهرة ليرد الناس إلى صراط الله الذي ضلوا عنه و ابتعدوا عنه، و ليعلن بشارة الله تعالى بالرحمة و الغفران و الرضوان للمؤمنين التائبين... كما وجد في ذلك القرن الأول و ما بعده يهود تشبعوا بأفكار الفلسفة اليونانية سيما الأفلاطونية الحديثة منها وتشربت بها قلوبهم فنظروا للمسيح و لارتباطه بالله عز و جل بمنظار ما كانوا مشبعين به من تلك الفلسفة حول الإلـهيات، و ما تعلمه حول "اللوجوس" أي العقل الكلي الذي ترى فيه أول ما فاض عن المبدأ الأول ـ أي الله ـ فاللوجوس هو الوسيط بين الله في وحدته و بساطته المتناهية و بين العالم المتكثر، و به و فيه خلق الله العالم و الكائنات.... فطابقوا بين المسيح و اللوجوس، و كل هؤلاء كانوا يرون المسيح مخلوقاً لِلَّه، فلم يقولوا بإلهية المسيح و لا ساووه مع الآب في الجوهر.

و أخيرا كان هناك المؤمنون الجدد من الأمميين (الوثنيين) و غالبهم آمن بدعوة التلاميذ بعد رحلة المسيح، و هؤلاء كانوا متشبعين بثقافة عصرهم الوثنية الهيلينية التي تنظر للعظماء من أباطرة أو قادة فاتحين أو فلاسفة عظام، على أنهم أنصاف آلهة أو أبناء آلهة هبطت لعالم الدنيا و تجسدت، لخلاص بني الإنسان و هدايتهم.... فصار كثير منهم ينظرون لشخصية المسيح بنفس المنظار، خاصة أنه كان يعبر عن المسيح في لغة الأناجيل بابن الله، فأخذوا البنوة على معناها الحرفي لوجود نظير لذلك في ثقافتهم الوثنية، و رأوا فيه ابن الله الحقيقي الذي كان إلها فتجسد و نزل لعالم البشر لخلاصهم... و لاقت هذه العقيدة رواجا لدى العوام الذين يعجبون بالغلو في رفع مقام من يقدسونه و يؤمنون به و يرون ذلك من كمال الإيمان به و المحبة له، و قد لعبت عدة عوامل سياسية و ثقافية و اجتماعية و حتى لغوية ـ ليس هنا موضع بسطها ـ لصالح الاتجاه الوثني الأخير في النظر لشخصية المسيح، فساد و انتشر، و شيئا فشيئا صار هو الأصل و صارت مخالفته هرطقة و خيانة لحقيقة المسيح، و صار الموحدون، أي الأتباع الحقيقيون للمسيح، فئات ضئيلة عرضة للاضطهاد، يُنْظَر إليها على أنها مبتدعة ضالة!

لكن هذا لا يعني أن الموحدين انتهوا تماما، بل إن التاريخ و الوثائق تثبت أنه و جدت و لا تزال، في كل عصر من عصور تاريخ المسيحية و حتى يومنا هـذا، أعداد غير قليلة من علماء النصارى و عامتهم ممن أنكر تأليه المسيح ورفض عقيدة التجسد و التثليث مؤكدا تفرد الله الآب لوحده بالألوهية و الربوبية والأزلية، و أن المسيح مهما علا شأنه يبقى حادثا مخلوقا، هذا و قد حظي أولئك الأساقفة أو البطارقة الموحدون بآلاف بل عشرات آلاف الأتباع والمقلدين، و ليس ههنا مجال لذكر و استقصاء أسماء كل من نقله التاريخ لنا من أولئك الموحدين الأعلام، و من رام الاطلاع المفصَّل على ذلك فعليه بالكتاب القيِّم المسمى: " عيسى يبشِّر بالإسلام " للبروفيسور الهندي الدكتور محمد عطاء الرحيم، و الذي ترجمه إلى العربية الدكتور (الأردني) فهمي الشما، فقد ذكر فيه مؤلفه الفرق النصرانية الموحدة القديمة و تحدث في فصل كامل عن أعلام الموحدين في النصرانية، استوعب فيها أسماءهم و تراجمهم و كتاباتهم و دلائلهم على التوحيد و أحوالهم و ما لاقوه من اضطهاد و محاربة في سبيل عقيدتهم، ونكتفي هنا بإشارة سريعة لأسماء أشهر الفرق و الشخصيات النصرانية الموحدة البارزة عبر التاريخ: فقد ذكرت المراجع التاريخية النصرانية، التي تتحدث عن تاريخ الكنيسة، أسماء عدة فرق في القرون المسيحية الثلاثة الأولى كانت تنكر التثليث و التجسد و تأليه المسيح و هي: فرقة الأبيونيين، و فرقة الكارينثيانيين، و فرقة الباسيليديين و فرقة الكاربوقراطيين، فرقة الهيبسيستاريين، و فرقة الغنوصيين.

و أما أشهر القساوسة و الشخصيات المسيحية الموحدة القديمة التي تذكرها تلك المصادر فهي :

¨ ديودوروس أسقف طرطوس.

¨ بولس الشمشاطي، و كان بطريركا في أنطاكية و وافقه على مذهبه التوحيدي الخالص كثيرون و عرفوا بالفرقة البوليقانية.

¨ الأسقف لوسيان الأنطاكي أستاذ آريوس (توفي سنة 312 م.)

¨ آريوس أسقف كنيسة بوكاليس في الإسكندرية (250 ـ 336 م.) و قد صار له ألوف الأتباع عرفوا بالآريوسيين و بقي مذهبهم التوحيدي حيا لفترات زمنية طويلة و صار آريوس علما للتوحيد حتى أن كل من جاء بعده إلى يومنا هذا و أنكر التثليث و إلهية المسيح، يصمه رجال الكنيسة الرسميون بأنه آريوسي!!.

¨ يوزيبيوس النيقوميدي أسقف بيروت ثم نقل لنيقوميديا عاصمة الإمبراطورية الشرقية، و كان من أتباع لوسيان الأنطاكي و من أصدقاء آريوس.

أما أشهر الموحدين من رجال الدين و المفكرين المسيحيين المتأخرين فهم :

1) المصلح المجاهد الطبيب الأسباني ميخائيل سيرفيتوسMichael Servitus (1151 ـ 1553): تأثر بحركة الإصلاح البروتستانتية لكنه خطا في الإصلاح خطوات جذرية و جريئة أكثر، فأعلن بطلان عقيدة التثليث و رفض ألوهية المسيح بشدة و كان يسمي الثالوث بـ" الوحش الشيطاني ذي الرؤوس الثلاثة!" و قام بحركة نشطة جدا في الدعوة إلى التوحيد الخالص، و قد اتهمته الكنيسة بالهرطقة و اعتقلته ثم أعدمته حرقا. لكنها لم تستطع إعدام أفكاره وكتاباته التي انتشرت في وسط و شرق أوربا انتشار النار في الهشيم و صار لها عشرات الألوف من الأتباع و المؤيدين.

2) القسيس الروماني فرانسيس ديفيد Francis David (1510 ـ 1579): صار أسقفا كاثوليكيا أولا ثم اعتنق البروتستانتية ثم وصل في النهاية للتوحيد الخالص فأبطل التثليث و نفى ألوهية المسيح، و قد أوجدت أفكاره فرقة من الموحدين في بولونيا و المجر (هنغاريا) و أثرت أفكاره حتى في ملك هنغاريا الذي أصدر بيانا أمر فيه بإعطاء الموحدين حرية العقيدة.

3) اللاهوتي الإيطالي فاوستو باولو سوزيني Fausto Paolo Sozini (1539 ـ 1604): اشتهر باسم سوسيانوس Socianus، نشر كتابا إصلاحيا ينقد عقائد الكنيسة الأساسية من تثليث و تجسد و كفارة و غيرها، ثم توصل للتوحيد الخالص و أخذ يؤكد عليه في كتاباته و رسائله و انتشرت تعاليمه في كل مكان و عرفت مدرسته أو مذهبه اللاهوتي باسم " السوسيانية "، أما مخالفوه فسموا أتباعه بـ " الآريانيين الجدد "(أي أتباع مذهب آريوس القديم). و بعد وفاته جمعت رسائله و كتاباته في كتاب واحد نشر في مدينة "روكوف" Rokow في بولندا، و لذلك أخذ اسم " كتاب العقيدة الراكوفية "، و قد تعرض أتباع السوسيانية لاضطهاد وحشي منظم منذ عام 1638 و حرق الكثير منهم أحياء أو حرموا حقوقهم المدنية و حرقت كتبهم، و في سنة 1658 خُـيِّرَ الناس بين قبول الكاثوليكية أو الذهاب للمنفى، فتوزَّع التوحيديون في أطراف أوربا و ظلوا فئات منفصلة لفترات طويلة، و قد لقيت السوسيانية رواجا عميقا في هنغاريا (المجر) ثم بولندا و ترانسلفانيا (إقليم في رومانيا) و انتشرت منها إلى هولندا ثم بريطانيا و أخيرا سرت للولايات المتحدة الأمريكية و كانت وراء نشوء الفرقة الشهيرة التي تسمت باسم التوحيديين The Unitarians.

4) الأستاذ المحقق البريطاني جون بيدل John Biddle (1615 ـ 1662): يعتبر أبا مذهب التوحيد في إنجلترا، حيث قام بنشاط إصلاحي قوي و رائع في بريطانيا و نشر رسائله التوحيدية المدللة بأقوى البراهين المنطقية على بطلان إلـهية المسيح و بطلان إلـهية الروح القدس، و تفرد الله (الآب) وحده بالإلـهية و الربوبية، و قد تعرض هو و أتباعه لاضطهاد شديد و حوكم و سجن عدة مرات و توفي أخيرا و هو سجين بسبب سوء ظروف السجن و سوء المعاملة فيه و قد أثرت أفكاره في الكثيرين من متحرري الفكر في بريطانيا فآمنوا بها و من أشهرهم: السيد ميلتون Milton (1608 ـ 1674) و السيد إسحاق نيوتن Sir Issac Newton (1642 ـ 1727) العالم الفيزيائي الشهير، و أستاذ علم الاجتماع جون لـوك John Lock (1632 ـ 1704)، و كلهم ساهم بدوره في نقد عقائد و تعاليم الكنيسة المعقدة غير المفهومة كالتثليث و التجسد و إلهامية كل ما في الكتاب المقدس و... الخ بما كتبوه و نشروه من كتب و أبحاث و رسائل قيمة.

5) القسيس البريطاني توماس إيملين Thomas Emlyn (1663 ـ 1741): و كان من القساوسة البروتستانت المشايخية Presbyterian و نشر كتابا بعنوان: " بحث متواضع حول رواية الكتاب المقدس عن يسوع المسيح " بيَّن فيه بطلان القول بإلـهية المسيح و بطلان القول بتساويه مع الآب، فقبض عليه و اتهم بالهرطقة و نفي من بريطانيا لكنه رغم ذلك لم يتوقف عن دعوته للتوحيد التام، و نشر رسائله المدللة بالبراهين القوية من الكتاب المقدس، على نفي إلـهية المسيح أو إلـهية الروح القدس، و وجوب إفراد الله تعالى وحده بالعبادة و الصلوات، و تعتبر رسائله من أقوى و أحسن ما كتب في هذا الباب و كان عدد القساوسة البريسبيتاريين Presbyterians الذين انضموا إليه و آمنوا بآراء آريوس و غيره من الموحدين في بداية القرن الثامن عشر الميلادي عددا لا يستهان به.

6) القسيس البريطاني ثيوفيلوس ليندسيTheophilos Lindsy (1723 ـ 1808): و كان منظم أول جماعة مصلين موحدة في إنجلترا، و كان يؤكد أنه ليست الكنائس فقط مكان عبادة الله، بل للإنسان أن يختار أي مكان لأداء الأدعية و الصلوات لله وحده فقط.

7) القسيس و العالم البريطاني جوزيف بريستلي Joseph Priestly (1733ـ 1804): و كانت أبعد كتاباته أثرا كتاب "تاريخ ما لحق بالنصرانية من تحريفات"و جاء في مجلدين. و قد أثار هذا الكتاب ثائرة أتباع الكنيسة الرسمية و أمروا بإحراقه فيما بعد، كما ألف كتابا رائعا آخر في دحض التثليث و إبطال ألوهية المسيح سماه " تاريخ يسوع المسيح ". هذا و قد اهتم بريستلي كذلك بالكيمياء و اكتشف الأوكسجين الأمر الذي أكسبه شهرة عالمية. و قد هاجر بريستلي في آخر عمره إلى أمريكا و أنشأ هناك الكنيسة التوحيدية Unitarian Church، و توفي في بوسطن.

8) القسيس الأمريكي ويليام إيليري تشانينغ William Ellery Channing (1780 ـ 1842): كان له الفضل في تطوير و إرساء دعائم الكنيسة التوحيدية في أمريكا و بريطانيا و التي يربو عدد أتباعها اليوم على المائة و الخمسين ألفا على الأقل، و ذلك بفضل مواعظه المؤثرة البليغة و خطبه القوية و محاضراته القيمة، هو و مساعده القسيس رالف والدو أيميرسن Ralph Waldo Emerson. و من الجدير بالذكر أن أفكار فرقة الموحدين Unitarians هذه تسربت إلى قادة الحركة التي قامت بتأسيس مدرسة اللاهوت العصرية في جامعة هارفورد الشهيرة في سنة 1861.

9) البروفيسور البريطاني المعاصر جون هيك John Hick أستاذ اللاهوت في جامعة برمنجهام و صاحب الكتاب الممتاز “ The Myth of God Incarnate” أي: أسطورة الله المتجسد، الذي ترجم للعربية و لعدة لغات عالمية، و يضم مقالات له و للفيف من كبار الأساتذة و الدكاترة في اللاهوت و مقارنة الأديان في جامعات بريطانيا، محورها جميعا ما أشار إليه البروفيسور هيك نفسه في مقدمة كتابه ذاك حيث قال ما نصه:

[ The writers of this book are convinced that another major theological development is called for in this last part of the Twentieth Century. The need arises from growing knowledge of Christian origins and involves a recognition that Jesus was (as he is presented in Acts 2.21) “A man approved by God “ for a special role within the Divine purpose, and that the later conception of him as God Incarnate, The Second Person of the Holy Trinity living a human life, is a mythological or poetic way of expressing his significance for us. ].

و ترجمته: [ إن كُتَّاب هذا الكتاب مقتنعين بأن هناك، في هذا الجزء الأخير من القرن العشرين، حاجة ماسة لتطور عقائدي كبير آخر. هذه الحاجة أوجدتها المعرفة المتزايدة لأصول المسيحية، تلك المعرفة التي أصبحت تستلزم الاعتراف بعيسى أنه كان (كما يصفه سفر أعمال الرسل: 2/21): " رجل أيده الله " لأداء دور خاص ضمن الهدف الإلـهي، و أن المفهوم المتأخر عن عيسى و الذي صار يعتبره " الله المتجسد و الشخص الثاني من الثالوث المقدس الذي عاش حياة إنسانية " ليس في الواقع إلا طريقة تعبير أسطورية و شعرية عما يعنيه عيسى المسيح بالنسبة إلينا ].

و أخيرا فإن المتتبع لمؤلفات المحققين الغربيين المعاصرين حول تاريخ المسيحية و تاريخ الأديان و المطالع لما تذكره دوائر المعارف البريطانية و الأمريكية الشهيرة حول المسيح و تاريخ تطور العقيدة النصرانية والأناجيل، يجد أن الغالبية العظمى من هؤلاء المفكرين و الكتَّاب العصريين لا تماري و لا ترتاب في كون غالب العقائد المعقَّدة للكنيسة النصرانية، لا سيما التثليث و التجسد و الكفارة و الأقانيم... ما هي إلا تعبيرات فلسفية بعدية عن رسالة المسيح التي لم تكن إلا رسالة توحيدية أخلاقية بسيطة. ولم يبق إلا القليل جدا من المفكرين و دكاترة اللاهوت و أساتذة علم الأديان الغربيين ممن لا يزال يرى أن عقائد الكنيسة الرسمية تلك تمثل بالضبط نفس تعاليم المسيح و تعكس حقيقة رسالته.

و في الختام أشير إلى أن كثيرا من الفرق النصرانية الجديدة، التي انشقت عن الكنيسة في قرننا هذا و الذي سبقه، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، تتفق على إنكار إلـهية المسيح و إنكار التثليث و رفض فكرة: الله ـ الإنسان، و تنظر لبنوَّة المسيح لله على معنى مجازي لا حرفي، و من أشهر هذه الفرق الجديدة التي قالت بذلك :

¨ فرقة الموحدين أو التوحيديين The Unitarians

¨ فرقة شهود يهْوَه s Witnesses’ Jehovah

¨ فرقة الروحيين The Spiritualist

¨ فرقة العلم المسيحي The Christian Science

مع العلم أن لكل واحدة من هذه الفرق عشرات الكنائس و عشرات آلاف الأتباع من مختلف الطبقات، لا سيما الطبقات المثقفة العصرية، في الولايات المتحدة الأمريكية و كثير من بلدان العالم الأخرى.


--------------------------------------------------------------------------------

[1] كتاب سوسنة سليمان في أصول العقائد و الأديان، لمؤلفه النصراني: نوفل أفندي نوفل، طبع المطبعة الأمريكية في بيروت عام 1922، ص 137.
[2] و الكاثوليك يعتبرون الروح القدس منبثقا من الآب و الابن كليهما في حين يعتبره الروم الأرثوذكس منبثقا من الآب فقط، أما البروتستانت فلا يتعرضون لشيء من ذلك بل يكتفون بالقول بألوهية الروح القدس و أنه أقنوم الذات الإلـهية الثالث.

غير معرف يقول...

(((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((((قانونية العهد الجديد))))))))))))))))))))))

وإذا كانت هذه الأناجيل والرسائل من صنع البشر وتأليفهم، وإذا كان أصحابها لم يدعوا لأنفسهم أنهم يسجلون كلمة الله، فكيف أضحت هذه الكتابات مقدسة وإلهية؟ وأين الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى، والذي يومن به المسلمون ؟


أولاً : الإنجيل الصحيح: إنجيل المسيح

تساءل المحققون طويلاً عن إنجيل المسيح الذي أنزله الله على عيسى ، ذلكم الإنجيل الذي يؤمن به المسلمون والذي تذكره الأناجيل كثيراً .

لكن الإجابة النصرانية هي صمت مطبق وتجاهل لوجود الإنجيل ، فنقطة البدء عندهم للإنجيل أو العهد الجديد تبدأ من الحواريين وهم يسطرون الرسائل والأناجيل .

لكن هذه الرسائل التي ألفت في النصف الثاني من القرن الأول تتحدث في نصوص كثيرة عن إنجيل المسيح ، ولا تذكر شيئاً عن الأناجيل التي لم يكن مرقس - أول الإنجيليين - قد خط شيئاً منها، إذ أن بولس – ولـه أربعة عشر رسالة في العهد الجديد - قتل سنة 62 بينما ألف مرقس أول الأناجيل عام 65م ، ثم تتابعت العشرات من الأناجيل بعد ذلك وهي تشير أيضاً إلى إنجيل المسيح أو إنجيل الله .


نصوص تتحدث عن إنجيل المسيح :

تحدث بولس ثم الإنجيليون عن إنجيل المسيح في نصوص كثيرة منها: قول بولس: " إني أعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعاً عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر .. يوجد قوم يريدون أن يحولوا إنجيل المسيح .. " ( غلاطية 1/6 - 8 ) ، فهو يتحدث عن إنجيل حقيقي يتركه الناس إلى إنجيل آخر مزور.

ومثله قول بولس " بل نتحمل كل شيء لئلا نجعل عائقاً لإنجيل المسيح .. أمر الرب أن الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون " ( كورنثوس (1) 9/12 - 14 ).

ويقول متوعداً: " الذين لا يطيعون إنجيل ربنا يسوع ، الذين سيعاقبون بهلاك أبدي " ( تسالونيكي (2) 1/8 - 9 ) .

وفي الأناجيل الأربعة وسفر أعمال الرسل حديث عن إنجيل حقيقي، ففي أعمال الرسل أن بطرس قام وقال: " أيها الرجال الإخوة : أنتم تعلمون أنه منذ أيام قديمة اختار الله بيننا أنه بفمي يسمع الأمم كلمة الإنجيل ويؤمنون " ( أعمال 15/7 ) .

وعندما سكبت المرأة الطيب عند قدمي المسيح قال: " الحق أقول لكم حيثما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يخبر أيضاً بما فعلته هذه تذكاراً لها ". ( متى 26/13 )، وهو بالطبع لا يقصد إنجيل مرقس الذي ألفه مرقس بعد القصة بسنوات طويلة .

ويقول مرقس: " من يهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل فهو يخلصها ". ( مرقس 8/35).

والملاحظ أن هذه النصوص تتحدث عن إنجيل واحد، وليس الأناجيل الأربعة أو السبعين التي رفضتها الكنيسة، وتسمي النصوص هذا الإنجيل، إنجيل الله، وإنجيل المسيح.

وقد تهرب عموم النصارى من الإقرار بوجود إنجيل حقيقي هو إنجيل المسيح ، فقالوا : لم ينزل على المسيح شيء ، بل الإنجيل هي أقواله الشخصية ، وقد سطرها الإنجيليون ، وهذا بالطبع متسق مع قولهم بألوهية المسيح، إذ لا يليق بالإله أن يؤتى كتاباً فهذا حال الأنبياء .

لكن يرد هذه الدعوى ذكر النصوص التي تحدثت عن وحي الله إلى المسيح منها قوله: " أنا أتكلم بما رأيت عند أبي " ( يوحنا 8/38 ).

وقوله: " أتكلم بهذا كما علمني أبي " ( يوحنا 8/28 ).

ويثبت في موضع آخر أنه يوحى إليه كسائر الأنبياء، فيقول: " الكلام الذي أعطيتني قد أعطيتهم " ( يوحنا 14/24 ).


الإقرار بوجود إنجيل المسيح وفقده :

كما نقل رحمة الله الهندي في كتابه الماتع إظهار الحق عن بعض علماء النصرانية إقرارهم بوجود إنجيل يسوع قبل ضياعه واختفائه ، ومنهم مارش وليكرك وكوب وأكهارن وغيرهم ، يقول أكهارن: " إنه كان في ابتداء الملة المسيحية في بيان أحوال رسالة المسيح رسالة مختصرة يجوز أن يقال أنها هي الإنجيل الأصلي ، والغالب أن هذا الإنجيل كان للمريدين الذين كانوا لم يسمعوا أقوال المسيح بآذانهم ، ولم يروا أحواله بأعينهم ، وكان هذا الإنجيل بمنزلة القلب ".

ويصف الدكتور هارناك هذا الإنجيل فيقول : " والإنجيل الذي قام بتبليغه المسيح إنما كان يتعلق بالأب وحده ، ولا يتعلق بالابن ، وليس ذلك أمراً متضاداً ، كما أنه ليس عقلانية ، وإنما هو عرض بسيط ساذج للحقائق التي بينها مؤلفو الأناجيل " .

يا مسلمون أحضروا إنجيل المسيح !!

ولنا أن نتساءل إن كان هذا الإنجيل مما أمرت الكنيسة بإحراقه ضمن الأناجيل الكثيرة التي حرمتها وأمرت بحرقها في مجمع نيقية .

فكثيراً ما نسمع مطالبة النصارى للمسلمين أن يظهروا إنجيل المسيح الذي يدعونه ، فيجيب العلامة منصور حسين في كتابه الفريد "دعوة الحق بين المسيحية والإسلام": " إنه منذ فجر المسيحية، وبعد رفع المسيح ، وقبل الإسلام كان هناك العديد من الأناجيل ، قبل المسيحيون أربعاً منها فقط .. والباقي - كما وجدنا - طوردت وأحرقت ، والذين طاردوها هم المسيحيون أنفسهم وأحرقوها ، وليس المسلمون ، وليدلنا سيادته ( أي القمص باسيليوس، وهو أحد المرددين لهذه العبارة) عليها ، وحينئذ أدله من بينها على الإنجيل الصحيح ، أما أن يحرقها المسيحيون ، ثم يطالبون المسلمين ... فهذا غير معقول " .

إذاً قد اختفى إنجيل المسيح،وعهدة إحضاره باقية في ذمة النصارى، فكيف نشأت الأناجيل بعد ذلك ؟


ثانياً : تدوين وقانونية العهد الجديد

يقرر عدد من مؤرخي النصرانية انتقال روايات شفاهية تبلورت فيما بعد بحركة دائبة في كتابة سيرة المسيح لتلبية حاجات الكنيسة المسيحية الناشئة ، ونكتفي هنا بنقل ما ذكره يواكيم إرميا في كتابه الذي نشرته الكنيسة المصرية بعنوان " أقوال المسيح غير المدونة في بشائر الأناجيل " فيقول : " ينبغي أن نضع نصب أعيننا حقيقتين أساسيتين عن بشائر الإنجيل وكتابتها : أنه لمدة طويلة ، كانت كل التقاليد المعروفة عن المسيح " كلها أقوال شفاهية متناقلة .. واستمرت على هذه الصورة ما يقرب من خمسة وثلاثين عاماً ، ولم يتغير الوضع إلا في عهد اضطهاد نيرون للمسيحيين ، حينها اجتمع شيوخ الكنيسة وكبارها في خريف عام 64م ، ووجدوا أن الكثيرين من أعمدة الكنيسة قد فقدوا .. ولم يجد المجتمعون أمامهم إلا يوحنا الملقب مرقص زميل الرسول بطرس في الخدمة .. ليسجل كل ما يستطيع أن يتذكره من أحاديث المسيح وتعاليمه ، وكتب مرقص بشارته المختصرة التي تحمل اسمه ، وهي أقدم قصة كتبت عن حياة المسيح .

والحقيقة الثانية : أن قصة مرقس عن المسيح وأقواله قد دفعت غيره ليحذوا حذوه ، وينسجوا على منواله .. وتنشأ بشائر أخرى ...حتى كان هناك عدد لا يستهان به من البشائر ...

ولما رأت الكنيسة أن الأمر جد خطير بدأت في تقصي أسس هذه البشائر الأربعة المعروفة ، واعتبرت ما سواها " بشائر أبو كريفية " ، طوردت وجمعت وأحرقت حتى اختفت ".

ونبه المحققون إلى أمر هام هو أن شيئاً من الأناجيل لم يكن يسمى إنجيلاً في الصدر الأول للنصرانية ، إنما سميت " كاروزوتا " أي موعظة ، وذلك باللغة اليونانية التي وجد بها ما سمي فيما بعد بالأناجيل .

وهذه الكتابات أطلق عليها القديس جوستين في منتصف الثاني اسم " مذكرات الرسل " .

وقد بدأت في أواسط القرن الثاني حركة لتكوين كتاب مقدس للنصارى على غرار ما عند اليهود يقول المدخل الفرنسي للعهد الجديد : " لم يشعر المسيحيون الأولون إلا بعد وفاة آخر الرسل بضرورة تدوين أهم ما عمله الرسل وتولي حفظ ما كتبوه ... ويبدو أن المسيحيين حتى ما يقرب من السنة 150 تدرجوا من حيث لم يشعروا بالأمر إلا قليلاً جداً إلى الشروع في إنشاء مجموعة جديدة من الأسفار المقدسة ، وأغلب الظن أنهم جمعوا في بدء أمرهم رسائل بولس ، واستعملوها في حياتهم الكنسية ، ولم تكن غايتهم قط أن يؤلفوا ملحقاً بالكتاب المقدس ..

ومع ما كان لتلك النصوص من الشأن فليس هناك قبل القرن الثاني ( بطرس (2) 3/16 ) أي شهادة تثبت أن الناس عرفوا مجموعة من النصوص الإنجيلية المكتوبة ، ولا يذكر أن لمؤلَف من تلك المؤلفات صفة ما يلزم ، فلم يظهر ذلك إلا في النصف الثاني من القرن الثاني ... فيمكن القول أن الأناجيل الأربعة حظيت نحو السنة 170 بمقام الأدب القانوني، وإن لم تستعمل تلك اللفظة حتى ذلك الحين ، ...

يجدر بالذكر ما جرى بين السنة 150 والسنة 200 إذ حدد على نحو تدريجي أن سفر أعمال الرسل مؤلف قانوني ، وقد حصل شيء من الإجماع على رسالة يوحنا الأولى ... هناك عدد كبير من المؤلفات ( الحائرة ) يذكرها بعض الآباء ذكرهم لأسفار قانونية في حين أن غيرهم ينظر إليها نظرته إلى مطالعة مفيدة .. وهناك أيضاً مؤلفات جرت العادة أن يستشهد بها ذلك الوقت على أنها جزء من الكتاب المقدس ، ومن ثم جزء من القانون لم تبق زمناً على تلك الحال ، بل أخرجت آخر الأمر من القانون ، ذلك ما جرى لمؤلف هرماس وعنوانه الراعي ، وللديداكي ، ورسالة أكليمنص الأولى ، ورسالة برنابا ورؤيا بطرس "

وهذا الذي ذكرته مقدمة العهد الجديد نستطيع أن نجمله بأن حركة تدوين الأناجيل بدأت بعد موت التلاميذ ، وأخذت شرعيتها في أواسط القرن الثاني كما ساعد في تكوين قانونية العهد الجديد مرقيون الهرطوقي سنة 160م حيث دعا لنبذ سلطة العهد القديم ، واحتاج لتزويد كنيسته بأسفار مقدسة أخرى ، فساهم أتباعه في نشر هذه الأناجيل فقد جمع في عهده إنجيلاً ، وراجعه مراجعة دقيقة ليتمشى مع أفكاره ، وجمع إليه رسالة بولس إلى أهل غلاطية، وهي رسالة تؤكد إبطال الناموس ونقده ، ثم أضاف رسائل بولس إلى أهل كورنثوس وتسالونيكي وأفسس وفيلبي وفليمون .


كيفية اختيار الأناجيل الأربعة :

أما الكيفية التي اختارت بها الكنيسة هذه الأناجيل دون غيرها ، ومكان الاختيار و .... فلا يوجد أي تفصيل عند النصارى عن هذه النقطة سوى ما ذكره المدخل الفرنسي للعهد الجديد : " يبدو أن مقياس نسبة المؤلف إلى الرسل استعمل استعمالاً كبيراً ، ففقد رويداً رويداً كل مؤلف لم تثبت نسبته إلى رسول من الرسل ما كان له من الحظوة ".

ولكن هذا القول إنما يصح لو كانت هذه الأناجيل جميعاً قانونية ، ثم بدأ بعضها يفقد بريقه عند التحقيق والتدقيق ، بينما حصل العكس في تاريخ الكتاب المقدس حين لم يعتبر شيء من هذه الكتب قانونياً ، ثم بدأ في الاختيار فيما بعد، ويقول الأب كنغسر بأن الأناجيل التي رفضت هي التي لا تتفق مع الخط الأرثوذكسي .

لكن المتفق عليه عند مؤرخي الكنيسة أن الأناجيل الأربعة ورسائل بولس قد أقرت في أواخر القرن الثاني ، وكان أول من ذكر الأناجيل الأربعة المؤرخ أرمينيوس سنة 200م تقريباً ، ثم ذكرها كليمنس اسكندريانوس ودافع عنها واعتبرها واجبة التسليم .

فيما بقيت أسفار العهد الجديد موضع نزاع بين الكنائس طوال القرن الثالث ، وقد قبلت بعض الكتب في الكنائس الشرقية كالرسالة إلى العبرانيين ، بينما رفضها أتباع الكنائس الغربية ، وقبلوا رؤيا يوحنا اللاهوتي .


ترتيب الأسفار المقدسة ودلالته :

وكما وقع الخلاف في إلهامية بعض الأسفار وقع الخلاف في ترتيب هذه الأسفار في العهد الجديد ، وهذا الخلاف مهم إذ كل رتب الأسفار حسب ما يعتقد لها من قيمة وقداسة وأهمية ، فالخلاف في الترتيب خلاف في قيمة الأسفار .

وأقدم قائمة رتبت الأسفار كانت في أواسط القرن الرابع وهي قائمة أثناسيوس 367م، وكان ترتيبه كالتالي الأناجيل ثم أعمال الرسل ثم الرسائل الكاثوليكية ثم رسائل بولس ثم سفر الرؤيا، ثم أصدر مجمع روما 382م ترتيباً آخر تلى الأناجيل فيه رسائل بولس ثم رؤيا يوحنا ثم الرسائل الكاثوليكية السبعة ، وأما الترتيب الحالي فكان من قرارات مجمع ترنت 1546م .

وقد بين لنا المحققون من خلال استعراضهم مسيرة الأناجيل ، وتحولها من عمل شخصي إلى عمل قانوني مقدس حقيقة هامة ، وهي أن تقديس هذه الكتب عمل بشري لا يستند إلى دليل من هذه الكتب ، بل هو قرار اختلفت فيه المجامع حتى أقر ، ولو كان من الوحي لما اختلفت فيه المجامع، ولما احتاج إلى قرار كنسي ليصبح مقدساً ووحياً إلهياً . ??????????==========================================================================((((((((((((((((( الأناجيل غير القانونية))))))))))))))))

نظرة تاريخية في الأناجيل غير القانونية :

ظهر في الجيل الأول من النصرانية أناجيل كثيرة - كما تدل على ذلك مقدمة إنجيل لوقا " إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة رأيت أنا أيضاً، إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علّمت به". (لوقا 1/1-4).

ورأينا كيف اعترفت الكنيسة بأربعة أناجيل، ورفضت عدداً من الأناجيل والكتب، أوصلها صاحب كتاب اكسيهومو ( 1810م ) إلى أربعة وسبعين كتاباً ، وعددها فذكر أن منها ما هو منسوب لعيسى وأمه . وللحواريين ، ومنها ما هو منسوب للإنجيليين الأربعة ، وأوصلها بعض الباحثين إلى ما يربو على المائة كتاب ، ومنها ما هو منسوب لجماعات مسيحية قديمة كإنجيل المصريين والناصريين.

وقد سميت بعض هذه الكتب أناجيل كإنجيل بطرس واندرياه ويعقوب وميتاه ( متى ) وإنجيل المصريين لمرقس وبرنابا ، وعددت دائرة المعارف الأمريكية أسماء ستة وعشرين إنجيلاً لا تعترف بهم الكنيسة رغم نسبتهم إلى المسيح وكبار حوارييه.

وقد كانت بعض هذه الكتابات والأناجيل متداولة لدى عدد من الفرق المسيحية القديمة ، وظلت متداولة إلى القرن الرابع الميلادي .

وفي مجمع نيقية 325م أمرت الكنيسة باعتماد الأناجيل الأربعة ورفض ما سواها من غير أن تقدم مبرراً لرفض تلك الأناجيل سوى مخالفتها لما تم الاتفاق عليه في المجمع ، وفي ذلك يقول العالم الألماني تولستوي في مقدمة إنجيله الخاص الذي وضع فيه ما يعتقد صحته " لا ندري السر في اختيار الكنيسة هذا العدد من الكتب وتفضيلها إياه على غيره ، واعتباره مقدساً منزلاً دون سواه مع كون جميع الأشخاص الذين كتبوها في نظرها رجال قديسون .... وياليت الكنيسة عند اختيارها لتلك الكتب أوضحت للناس هذا التفضيل ...إن الكنيسة أخطأت خطأ لا يغتفر في اختيارها بعض الكتب ورفضها الأخرى واجتهادها ... "

وأمرت الكنيسة بحرق جميع هذه الأناجيل لما فيها من مخالفات للعقيدة ، وصدر قرار من الامبرطور بقتل كل من عنده نسخة من هذه الكتب .


ما وصل إلينا من الأناجيل المحرمة :

وهكذا اختفت معظم هذه الأناجيل ولم يصل منها سوى إنجيل برنابا والإنجيل الأغنسطي ، وثلاث قصاصات من إنجيل مريم وبعض شرائح لاتينية وإغريقية وقبطية من إنجيل برثولماوس وإنجيل نيقوديموس كما عثر أخيراً في نجع حمادي بمصر على مقتطفات من إنجيل بطرس وكتاب أعمال يوحنا.

ولعل أهم ما وجد في نجع حمادي مائة وأربعة عشر قولاً منسوباً للمسيح في إنجيل توما الذي يختلف أسلوبه عن الأناجيل الأربعة، إذ لم يسرد قصة المسيح ، بل نقل أقواله ، ويرجع المحقق كويستر هذا الإنجيل إلى منتصف القرن الأول الميلادي ، وأرجعه كيسيبل إلى 140م .

وعثر أيضاً على إنجيل" الحقيقة "والذي اعتبره ايرينوس (180م ) إنجيلاً مزوراً .


الأدلة التاريخية على وجود هذه الأناجيل :

وللتأكيد على وجود هذه الأناجيل في القرن الأول وحتى قبل كتابة الإنجيليين الأربعة لأناجيلهم ننقل ما ذكره لوقا في مقدمته " إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا .. رأيت أنا أيضاً إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به " ( لوقا 1/1 - 4 ) .

وقد استشهد كل من كليمنت الرومي ( 97م ) وبوليكارب ( 112م ) بأقوال للمسيح في صيغ مستقلة غير موجودة في الأناجيل الأربعة .

وقد جمع فايرسيوس ما تبقى من هذه الأناجيل ، وطبعها في ثلاثة مجلدات .


ملاحظات :

وبادئ ذي بدء فإن المحققين سجلوا حول هذه الأناجيل ملاحظات .

- أن ثمة كتب كثيرة ظهرت في القرن الأول، وكلها منسوبة للمسيح وحوارييه.
- أن هذه الأناجيل تخالف عقائد مجمع نيقية ، وبعضها كان خاصاً بفرق مسيحية موحدة .
- أن الكنيسة حين حرمت هذه الأناجيل ، ولم تقدم أدلة على صحة القرار الذي اتخذته .
- أنه كما لا يحق لرجال الكنيسة إعطاء صفة القانونية للأناجيل الأربعة فإنه لا يحق لهم إبطال صحة هذه الأناجيل واعتبارها أبو كريفا ( مزيفة ، خفية )????????????????

غير معرف يقول...

((((((((((((((((((((((((((((((((نفي ألوهية المسـيح في رسائل القديسين بولـس و يوحـنا))))))))))))))


أـ نفي ألوهية المسـيح في رسائل بولـس

يرى كثير من المحققين الغربيين، الذين كتبوا عن المسيحية و عقائدها، في القرنين الأخيرين، و مثلهم كذلك عدد من الكتاب المسلمين، أن بولس ـ القديس الأكبر للنصرانية و صاحب ال 14 رسالة الملحقة بالأناجيل في كتاب العهد الجديد ـ هو واضع فكرة إلـهية المسيح و مبتدع عقيدة التجسد، و كنت أيضا من جملة من يعتقد أن بولس هو الذي أدخل هذه البدعة إلى النصرانية.

إلى أن قيَّض الله تعالى لي اقتناء و مطالعة الترجمة العربية الحديثة للكتاب المقدس، حسب الرواية الكاثوليكية، التي نشرتها الرهبانية اليسوعية في بيروت عام 1989، و المحلاة بالمقدمات لكل ســفر و الحواشي الممتازة المتـضــمنة لشــروح و تعليقات و إحالات مفيدة للغاية إذ تساعد على إدراك معنى كثير من العبارات المتشابهة الغامضة بالرجوع إلى ما يماثلها في المواضع الأخرى من الكتاب المقدس، فتبين لي لدى دراسة رسائل بولس و الاستضاءة بتلك الحواشي، و مراجعة الترجمة الفرنسية العصرية المراجَعة المحققة للكتاب المقدس، وترجمته الإنجليزية العصرية المراجَعة المحققة أيضا، سيما للمواضع المتشابهة و الحساسة في النص العربي، تبين أن عبارات بولس التي يظن عادة أنها نص منه على تأليه المسيح، لا تخرج عن أحد ثلاثة أمور:

1 ـ إما هي ترجمة احتمالية مرجوحة للنص اليوناني الأصلي، الذي يمكن ـ كما تشير الحواشي و الترجمات المختلفة ـ أن يترجم بصورة أخرى، تبعا للتغُّير المحتمل للموضع، المشكوك به، للفاصلة أو النقطة في النص الأصلي، مما يجعل العبارة تتغير تغيرا تاما من نص على إلهية المسيح إلى كلام عن إلهية الله تعالى الآب!.

2 ـ أو هي عبارات مجازية، من الخطأ فهمها على معناها الحرفي الظاهر، و ذلك بدلالة سياق الكلام، و بدلالة القرائن الأخرى، كملاحظة موارد استعمال بولس لنفس هذه الألفاظ في المواضع الأخرى من رسائله، مما يبين أن المراد الحقيقي لبولس من هذه الألفاظ هو معنى مجازي استعاري و ليس المعنى الحرفي.

3 ـ أو هي عبارة تتضمن وصف المسيح بلفظة مشتركة، مثل لفظة: " الربّ "، التي أحد معانيها هو الله، لكن لها معنى آخر هو: السيد، مع وجود قرائن تؤكد أن بولس يريد منها هذا المعنى الثاني غير التأليهي.

و بالتالي اتضح لي لدى التحقيق أنه لا توجد في رسائل بولس أي عبارة أو نص صريح قاطع في تأليه للمسيح، بمعنى اعتباره الله تعالى نفسه الذي تجسد و نزل لعالم الدنيا، بل على العكس، نجد في رسائل بولس، نصوص واضحة و محكمة لا تحتمل أي تأويل، تؤكد أن عقيدة الرجل كانت توحيدية محضة، حيث يؤكد على تفرّد الله تعالى (الآب) بالإلـهية و الربوبية و الخالقية و استحقاق العبادة، و أنه وحده الإلـه الخالق الحكيم القدير بذاته، الذي لم يُرَ و لا يُرَى، الذي أبدع المخلوقات لوحده و أوجد جميع الكائنات بمن فيهم المسيح نفسه، الذي يعتبره بولس بكر كل خليقة، أي أول مخلوقات الله عز و جل، و يصرح بولس بأن الله تعالى إله المسيح و سيده.

نعم يعتقد بولس أن الله تعالى، خلق بالمسيح و فيه سائر الكائنات، أي ينظر للمسيح بمنظار اللوجوس في الفلسفة الأفلوطينية الحديثة التي ترى ـ حسب نظرية الفيض ـ أن اللوجوس (العقل الكلي) هو أول ما فاض عن المبدأ الأول (الله ) و به و فيه وجدت سائر الكائنات، فبولس يرى أن المسيح هو ذلك الكائن الروحي الوسيط الذي فاض عن الله و به و فيه خلق الله سائر الكائنات، و اتخذه الله ابنا حبيبا و جعله الواسطة بينه و بين خلقه، ثم صيره في آخر الزمن، في الميعاد المقرر أزلا، إنسانا بشرا، و أرسله لخلاص بني الإنسان، بعمله التكفيري العظيم، الذي تجلى ـ حسب قول بولس ـ بآلامه و سفك دمه و موته على الصليب، تكفيرا لخطايا البشر و فداء لهم بنفسه، فكرمه الله تعالى لأجل ذلك، و مجَّده و رفع قدره فوق كل الكائنات و أجلسه عن يمينه فوق عرشه (يتفق النصارى هنا على تنزيه الله تعالى عن حدود المكان و الزمان و يفهمون هذه العبارات على نحو غير تجسيمي ) و جعله شفيعا للمؤمنين و قاضيا و حاكما بينهم يوم الدين، ثم ليخضع في النهاية لأبيه الروحي و خالقه و إلهه: الله تعالى الذي هو ـ حسب تعبير بولس ـ الكل في الكل.

تلك هي خلاصة عقيدة بولس في المسيح، كما تترشح من رسائله و تعاليمه، و هي عقيدة، و إن كانت لا تخلو من غلو و خلط بين الدين و الفلسفة اليونانية [1] ، و مبالغة بحق المسيح لا دليل عليها في الإنجيل، إلا أنها مع ذلك حفظت الحد الفاصل بين الله تعالى (الآب) في وحدانيته و تفرده بالقدم و الإلـهية، و بين المسيح المخلوق و الخاضع لأبيه و إلهه الله تعالى ـ على حد تعبير بولس ـ، فلم تشرك المسيح مع الله في الذات و استحقاق العبادة و لا ساوت بينه و بين الله تعالى في الإلهية ـ كما فعل ذلك للأسف دستور الإيمان النصراني الذي قرره مجمع نيقية ـ بل أبقته في دائرة الكائن المخلوق و العبد الخاضع لسلطان الله تعالى العابد له و المتبع لأمره، و بالتالي حافظت على وحدانية ذات الله تعالى.

و فيما يلي سنبين الشواهد على ما نقول، ثم نعقب ذلك بالرد على شبهاتهم من بعض أقوال بولس المشتبهة التي تحتاج لتوضيح.

هذا و سنعتمد في الغالب على الترجمة العربية الحديثة الكاثوليكية للرهبانية اليسوعية في بيروت للعهد الجديد.

______________________


القسم الأول: أقاويل بولـــس الصريحة في نفي إلـــهية المســيح و إفراد الله تعالى وحده بالألوهية

أولاً : أقوال بولـس في توحيد الذات الإلــهية و إفراد الله تعالى بالإلـهية و الربوبية و الخالقية و القدرة المستقلة:

1 ـ يقول بولس في رسالته الأولى إلى أهل قورنتس (و في الطبعات البروتستانتية تسمى كورنثوس ) (8 / 4 ـ 6 ):

" و أما الأكل من لحم ما ذبح للأوثان فنحن نعلم أن لا وثن في العالم، و أن لا إلـه إلا الله الأحد [2]. و قد يكون في السماء أو في الأرض ما يزعم أنه آلهة، بل هناك كثير من الآلهة و كثير من الأرباب، و أما عندنا نحن فـليس إلا إلـه واحد و هو الآب، منه كل شيء و إليه نحن أيضا نصير. و رب واحد و هو يسوع، به كل شيء و به نحن أيضا "

قلت: فهذا النص صريح في انحصار الإلـهية بالله الآب وحده (لا إله إلا الله الأحد ) (و أما عندنا فليس إلا إله واحد: وهو الآب، منه كل شيء)، و أما وصف المسيح بالرب فلا يراد به الإلـهية و إلا لانتفى الحصر لها بالآب الذي كرره في كلامه هنا مرتين، بل المراد ـ كما سنوضحه فيما بعد ـ السيد المعلم.

2 ـ و يقول بولس في رسالته إلى أهل أفسس (4 / 5 ـ 6 ):

" و هناك رب واحد و إيمان واحد و معمودية واحدة، و إلــهٌ واحدٌ أبٌ لجميع الخلق و فوقهم جميعا يعمل بهم جميعا و هو فيهم جميعا "

قلت: فهنا أيضا أكد أن الآب هو وحده الإلــه لجميع الكائنات.

3ـ و يقول بولس في رسالته الأولى إلى طيموتاوس (2 / 5 ):

" لأن الله واحد، و الوسيط بين الله و الناس واحد و هو إنسان أي المسيح يسوع "

قلت: و هذه الجملة غاية في الصراحة و الوضوح في إفراد الله تعالى بالألوهية و نفيها عن المسيح إذ هي تؤكد أولا أن الله واحد، و أن المسيح شيء آخر، حيث هو الواسطة بين الله و الناس، و بديهي أن الواسطة غير الموسوط، علاوة على تأكيده أن المسيح، ككلٍّ، إنسانٌ، و بهذا يتم الفصل بين الله و المسيح بكل وضوح، و تخصص الألوهية لله تعالى وحده فقط، فأنى يؤفكون !!

4 ـ ثم يقول بولس في نفس الرسالة، بعد جملته تلك (6 / 13 ـ 16 ):

" و أوصيك في حضرة الله الذي يحيي كل شيء و في حضرة يسوع المسيح الذي شهد شهادة حسنة في عهد بنطيوس بيلاطس، أن تحفظ هذه الوصية و أنت بريء من العيب و اللوم إلى أن يظهر ربنا يسوع المسيح فسَــيُظْـهِرُه في الأوقات المحددة له:

المبارك العزيز الوحيد ملك الملوك و رب الأرباب، الذي وحده له عدم الموت، ساكنا في نور لا يدنى منه، الذي لم يره أحد من الناس و لا يقدر أن يراه، الذي له الكرامة و القدرة الأبدية، آمين." (حسب الترجمة البروتستانتية )

ذلك السعيد القدير وحده ملك الملوك و رب الأرباب الذي له وحده الخلود و مسكنه نور لا يقترب منه وهو الذي لم يره إنسان و لا يستطيع أن يراه، له الإكرام و العزة الأبدية. آمين."(حسب الترجمة الكاثوليكية للرهبانية اليسوعية )

قلت: و هذا النص أيضا صريحٌ واضحٌ في توحيد الله و اعتباره وحده ملك الملوك و رب الأرباب، كما هو صريح في المغايرة و التمايز بين الله تعالى في مجده و علاه، الذي وحده لا يموت و لا يُرى، و بين المسيح، الذي سيظهره الله.

5 ـ و فيما يلي نص خطبة خطبها بولس في أعيان مدينة أثينا، كما جاءت في أعمال الرسل (17 / 22 ـ 32 ):

" يا أهل أثينة، أراكم شديدي التديّن من كل وجه، فإني و أنا سائر أنظر إلى أنصابكم وجدت هيكلا كتب عليه: إلى الإلـه المجهول!. فَما تعبدونه أنتم و تجهلونه، فذاك ما أبشركم به. إن الله الذي صنع العالم و ما فيه، و هو رب السماء و الأرض، لا يسكن في هياكل صنعتها الأيدي، و لا تخدمه أيدي بشرية، كما لو كان يحتاج إلى شيء. فهو الذي يهب لجميع الخلق الحياة و النفس و كل شيء. فقد صنع جميع الأمم البشرية من أصل واحد، ليسكنوا على وجه الأرض كلها، و جعل لسكناهم أزمنة موقوتة و أمكنة محدودة، ليبحثوا عن الله لعلهم يتحسسونه و يهتدون إليه، مع أنه غير بعيد عن كلٍّ منا. ففيه حياتنا و حركتنا و كياننا، كما قال شعراء منكم: فنحن أيضا من سلالته. فيجب علينا، و نحن من سلالة الله، ألا نحسَبَ اللاهوت يشبه الذهب أو الفضة أو الحجر، إذ مَـثَّـلَه الإنسان بصناعته و خياله. فقد أغضى الله طرفه عن أيام الجهل و هو يعلن الآن للناس أن يتوبوا جميعا و في كل مكان، لأنه حدد يوما يدين فيه العالم دينونة عدل عن يد رجل أقامه لذلك، و قد جعل للناس أجمعين برهانا على الأمر، إذ أقامه من بين الأموات "

قلت: فقد تكلم كلاما جميلا عن الله تعالى و لم يأت بذكر على أن المسيح كان هو ذاك الله الذي تكلم عنه، بل علىالعكس قال أن الله أقام رجلا (أي إنسانا) ليدين العالم عن طريقه و أماته ثم بعثه ليجعله عَلَمَاً و دليلا على يوم القيامة، و هكذا نلاحظ التمايز و الفصل التام بين الله في وحدانيته و المسيح.



ثانياً: أقوال بولس الواضحة في توحيد الأفعال [3] و في توحيد العبودية أي صرف كل مظاهر العبادة مثل الصلاة و الدعاء و الشكر و الحمد والثناء و الاستغاثة و الالتجاء لله الآب وحده دون غيره :

1ـ يقول بولس في رسالته إلى أهل فيليبي (4 / 6 ـ 7 ):

" لا تكونوا في هم من أي شيء كان. بل في كل شيء لترفع طلباتكم إلى الله بالصلاة و الدعاء مع الشكر. فإن سلام الله الذي يفوق كل إدراك يحف قلوبكم و أذهانكم في المسيح يسوع "

قلت: فطلب الحوائج و الصلاة و الدعاء و الشكر يجب رفعها لله تعالى، لكي ينزل الله سكينته على المؤمنين بواسطة المسيح و لكي يثبت قلوبهم ـ في المصاعب ـ على الإيمان و الثقة بالمسيح و محبته.

2 ـ و يقول في رسالته إلى أهل أفسس (3 / 14 ـ 20 ) :

" لهذا أجثو على ركبتي للآب، فمنه تستمد كل أسرة اسمها في السماء و الأرض، و أسأله أن يهب لكم، على مقدار سِـعَة مجده، أن تشتدوا بروحه ليقوى فيكم الإنسان الباطن [4] و أن يقيم المسيح في قلوبكم الإيمان، حتى إذا تأصلتم في المحبة و أسسـتم عليه، أمكنكم أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض و الطول و العلو و العمق و تعرفوا محبة المسيح التي تفوق كل معرفة فتمتلئوا بكل ما لله من كمال. ذاك الذي يستطيع بقوته العاملة فينا أن يبلغ ما يفوق كثيرا كل ما نسأله و نتصوره، له المجد في الكنيسة و في المسيح يسوع على مدى الأجيال و الدهور آمين ".

قلت : فبولس يؤكد أن الصلاة (الجثو على الركبتين )، إنما هي للآب فقط، لأنه منه وحده يستمد كل شيء اسمه و وجوده كما أنه بيده تعالى قلوب العباد و منه تعالى الثبات و التوفيق و الهداية التي ينزلها على من يشاء بواسطة الملائكة و المسيح، فالمسيح هو مَجرَى الفيض و واسطة المدد فحسب، لذا فالتسبيح و المجد لله تعالى المعطي و المفيض، و يا ليت النصارى يأخذون بهذا و يكفون عن عبادة المسيح، و الجثو للصلبان و التماثيل !

3 ـ و يقول في رسالته الثانية إلى أهل قورنتس (1/ 3 ـ 4 و 9 ـ 10 ):

" تبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، أبو الرأفة و إلـه كل عزاء، فهو الذي يعزينا في جميع شدائدنا لنستطيع، بما نتلقى نحن من عزاء من الله أن نعزي الذين هم في أية شدة كانت... لئلا نتكل على أنفسنا بل على الله الذي يقيم الأموات، فهو الذي أنقذنا من أمثال هذا الموت و سـيُـنـقِـذُنا منه: و عليه جَعَـلْـنَا رجاءَنا بأنه سينقذنا منه أيضا. "

ثم يقول في نفس الرسالة أيضا :

".... و إن الذي يثبتنا و إياكم للمسيح، و الذي مسحنا، هو اللــه، و هو الذي ختمنا بختمه و جعل في قلوبنا عربون الروح...

الشكر لله الذي يستصـحبنا دائما أبدا في نصرِهِ بالمسيح و ينشر بأيدينا في كل مكان شذى معرفته... "

4 ـ و يقول في رسالته الأولى لأهل قورنتس (1/ 4 ـ 8 ـ 9. و 15 / 57 ): " إني أشكر الله دائما في أمركم على ما أوتيتم من نعمة الله في المسيح يسوع... و هو الذي يثبتكم إلى النهاية حتى تكونوا بلا عيب يوم ربنا يسوع المسيح. هو الله أمين دعاكم إلى مشاركة ابنه يسوع المسيح ربنا (ثم يقول ):... فالشكر لله الذي آتانا النصر عن يد ربنا يسوع المسيح ".

قلت: في كل هذه العبارات ـ و مثلها الكثير في رسائل بولس ـ نلاحظ التأكيد على أن الله تعالى مولى النعم و مصدر الرحمة و الفيض و موضع الرجاء و الثقة، و هو هادي النفوس و مزكيها و مولى المؤمنين و ناصرهم، أما دور المسيح في ذلك، فهو الوسـيلة و الواسطة التي اختارها الله لينزل رحمته بواسطتها و يفيض تخليصه و هدايته و عزاءه و نصره عبرها، فالرحمة و النعمة الآتية من المسيح مصدرها في الحقيقة هو الله الآب الفياض والمنعم ابتداء و ذاتا، لذا نجد بولس يرفع الشكر و الثناء و الصلاة و التمجيد لله تعالى.



ثالثـاً : أقوال بولـس الصريحة الواضحة في أن اللهَ تعالى إلـهُ المسـيحِ و خالقُهُ و سيدُهُ و أن المسيحَ عبدٌ مخلوقٌ خاضعٌ لسلطان الله :

1 ـ أما أن المسيح عليه السلام مخلوق لله فقد جاء واضحا في رسالة بولس إلى أهل قولسي (أو كولوسي ) (1 /15 ) حيث قال يصف المسيح:

" هو صورة الله الذي لا يرى و بكر كل خليقة "

قلت : أما عبارة صورة الله الذي لا يرى، فسأتكلم عنها مفصلا عندما سنتعرض بعد قليل لتفنيد الشبهات التي يتمسك بها المؤلهون للمسيح من كلمات بولس، أما مرادنا من العبارة فهو وصف المسيح بأنه " بكر كل خليقة " التي تصرح بأن المسيح هو باكورة خليقة الله أي أول مخلوقات الله المتصدر لعالم الخلق، و بديهي أن المخلوق عبد لخالقه و لا يكون إلـها أبدا.

2 ـ و أما أن اللهَُ تعالى إلـهُ المسيح فقد جاء صريحا في قول بولس في رسالته إلى أهل أفسس (1 / 16 ـ 17 ):

" لا أكف عن شكر الله في أمركم، ذاكرا إياكم في صلواتي لكي يهب لكم إلــهُ ربِّنا يسوع المسيحِ، أبو المجد، روحَ حكمة يكشف لكم عنه تعالى لتعرفوه حق المعرفة "

قلت: فهذا بيان صريح في أن الله تعالى، أبا المجد، هو إلــهُ يسوع، و بالتالي يسوع عبده، و هذا نفي قاطع لإلـهية المسيح لأن الإله لا يكون له إلـه !

3 ـ و أما أن المسيح يستمد قوته من الله و يخضع في النهاية، ككل المخلوقات، لله تعالى، فقد جاء صريحا في كلام بولس التالي، في رسالته الأولى إلى أهل قورنتس (كورنثوس): (15 / 24ـ 28 ):

" ثم يكون المنتهى حين يسلِّم (المسيحُ ) المُلْـكَ إلى اللهِ الآبِ بعد أن يكون قد أباد كل رئاسة و سلطان و قوة. فلا بد له (أي للمسيح ) أن يملك حتى ((يجعل جميع أعدائه تحت قدميه ))، و آخر عدو يبيده هو الموت، لأنه ((أخضع كل شيء تحت قدميه )). و عندما يقول: ((قد أخضع له كل شيء )) فمن الواضح أنه يستثني الذي أخضَعَ له كلَّ شيء. و متى أَخضَع له كل شيء، فحينئذ، يخضع الابن نفسه لذاك الذي أَخضَعَ له كلَّ شيء، ليكون اللهُ كل شيء في كل شيء. "

قلت: تظهر من هذا النص الحقائق التالية:

¨ أن المُلْكَ الحقيقيَ الأصيلَ لِلَّهِ الآبِ وحدَه، و أما السلطان و المُلْكُ الذي أوتيه المسيح، فهو من عطاء الله و موهبته، و هو أمانة لأداء رسالة محددة وفق مشيئة الله، ثم يسلم المسيح فيما بعد الأمانة لصاحبها الحقيقي.

¨ أن المسيح لم يخـضِع شيئا من قوات الشر في العالم بقوته الذاتية، بل الله تعالى هو الذي أخضعها له.

¨ أن المسيح نفسَه، بعد أن ينصره الله على قوى الشر و يجعلها تحت قدميه، سيخضع بنفسه لله ليكون الله تعالى وحده الكل في الكل. و يذكرنا هذا بقوله تعالى في قرآنه المجيد: ((و أن إلى ربك المنتهى )).

و كل نقطة من هذه النقاط الثلاث تأكيد واضح على عدم إلـهية المسيح و كونه محتاجا لله و خاضعا له سبحانه و تعالى، و على انحصار الإلهية بالله الآب وحده.

4 ـ و هاك قول آخر لبولس يؤيد أيضا ما قلناه، قال في رسالته الثانية إلى كورنثوس (13 /4 ):

" أجل، قد صُـلِبَ (أي المسيح ) بضعفه، لكنه حيٌ بقوة الله. و نحن أيضا ضعفاء فيه، و لكننا سنكون أحياء معه بقدرة الله فيكم. "

قلت: فما أصرح هذه العبارة في تأكيد عبودية المسيح لله و عدم إلـهيته، حيث يقول أنه أي المسيح ضعيف بنفسه لكنه حي بقوة الله تعالى، مثلنا نحن الضعفاء بأنفسنا و لكن الأحياء بقوة الله تعالى.

5 ـ و أما أن اللهَ تعالى سيدُ المسيح و مولاه الآمرُ له، فجاء واضحا في قول بولس في رسالته الأولى إلى أهل قورنتس أيضا (11 / 3 ):

" و لكني أريد أن تعلموا أن رأس كل رجل هو المسيح و رأس المرأة هو الرجل و رأس المسيح هو الله ".

قلت: من الواضح أنه ليس المراد هنا بالرأس، معناه الحقيقي، بل المراد معنىً مجازيٌّ للرأس هو "الرئيس المُطاع و السيد الآمر" [5]. فهذا النص يقول أنه كما أن الرجل هو سيد المرأة و رئيسها القوام عليها و الذي ينبغي عليها إطاعته [6]، فكذلك المسيح عليه السلام سيد الخلق (في عصره) الذي ينبغي على الناس إطاعته و الامتثال لأمره، و الله تعالى سيد المسيح و رئيسه و القوام عليه، الذي يجب على المسيح إطاعته و الامتثال لأمره. أفليس هذا رد صريح للادعاء بأن المسيح هو الله ذاته أو أنه إله مماثل لأبيه؟‍‍‍‍‍!



رابعاً: تأكيد بولس الدائم، على الغـيـريـّة الكاملة بين الله تعالى و المسـيح عليه السلام و التعبير عنهما دائما ككائنين اثنين و شخصين منفصلين :

من أوضح الأدلة على عدم اعتقاد بولس إلـهية المسيح ما يظهر في كل عبارة من عبارات رسائله من فصل و تمييز واضحين بين الله، و الذي يعبر عنه غالبا بالآب أو أبينا، و المسيح الذي يعبر عنه غالبا بالرب أو ربنا، و اعتبارهما شخصين اثنين و كائنين منفصلين. و توضيح ذلك أن بولس يؤكد أن الله واحد أحد لا إله غيره، كما مر، كما يؤكد ألوهية الآب، و يؤكد أن المسيح غير الآب، فبالنتيجة لا يمكن أن يكون المسيح إلـها ـ في نظر بولس ـ لأنه لو كان إلـها لصار هناك إلـهين اثنين، طالما أن المسيح غير الآب، و هذا ما يؤكده بولس عندما يؤكد أن الله واحد لا إله غيره. و أعتقد أن المسألة واضحة لا تحتاج لتأمل كبير! و الشواهد على هذا الموضوع ـ أعني أن الله غير المسيح و أنهما اثنين ـ من كلام بولس، كثيرة جدا، مر بعضها فيما سبق، و نضيف هنا بعض الشواهد الأخرى لمزيد من التوضيح:

1 ـ الديباجة الدائمة التي يفتتح بها بولس رسائله فيقول:

" عليكم النعمة و السلام من لدن الله أبينا و الرب يسوع المسيح " [7]

2 ـ في رسالته الأولى إلى أهل قورنتس (3 / 22 ):

" كل شيء لكم و أنتم للمسيح و المسيح لله "

3 ـ و في رسالته الثانية إلى أهل تسالونيقي (2 / 16 ـ 17 ):

" عسى ربنا يسوع المسيح نفسه، و الله أبونا الذي أحبنا و أنعم علينا بعزاء أبديٍّ و رجاء حسنٍ، أن يعزيا قلوبكم و يثبتاها في كل صالح من عمل و قول "

4 ـ و في رسالته إلى أهل أفسس (1 / 19 ـ 22 ) يتحدث بولس عن عمل الله الذي عمله في المسيح فيقول:

"... إذ أقامه من بين الأموات و أجلسه إلى يمينه في السموات فوق كل صاحب رئاسة و سلطان و قوة و سيادة و فوق كل اسم يسمى به مخلوق، لا في هذا الدهر وحده بل في الدهر الآتي أيضا، و جعل كل شيء تحت قدميه و وهبه لنا فوق كل شيء رأسا للكنيسة "

و هذا الموضوع نفسه تكرر مرارا في رسائل بولس. انظر على سبيل المثال: أعمال الرسل: 13 / 30، و رسالته إلى أهل رومية: 8 / 11 و 10 / 9، و رسالته الأولى إلى أهل تسالونيقي: 1 / 10، و رسالته إلى أهل أفسس: 1 / 20 و رسالته إلى أهل قورنتس: 6 / 14.

ففي كل هذا تأكيد واضح وضوح الشمس في رابعة النهار على التمييز و الفصل الكامل بين الله و المسيح و أنهما اثنان لا واحد.



خامساً: بولس يصف المسيح بصفات ينفيها عن الله و يـنـزِّه الله عنها:

1 ـ بين بولس مراراً موت المسيح و أنه دفن و بقي في قبره ثلاثة أيام إلى أن بعثه الله تعالى حيا: انظر رسالته إلى رومية: 8 / 34 و 14 / 9، و رسالته إلى أهل غلاطية: 2 / 21، و رسالته إلى أهل فيليبي: 2 / 8.. الخ.

هذا في حين يقول بولس واصفا الله تبارك و تعالى: "..... المبارك العزيز الوحيد، ملك الملوك و رب الأرباب الذي وحده له عدم الموت ساكنا في نور لا يدنى منه، الذي لم يره أحد من الناس و لا يقدر أن يراه، الذي له الكرامة و القدرة الأبدية. آمين. " [8]

2 ـ كما ذكر بولس في رسائله مرارا أن المسيح تألم و عانى الشدائد، فعلى سبيل المثال نجده يقول في رسالته إلى أهل كولوسي ( / 24): "... أفرح في آلامي لأجلكم و أكمل نقائص شدائد المسيح في جسمي لأجل جسده الذي هو الكنيسة "، أو يقول في رسالته الثانية إلى أهل قورنتس (1 / 5 ): " فكما تفيض علينا آلام المسيح، فكذلك بالمسيح يفيض عزاؤنا أيضا ".

هذا في حين أن بولس، لما كان يقوم بالتبشير مع برنابا، في منطقة إيقونية، و ظهرت على أيديهما معجزات في مدينة لسترة حيث أقاما رجلا مقعدا خلقة فجعلاه يمشي ـ كما جاء في سفر أعمال الرسل ـ، و هجم وثنيو المدينة عليهما معتقدين أنهما إلهين نزلا من السماء! و أرادوا أن يقدموا لهما ذبائح!! فصاحا (أي بولس و برنابا ) في أولـئك الوثنيين الجهلة قائلين:

" أيها الرجال! لماذا تفعلون هذا؟ نحن أيضا بشر تحت آلام مثلكم نبشركم أن ترجعوا من هذه الأباطيل إلى الإلـه الحي الذي خلق السموات و الأرض و البحر و كل ما فيها... " أعمال الرسل: 14 / 8 ـ 15.

فاعتبر بولس أن كونه و زميله بشرا تحت آلام أكبر دليل على أنهما ليسا بآلهة. و بالتالي فانطلاقا من هذا المنطق الصحيح لا يمكن أن يكون المسيح إلـها برأي بولس، لأن المسيح أيضا كان بشرا تحت شدائد و آلام كما مر معنا من أقوال بولس التي سقناها آنفا.

______________________


القسم الثاني: شبهات المؤلهين للمسيح من عبارات بولـــس و الرد عليها


الشبهة الأولى

قول بولس عن المسيح: " و هو فوق كل شيء إلـهٌ مباركٌ أبد الدهور ". الرسالة إلى أهل رومة: 9/ 3 ـ 5.


الرد على هذه الشبهة:

في البداية ننقل تمام الفقرة التي جاءت ضمنها تلك الجملة. يقول بولس:

" لقد وددت لو كنت أنا نفسي محروما و منفـصلا عن المسيح في سبيل أخوتي بين قومي باللحم و الدم، أولـئك الذين هم بنو إسرائيل و لهم التبني و المجد و العهود و التشريع و العبادة و المواعيد و الآباء، و منهم المسيح من حيث إنه بشر، و هو فوق كل شيء إلـه مبارك أبد الدهور. آميــن ".

و الآن أقول: إن العبارة التي وضعتُ تحتها خط، عبارةٌ مختلف في ترجمتها. أي أن الأصل اليوناني للعبارة يمكن قراءته على نحو آخر، كما أشارت لذلك الترجمة الفرنسية الحديثة المراجعة للعهد الجديد في حاشيتها فقالت ما نصه:

" On peu traduire aussi: De qui est issue le Christ selon la chair. Que le Dieu qui est au-dessus de toute choses soit beni eternellment. Amen " [9] a

و ترجمته : " نستطيع أن نترجم أيضا (على النحو التالي ): و منهم المسيح حسب الجسد. تبارك الله الذي هو فوق كل شيء أبد الدهور. آميـن."

في هذه القراءة نلاحظ أن الكلام من عند: و منهم المسيح... ينتهي بعبارة: بحسب الجسد." ثم نقطة. ثم تبدأ جملة مستأنفة جديدة هي: " تبارك الله الذي هو فوق كل شيء.. الخ."، و عليه فالكلام، في هذه القراءة، ليس فيه أي تأليه للمسيح.

هذا و لقد أحسَـنَت الترجمة الإنجليزية العصرية المراجَعة للعهد الجديد، حيث لم تذكر هذه القراءة الثانية في الحاشية، بل جعلتها هي الأصل و هي الترجمة الصحيحة المختارة فترجمت العبارة في المتن كالتالي:

“ And Christ , as a human being , belongs to their race. May God , who rules over all , be praised for ever. Amen“ [10] a

و ترجمته: " و المسيح، ككائن بشري ينتمي لعرقهم. ليتبارك الله الذي يحكم فوق الجميع للأبد. آمين. ".



الشبهة الثانية

قول بولـس: ".... منتظرين الرجاء المبارك و ظهور مجد الله العظيم و مخلصنا يسوع المسيح". رسالته إلى تيطس (2/13) بحسب النسخة البروتستانتية.


الرد على هذه الشبهة:

أولاً: العبارة، حتى في صورتها الحالية، لا تدل على ألوهية المسيح، لأن جملة: " و مخلصنا يسوع المسيح " معطوفة على الله العظيم بواو العطف التي تقتضي المغايرة، و العامل في الجملتين هو المصدر: ظهور، أي أن العبارة معناها كالتالي: منتظرين ظهور مجد الله و ظهور مخلصنا المسيح.

ثم ينبغي أن نلاحظ أن الظهور سيكون لمجد الله لا لذات الله، و لا شك أن ظهور نبي الله و سيادته على العالم هو ظهور لمجد الله في الواقع، كما أننا لو قلنا مثلا: لقد ظهرت رحمة الله وقوته بظهور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لا يعني ذلك أن محمداً هو الله ذاته و العياذ بالله!

و ثانياً: ذكرت حاشية الترجمة العربية الحديثة الكاثوليكية للعهد الجديد، بإشراف الرهبانية اليسوعية تعليقا على هذه الفقرة، ما يلي:

" منهم من يترجم: مجد إلـهنا العظيم. و مجد مخلصنا يسوع المسيح ". ثم حاول المحشي أن يثبت رجحان الترجمة الأولى التي في المتن و التي تؤكد حسب زعمه لاهوت المسيح. و كلا الادعائين خطأ. أما كون الترجمة الأولى تؤكد لاهوت المسيح فقد تبين بطلانه، و أما الدليل على عدم رجحان الترجمة الأولى فهو أن كل ما ذكرناه في الفصل السابق من نصوص عن بولـس يؤكد فيها تفرد الآب بالألوهية و أنه إلـه المسيح و خالقه، و أن المسيح عبده الطائع الخاضع لسلطانه، يوجب حمل كل عبارة لبولـس تحتمل معنيين ( أحدهما يجعل المسيح هو الله و الآخر لا يجعله الله ) على المعنى الذي لا يؤله المسيح لكي يبقى كلام بولـس متسقا مع بعضه منسجما غير متناقض. و بتعبير آخر، إن نصوص بولـس الصريحة المحكمة في نفي إلهية المسيح و إفراد الله الآب بالإلـهية، تحكم على النصوص المتشابهة، فتفسر المعنى المراد منها، و هذا ما يعبر عنه في علم التفسير الإسلامي بـرد المتشابه إلى المحكم.

هذا و من المفيد أن نذكر أن الترجمة الإنجليزية العصرية المراجعة للعهد الجديد أوردت في حاشية هذا النص تعليقا يبين هذا الاحتمال الثاني لترجمة العبارة من الأصل اليوناني فقالت:

“ Or: (The Glory of ) the Great God and our Savior Jesus Christ “

أي: " أو (مجد ) الله العظيم و (مجد) مخلصنا يسوع المسيح ".



الشبهة الثالثة

قول بولـس: " الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح، تراءى للملائكة، كُرِزَ به بين الأمم، أومِنَ به في العالم، رُ فِـع في المجد ". رسالته إلى تيموثاوس (3/ 16 ) كما في الترجمة التقليدية البروتستانتية.


الرد على هذه الشبهة:

إن ذكر لفظ الجلالة " الله " كفاعل لفعل " ظهر "، إنما هو اجـتهاد و تصرف من المترجم و لا وجود لهذه اللفظة في الأصل اليوناني بل فعل " ظهر " فيها مذكور بدون فاعل، أي مذكور بصيغة المبني للمجهول " أُظْـهِـرَ "، كما هو حال سائر أفعال الفقرة: كُـرِزَ به بين الأمم، أومنَ به في العالم...

و قد اتبعت الترجمة العربية الحديثة الكاثوليكية الأصل اليوناني بدقة فذكرت فعل ظهر بصيغة المبني للمجهول، و لم تأت بلفظ الجلالة هنا أصلا، و إليكم ما ذكرته بعين حروفه:

" و لا خلاف أن سر التقوى عظيم. قد أُظهِرَ في الجسد، و أُعـلِن بارا في الروح و تراءى للملائكة و بُشِّر به عند الوثنيين و أومن به في العالم، و رُفِـعَ في المجد ".

و نفس الأمر في الترجمتين الحديثتين المراجعتين الفرنســية و الإنـجليزية. و بهذا يبطل استدلالهم بالآية على إلـهية المسيح، لأن الذي ظهر في الجسد هو المسيح، الذي كان كائنا روحيا فيما سبق ـ إذ هو أول خليقة الله حسب عقيدة بولـس ـ و ليس الله.

بالإضافة إلى أن بعض الجمل اللاحقة تؤكد أن الذي ظهر ليس الله و لا هو بإلـه، كعبارة: أُعلِنَ بارّاً في الروح، أو عبارة رُفِعَ في المجد.

حيث أنه من البديهي أن الله تعالى الممجد في علاه القدوس أزلا و أبدا، لا يمكن أن يأتي أحد و يرفعه في المجد أو يعلنه بارّاً في الروح !! إنما هذا شأن العباد المقربين و الرسل المكرمين و حسب.



الشبهة الرابعة

وصف بولس للمسيح بأنه " صورة الله ".


الرد على هذه الشبهة :

قبل تفنيد هذه الشبهة، يجدر بنا أن نذكر الفقرات التي جاء تعبير بولس هذا ضمنها. فالأول جاء في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس (4 / 3 ـ 4) كما يلي :

" فإذا كانت بشارتنا محجوبة، فهي محجوبة عن السائرين في طريق الهلاك. (محجوبة ) عن غير المؤمنين، الذين أعمى أبصارهم إلـه هذه الدنيا لئلا يبصروا نور بشارة مجد المسيح و هو صورة الله ".

و الموضع الثاني جاء في رسالته إلى أهل فيليبي (2 / 5 ـ 8 ) :

" فليكن فيما بينكم الشعور الذي هو أيضا في المسيح يسوع، فمع أنه في صورة الله لم يعد مساواته لله غنيمة بل تجرد من ذاته متخذا صورة العبد و صار مثال البشر و ظهر في هيئة إنسان فوضع نفسه و أطاع حتى الموت موت الصليب " [11].

و الآن نقول: إن وصف بولس للمسيح بأنه " صورة الله "، ليس فيه أي تأليه للمسيح، لأن هذه الصفة تكررت بعينها مرات عديدة في الكتاب المقدس بعهديه القديم و الجديد، و وصف بها الإنسان، بشكل عام و الرجل بشكل عام أيضا، و يفهم من تتبع موارد استعمالها في الكتاب المقدس أنها تعني نوع من التشابه العام أو العلاقة و الترابط بين الإنسان ككل و الله .

فقد جاء في سفر التكوين من التوراة الحالية: " و قال الله: لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا و ليتسلط على أسماك البحر و طيور السماء و البهائم و جميع وحوش الأرض و جميع الحيوانات التي تدب على الأرض، فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه ذكرا و أنثى... " تكوين: 1 / 26 ـ 27.

يقول مفسرو التوراة أن المقصود بكون الإنسان خلق على صورة الله هو ما يتميز به الإنسان عن الجمادات و النباتات و الحيوانات بالعقل الكامل و القدرة على النطق و التعبير عما يريد و بالإرادة و الاختيار الحر و بالاستطاعة و القدرة، فضلا عن السمع و البصر و الحياة و الإدراك و العلم... الخ، أي أن هناك تشابه عام بين صورة الله في صفاته و الإنسان، لذا قال سبحانه أنه خلق الإنسان على صورته [12] ، و بتعبير آخر أن الله شاء أن يخلق مخلوقا تنعكس و تتجلى فيه ومضة من صفاته تعالى من العقل و الإرادة و الاختيار و الحياة و العلم و المعرفة و الكلام و القدرة و السمع و البصر... الخ.

و لما كانت صفات الكمال، من قوة و قدرة و عقل و حكمة، موجودة في الرجل أكثر من المرأة، لذا نجد بولس يعبر عن الرجل ـ كل رجل ـ بأنه " صورة الله " فيقول مثلا في رسالته الأولى إلى أهل قورنتس (11 / 7 ):

" و أما الرجل فما عليه أن يغطي رأسه لأنه صورة الله و مجده "

و طبعا كلما ترقى الإنسان في الكمالات و تخلق أكثر بأخلاق الله، كلما صار أكثر عكسا لصفات الله، و كلما تجلت فيه أسماء الله و صفاته الحسنى كالعلم و القدرة و العزة و العدل و الحلم و الكرم و الرحمة و الرأفة و الصبر و القداسة.... أكثر، لذا نجد بولس يتكلم عن نفسه و عن سائر الأولياء و القديسين فيقول:

" و نحن جميعا نعكس صورة مجد الرب بوجوه " مكشوفة " كما في مرآة، فتتحول إلى تلك الصورة و نزداد مجدا على مجد و هذا من فضل الرب الذي هو روح " قورنتس: 3 / 18.

كما يقول في موضع آخر موصيا المؤمنين بالتخلُّق بأخلاق الله و العيش حياة مسيحية كاملة:

" أما الآن فألقوا عنكم أنتم أيضا كل ما فيه غضب و سخط و خبث و شتيمة. لا تنطقوا بقبيح الكلام و لا يكذب بعضكم بعضا، فقد خلعتم الإنسان القديم و خلعتم معه أعماله، و لبستم الإنسان الجديد ذاك الذي يجدد على صورة خالقه ليصل إلى المعرفة " رسالة بولس إلى أهل قولسي: 3 / 8 ـ 10. فإذا كانت صفة " صورة الله" تقتضي الألوهية، فبمقتضى كلام بولس نفسه ينبغي أن يكون جميع القديسين بل جميع الرجال آلهة! و هذا ما لا يتفوه به عاقل و لا يشك في بطلانه أحد.

و لا شك أن الأنبياء هم المظهر الأتم و الأكمل لأسماء الله الحسنى و صفات جلاله و جماله، فمن هذا المنطلق يعبر بولس عن المسيح بعبارة " صورة الله ".

أما قول بولس عن المسيح، في الشاهد الثاني: " فمع أنه في صورة الله، لم يعد مساواته لله غنيمة، بل تجرد من ذاته متخذا صورة العبد و صار على مثال البشر و ظهر في هيئة إنسان... الخ "، فقد يظن البعض أن فيه تصريحاً بألوهيته لأنه صرح بمساواته لله، و بأنه تجسّد و أخذ صورة العبد و لبس لباس البشر، فصرح بالتجسّد.

فنقول: إن قوله " مساواته لله " ليست إلا تعبيرا آخر عن عبارته " أنه في صورة الله " و التي عرفنا أن المقصود منها أنه لما كان الإنســان الكـامـل مجـلى و صورة تنعكس فيها صفات الحق جـلَّ و علا من عقل كامل و علم و إرادة و اختيار و قدرة و عدل و حكمة، و طهر و قداسة، و حب و رحمة و رأفة..... الخ، لذا عبر عنه بأنه صورة الله، و مماثل لله، فيقول بولس أن المسيح لم يستغل هذا التناظر و التساوي (الصفاتي الصوري) مع الله، لكي يفتخر و يتكبر و لا يخضع لله و يرى أنه صار على مستوى الله، كلا و حاشا، و لعله في هذا يلمِّح إلى آدم الذي ـ حسبما تنقل التوراة التي تشكل خلفية فكر بولس باعتباره كان من أحبار اليهود ـ حاول أن يستغل قدرته و إرادته الحرة للأكل من الشجرة المحرمة ليكون مساويا لله في علمه و أبديته، حيث أن الشجرة ـ حسب نقل تلك التوراة ـ كانت شجرة معرفة الخير و الشر و شجرة الخلد و الملك الذي لا يبلى و لا يفنى، أما المسيح فعلى العكس اختار التواضع و الطاعة لمشيئة أبيه و وضع نفسه و استسلم للموت ـ على حد قول بولس ـ .

و أما قوله عن المسيح أنه صار على مثال البشر و ظهر بهيئة إنسان، فيعود لفكرة بولس عن المسيح التي سبق و شرحناها، و هي أنه يرى في المسيح أول (أو بتعبيره: بكر ) خليقة الله، فكان كائنا روحيا قبل خلق العالم و به و فيه خلق الله سائر الأشياء، فليس في تجسده أي إشارة للألوهية أو دلالة عليها.

و لا يختلف تجسده عن تجسد جبريل الأمين لما ظهر لمريم أو تجسد الملائكة الثلاثة الذين زاروا إبراهيم عليه السلام، إذ من البديهي أن التجسد بحد ذاته لا يعني أكثر من ظهور كائن روحي بمظهر جسدي إنساني أما أن هذا الكائن الروحي كان قبل تجسده إلـها أو غير إلـه، فهذا يحتاج لدليل آخر.

هذا أولا، و ثانيا: إذا نظرنا إلى تتمة كلام بولس، ظهر لنا بكل وضوح انتفاء قصد إلـهية المسيح و استحالة كون المسيح هو الله في نظر بولس، حيث قال: " فوضع نفسه و أطاع حتى الموت موت الصليب، لذلك رفعه الله إلى العلى و وهب له الاسم الذي يفوق جميع الأسماء..." فيليبي: 2 / 8 ـ 9.

فعبارات أنه مات ثم رفعه الله إلى العلا و وهب له الاسم... تصيح بأعلى صوتها أن المسيح ليس الله بل عبد لله، محتاج له، و ليس بإلـه، لأن الإلـه لا يموت و لا يحتاج لمن يرفعه للعلا، و لا لمن يهبه أي شيء !



الشبهة الخامسة

قول بولس عن المسيح: " فقد حسن لدى الله أن يحل به الكمال كله "، ثم قوله: " فـفـيه (أي في المسيح) يحل جميع كمال الألوهية حلولا جسديا " [13]


الرد على هذه الشبهة:

إذا رجعنا لرسائل بولس، عرفنا أن مقصوده من حلول الكمال الإلـهي في شخص ما، ليس معناه أبدا حلول الذات الإلـهية فيه أو اتحادها به و تحول الشخص لله!! بل هو تعبير عن المعية الإلـهية و حصول التأييد و التوفيق الإلـهي بحيث يكون الشخص مجلى تنعكس فيه صفات الله من علم و حكمة و استقامة و قداسة و عدل و رحمة و قدرة خارقة و و.... و الدليل على ذلك أن بولس يرى أن روح الله و كمال الله حال في كل المؤمنين الصادقين و القديسين البارين، حيث يقول في رسالته إلى أهل رومية:

" أما أنتم فلستم تحيون بالجسد، بل في الروح لأن روح الله حال فيكم "

و يقول أيضا في رسالته إلى أهل أفسس:

"... و تعرفوا محبة المسيح التي تفوق كل معرفة، فتمتلئوا بكل ما في الله من كمال "

و من الواضح أن بولـس لا يدعو مسيحيي أفسس أن يصبحوا الله و لا بأن ذات الإلـه حالة في المؤمنين من أهل رومية! و إنما يريد بعباراته: " حلول الكمال الإلـهي " أو " حل به كمال الله " أو " روح الله حال فيه " التعبير عن التأييد الإلـهي للمؤمنين و أن روح الله بمعنى المحبة و القداسة و الأناة و الشفقة و العدل و الحكمة و... الكمالات الإلهية صارت إليهم و معهم و بهم، فصاروا مع الله منقطعين عن أنفسهم و ذواتهم و أهوائهم و عن سائر الأغيار، فانين بكليتهم في الله و إرادته.

و لعل هذا النمط من التعبير يشابه ماورد في الإسلام، في الحديث القدسي الشريف الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ): " إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب و ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه و ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصره به و يده التي يبطش بها و رجله التي يمشي بها... الحديث " [14]



الشبهة السادسة

تعبير بولس عن المسيح بـ "ابن الله"


الرد على هذه الشبهة:

لعل ما ذكرناه سابقا في الفصل الماضي من بيان مقصود لغة الكتاب المقدس من عبارة ابن الله يكفي لتفنيد هذه الشبهة [15] ، حيث يستخدم بولس نفس لغة و تعبيرات الكتاب المقدس، و لكن لمزيد من الإيضاح نورد هنا أقوال لبولس نفسه يعبر فيها عن المؤمنين البارين القديسين بأنهم أبناء الله، فقد قال مثلا في رسالته إلى أهل رومية (8 / 13 ـ 17):

"... لأنكم إذا حييتم حياة الجسد تموتون أما إذا أمتم بالروح أعمال الجسد فستحيون. إن الذين ينقادون لروح الله يكونون أبناء الله حقا. لم تتلقوا روح عبودية لتعودوا إلى الخوف بل روح تَـبَـنٍّ به ننادي: أبا، يا أبـتِ ! و هذا الروح نفسه يشهد مع أرواحنا بأننا أبناء الله. فإذا كنا أبناء الله فنحن ورثة: ورثة الله و شركاء المسيح في الميراث لأننا إذا شاركناه في آلامه نشاركه في مجده أيضا ".

و قال في رسالته إلى أهل غلاطية (3 / 26):

" لأنكم جميعا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع ".

فالتعبير عن الشخص بابن الله إشارة لمرتبة روحية لا لطبيعة تكوينية. ولو كان مقصود بولس من بنوة المسيح لله شيء آخر، أي طبيعة تكوينية، لما أجاز مشاركة المؤمنين الصالحين للمسيح فيها حين قال: و شركاء المسيح في الميراث، إذ من المسلَّم به قطعا أن بولس لا يزعم أن الصالحين يصيرون بصلاحهم آلهة!!، فلا يبقى إلا المشاركة في المرتبة الروحية و الدنو من الله و الاختصاص التام به حتى يكونوا فعلا كمنزلة الابن من أبيه.



الشبهة السابعة

تعبير بولس عن المسيح بـِ " الربّ "


الرد على هذه الشبهة :

كلمة " الرب " هي عبارة بولس المفضلة عندما يشير إلى المسيح عليه السلام، و هو يكررها في رسائله كثيرا، خاصة في افتتاحيات رسائله حين يقول مثلا: "عليكم النعمة و السلام من لدن أبينا و الرب يسوع المسيح، تبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح... " (2 قورنتس: 1/2 ـ3)، أو قوله: " و يشهد كل لسان أن يسوع المسيح هو الرب " (فيليبي: 2/1)... الخ.

و الحقيقة أن وصف المسيح بالربّ أو بربِّنا، لا يقتصر على بولس بل يقول به جميع أصحاب رسائل العهد الجديد الآخرين أيضا، أي القديسون يوحنا و بطرس، و يهوذا و يعقوب أخوا المسيح عليه السلام لأمه.

و كان هذا مما صدمني جدا لما طالعت العهد الجديد لأول مرة، إذ كنت أتصور أن مرادهم من كلمة الرب ما نعهده نحن المسلمون منها: أي رب العالمين و بارئ الخلائق أجمعين الخالق الرازق سبحانه و تعالى... فكنت أستغرب وأستهجن وصف المسيح الذي هو عبدٌ لله تعالى و محتاج لمدده، بصفة الرب، أي جعله خالقنا و رازقنا مع أنه هو نفسه مخلوق و مرزوق من الله!!

إلا أني لما تبحرت بمطالعة العهد الجديد و درست مدلولات بعض ألفاظه، خاصة لفظة الرب و مشتقاتها، دراسة مقارنة دقيقة، تأكدت من أن كتَّاب و مؤلفي العهد الجديد لم يكونوا يعنون بكلمة الرب عند إطلاقها على المسيح معنى الله الخالق الرازق أبدا، بل يعنون بها معنى المعلم و السيد المطاع أمره، فكلمة الرب كانت وصفا لمنزلة المسيح الرسالية النبوية التعليمية و مقامه ومنصبه الذي أقامه الله فيه، لا وصفا لطبيعته أو تحديدا لجوهر ذاته.

و قد سبق و أشرت، في الفصلين الماضيين، لعض الشواهد من الأناجيل التي تدل على ذلك، و فيما يلي إعادة سريعة لها :

(1) فقد جاء في إنجيل يوحنا أن اليهود كانوا يخاطبون النبي يحيى عليه السلام بعبارة :

"رابِّـي " (يوحنا: 3/26) ، و من الواضح أن أحدا لم يقصد ألوهية يحيى عليه السلام .

(2) كما جاء في نفس الإنجيل (يوحنا: 1/38) أيضا ما نصه:

" فقالا (للمسيح): ربِّـي!، الذي تفسيره يا معلم، أين تمكث؟ "

[ ملاحظة: جملة: (الذي تفسيره يا معلم) المعترضة، هي ليوحنا نفسه مؤلف الإنجيل و ليست لأحد من الشراح، فهي من متن الإنجيل نفسه وليست مضافة] .

(3) و جاء في إنجيل يوحنا كذلك (20 / 16) :

" قال لها: يا مريم! فالتفتت إليه و قالت له ربوني الذي تفسيره: يا معلم ".

(4) و جاء أيضا في إنجيل يوحنا (13/ 13 ـ 14)أن المسيح قال لتلامذته:

" أنتم تدعوني " المعـلِّـم و الـرب " و أصبتم فيما تقولون فهكذا أنا. فإذا كنت أنا الرب و المعلم قد غسلت أقدامكم فيجب عليكم أنتم أيضا أن يغسل بعضكم أقدام بعض ".

لكن النسخة التقليدية القديمة (البروتستانتية)للعهد الجديد ترجمت نفس تلك الآيات كالتالي:

" أنتم تدعوني معلماً و ســيـداً و حسنا تقولون لأني أنا كذلك، فإن كنت وأنا الســيـد و المعلم غسلت أرجلكم فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أقدام بعض"

إذاً ما ترجم بالسـيِّـد في الترجمة التقليدية القديمة، ترجم بالـربّ في الترجمة الحديثة، أي اختيرت لفظة الرب بدلا من السيد لترجمة الأصل اليوناني، مما يؤكد أن المقصود بالأصل من كلمة الرب هو معنى السيد و أنهما مترادفان.

(5) و جاء في إنجيل لوقا (20 / 41 ـ 44) أن المسيح عليه السلام قال لليهود:

" كيف يقال للمسيح أنه ابن داود و داود نفسه يقول في كتاب المزامير: "قال الرب لـربـِّي: اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئا لقدميك"؟ فداود نفسه يدعو المسيح ربا، فكيف يكون المسيح ابنه؟ ".

في هذا النص يستند المسيح عليه السلام لآية في مزامير داود (الزبور) يعتبرها بشارة عنه، فإذا رجعنا لمزامير داود في العهد القديم وجدنا أن البشارة هي الآية الأولى من المزمور رقم 110، و لفظها ـ كما في الترجمة الكاثوليكية الحديثة ـ:

" قال الرب لسـيّدي اجلس عن يميني حتىأجعل أعداءك موطئا لقدميك" العهد القديم / ص 1269.

فما عبر عنه المسيح بلفظة ربي هو في الحقيقة بمعنى سيدي و لا حرج فالمقصود واحد.

لذلك نجد أن الترجمات العربية المختلفة للعهد الجديد، خاصة القديمة منها كانت تستخدم لفظة السيد في مكان لفظة الرب، و لفظة المعلم في مكان لفظة رابِّـي. و فيما يلي أمثلة مقارنة تدل على ما نقول، أخذناها من ثلاث ترجمات مختلفة للعهد الجديد هي التالية (من الأقدم إلى الأحدث):

• الترجمة البروتستانتية القديمة التي قامت بها: جمعية التوراة البريطانية و الأجنبية، طبع كامبريدج، بريطانيا. و رمزتُ لها بالترجمة البريطانية البروتستانتية.

• الترجمة المسماة: كتاب الأناجيل المقدسة. طبع المطبعة المرقسية الكاثوليكية بمصر في عهد رئاسة الحبر الجليل الأنبا كيرلِـس الثاني بطريرك المدينة العظمى الإسكندرية و سائر الكرازة المرقسية، سنة 1902 مسيحية. و رمزتُ لها بالترجمة المصرية الكاثوليكية.

• ترجمة الكتاب المقدس الحديثة التي قامت بها الرهبانية اليسوعية في بيروت عام 1989 و نشرتها دار المشرق. و رمزتُ لها بالترجمة البيروتية اليسوعية.


موضع الشاهد


الترجمة البريطانية البروتستانتية


الترجمة المصرية الكاثوليكية


الترجمة البيروتية اليسوعية

إنجيل يوحنا: 1/ 49
أجاب نثنائيل و قال له: يا معلم ! أنت ابن الله أنت ملك إسرائيل. أجاب ناثانائيل و قال له: رابي ! أنت هو ابن الله أنت ملك إسرائيل. أجابه نتنائيل: رابي ! أنت ابن الله، أنت ملك إسرائيل.

إنجيل يوحنا: 3/ 1 ـ 2




هذا جاء إلى يسوع ليلا و قال له: يا معلم نعلم أنك قد أتيت من الله معلما لأنه ليس أحد يقدر أن يعمل هذه الآيات التي أنت تعمل إن لم يكن الله معه.


فجاء إلى يسوع ليلا و قال له: رابي ، نحن نعلم أنك أتيت من الله معلما لأنه ليس يقدر أحد أن يعمل هذه الآيات التي أنت تعمل ما لم يكن الله معه.


فجاء إلى يسوع ليلا و قال له: رابي ، نعلم أنك جئت من لدن الله معلما فما من أحد يستطيع أن يأتي بتلك الآيات التي تأتي بها إن لم يكن الله معه.

إنجيل يوحنا: 4 / 11.




قالت له: يا ســيـد ! لا دلو لك و البئر عميقة فمن أين لك الماء الحي؟


قالت له الامرأة: يا ســيـدي ! إنه لا مستقى لك و البئر عميق فمن أين لك الماء الحي؟


قالت له المرأة: يا رب ! لا دلو عندك و البئر عميقة، فمن أين لك الماء الحي؟

إنجيل يوحنا: 4 / 15.




قالت له المرأة: يا سيد أعطني هذا الماء لكي لا أعطش...


قالت له الامرأة: يا سيد أعطني هذا الماء لكي لا أعطش...


قالت له المرأة: يا ربّ ، أعطني هذا الماء لكي لا أعطش..

إنجيل يوحنا:4 / 49.




فقال له خادم الملك: يا ســيـد! انزل قبل أن يموت ابني. فقال له يسوع: اذهب ابنك حي !


فقال له الرئيس: يا رب ! انزل قبل أن يموت فتاي. فقال له يسوع: امض فابنك حي!


فقال له عامل الملك: يا رب ! انزل قبل أن يموت ولدي. فقال له يسوع: اذهب إن ابنك حي!

إنجيل يوحنا: 5/7




أجابه المريض: " يا سيد ، ليس لي إنسان يلقيني في البِرْكة متى تحرك الماء


أجاب المريض وقال: " يا سيد ليس لي إنسان لكي إذا تحرك الماء يلقيني في البِرْكة


أجابه العليل: " يا رب ، ليس ليمن يغطني في البِرْكة عندما يفور الماء ..

إنجيل يوحنا: 6 / 34.


فقالوا له: " يا ســيـد ! أعطنا في كل حين هذا الخبز.


فقالوا له: " يا ســيـد ! أعطنا هذا الخبز في كل حين.


فقالوا له: " يا رب ! أعطنا هذا الخبز دائما أبداً.
إنجيل يوحنا: 13 / 36.

قال له سمعان بطرس: يا سيد إلى أين تذهب؟ قال يسوع: حيث أذهب لا تقدر أن تتبعني...


قال له سمعان بطرس: إلى أين تذهب يا رب؟ أجابه يسوع: حيث أذهب أنا لا تقدر أن تتبعني...


فقال له سمعان بطرس: يا رب إلى أين تذهب؟ أجاب يسوع: إلى حيث أنا ذاهب لا تستطيعُ الآن أن تتبعني...

إنجيل يوحنا: 14 / 5.




قال له توما: يا ســيـد ! لسنا نعلم أين تذهب فكيف نعرف الطريق؟


قال له توما: يا رب ! لسنا نعرف أين تذهب فكيف نقدر أن نعرف الطريق؟


قال له توما: يا رب ! إننا لا نعرف إلى أين تذهب فكيف نعرف الطريق؟

إنجيل يوحنا: 14 / 8.
فقال له فيليبـس: يا ســيـد ! أرنا الآب و كفانا! قال له فيليبس: يا رب ! أرنا الآب و حسـبنا!

قال له فيليبس: يا رب ! أرنا الآب و حسـبنا!


وأكتفي بهذه الأمثلة، و الحقيقة أن هذا نجده في كل مواضع استخدام لفظة الرب في الترجمات المختلفة و القديمة بشكل خاص، و أعتقد أن ما ذكر يكفي لليقين بأن مراد كاتبي الأناجيل و رسائل العهد الجديد، و منهم بولس، من لفظة الرب، ليس إلا معنى السيد أو المعلم المُطاع أمره.

ومن ناحية أخرى إذا رجعنا إلى القاموس العبري ـ العربي [16] نرى أن لفظة الرب العبرية تعني: [[ حاخام، معلم، وزير، ضابط، سيد ]].

فإذا عرفنا أن اللغة العبرية كانت هي لغة الكتاب المقدس الأصلية ( للعهد القديم ) الذي كان مرجع مؤلفي العهد الجديد، و عرفنا أن السيد المسيح عليه السلام كان بالنسبة إليهم: المعلم الأكبر و الحاخام الأعظم، و السيد الذي تعلو سيادته و سلطانه الروحي كل سيادة في الأرض، عرفنا لماذا كانوا يطلقون عليه لفظ " الرب " و ماذا كانوا يعنون بها.

و من الجدير ذكره هنا، و هو ما قد يفاجئ القارئ، أنه حتى في اللغة العربية، قد تطلق لفظة الرب، المطلقة من غير أي إضافة، على المـلِك و السيد، كما ذكر صاحب لسان العرب حيث قال أن أهل الجاهلية يسمون الملك: الرب، و أنه كثيرا ما وردت كلمة الرب مطلقةً، في أشعارهم، على معنى غير الله تعالى [17] .

كما جاء في لسان العرب: " الرب: يطلق في اللغة على المالك، و السيد، و المدبر، و المربي، و القيِّم، و المنعم... و (عن) ابن الأنباري: السيد المطاع، قال تعالى: فيسقي ربه خمرا، أي سيده، و يكون الرب المصلح، ربَّ الشيءَ إذا أصلحه " [18] .

و قد وردت في القرآن الكريم بهذا المعنى عدة مرات، من ذلك الآيات التالية :

1. { قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون } يوسف / 23.

2. { يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا... } يوسف / 41.

3. { و قال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين } يوسف / 42.

4. { فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن } يوسف / 50.

5. و كذلك وردت بهذا المعنى في سورة التوبة في الآية:{ اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله و المسيح بن مريم و ما أمروا إلا ليعبدوا إلـها واحدا لا إلـه إلا هو سبحانه و تعالى عما يشركون } التوبة / 31.

فمن الواضح أنهم لم يتخذوا أحبارهم آلهة خالقين رازقين ! إنما اتخذوهم سادة و أرباب استسلموا لسلطتهم و أطاعوهم طاعة عمياء في كل شيء حتى في تحريم الحلال و تحليل الحرام، و تشريع العقائد الجديدة غير المنزلة،كما ورد تفسيرها في الحديث الشريف عن عدي بن حاتم ـ و كان نصرانيا فأسلم ـ قال للنبي صلى الله عليه وسلم ، لما سمعه يتلو هذه الآية: " إن النصارى لم يعبدوا أحبارهم و رهبانهم! " فأجابه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ): " بلى إنهم حرموا عليهم الحلال و أحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فتلك عبادتهم إياهم " [19] .

6. و في هذا المعنى أيضا قوله تعالى: { قل يا أهل الكتاب تعلوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم ألا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } آل عمران /64.

و لا شك أنه ليس المقصود أن لا نتخذ بعضنا بعضا آلهة خالقين رازقين، بل المقصود أن لا نتخذ بعضنا بعضا سادة طغاة متسلطين نركع و نسجد لهم و نطيعهم طاعة عمياء حتى في تحليل حرام الله أو تحريم حلاله أو تقرير عقائد إيمانية غيبية ما أنزل الله بها من سلطان، كما فعل فريق من النصارى في حق الباباوات.

كل هذه الأمثلة أوردتها للتأكيد على أن لفظة " الرب " لا ينحصر معناها في الله تعالى الخالق الرازق، بل كثيرا ما تأتي بمعنى المالك الآمر و السيد المطاع. و هذا المعنى الأخير هو المراد في لغة العهد الجديد و لغة التلاميذ عندما يطلق على المسيح و هو الذي كان يعنيه بولس من لفظة الرب عندما يطلقها على السيد و المعلم الأكبر المسيح عليه السلام، فليس في هذه اللفظة أي دليل على ألوهيته.

و بهذا نكون قد فندنا جميع الشبهات، من أقوال بولس، التي يستندون إليها كنصوص دالة ـ بزعمهم ـ على إلـهية المسيح.

و بقيت عبارات يستندون إليها من مقدمة الرسالة المعروفة باسم الرسالة إلى العبرانيين، و هي أيضا لا تدل على الألوهية، و قد أعرضت عن مناقشتها لأن الرسالة من الأساس لا يُعْرَف على وجه التحديد من هو كاتبها، فإذا كان الأمر كذلك فلا داعي لمناقشة أقوال لا نعرف قائلها و لا تقوم حجية بها، إذ الحجية تقوم بكلام الله و كلام رسوله لا بكلامٍ لا يُعْرَف من قائله؟! و مجرد تلقي الكنيسة للرسالة بالقبول و عدها لها من الرسائل القانونية لا يغني شيئا عند ذوي التجرد و الإنصاف، ففي الدين، بل في أخطر مسائله، لا بد من القطع و اليقين و لا يكتفى بالظن و التخمين و الله و لي المؤمنين.

______________________


ب ـ نفي إلـهية المسيح في رسائل يوحنا :

ليوحنا، مؤلف الإنجيل الرابع، ثلاث رسائل صغيرة في كتاب العهد الجديد كما له في آخر العهد الجديد رؤيا كشفية رمزية اعتبرت سفرا إلهاميا كذلك فضمت للأسفار القانونية للعهد الجديد.

إن الإنجيل الرابع الذي ألفه يوحنا يختلف عن الأناجيل الثلاثة المتشابهة التي قبله اختلافا بينا، و هو أكثر حرصا على إضفاء هالة ألوهية على السيد المسيح عليه السلام، و إن كان صاحبه لا يدعي و لا يقول أبدا بشكل محدد أن المسيح هو الله، و لذلك فإن أغلب النصوص المتشابهة التي يستند إليها و يتمسك بها المؤلهون للمسيح مأخوذة من إنجيل يوحنا هذا [20] .

فمن هو يوحنا مؤلف الإنجيل الرابع و رسائل و رؤيا يوحنا ؟؟

سؤال اختلفت الأوساط المسيحية في الإجابة عنه منذ القديم. فالكنيسة التقليدية اعتبرت ـ منذ القرن الثاني للميلاد ـ أن يوحنا هذا، هو نفس " يوحنا بن زبدي " تلميذ المسيح المقرب و أحد الحواريين الاثني عشر. لكن دوائر مسيحية قديمة أيضا ـ و على رأسها الكاهن كايوس ـ شككت في هذا الأمر [21] .

و قد استمر هذا التشكك في بعض الأوساط المسيحية الضئيلة في كل قرن من قرون تاريخ المسيحية و حتى عصر التنوير. و في القرنين الأخيرين طرحت مسألة التحقيق في هوية يوحنا هذا على بساط البحث، و كانت النتيجة التي توصلت إليها غالبية المفكرين و النقاد المسيحيين هي القطع بأن مؤلف الإنجيل الرابع ـ و الذي هو نفسه مؤلف الرسائل الثلاث باسم رسائل يوحنا و الرؤيا الكشفية الأخروية التي في آخر العهد الجديد أيضا ـ ليس الحواري " يوحنا بن زبدي " بل يوحنا آخر متأخر لم يتتلمذ مباشرة على المسيح عليه السلام بل هو مسيحي من تلاميذ المدرسة الإسكندرية الفلسفية.

و لو أردنا أن نذكر هنا آراء أولـئك النقاد و الأدلة التي جعلتهم يذهبون إلى هذا الرأي لشط بنا القلم و خرجنا عن موضوع الكتاب، لذا نكتفي بهذه الإشارة المختصرة و نحيل الراغب بالتفصيل إلى المراجع التالية:

1 ـ كتاب The Four Gospels تأليف:B.H.Streeter، طبع: New York , 1961 , P. 430 - 456..

2 ـ كتاب: The Gospels , Their Origin & Their Growth تأليف: F. C. Grant، طبع: Faber & Faber , London , 1957، بحث إنجيل يوحنا فيه.

3 ـ مادة John في دائرة المعارف البريطانية، و تقع في الجزء 13 منها.

4 ـ كتاب " ما هي النصرانية؟ " للعلامة الشيخ: محمد تقي العثماني (الباكستاني): الصفحات: 141 ـ 157.(طبع رابطة العالم الإسلامي).

5 ـ كتاب: " إظهار الحق " للعلامة الشيخ رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي: ج 1 / ص 154 ـ 167. (طبع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية... بتحقيق د. محمد ملكاوي. الرياض).

يبتدأ مؤلف الإنجيل الرابع، إنجيله، بافتتاحية يختص بها دون سائر الأناجيل الثلاثة، و هي افتتاحية يتبادر من ظاهرها النص على إلـهية الكلمة أي المسيح، لذا كانت هذه الافتتاحية أحد أهم مستمسكات المؤلهين للمسيح من كتاب العهد الجديد، إن لم تكن، أهم مستمسكاتهم على الإطلاق.

و إنما لم أتعرض لها في الفصل الماضي خلال تفنيدي لشبهات المؤلهين لعيسى من الأناجيل، لأن هذه الافتتاحية ليست في الواقع من كلام المسيح أو تعاليم إنجيله، بل هي من كلام يوحنا، لذلك أرجأت الكلام عنها لحين كلامي عن نفي إلـهية المسيح في كلام يوحنا في هذا الفصل.

لكن قبل البدء في مناقشة و تفنيد العبارات التي يستند إليها المؤلهون للمسيح من كلام القديس يوحنا، أبدأ بذكر العبارات الصريحة الواضحة ليوحنا نفسه، التي تؤكد عبودية المسيح لله تعالى و أن الله تعالى إلـه المسيح و خالقه، متبعا نفس الأسلوب الذي اتبعته مع مناقشة عبارات الأناجيل و عبارات بولس.

______________________


القسم الأول: أقوال يوحنا الصريحة التي تنفي إلـهية المسيح و تؤكد أنه عبدٌ مخلوقٌ ِللهِ عز و جل:

(1) أما نصه على أن الله تعالى إلـه المسيح و بالتالي فالمسيح عبد مربوب لله، فقد جاء في رؤيا يوحنا الكشفية (1 / 6) حين قال:

"... و من لدن يسوع المسيح الشاهد الأمين و البكر من بين الأموات و سيد ملوك الأرض، ذاك الذي أحبنا فحلنا من خطايانا بدمه، و جعل منا مملكة من الكهنة لإلــهـه و أبــيـه... "

(2) و أما نصه على أن المسيح مخلوق لله سبحانه وتعالى ، فجاء وضحا في رسالته الأولى (2/ 1) في قوله:

" أكتب إليك ما يقول الأمين (المسيح)، الشاهد الأمين الصادق، بدء خليقة الله... "

(3) و أما أن المسيح يستمد من الله و بالتالي لا يمكن أن يكون إلـهاً لأن الله غني بذاته، فقد جاء ذلك مثلاً في رؤياه الكشفية أيضا (1 /1) حين يقول:

" هذا ما كشفه يسوع المسيح بعطاء من الله "

(4) و أما عن الغيرية الكاملة و التمايز و الاثنينية بين الله: الآب و المسيح عليه السلام فالأمثلة عليه كثيرة من كلام يوحنا نكتفي بهذا الشاهد من رسالته الأولى(2/1):

" و إن خطئ أحد فهناك شفيع لنا عند الآب و هو يسوع المسيح البار "

(5) ثم إن نفس النصوص الإنجيلية، التي استقيناها في الفصل الأول من إنجيل يوحنا، النافية لإلـهية عيسى و المثبتة لعبوديته، تصلح كذلك للكشف عن عقيدة يوحنا مؤلف ذلك الإنجيل حول عدم إلـهية المسيح إذ من البديهي أن الرجل دوَّن في إنجيله ما يعتقده أو أنه كان يعتقد بما دونه، و نكتفي هنا بإشارة سريعة لثلاث نصوص قاطعة من إنجيل يوحنا:

" قال لها يسوع: لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي. و لكن اذهبي إلى أخوتي و قولي لهم: إني أصعد إلى أبي و أبيكم و إلـهي و إلـهكم " إنجيل يوحنا:20 / 17.

" تكلم يسوع بهذا و رفع عينيه نحو السماء و قال: أيها الآب، قد أتت الساعة... و هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإلـه الحقيقي وحدك، و يسوع المسيح الذي أرسلته... " إنجيل يوحنا: 17 / 1 ـ 3.

" فقال لهم يسوع: لو كنتم أبناء إبراهيم لعملتم أعمال إبراهيم، و لكنكم الآن تطلبون أن تقـتلوني و أنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله " إنجيل يوحنا:8/40.

و أعتقد أن ما ذكر أعلاه يكفي ـ لمن تجرد للحق و أنصف و جانب التقليد و التعصب ـ للتأكد من عقيدة يوحنا التوحيدية و أنه لم يعلِّم التثليث و لا أن الله هو المسيح، بل أفرد الله تعالى وحده بالإلـهية، فينبغي أن يبقى هذا بالبال عند مناقشتنا التالية للشبهات التي استندوا إليها من كلام يوحنا.

______________________


القسم الثاني: شبهات المؤلهين للمسيح من عبارات يـوحنا و الرد عليها


الشبهة الأولى

افتتاحية يوحنا لإنجيله التي يقول فيها: " في البدء كان الكلمة، و الكلمة كان عند الله، و كان الكلمة ا لله، هذا كان في البدء عند الله، كل شيء به كان و بغيره لم يكن شيء مما كان... و الكلمة صار جسدا و حل بيننا و رأينا مجده كما لوحيد من الآب مملوءا نعمة و حقَّـاً " إنجيل يوحنا: 1 / 1 ـ 3، 14.


الرد على هذه الشبهة:

أولا: أعود و أذكر أن هذا النص ليس من كلام المسيح عليه السلام و لا من كلام أي حواري أو تلميذ مباشر من تلاميذه بل كلام مسيحي تابعي ـ إن صح التعبير ـ و فيلسوف عاش في أواخر القرن الأول و أوائل القرن الثاني فلا يحمل في طياته أية حجة إلـهية ملزمة. أما دعوى أنه كتب إنجيله بإلهام و وحي من الله فلا دليل علها إلا مجرد الظن.

و ثانيا: ما دام قائل هذا الكلام هو يوحنا، و ما دام قد ثبت معنا بالدلائل السابقة أن يوحنا هذا يؤمن بأن الله الآب هو الإلـه الحقيقي وحده و إلـه المسيح و خالقه و مرسله، فلكي يكون كلام يوحنا منسجما مع بعضه، لا بد أن يُفهَم هذا النص أو يُفسَّر على نحو يتسق و ينسجم مع عقيدته التوحيدية تلك، و هناك تفسيران محتملان لهذا النص:

التفسير المعقول الأول: هذه الافتتاحية قرأها كثير من القدماء على نحو فيه اختلاف بسيط في اللفظ، لكن مهم جدا، و قد أورد الغزالي في كتابه " الرد الجميل لإلـهية عيسى بصريح الإنجيل " اللفظ القديم الذي يمثل الترجمة الحرفية للمتن اليوناني الأصلي على النحو التالي:

" في البدء كان الكلمة، و الكلمة كان عند الله، و إلـه هو الكلمة، كان هذا قديما عند الله، كلٌّ به كان و بغيره لم يكن شيء مما كان... "

فالفرق بين الترجمتين هو في الجملة الثالثة، ففي حين تقول الترجمات الحديثة: " و كان الكلمةَ اللهُ "، تقول الترجمة الحرفية القديمة: " و إلـهٌ هو الكلمة " بتنكير إلـه.

و تذكر الكتب التي تتحدث عن تاريخ العقيدة النصرانية أن آريوس و منكري ألوهية المسيح كانوا يؤكدون على أن الترجمة الحرفية الصحيحة للأصل اليوناني هي " و إلـهٌ هو الكلمة " [22] .

و المسألة هي أن كلمة " إلـه " في اصطلاح الإنجيل ـ و اصطلاح الكتاب المقدس بشكل عام ـ لا تعني بالضرورة الله، بل تأتي أحيانا على معنى السيد و الرئيس المطاع، مثل كلمة الرب، أو على معنى الملاك العظيم. و سبق و أشرنا لذلك في الفصل الثاني و نذكر هنا مثالين على ما نقول:

(1) جاء في سفر الخروج من التوراة قول الله تعالى لموسى عليه السلام :

" قد جعلناك إلـها لفرعون و أخاك هارون رسولك " الخروج: 7 / 1.

(2) و في المزمور الثاني و الثمانين من سفر المزامير قول الله تعالى لداود عليه السلام :

" الله قائم في مجمع الله، في وسط الآلهة يقضي.. (إلى قوله): أنا قلت إنكم آلهة و بنو العلي كلكم لكن مثل الناس تموتون و كأحد الرؤساء تسقطون " المزامير: 82 / 1، 6 ـ 7.

حيث يتفق مفسروا العهد القديم أن المقصود بالآلـهة و ببني العلي هنا: الرؤساء و القضاة و الملائكة الذين هم أعضاء البلاط الإلـهي ـ إذا صح التعبير ـ، و أن لقب آلهة و أبناء الله، لهم، ليس إلا لقبا تشريفيا لا أكثر، و لا يعني أبدا أنهم شركاء الله تعالى في ذاته و إلـهيته، كيف و من تعاليم التوراة الأساسية وحدانية الله تعالى!

بناء عليه، فعبارة " و إلـه هو الكلمة " معناها: و كائنٌ روحيٌّ عظيم بل رئيسٌ للكائنات وعظيمٌ مقرب من الله هو الكلمة.

هذا و مما يرجح هذه القراءة و يوجب المصير إلى هذا التفسير، أن الترجمات الحديثة التي تذكر " و كان الكلمة الله " تجعل افتتاحية يوحنا نصا مختل المبنى غير مستقيم المعنى، بل لا معنى له و لا يصح لأن معناها يصبح هكذا:

[ في البدء كان الله، و كان الله عند الله! و كان الله هو الله، الله كان في البدء عند الله!! ]

و من البديهي أن الشيء لا يكون عند نفسه، فلا يصح أن نقول كان زيد عند زيد !!

أما على التفسير الذي ذكرناه، فإذا صار الإله المُنَـكَّر بمعنى الكائن الروحي العظيم الذي هو غير الله، صح أن نعتبره كان عند الله.

التفسير الممكن الثاني: يرى البعض أن الكلمة هي الأمر الإلـهي " كن فيكون " الذي به يخلق الله ما يشاء من الكائنات، كما جاء في سفر المزامير: " بكلمة الرب صنعت السماوات... إنه قال فكان، و أمر فوجد " المزمور: 33/6، 9.

و تصديق ذلك أننا نجد، في سفر التكوين من التوراة، أن الخلق تم بأوامر و كلمات إلـهية: " و قال الله: ليكن نور، فكان نور..... و قال الله: ليكن في وسط المياه.... فكان كذلك.... الخ " التكوين: 1 / 3، 6.

و قالوا: إن الترجمة القديمة الصحيحة لعبارة " و الكلمة صار جسدا " هي: " و الكلمة صنع جسدا " [23] أي أنه بالأمر الإلهي تم خلق إنسان بشر. فالكلمة هي الله و لكن الإنسان الذي خلق بها ليس الكلمة، و بالتالي فالمسيح مخلوق بالكلمة و ليس الكلمة ذاتها.

و منهم من يرى أن هناك محذوف تقديره:"و أثر الكلمة صار جسدا" [24] .

و على كل حال فهذه تفسيرات ممكنة و معقولة لهذه الافتتاحية، و لا ندعي أنها صحيحة قطعا، لكن نرى أن المصير لفهم توحيدي للنص واجب، بعد أن عرفنا من عبارات يوحنا السابقة، نفيه كون المسيح الله، و ذلك عندما اعتبره مخلوقا خاضعا لله مستمدا منه و بين أن اللهَ تعالى إلـهُ المسيح و أن الله هو الإلـه الحقيقي وحده.



الشبهة الثانية

قول يوحنا في رسالته الأولى (5/20): " نحن في الحق إذ نحن في ابنه يسوع المسيح. هذا هو الإلـه الحق و الحياة الأبدية. يا بني احذروا الأصنام. "


الرد على هذه الشبهة:

أولاً دعنا نأتي بنص العبارة من أولها، حيث يلخص يوحنا رسالته الأولى بهذه الخاتمة فيقول:

" نحن نعلم أننا من الله و أما العالم فهو كله تحت وطأة الشرير. و نعلم أن ابن الله أتى و أنه أعطانا بصيرة لنعرف بها الحق. نحن في الحق إذ نحن في ابنه يسوع المسيح. هذا هو الإلـه الحق و الحياة الأبدية. يا بني احذروا الأصنام".

فنقول: إن الذين يستشهدون بهذه الفقرة كنص على إلـهية المسيح، يفترضون أن الإشارة بِـ: هذا هو الإله الحق....، تعود لآخر مذكور و هو المسيح، لكن الحقيقة أن هذا مجرد تخمين و احتمال ضعيف، أما الاحتمال الأقوى بل المتعيِّن فهو رجوع الإشارة إلى هاء الضمير في كلمة ابنـه، أي إلى الله تعالى، لأن الكلام من البداية كان عن الله تعالى، و يدل عليه أيضا جملته الأخيرة: يا بَنِـيَّ احذروا الأصنام، أي أنه يقول في آخر رسالته: ليس لنا إلا إله واحد هو الله و أما بقية الآلهة فهي باطلة فاحذروها. و أقصى ما يقال هو أن ما ذكرناه إن لم يكن هو المتعين فهو بالتأكيد محتمل و مجرد احتماله يسقط استدلالهم بالآية لأنه: إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.

و ليس ما ذكرناه من عدم تعين رجوع الإشارة للمسيح، شيء انفردنا به لوحدنا، بل هذا ما أشارت إليه شروح الإنجيل، فقد جاء في كتاب " تفسير الكتاب المقدس " عند شرح هذه العبارة ما نصه:

".... ثم يمضي يوحنا فيقول: هذا هو الإلـه الحق و الحياة الأبدية. و مرّة أخرى لا يكون من السهولة تبين ما إذا كان المعنِيّ هو الآب أم الابن؟ غير أنهما من التقارب بحيث يغدو الفارق ضئيلا جداً. بالنسبة إلى أقوام العالم القديم كان هناك آلهة كثيرون. بيد أن يوحنا يرى أنهم كانوا كلهم آلهة باطلة، فلا إلـه إلا إلـه واحد حق و للناس حياة أبدية فيه. " [25] .



الشبهة الثالثة

ما جاء في رؤيا القديس يوحنا الكشفية منسوبا للمسيح قوله: " أنا الألف و الياء، و الأول و الآخر، و البداية و النهاية " الرؤيا: 22 / 13.


الرد على هذه الشبهة:

الحقيقة أن هذه الشبهة واهية للغاية و بطلانها أوضح من الشمس، و ذلك لسببين: أولا أن هذه العبارات: " أنا الألف و الياء... الخ "، التي تكررت في الرؤيا عدة مرات إنما ينقلها الملاك، الذي ظهر ليوحنا في رؤياه، عن قول الله سبحانه وتعالى عن نفسه، لا عن قول المسيح عن نفسه!. نظرة بسيطة لأول مرة جاءت فيها هذه العبارة في أول إصحاح من سفر رؤيا يوحنا هذا توضح ذلك:

" من يوحنا إلى الكنائس السبع في آسية. عليكم النعمة و السلام من لدن الذي هو كائن و كان و سيأتي، و من الأرواح السبعة الماثلة أمام عرشه، و من لدن يسوع الشاهد الأمين و البكر من بين الأموات و سيد ملوك الأرض. لذاك الذي أحبنا فحلنا من خطايانا بدمه، و جعل منا مملكة من الكهنة لإلـهه و أبيه، له المجد و العزة أبد الدهور آمين. ها هو ذا آتٍ في الغمام. ستراه كل عين حتى الذين طعنوه، و تنتحب عليه جميع قبائل الأرض. أجل، آمين. " أنا الألف و الياء " هذا ما يقوله الرب الإلـه، الذي هو كائن و كان و سيأتي، و هو القدير. " رؤيا يوحنا: 1 / 4 ـ 8.

فنلاحظ بوضوح أن قائل أنا الألف و الياء هو: الرب الإلـه الذي هو كائن و كان و سيأتي، و هو غير المسيح، بدليل أنه عطفه عليه في البداية عندما قال: عليكم النعمة و السلام من الذي هو كائن و كان و.. و من الأرواح السبعة... و من لدن يسوع الشاهد...، و العطف يقتضي المغايرة.

و كذلك عندما تتكرر هذه العبارة ينبغي أن تفهم مثل هنا على أن المقصود منها هو الله تعالى.

هذا من جهة و من الجهة الثانية، فإن هذه العبارة حتى لو قلنا أنها للمسيح، فلا تتضمن نصا في تأليهه، لأنه يمكن تفسير عبارته: "أنا الأول و الآخر و البداية و النهاية" بمعنى: أنا أول خلق الله (أو بكر كل خليقة على حد تعبير يوحنا) فبهذا يكون الأول و البداية، و الحاكم يوم الدينونة بأمر الله، فبهذا يكون الآخر و النهاية لعالم الخليقة، و ما دام هذا الاحتمال وارد، فالاستدلال بالعبارة ساقط، كيف و مثل هذه العقيدة الخطيرة تقتضي الأدلة القطعية الصريحة التي لا تحتمل أي معنى آخر.

بهذا أكون قد انتهيت من مناقشة و تفنيد جميع الشبهات الواهية لمن يصرون على تأليه المسيح عليه السلام عبد الله و رسوله، سواء كانت من الأناجيل أو من رسائل التلاميذ القانونية الملحقة بها، و قل جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، و أختتم كتابي هذا بقوله تعالى:

" يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم و لا تقولوا على الله إلا الحق، إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه، فآمنوا بالله و رسله و لا تقولوا ثلاثة، انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات و ما في الأرض و كفى بالله وكيلا " النساء /171.

تم الفراغ من تحرير هذه السطور يوم الجمعة 25 7 1417 هـ.ق. في مدينة عجمان. و الحمد لله رب العالمين.

كتبه الفقير لرحمة الله تعالى و عفوه: ســعـد رســتم


--------------------------------------------------------------------------------

[1] تشبه هذه العقيدة في المسيح، لحد كبير، عقيدة فريق من فلاسفة المسلمين و من الصوفية، و فريق من الشيعة أيضا، في سيدنا محمد رسول الله ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) ، حيث يعتبرون أن أول ما فاض عن الله: النور المحمدي أو الحقيقة المحمدية، و أنه به و فيه و لأجله خلق الله سائر الكائنات، فهو أول خلق الله و السر الساري في كل الوجود، و واسطة وجود كل المخلوقات. و لعل سبب هذا التشابه بين العقيدتين، أن كليهما ناتج عن محاولة المطابقة بين العقائد الدينية و الفلسفة اليونانية، لا سيما الأفلوطينية الحديثة.

[2] يطابق هذا كلمة التوحيد و شعار الإسلام، الذي هو جميع الرسالات السماوية: لا إلـه إلا الله.

[3] توحيد الأفعال ـ مصطلح كلامي إسلامي ـ يقصد به إفراد الله تعالى وحده بالقدرة الذاتية المستقلة على الخلق و الإحياء و الإحداث و الإيجاد و الإمداد و الهداية و الضلال...، فما يحصل في الوجود من خلق و إحداث و رزق و إمداد فهو من فعل الله و خلقه و إيجاده، لا موجد غيره و لا فاعل بالاستقلال سواه، فبيده وحده الخلق و الرزق و النفع و الضر و العطاء و المنع و الهداية و الضلال و حتى أفعال العباد تمت بقوته و إرادته و مدده و مشيئته و إذنه، فلا فاعل و لا مؤثر في الوجود إلا هو أو به أي بالاستناد للاستطاعة التي منحها و المشيئة التي قدرها، و كل هذا متضمن في معنى: لا حول و لا قوة إلا بالله.

[4] يقصد "بالإنسان الباطن " الصفة العقلانية للإنسان، خلافا " للإنسان الظاهر " الذي يشير إلى جسمه الفاني،و عبارة الإنسان الباطن قريبة جدا لمعنى كلمة قلوبكم التي وردت في كلام بولس في الفقرة التي بعدها [مستفاد من حاشية العهد الجديد باختصار].

و إذا أردنا عبارة مماثلة لذلك في لغة الإسلام أي كلام الله تعالى في القرآن المجيد فهي قوله تعالى مثلا: " إنهم فتية آمنوا بربهم و زدناهم هدى و ربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات و الأرض..." الكهف / 14. أو قوله تعالى مثلا: " أولـئك كتب في قلوبهم الإيمان و أيدهم بروح منه.." الآية، المجادلة / 22. أو قوله عز و جل: "هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمـنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم و لله جنود السموات و الأرض و كان الله عليما حكيما " الفتح / 4.

[5] هذا المجاز يستخدم حتى اليوم في العامية و الفصحى، في كثير من اللغات و منها العربية فنقول مثلا: فلان رأس تلك العصابة، أو رأس القوم، بل كلمة الرئيس إنما اشتقت من الرأس.

[6] يماثل هذا، المبدأ الإسلامي: " الرجال قوَّامون على النساء ".

[7] رومية: 1 / 7، و قورنتس الأولى: 1 / 3، و قورنتس الثانية: 1 / 2 ـ 3، و غلاطية: 1 / 3 ـ 4، و فيليبي: 1 / 2 الخ...

[8] الرسالة الأولى لتيموثاوس: 6 / 15 ـ 16. و العبارة أوردتها من النسخة البروتستانتية لأنها أوضح هنا في بيان الشاهد المطلوب.

[9] La Sainte Bible. Traduite d`apres les Textes Originaux Hebreux et Grec. Nouvelle Version Segond Revisee. Alliance Biblique Francaise. P. 1179.

[10] Good News Bible. Today’s English Version. United Bible Societies. 1980. The New Testament. P. 198.

[11] و مثل ذلك جاء في رسالة بولس إلى أهل قولوسي (1/15)، حيث قال عن المسيح " هو صورة الله الذي لا يُـرَى "

[12] ورد في الحديث الشريف عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خلق الله آدم على صورته ". صحيح البخاري: كتاب الاستئذان / الباب الأول. و لكن أكثر الشراح يرجعون الضمير لآدم أو للإنسان.

[13] الشاهد الأول من رسالة بولس إلى أهل قولوسي: 1 / 19، و الثاني في نفس الرسالة: 2 / 9.

[14] صحيح البخاري: كتاب الرقاق / باب التواضع (ج 7 / ص 190).

[15] راجع الصفحات: من 86 إلى 97 من هذا الكتاب.

[16] تأليف: ي افوجمان، طبع عام 1980، دار الجيل، بيروت.

[17] انظر لسان العرب لابن منظور: مادة ربب: ج 1 / ص 399.

[18] المرجع السابق:، مادة ربب، ج 1 / ص 400.

[19] تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 2 / 362، و قال عن الحديث: رواه الإمام أحمد و الترمذي و ابن جرير (الطبري) من طرق عدة.

[20] راجع الفصل الثاني، الشبهات: 3و 4 و 5 و 6 و 7 و 8 و 11، تجدها كلها من إنجيل يوحنا.

[21] انظر مقدمة إنجيل يوحنا في الترجمة العربية الجديدة المشروحة للكتاب المقدس التي قامت بها الرهبانية اليسوعية في بيروت و نشرتها دار المشرق، 1989. العهد الجديد: ص 287.

[22] في كتابه " مناظرة علنية مع شهود يهوه " يعترف الأب جورج عطية بأن هذه الترجمة هي الترجمة الحرفية للنص اليوناني الأصلي، إلا أنه يصر على أنه لا فرق بين " و إلـها كان الكلمة " و بين "و كان الكلمة الله "خلافا لشهود يهوه الذين يرون بيهما فرقا كبيرا و أن الترجمة الأولى الصحيحة تنفي ألوهية المسيح وتبطل التثليث. انظر ص 127 ـ 129 من الكتاب الذكور (بيروت، منشورات دار النور، 1986).

[23] انظر الرد الجميل لإلـهية عيسى بصريح الإنجيل: ص 151 ـ 152.

[24] مثل هذا الرأي قال به الد.محمد جميل غازي في كتاب " مناظرة بين الإسلام و النصرانية " ص 455.

[25] كتاب " تفسير الكتاب المقدس " تأليف: جماعة من اللاهوتيين برئاسة الد. فرانسيس دافيد سن، بيروت، دار منشورات النفير، الطبعة الأولى 1988. ج 6 / ص 714.

غير معرف يقول...

((((((((((((((((((((((((((((((((((((أغلاط الأناجيل)))))))))))))()))))))))

وكأي جهد بشري معرض للخطأ فإن الأناجيل كذلك تمتلئ بالأغلاط التي يكذبها التاريخ والواقع ، وثبوت الغلط في الكتاب يحيل قداسته ، ويفند دعوى إلهامه إلى سراب .

والأغلاط في الأناجيل كثيرة ، وهي على أنواع فمنها ما تشهد عليه الأسفار المقدسة بالكذب، ومنها ما يشهد عليه العقل ، ومنها ما يشهد عليه التاريخ والواقع .


اولا : الأغلاط بشهادة الكتب المقدسة

زكريا المقتول بن يهويا داع وليس ابن برخيا :

فمن الأغلاط التي تشهد لها الأسفار المقدسة عند النصارى بالخطأ ما جاء في متى في قوله أن المسيح قال " كل دم زكي سفك على الأرض من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن برخيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح " ( متى 23/35 ) .

وقد غلط متى إذ المقتول بين الهيكل والمذبح هو زكريا بن يهويا داع ، فقد جاء في سفر الأيام " ولبس روح الله زكريا بن يهويا داع الكاهن فوقف فوق الشعب .. ففتنوا عليه ورجموه بحجارة بأمر الملك في دار بيت الرب " ( أيام (2) 24/20 - 21 ) .

وأما زكريا بن برخيا فهو آخر عاش أيام سبي بابل ، وهو من الأنبياء الصغار ، وينسب له السفر الذي في التوراة ، ويقول عنه قاموس الكتاب المقدس " ويذكر التقليد اليهودي أن زكريا هذا طالت أيامه ، وعاش في بلاده ، ودفن بجانب حجي الذي كان زميلاً له " .

كما يجدر أن ننبه هنا إلى أن لوقا قد نقل قول المسيح الذي ذكره متى، ولكنه لم يخطئ كما أخطئ متى ، فقد قال: " من دم هابيل إلى دم زكريا الذي أهلك بين المذبح والبيت " ( لوقا 11/51 ).


في سفر زكريا وليس إرمياء :

وفي نبوءة أوردها متى أخطأ وهو ينقل عن التوراة ، يقول متى: " لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ .. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف .. فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا : لا يحل أن نلقيها في الخزانة ، لأنها ثمن دم ، فتشاوروا ، واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء .. حينئذ تم ما قيل بإرميا النبي : وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل ، وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب " ( متى 27/3 - 10 ) .

فإحالته إلى سفر إرميا غير صحيحة ، إذ لا يوجد شيء من ذلك في إرميا ، والصحيح أنه في سفر زكريا : " فقال لي الرب : ألقها إلى الفخاري الثمن الكريم الذي ثمنوني به ، فأخذت الثلاثين من الفضة ، وألقيتها إلى الفخاري في بيت الرب " ( زكريا 11/12 - 14 ) ويجدر أن ننبه هنا أن القصة في سفر زكريا لا علاقة لها بيهوذا ولا المسيح.


أصحاب داود لم يأكلوا خبز التقدمة في عهد الكاهن أخيمالك :

وأخطأ مرقس وهو يتحدث عما فعله داود عندما جاع فأكل من خبز التقدمة الذي لا يجوز أكله إلا للكهنة فقال: " أما قرأتم قط ما فعله داود حين احتاج وجاع هو والذين معه ، كيف دخل بيت الله في أيام أبيا ثار رئيس الكهنة ، وأكل خبز التقدمة الذي لا يحل إلا للكهنة ، وأعطى الذين معه " ( مرقس 2/25 - 26 ).

وقوله: " الذين كانوا معه " خطأ ولا محالة ، لأن داود كان حين ذهب إلى رئيس الكهنة كان وحيداً ، كما في سفر صموئيل وفيه " فجاء داود إلى نوب إلى أخيمالك الكاهن ، فاضطرب أخيمالك عند لقاء داود ، وقال له : لماذا أنت وحدك وليس معك أحد ... يوجد خبر مقدس ... " ( صموئيل (1) 21/1 - 4 ) .

والخطأ الثاني الذي وقع فيه مرقس حينما سمى رئيس الكهنة أبياثار ، وفي صموئيل أن رئيس الكهنة يومذاك هو أبوه، أخيمالك الذي قتله شاول ، لأنه أعطى الخبز المقدس لداود ( انظر صموئيل (1) 22/20 - 23 ).

وينبه محررو الكتاب المقدس إلى أن أبياثار هرب بعدها إلى داود مع صادوق رئيس الكهنة بعد مقتل أبيه أخيمالك .

وقد اعترف بهذا الغلط وارد الكاثوليكي في كتابه " الأغلاط "، وقال نقلاً عن مستر جوويل أنه كتب: غلط مرقس فكتب أبياثار موضع أخيمالك .


الثناء على يهوذا الخائن :

وفي أثناء حديث الإنجيليين عن التلاميذ فإنهم يذكرون الإثنى عشر بخير ، وينسون أن فيهم يهوذا الخائن ، ولربما ذكروا حوادث حصلت بعد موته فذكروه بها .

ومن ذلك قول متى أن المسيح قال لتلاميذه: " الحق أقول لكم : إنكم أنتم الذين تبعتموني في التجديد متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضاً على إثني عشر كرسيا تدينون أسباط إسرائيل الإثني عشر " ( متى 19/28 ).

ولم يستثن يهوذا الذي يقول عنه " ويل لذلك الرجل .. خيراً لذلك الرجل لو لم يولد " ( متى 26/24 ) ، وقد تنبه لوقا لخطأ متى ، فلم يقع فيه ، ولم يذكر عدد الكراسي ( انظر : لوقا 22/28 - 29 ) .

وهذا الخطأ وقع به بولس وهو يتحدث عن قيامة المسيح والتي يفترض أنها بعد وفاة يهوذا بأيام وقبل انتخاب البديل عنه ميتاس ( انظر أعمال 1/26 ) ، فقال بولس: " قام في اليوم الثالث حسب الكتب ، وأنه ظهر لصفا ثم للإثني عشر ، وبعد ذلك ظهر لأكثر من خمسمائة أخ " (تيموثاوس (1) 15/4 - 6 )

وقد تنبه للخطأ كاتب مرقس فقال: " ثم ظهر للأحد عشر .... " ( مرقس 16/14 ) .


لم يمكث المسيح في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال :

ومن الأغلاط ما ذكره متى عن مكث ابن الإنسان (المسيح) في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال، حيث يقول: " أجاب قوم من الكتبة والفريسيين قائلين: يا معلّم نريد أن نرى منك آية. فأجاب وقال لهم: جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الانسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال". (متى 12/38 - 40 ) .

ومن المعلوم في الأناجيل أن المسيح صلب يوم الجمعة ، ودفن ليلة السبت، وخرج من قبره قبل فجر الأحد أي لم يمكث في القبر سوى ليلة السبت ويوم السبت وليلة الأحد. وهو ما يعدل ليلتين ويوم، وليس ثلاثة أيام وثلاث ليال، كما أخبر متى .

وقد اعترف بالسي وشلز أن متى قد غلط، وزعم أنه أخطأ في فهم كلام المسيح ، فهذا التفسير بالبقاء ثلاثة أيام وثلاث ليال في الأرض كان من جانبه ، وأما مقصود المسيح فهو : " أن أهل نينوي كما آمنوا بسماع الوعظ وما طلبوا معجزة ، كذلك فليرضَ الناس مني بسماع الوعظ".

وأرى أن هذا الاعتذار لا يقبل ، لأنه قد جاء مثل هذا القول عن غير متى ، ففي يوحنا قال لهم: " انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه " فلم يفهم اليهود كلامه ، وظنوه يتحدث عن هيكل سليمان " وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده ، فلما قام من الأموات تذكر تلاميذه أنه قال هذا" (يوحنا 2/19 - 24 )، ولكنه قد قام في اليوم الثاني، وبعد مضي ليلتين فقط.

وقال لوقا : " إنه ينبغي أن يسلم ابن الإنسان في أيدي أناس خطاة ، ويصلب ، وفي اليوم الثالث يقوم " ( لوقا 24/7 )، وفي مرقس " ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم " ( مرقس 10/32)، وقيامته هي القيامة من الموت، وقد قام في اليوم الثاني من الموت المزعوم .


ثانيا : أغلاط بشهادة الواقع

العودة القريبة للمسيح والنهاية السريعة للدنيا :

وثمة نصوص أخرى كثيرة غلط فيها الإنجيليون بشهادة الواقع والتاريخ ، ومن مثل ذلك ما جاء في إنجيل متى عن القيامة القريبة التي تقترن بعودة المسيح القريبة ، والتي حددها المسيح كما يزعمون بأنها قبيل انقضاء جيله ، وعليه طلب إلى تلاميذه أن لا يذهبوا للدعوة في مدن السامريين فإن القيامة دون ذلك .

وقد قارب مجموع النصوص التي تحدثت عن عودة المسيح والقيامة العشرة ، أهمها : " فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته ، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله . الحق أقول لكم : إن من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتياً في ملكوته " ( متى 16/27 - 28 ).

ويقول أيضاً : " متى طردوكم في هذه المدينة فاهربوا إلى الأخرى . فإني الحق أقول لكم : لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان " ( متى 10/23 ).

وفي سفر الرؤيا يقول: " ها أنا آتي سريعاً " ( الرؤيا 3/11 ).

وفي موضع آخر يقول: " ها أنا آتي سريعاً ، لا تختم على أقوال نبوة هذا الكتاب .. لأن الوقت قريب .. أنا آتي سريعاً " ( الرؤيا 22/7 - 12 ).

وتحدث متى عما يرافق عودة المسيح من أحداث " وفيما هو جالس على جبل الزيتون تقدم إليه التلاميذ على انفراد قائلين : قل لنا متى يكون هذا ؟ وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر ؟ " .

فأجابهم المسيح بذكر علامات كثيرة، ومنها " حينئذ تنوح جميع قبائل الأرض ، ويبصرون ابن الإنسان آتياً على سحاب السماء بقوة ومجد كثير ... الحق أقول لكم : لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله ، السماء والأرض تزولان ، ولكن كلامي لا يزول " ( متى 24/3 - 3 ) .

وقد كان المسيح قال لهم قبل سؤالهم: " الحق أقول لكم: إنه لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض " ومقصده الهيكل ، أي أنه إذا هدم لا يبنى .

وقد سيطرة فكرة العودة السريعة والقيامة القريبة على كتاب الرسائل ، ففي رسالة بولس إلى تسالونيكي " إننا نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب " ( تسالونيكي (1) 4/15 ).

وفي موضع آخر يقول: " نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور " ( كورنثوس (1) 10/11).

وأيضاً يقول: " هو ذا سر أقوله لكم : لا نرقد كلنا (أي لن نموت كلنا)، ولكننا كلنا نتغير في لحظة ، في طرفة عين، عند البوق الأخير فإنه سيبوق ، فيقام الأموات عديمي فساد ، ونحن نتغير " ( كورنثوس (1) 15/51 - 52 ).

فهذه الأقوال وسواها تدل على أن القيامة وعودة المسيح قبلها، سيحصل في زمن الجيل الأول ، لكن شيئاً من ذلك لم يحصل ، وقد مرت قرون طويلة فدل ذلك على أن في الأخبار ما هو غلط.

ويبدو أن المسيح أبلغ أصحابه بنزوله من السماء قبيل يوم القيامة، وذكر لهم بعضاً من الأمور التي تحدث قبله ، وطرأ الغلط والتحريف من قولهم بأن ذلك سيكون في زمن الجيل الأول .

ويتهرب المفسر بنيامين بنكرتن من هذه النصوص الواضحة الدلالة فيقول: " إن المراد من إتيان المسيح في ملكوته هو معجزة التجلي الآتي ذكرها .. وإن القوم هم بطرس ويوحنا ويعقوب " أي أن تفسير هذه النصوص هو القيامة المزعومة للمسيح بعد موته بثلاثة أيام .

ولكن كلام المفسر من العبث ، إذ النصوص تتحدث عن إتيان للمسيح فوق السحاب يرافقه مجد الله ، بينما كان المسيح عند عودته بعد الصلب المزعوم متخفياً . وهل كان المسيح يخبر تلاميذه عن أمر سيحصل قبل أن ينتهي الجيل، وقبل أن يكملوا التبشير في مدن اليهودية، هل كان يحدثهم عما سيحصل بعد أسبوع !!!

ثم ماذا عن النصوص التي قالها بولس وغيره بعد القيامة ؟ وأين العلامات التي رافقت مجيء المسيح .


معجزات المؤمنين :

ومن النصوص أيضاً التي تثبت شهادة الواقع بأنها وأن المسيح الذي لا يكذب لا يمكن أن يقول ما نسب إليه .

من ذلك ما جاء في خاتمة مرقس فقد جاء فيه أن المسيح ظهر لتلاميذه بعد الصلب وقال لهم: " وهذه الآيات تتبع المؤمنين ، يخرجون الشياطين باسمي ويتكلمون بألسنة جديدة ، يحملون حيات ، وإن شربوا شيئاً مميتاً لا يضرهم ، ويضعون أيديهم على المرضى ، فيبرؤون " ( مرقس 16/17 - 18 ) .

وقريباً من هذا المعنى يقول مرقس بأن المسيح قال لتلاميذه: " ليكن لكم إيمان بالله ، لأني الحق أقول لكم : إن من قال لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر ، ولا يشك في قلبه بل يؤمن ، إن ما يقوله يكون ، فمهما قال يكون له " ( مرقس 11/22 - 23 ).

وفي متى " وكل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه " ( متى 21/22 ).

ويقول يوحنا على لسان المسيح أنه قال: " الحق الحق أقول لكم: من يؤمن بي، فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضاً، ويعمل أعظم منها" ( يوحنا 14/12 ).

أما الذي يعجزون عن فعل المعجزات فهؤلاء لا إيمان لهم. ويحكى متى عن تقدم التلاميذ إلى يسوع على انفراد ليسألوه عن إخفاقهم في شفاء المصروع فأجابهم : " لعدم إيمانكم ، فالحق الحق أقول لكم : لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل ، ولا يكون شيء غير ممكن لديكم " ( متى 17/20 ) .

وعليه فكل مؤمن نصراني يستطيع إحياء الموتى وشفاء المرضى وإخراج الشياطين .....، وإن لم يصنع ذلك فليس بمؤمن .

ويبالغ يوحنا في عرضه للمعجزات التي يتوارثها النصارى عن المسيح إذ يقول في نص آخر يقول يوحنا بأن المسيح قال لليهود : " الحق الحق أقول لكم إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد " وفهم اليهود منه موتاً حقيقياً فقالوا : " ألعلك أعظم من أنبياء إبراهيم الذي مات ، والأنبياء ماتوا " فلم يتهمهم بسوء الفهم بل قال : " إن كنت أمجد نفسي فليس مجدي شيئاً ، أبي هو الذي يمجدني " ( يوحنا 8/51 - 54 ) .

إذاً هذه النصوص تتحدث عن معجزات تحدث للمؤمنين ، فهل تحقق شيء منها ؟

هل حقق آباء الكنيسة فضلاً عن بقية المؤمنين أمثال معجزة المسيح أو أفضل منها ؟ هل أحيوا موتى ؟ هل شفوا مرضى ؟ هل أتقنوا لغات عدة وصاروا يتكلمون بألسنة مختلفة؟ أم هم غير مؤمنين فلم تقع منهم هذه المعجزات .

ولو كانت هذه النصوص حقاً من أقوال المسيح لما مات بابوات الكنيسة ، ولما رأينا القسس يجتهدون في تعلم اللغات للتبشير ثم لا ينجحون ، ولو كان حقاً لما مات البابا اسكندر السادس مسموماً !!

وفي مناظرة ديدات لكبير قساوسة السويد ستانلي شوبرج وقف واحد من الجمهور ، وقرأ على القسس نص ( مرقس 16/16 - 18 ) وطلب إليه إن كان مؤمناً أن يشرب زجاجة سم رفعها الرجل بيده قائلاً : " اشرب هذا السائل السام المميت ولا تمت ، لأن عندك إيمان بألوهية يسوع ، وعندك إيمان بصدق "

فتغير وجه شوبرج ، وصار يتلعثم في القول وقال " إننا لو شربنا شيئاً ساماً لا نموت . إن هذا أمر غريب ، أنا مؤمن بالله وبالروح القدس كحقيقة ، الروح القدس يخبرنا ماذا سيحدث لنا . لقد قالت لي زوجتى منذ ثلاثين يوماً : يا استانلي كن حذراً إن شخصاً ما سيغتالك بالسم ... أنا أرى الشيطان بداخلك ( للسائل ) ، أنا لا أريد أن أقوم باستعراض ... " ثم حمل السمّ وصبه في حوض الزرع .


التعويض السريع في الدنيا :

ومن الأمور التي ذكرتها الأناجيل أيضاً ، ويكذبها واقع الناس ما جاء في مرقس أن بطرس قال للمسيح: " ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك، فأجاب يسوع وقال : أقول لكم : ليس أحد ترك بيتاً أو إخوة أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة أو أولاداً أو حقولاً لأجلي ولأجل الإنجيل إلا ويأخذ مائة ضعف الآن في هذا الزمان بيوتاً وإخوة وأخوات وأمهات وأولاداً وحقولاً مع اضطهادات، وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية " ( مرقس 10/28 - 30 ) ومثله في متى : " يأخذ مائة ضعف ويرث الحياة الأبدية "( متى 19/29 )، وانظر ( لوقا 18/28 - 30 ) وفيه: " يأخذ في هذا الزمان أضعافاً كثيرة ".

وحار المحققون في فهم كيفية هذا التعويض ، كيف يمكن للإنسان أن يصبح عنده أمهات وآباء كثر ... وإذا فهم أن الآباء والإخوة والأمهات أمور مجازية ، فكيف يفهم تعويض الحقول والزوجات ؟ ومتى رأينا ذلك لأحد أولئك الذين يهجرون أوطانهم للتبشير فيتركون أمهاتهم وأخواتهم وأموالهم ، متى أعطوا جزاء في الدنيا مائة ضعف.

والنص واضح الدلالة أنه يتحدث عن جزاء دنيوي " مع اضطهادات " " في هذا الزمان " ثم وعد بالحياة الأبدية في الآخرة .

فهذا النص من الكذب ، ولو كان حقاً لرأينا الناس سيسرعون إلى إجابة هذه الدعوة ، ولكشفت التجربة الواقعة منها عن معطيات يستبق الناس إليها ويقتتلون من أجلها.


ثالثا : أغلاط بشهادة العقل

كما توجد في الأناجيل أغلاط يشهد العقل بأنها لا تصدر عن الوحي ، لأنه أي العقل يشهد بخطئها .

نجم يتمشى في سماء أورشليم :

ذكر متى قصة المجوس الذين جاءوا للمسيح عند ولادته وسجدوا له فقال: " ولما ولد يسوع في بيت لحم في أيام هيردوس الملك إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم قائلين . أين هو المولود ملك اليهود ؟ فإننا رأينا نجمة في المشرق وأتينا لنسجد له … ذهبوا إذا النجم الذي رأوه في المشرق يتقدمهم حتى جاء ، ووقف فوق حيث كان الصبي، فلما رأوا النجم فرحوا فرحاً عظيماً جداً ..." (متى 2/1-10).

فعند عرض القصة على العقل فإنه يرفضها لأمور :

- أن متى يتحدث عن نجم يمشي ، وحركته على رغم بعده الهائل ملحوظة على الأرض تشير إلى بعض أزقة أورشليم دون بعض ، ثم إلى بيت من بيوتها، حيث يوجد المسيح ، فيتوقف وهو في السماء فكيف مشى ، وكيف دلهم على البيت ، وكيف وقف ؟!! وكيف رأوا ذلك كله ؟ أسئلة ليس لها إجابة .

- كيف عرف المجوس خبر المسيح ونجمه وهم لا يعرفون الله ؟ وكيف يسجدون لنبي وهم لا يؤمنون بدينه ؟ فهذا من الكذب بدليل أن أحد من قدماء المجوس ومؤرخيهم لم ينقل مثل هذا، وكذلك لم ينقله الإنجيليون الآخرون.

- ولماذا تحملوا عناء هذه الرحلة الطويلة لمجرد أن يسجدوا بين يديه ويقدموا له الهدايا ثم يعودون !!

- يتحدث النص عن اهتمام الوالي هيرودس بأمر المولود وأنه أضمر قتله ، وطلب من المجوس أن يخبروه إذا وجدوا الطفل ليسجد له ، ثم أُوحي للمجوس في المنام أن لا يرجعوا لهيرودس ففعلوا، فلو كان اهتمام هيرودس حقاً لقام معهم إلى بيت لحم وهي على مقربة من أورشليم ، أو لأرسل معهم خاصته.

وأما ما ذكره متى عن قتل هيرودس للأطفال بعد تواري المجوس قبل أن يقف على الطفل فهذا كذب بدليل أن أحداً من المؤرخين لم يذكره على أهمية هذا الحدث .


الركوب على الجحش والأتان معاً :

ومما يكذبه العقل ولا يتصوره ما ذكره متى عند حديثه عن دخول المسيح أورشليم فقال " وأتيا بالأتان والجحش ووضعا عليهما ثيابهما فجلس ( أي المسيح ) عليهما " ( متى 21/7 ) فجلوس المسيح على الجحش والأتان معاً لايتصوره العقل.

وهو غلط وكذب أراد متى من خلاله أن يحقق نبوءة توراتية " فكان هذا كله لكي يتم ما قيل بالنبي القائل: قولوا لابنة صهيون: هو ذا ملكك يأتيك وديعاً راكباً على أتان وجحش ابن أتان" (متى21/4-5) .


عجائب رافقت موت المصلوب :

ومثله يرفض العقل ما حكاه متى من عجائب حصلت عند موت المسيح يقول: " وأسلم الروح ، وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل ، والأرض تزلزلت ، والصخور تشققت ، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين ، وخرجوا من القبور بعد قيامته ، ودخلوا المدينة المقدسة ، وظهروا لكثيرين " ( متى 27/51 - 54 ) .

والقصة من الغلط بل والكذب ، إذ لم يعهد مثل هذه العودة للقديسين والراقدين ، ولم يعهد أن عاد هؤلاء أو غيرهم من الموت .

ثم ماذا بعد العودة هل تزوجوا ؟ وهل عادوا لبيوتهم ؟ أم ماتوا بعدها ؟ أم .... ثم ماذا كانت ردة فعل اليهود وبيلاطس والتلاميذ أمام هذا الحدث العظيم ؟

الإجابة : لا شيء . إذ لم يذكر شيء عند متى ولا عند غيره ممن لم يذكر هذه العجائب ، ولو كانت حقاً لسارت في خبرها الركبان ، ولآمن الناس بالمسيح حينذاك ، يقول الأب كننغسر : يجب الامتناع عن الهزء (أي بمثل هذه الأخبار ) ، لأن نية متى كانت محترمة جداً ، إنه يدمج المعطيات القديمة للرواية الشفهية مع مؤلَفه ، ولكن يبقى إخراجه لائقاً بعيسى ، المسيح النجم .

وقال نورتن الملقب بحامي الإنجيل :" هذه الحكاية كاذبة ، والغالب أن أمثال هذه الحكايات كانت رائجة عند اليهود بعد ما صارت أورشليم خراباً ، فلعل أحداً كتب في حاشية النسخة العبرانية لإنجيل متى ، وأدخلها الكاتب في المتن ، وهذا المتن وقع في يد المترجم، فترجمها على حسبه".

ويعلق العلامة أبو زهرة " لعل كثيراً مما في المتن أصله في الحاشية ثم نقل خطأ في المتن " .

ومما يدل على كذب خبر متى في قيام الراقدين من الموت أن بولس وغيره يصرح بأن المسيح هو أول القائمين ، وأنه باكورة الراقدين " إن يؤلم المسيح يكن هو أول قيامة الأموات " (أعمال 26/23) ، ومثله قوله: " لكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين" (كورنثوس (1) 15/20)، وقوله: " الذي هو البداءة بكر من الأموات لكي يكون هو متقدماً في كل شيء. " (كولوسي 1/18 ).

و هو ما يثبته أيضاً سفر الرؤيا " يسوع المسيح الشاهد الأمين البكر من الأموات " (1/5).


كيف اختفت هذه الأغلاط وغيرها عن أعين النصارى :

وهكذا بقيت هذه الأغلاط وغيرها حبيسة دفتي الكتاب المقدس قروناً طويلة بقي خلالها الكتاب المقدس حكراً على رجالات الكنيسة بعيداً عن أيدي العامة

ولما ظهرت الطباعة وانتشرت نسخ الكتاب المقدس في القرن السادس عشر أكد آباء الكنيسة أن شرح الأناجيل وفهم ما فيها هو من اختصاص البابا الذي يعينه في ذلك روح القدس.

بيد أن مارتن لوثر وأتباعه رفضوا هذه الخصوصية للكنيسة ، وطالبوا بأن يكون حق قراءة وفهم الكتاب المقدس لكل أحد ، فانعقد مجمع تريدنت نوتردام في 1542 - 1563م للرد على دعوة لوثر.

وكان من قراراته : " إذا كان ظاهراً من التجربة أنه إذا كان الجميع يقرؤون في الكتب باللفظ الدارج، فالشر الناتج من ذلك أكثر من الخير ، فلأجل هذا ليكن للأسقف أو القاضي في بيت التفتيش سلطان حسب تميزه بمشورة القس أو معلم الاعتراف ليأذن في قراءة الكتاب باللفظ الدارج لأولئك الذين يظنون أنهم يستفيدون ، ويجب أن يكون الكتاب مستخرجاً من معلم كاثوليكي ، والإذن المعطى بخط اليد ، وإن كان أحد بدون الإذن يتجاسر أن يتجرأ أو يأخذ هذا الكتاب فلا يسمح له بحل خطيئته حتى يرد الكتاب إلى الحاكم " .

ويبدو في قرار المجمع هروب من اكتشاف العامة لأغلاط الكتاب المقدس وما فيه من المفاسد، ويؤكد بعض المحققين أن الإلحاد شاع في أوربا بعد انتشار نسخ الكتاب المقدس واطلاع العامة على ما فيه .


رأي النصارى في أغلاط الكتاب الأناجيل :

وبعد : لعل المرء يتساءل ما هو رأي النصارى بأغلاط الأناجيل ؟ وهل يقرونها ؟

في الإجابة نقول : لا ريب أن أتباع الكنيسة الذين أغلقوا عقولهم في وجه الحقيقة يرفضون أن يحوي الإنجيل غلطاً، لأن روح القدس لا يغلط، ومن هؤلاء الدكتور القس شروش حيث يقول : " إنا نعلم أن الإنجيل هو وحي الله ، لأن التنبؤ بالأحداث قد تم قبل وقوع الأحداث بقرون ، إن للإنجيل تأثيره على المجتمعات البشرية طالما تم الإيمان به والعمل بمقتضاه . أكثر من ذلك فإن دقة الإنجيل قد وجدت من يتحداها ، ولكنها لم تجد من ينجح في التحدي " .

ويقول أيضاً : " إن صحة محتويات الإنجيل قد أثبتتها الوثائق التاريخية والحفريات الأثرية والوثائق القديمة ، وتوجد الآن أكثر من خمس وعشرين ألف وثيقة من الوثائق المقدسة بالمتحف البريطاني من أجلكم ، لكي تتأكدوا من صحة مشيئة الله " .

ولما كانت الحقيقة - بوجود الغلط في الأناجيل والرسائل - ساطعة كالشمس عمل بعض علماء النصرانية على التخلص من هذه الأغلاط بالإقرار بأن الإلهام لم يكن مصاحباً للإنجيليين حال كل كتابة كتبوها ، يقول هورن: " إذا قيل إن الكتب المقدسة أوحي بها من عند الله لا يراد أن كل الألفاظ والعبارات من إلهام الله ... ولا يتخيل أنهم كانوا يلهمون في كل أمر يبينونه ، وفي كل حكم كانوا يحكمون به " .

وتقول دائرة المعارف البريطانية: " وقع النزاع في أن كل قول مندرج في الكتب المقدسة هل هو إلهامي أم لا ؟ وكذا كل حال من الحالات المندرجة فيها ، فقال جيروم وكثيرون : ليس كل قول إلهامي …. الذين قالوا: إن كل قول إلهامي لا يقدرون أن يثبتوا دعواهم بسهولة ".

وهذا القول يطالب قائلوه بتعيين المواضع غير الإلهامية وإقامة الدليل على خصوصها بعدم الإلهام أو إقامة الدليل على خصوص المواضع التي يقولون بإلهاميتها ، وإذا لم يتم ذلك وجب التوقف في شأن الكتب المقدسة ، إذ فيها ما هو عمل بشري لا يجوز اعتباره مصدراً دينياً .??????التحريف في العهد الجديد

ولقد يتساءل المرء أين وقع التحريف في الأناجيل ؟ هل وقع من الإنجيليين وأصحاب الرسائل ، أم من النساخ الذين تصرفوا في النصوص حسب أهوائهم وعقائدهم ، أم من أولئك الذين أضافوا القداسة للكتب الشخصية التي خطها الحواريون ، أم من ذلك كله . ولعل الأخير هو الصواب .


أولاً : تحريف الإنجيليين : هل كان الإنجيلون أمناء في النقل عن بعضهم ؟

أصبح من المسلم به - كما أسلفنا - أن لوقا نقل ما نسبته 51% من إنجيل مرقس، بينما نقل متى ما نسبته 90% من محتويات مرقس . فهل كان متى ولوقا أمينان في تقلهما عن مرقس ؟

ولكن كلا الإثنين تصرفا برواية مرقس حسب ما تبدى لهما، وخاصة متى الذي كان يضخم دائما من رواية مرقس لتناسب غلوه بشخص المسيح أو لتحقق نبوءة توراتية لم تحققها رواية مرقس، وذلك يظهر من أمثلة كثيرة ذكرها المحققون:

1- يقول مرقس عن المصلوب " أعطوه خمراً ممزوجاً بمر " ( مرقس 27/33 ).

لكن متى نقل عن مرقس وغير فقال " أعطوه خلاً ممزوجاً بمرارة " ( متى 27/34 ) ومن المعلوم أن الخل غير الخمر.

ولقد قصد متى من هذا التغيير أن يحقق النبوءة التوراتية المزعومة " يجعلون في طعامي علقماً ، وفي عطشي يسقونني خلاً " ( مزمور 69/21 ) فأبدل كلمة الخمر التي كتبها مرقس بالخل.

2- يقول مرقس " إن من يصنع مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي " ( مرقس 3/35 ).

وينقلها متى " إن من يصنع مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي " ( متى 12/50 ) فكلمة أبي وضعت لأسباب لاهوتية.

3- ومثله يقال عندما سأل المسيح تلاميذه عما يقولون فيه، فأجاب بطرس: " أنت المسيح " ( مرقس 8/29 ).

لكن متى عدل في إجابة بطرس وجعلها : " أنت هو المسيح ابن الله الحي " ( متى 16/16).

4- ومثله لما ظهر لهم المسيح مع موسى قال بطرس لسيده كما ينقل مرقس : " يا سيدي جيد أن نكون هنا " ( مرقس 9/5 ).

ولكن متى يقول: " يا رب جيد أن نكون ههنا " (متى 17/4).

5- ومن غلو متى تغييره لما جاء في مرقس عن عدم قيام المسيح بالمعجزات في الجليل حيث يقول: " ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة غير أنه وضع يديه على مرضى قليلين فشفاهم ، وتعجب من عدم إيمانهم " ( مرقس 6/5 - 6 ) حيث لم يصنع ولا قوة واحدة، لكنه شفى قليلين، لكن شفاء القليلين لم يكن كافياً لإيمان أولئك القساة فتعجب المسيح لعدم إيمانهم.

لكن متى عز عليه أن لا يصنع المسيح أي قوة، فقال : " ولم يصنع هناك قوات كثيرة لعدم إيمانهم " ( متى 13/58 ) إذاً هو صنع معجزات، ولكن ليس كثيراً، وبرر قلة المعجزات بعدم إيمانهم. فأصبحت سبباً لقلة المعجزات بعد أن كانت عند مرقس نتيجة لها.

6- ومثله تلاعب لوقا بما نقله عن مرقس، فقد أورد مرقس - الذي تصفه المصادر المسيحية بأنه يقدم أصدق صورة عن المسيح - أورد آخر عبارات المصلوب على الصليب ، وكانت صراخه اليائس " إلهي إلهي لماذا تركتني " ( مرقس 15/34 ) .

لكن لوقا - وكما يرى ولديورانت - لم تعجبه عبارة مرقس ، ورآها لا تتفق مع تعليم بولس عن المسيح الفادي الذي جاء ليصلب ، فأبدلها بقوله: " يا أبتاه في يديك أستودع روحي " ( لوقا 23/46 ).

7- والغلو عند متى في شخص المسيح جعله يخالف مرقس في كثير من الأحداث التي نقلها عنه ، فزاد فيها بما اعتقد أنه يرفع من قدر المسيح، من ذلك أن مرقس ذكر خبر المجنون الممسوس بالشياطين والذي شفاه المسيح وأخرج منه الشياطين وجعلها تدخل في الخنازير، فيقول: " لما خرج من السفينة للوقت استقبله من القبور إنسان به روح نجس ... فلما رأى يسوع من بعيد ركض وسجد له، وصرخ بصوت عظيم وقال: ما لي ولك يا يسوع ابن الله العلي. أستحلفك بالله أن لا تعذبني ...

وكان هناك عند الجبال قطيع كبير من الخنازير يرعى. فطلب إليه كل الشياطين قائلين: أرسلنا إلى الخنازير لندخل فيها. فأذن لهم يسوع للوقت.فخرجت الأرواح النجسة، ودخلت في الخنازير". (مرقس 5/2 - 13).

لكن متى جعل صاحب القصة مجنونان بدلًا من واحد فقال: "ولما جاء إلى العبر إلى كورة الجرجسيين استقبله مجنونان خارجان من القبور هائجان جداً، ...وإذا هما قد صرخا قائلين ما لنا ولك يا يسوع ابن الله.أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا.

وكان بعيداً منهم قطيع خنازير كثيرة ترعى. فالشياطين طلبوا إليه قائلين: إن كنت تخرجنا فأذن لنا أن نذهب إلى قطيع الخنازير. فقال لهم: امضوا، فخرجوا ومضوا إلى قطيع الخنازير". ( متى 8/28 - 32 ) .

8- وذكر مرقس ولوقا شفاء الأعمى، يقول مرقس: " وفيما هو خارج من أريحا مع تلاميذه وجمع غفير كان بارتيماوس الأعمى ابن تيماوس جالساً على الطريق يستعطي. فلما سمع أنه يسوع الناصري ابتدأ يصرخ ويقول: يا يسوع ابن داود ارحمني. .. فأجاب يسوع وقال له ماذا تريد أن أفعل بك؟ فقال له الأعمى: يا سيدي أن أبصر. فقال له يسوع: اذهب.إيمانك قد شفاك. فللوقت أبصر وتبع يسوع في الطريق " (مرقس 10/46 - 52 ، و انظر لوقا 18/35 - 42 ).

لكن متى جعل القصة ذاتها لأعميين فقال: " فيما هم خارجون من أريحا تبعه جمع كثير. وإذا أعميان جالسان على الطريق.فلما سمعا أن يسوع مجتاز صرخا قائلين: ارحمنا يا سيد، يا ابن داود... فوقف يسوع وناداهما وقال: ماذا تريدان أن أفعل بكما؟ قالا له: يا سيد أن تنفتح أعيننا. فتحنن يسوع ولمس أعينهما، فللوقت أبصرت أعينهما، فتبعاه "( متى 20/29 - 34 ).

9- وأخبر مرقس عن قدوم المسيح لأورشليم راكباً على جحش فيقول: " أرسل اثنين من تلاميذه، وقال لهما: اذهبا إلى القرية التي أمامكما، فللوقت وأنتما داخلان إليها تجدان جحشاً مربوطاً لم يجلس عليه أحد من الناس. فحلاه وأتيا به... فأتيا بالجحش إلى يسوع وألقيا عليه ثيابهما (أي التلميذين) فجلس عليه."( مرقس 11/1 - 7 )

لكن متى بالغ في روايته لنفس الخبر ، فجعل المسيح راكباً على أتان وجحش في وقت واحد! يقول متى: " حينئذ أرسل يسوع تلميذين قائلاً لهما: اذهبا إلى القرية التي أمامكما، فللوقت تجدان أتاناً مربوطة وجحشاًَ معها، فحلاهما وأتياني بهما. ...وأتيا بالأتان والجحش ووضعا عليهما ثيابهما فجلس عليهما". ( متى 21/1 - 7 ) .

ولم يبين لنا كيف كان هذا الركوب . لكنه أراد أن يحقق نصاً توراتياً في سفر زكريا " هو ذا ملكك ، يأتي إليك وهو عادل ومنصور وديع ، وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان ". (زكريا 9/9 ) .

وقد صرح متى بذلك في نفس الخبر فقال:" فكان هذا كله لكي يتم ما قيل بالنبي القائل: قولوا لابنة صهيون: هوذا ملكك يأتيك وديعاً راكباً على أتان وجحش ابن أتان". (متى 21/4)

10- ومثله زيادات متى الخيالية على الأحداث التي صاحبت موت المعلق على الصليب " فصرخ يسوع أيضاً بصوت عظيم وأسلم الروح، وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل. والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين، وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة، وظهروا لكثيرين" (متى 27/50 - 53)، هذا ولم يذكر لنا منى شيئاً عما فعله هؤلاء العائدون من الموت ، ولا عن ردة فعل الناس على ظهورهم وعلى تلك الأحداث العظيمة....

وهذه الأعجوبة على ضخامتها وأهميتها لم يشر إليها مرقس ، ولو كانت حقاً لما صح أن يهملها لأهميتها، كذلك لم يذكرها لوقا ولا يوحنا، فثبت أنها من وضع متى ونسج خياله .


اعترافات بالتلاعب في الأناجيل :

ويعترف مفسر إنجيل متى المفسر جون فنتون بهذا التطوير للروايات ويحاول تبريره فيقول: " لقد حدث تحوير ملحوظ في مخطوطات ( الأناجيل ) ، وذلك في المواضع التي ذكرت فيها ألقاب الرب " ( يسوع ) .

والصحيح أن التلاعب بالنص يرجع إلى كتاب الأناجيل ، وليس المخطوطات إذ أن الزيادة دائماً في متى عما في مرقس ، ولو كان الخلل في المخطوطات لما اطردت الزيادة في متى دائماً .

وقد صدق العلامة كيز مان حين قال : " إن لوقا ومتى قد قاما بتغيير نص مرقس الذي كان بحوزتهما مائة مرة عن عمد لأسباب عقائدية " .


ثانياً: تحريف الإنجيليين في نقلهم من المصادر التوراتية

ومن التحريف تحريف كتاب العهد الجديد لبعض ما نقلوه عن العهد القديم.

تحريف بولس للمزمور الأربعين :

وقع به بولس وهو ينقل عن مزامير داود ، يقول بولس: " لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع الخطايا ، لذلك عند دخوله إلى العالم ، يقول : ذبيحة وقرباناً لم تُرد ، ولكن هيأت لي جسداً ، بمحرقات وذبائح لم تسر …. " ( عبرانيين 10/4 – 6 ).

وقد نقل بولس النص عن المزامير ، وحرفه ففي المزامير " بذبيحة وتقدمه لم تسر ، أذني فتحت ، محرقة وذبيحة خطية لم تطلب …. " ( مزمور 40/6 ) فقد أبدل " أذني فتحت " بقوله: "هيأت لي جسداً ".

واعترف بوقوع التحريف في أحد النصين جامعو تفسير هنري واسكات ، ولم يعينوا الموضع المحرف منهما ، فيما اعتبر آدم كلارك ما جاء في المزمور محرفاً ، فيما اعتبره دوالي ورجر وديمنت في تفسيرهما ما جاء في رسالة بولس هو المحرف.


ذكر الناصري في التوراة :

كما وقع التحريف من الإنجيليين بنسبة أقوال إلى التوراة لم تذكرها ، منه ما جاء في متى " وأتي وسكن في مدينة يقال لها ناصرة ، لكي يتم ما قيل بالأنبياء : إنه سيدعى ناصرياً " ( متى 2/23 ) ، ولا يوجد شيء من ذلك في كتب الأنبياء .


ثالثاً: انتشار التحريف في الصدر الأول

رأينا قبل أصحاب النصوص الإنجيلية وهم يقعون في التحريف، في الصدر الأول من النصرانية، وقد كثر حينذاك المنتحلون للنبوة والزاعمون أنهم يكتبون القصة الحقيقية لعيسى عليه السلام.

ومنذ ذلك الحين صدرت الدعوات تحذر من التحريف الذي يتعرض له الإنجيل.

ومن هذه النصوص قول بولس : " إني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعاً عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر ليس هو ، غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ، ويريدون أن تحولوا إنجيل المسيح " ( غلاطية 1/6 - 7 ) فتحدث بولس عن أناس يريدون تحريف إنجيل المسيح الذي سبق الحديث عن فقده .

ويقول أيضاً: " ولكن ما أفعله سأفعله لأقطع فرصة الذين يريدون فرصة كي يوجدوا كما نحن أيضاً فيما يفخرون به ، لأن مثل هؤلاء رسل كذبة ، فعلة ماكرون مغيرون من شكلهم إلى شبه رسل المسيح " ( كورنثوس (2) 11/12 - 13 ) .

ويقول يوحنا: " أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح ... لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم " ( يوحنا (1) 4/1 ).

ويحذر يهوذا من أولئك الذين زوروا كلاماً على المسيح " إنه قد دخل خلسة أناس قد كتبوا منذ القديم لهذه الدينونة ، فجار يحولون نعمة إلهنا ... هو ذا قد جاء الرب ليضع دينونة على الجميع، ويعاقب جميع فجارهم على جميع أعمال فجورهم ... وعلى جميع الكلمات الصعبة التي تكلم بها عليه خطاة فجار ... إنه في الزمن الأخير سيكون قوم مستهزؤون سالكين بحسب شهوات فجورهم "(يهوذا 4-18).

ويحذر بطرس من التحريف المعنوي بتغيير المعاني الصحيحة ، فيقول: " كتب إليكم أخونا الحبيب بولس . أيضاً بحسب الحكمة المعطاة له ، كما في الرسائل كلها أيضاً متكلماً فيها عن هذه الأمور التي فيها أشياء عسرة الفهم ، يحرفها غير العلماء وغير الثابتين كباقي الكتب أيضاً لهلاك أنفسهم " ( بطرس (2) 3/15 - 16 ) .

وكثرة التحريف والكتب التي تدعي الحق هيج لوقا لكتابة إنجيله كما يقول في مقدمته: " إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا .... أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به " ( لوقا 1/1 - 4 ) .

فلوقا رأى هذه الكتب الكثيرة محرفة فكتب ما رآه صحيحاً ، وقد بلغت هذه الكتب من الكثرة أن قاربت المائة .

ومثل هذا الاتهام للنصارى ما كان يصرخ به فاستس ( من فرقة ماني كيز في القرن الرابع ) حيث كان يقول : " أنا أنكر الأشياء التي ألحقها في العهد الجديد آباؤكم وأجدادكم بالمكر ، وعيبوا صورته الحسنة وأفضليته ، لأن هذا الأمر محقق ، إن هذا العهد الجديد ما صنفه المسيح ولا الحواريون ، بل صنفه رجل مجهول الاسم ونسبه إلى الحواريين ورفقاء الحواريين ليعتبر الناس ، وقد آذى بذلك الدين ... فقد ألف الكتب التي تمتلئ بالأغلاط والمتناقضات " .

وكان سلوس الوثني ( ق2 ) يقول : " بدل المسيحيون أناجيلهم ثلاث مرات أو أربع مرات، بل أزيد من هذا تبديلاً ، كأن مضامينها بدلت " .


استحلال آباء الكنيسة للتحريف :

ويذكر وليم ميور في كتابه " تاريخ كليسيا " ( الكنيسة ) أن أرجن وغيره أفتوا بجواز جعل الكتب الكاذبة ، ونسبتها للحواريين أو التابعين أو إلى قسيس من القسيسين المشهورين .

يؤكد المؤرخ موشيم سهولة وقوع التحريف في الصدر الأول لانتشار مقولة أفلاطون وفيثا غورث " أن الكذب والخداع لأجل أن يزداد الصدق عبادة لله ، ليس بجائزين فقط ، بل قابلان للتحسين ، وتعلم أولاً منهم يهود مصر هذه المقولة قبل المسيح .. ثم أثر وباء هذه الغلط السوء في المسيحيين كما يظهر " .


من كتب العهد الجديد ؟

ويقول الدكتور بوست : الأناجيل الحالية تختلف عن الأناجيل القديمة . ونشرت مجلة تايم في عددها الصادر في اكتوبر 1986 مقالاً عند ندوة دولية حضرها 120 عالماً نصرانياً درسوا صحة الأقوال المنسوبة للمسيح في الأناجيل الأربعة فوجدوا أنه لا يصح منها سوى 148 قولاً من بين 758 قولاً منسوباً إليه .

وذكر كتاب " الأناجيل الخمسة " الذي أصدرته ندوة يسوع عام 1993م أن 18% فقط من الأقوال التي تنسبها الأناجيل ليسوع ربما يكون قد نطق بها فعلاً .

وفي ندوة 1995 قرروا أن رواية ميلاد يسوع غير حقيقية سوى ما يتعلق باسم أمه ، ومثله قصة آلام المسيح ومحاكمته .


رابعاً: ظهور الطباعة ، والتحريف الطباعي للعهد الجديد

وفي القرن السادس عشر ظهرت الطباعة وأدواتها، ليظهر معها نوع جديد من أنواع التحريف يؤكد أن القوم قد استمرؤوا باطلهم وتحريفهم.

وقد أصدر ارازموس سنة 1516م أول طبعاته كما ذكر ذلك فردريك جرانت في كتابه " الأناجيل أصولها ونماؤها " وجورج كيرد في تفسيره .

وفي عهد الملك جيمس الأول ملك انجلترا واسكتلندا عقد مؤتمر ديني عام 1604م أسفر عن تشكيل لجنة ترجمة من البروتستانت تولت إنتاج النص الرسمي للكتاب المقدس باللغة الإنجليزية ، وختم الملك جيمس هذه النسخة بخاتمه، وطبعت سنة 1611م .

ومنذ عهد الملك جيمس توالت الطعون لهذه الترجمة الأشهر في تاريخ المسيحية ، فقد رفعت للملك جيمس عريضة تقول " إن الزبورات التي هي داخلة في كتاب صلاتنا مخالفة للعبري بالزيادة والنقصان والتبديل في مائتي موضع تخميناً " .

وقال بروتن للقسس " إن ترجمتكم الإنجليزية المشهورة حرفت عبارات كتب العهد العتيق في ثمانمائة وثمان وأربعون موضعاً ، وصارت سبباً لرد أناس غير محصورين كتب العهد الجديد ودخولهم النار " .

وتوالت الطعون لهذه الترجمة والتي عنها ترجم العهد الجديد إلى أكثر لغات العالم ، وينشرها حتى الكاثوليك الذين لهم ترجمة خاصة ، وتعتبر عندهم ترجمة البروتستانت ناقصة .

وفي عام 1881م عدلت نسخة الملك جيمس ، وسميت بالنسخة المنقحة ثم نقحت 1952م ، وسميت " النسخة القياسية المنقحة " (R.S.V) ، وكان تنقيحها على يد اثنين وثلاثين عالماً لاهوتياً تساندهم هيئة استشارية تمثل خمسين طائفة دينية، ثم أعيد تنقيحها عام 1971م، وصدرت بنفس الاسم (R.S.V) ، وجاء في مقدمة هذه الطبعة: " لكن نصوص الملك جيمس بها عيوب خطيرة جداً ... وإن هذه العيوب والأخطاء عديدة وخطيرة، مما يستوجب التنقيح في الترجمة الإنجليزية " .

ومما حذفته النسخة المنقحة نص يوحنا المشهور في التثليث ( انظر يوحنا (1) 5/7 ) ونهاية إنجيل مرقس ( انظر 16/9 - 20 ) .

وتبدو إمكانية تطوير النص أيضاً عند الكاثوليك حيث جاء في مقدمة العهد الجديد للكاثوليك " بوسعنا اليوم أن نعد نص العهد الجديد نصاً مثبتاً إثباتاً حسناً ، وما من داع إلى إعادة النظر إلا إذا عثر على وثائق جديدة " .

وقد أصدر الكاثوليك نسخة لاتينية خاصة بهم تسمى نسخة " دوي " وطبعت لأول مرة عام 1582م ثم 1609م ، وتختلف هذه النسخة عن نسخة الملك جيمس المعاصرة لها في أمور أهمها زيادة سبعة من الأسفار ( الأبوكريفا ) غير موجودة في ترجمة الملك جيمس البروتستانتية .


أمثلة لتحريف الطبعات :

وقد لجـأ المحرفون إلى وسائل في التحريف منها أنهم تعمدوا وضع إضافات للنص المطبوع، وجعلت هذه الإضافات في أقواس للدلالة على عدم وجودها في أقدم المخطوطات المعتمدة ، وأنها إضافات تفسيرية .

ثم وفي طبعات أخرى اختفت الأقواس ، وأصبح ما بين الأقواس جزء من النص المقدس ، وفي طبعات أخرى تم حذف الأقواس وما بينها، فأي هذه النصوص كلمة الله ؟ ومن الذي يحق له أن يزيد وينقص في الكتاب المقدس؟

1- ومن ذلك أنه جاء في نسب المسيح " ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة وهو (حسبما يظن ) ابن يوسف " ( لوقا 3/23 ) .

وفي تراجم كثيرة تبلغ المئات يلحظ العلامة ديدات اختفاء الأقواس ،وبقاء ما بينها جزء من كلمة الله.

2- وأهم أمثلة تحريف الطبعات قاطبة ما جاء في رسالة يوحنا الأولى " فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الأب والكلمة والروح القدس ، وهؤلاء الثلاثة هم واحد ، والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة الروح والماء والدم ، والثلاثة هم في الواحد " ( يوحنا (1) 5/7 - 8 ) والفقرة الأولى التي تتحدث عن شهود السماء غير موجودة في النسخ القديمة ، كما أنها غير موجودة في جلسات المجمع النيقي .

والنص موجود في سائر تراجم العهد الجديد المطبوعة بعد القرن السادس عشر الميلادي ، ولا يخفى أن إضافة هذا النص كان لتثبيت عقيدة التثليث التي تفتقر لمثل هذا الدليل القوي في دلالته .

وقد اعترف محققو النصرانية بإلحاقية هذا النص ، ومنهم كريسباخ وشولز ، وهورن المتعصب، وجامعو تفسير هنري ، واكستاين ، والقس فندر ولوثر الذي حذف النص من ترجمته.

وقد كتب إسحاق نيوتن رسالة بلغت خمسين صفحة أثبت فيها تحريف هذه العبارة التي بقيت في سائر الطبعات والتراجم بلغات العالم المختلفة إلى أواسط هذا القرن .

وكانت بعض الطبعات العربية قد وضعتها بين هلالين لتدل على عدم وجودها في المخطوطات القديمة كما في ترجمة الشرق الأوسط 1933م ، لكنها موجودة بدون أهلة في سائر التراجم العربية سوى ترجمة الكاثوليك العربية ، فإنها أزالتها وأشارت إلى خلو الأصول اليونانية عنها.

وفي عام 1952م أصدرت لجنة تنقيح الكتاب المقدس - المكونة من اثنين وثلاثين عالماً نصرانياً يساندهم أتباع خمسون مذهباً مسيحياً - أصدرت نسخة ( R. S. V ) ، أي النسخة القياسية المراجعة، وكان هذا النص ضمن ما حذفه المنقحون ، لكن هذا التنقيح لم يسرِ على مختلف تراجم الإنجيل العالمية
3- ومن النصوص المهمة أيضاً التي تعرضت لتحريف الطبعات ، النصان الوحيدان اللذان يتحدثان عن صعود المسيح للسماء في خاتمة مرقس 16/19 ، ولوقا 24/51 وقد حذف النصان من ( R. S. V) عام 1952م وبقي في سائر التراجم العالمية.


ثم في 1971م عرض أمام اللجنة ( المنقحة ) طلبات عديدة قدمها اثنان من الأفراد ، وطائفتان دينيتان ، ونتيجة لهذه الطلبات تم إعادة نص التثليث وخاتمة مرقس 16/9 - 20 ، ولوقا 24/51 في طبعة ثانية صدرت أيضاً تحت اسم ( R. S. V ) .???????????????=====================================================================(((((((((((((((تناقضات الأناجيل))))))))))))))))))))))

( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) (سورة النساء ، آية : 82 ).

تعطي الآية معياراً صحيحاً للتحقق من صحة نسبة أي كتاب لله عز وجل، فالبشر من طبعهم الخطأ والنسيان ، والتخليط بعد تقادم الأيام ، ولذا تأتي كتاباتهم منسجمة مع هذه الطبائع البشرية .

ولو طبقنا هذا المعيار على الأناجيل الأربعة والرسائل الملحقة بها ، فإنا سنرى آثار هذه الطبائع تتجلى في أخطائهم وتخالفهم وتناقضهم في الأحداث والأحكام التي يوردونها في كتاباتهم .

ووجود التناقض يدحض دعوى إلهامية هذه الكتب ، واعتبارها جزء من كلمة الله التي أوحاها إلى بعض تلاميذ المسيح .

ويعترف النصارى ضمناً بصحة هذا المعيار ، لذا نرى شراح العهد الجديد يعمدون إلى تفسير التناقضات والصعوبات التي تواجه النص ، ويتأولونها بعيداً عن الحقيقة التي ينطق بها النص ، ليقينهم بأن بقاء التناقض يعني بشرية الكتب ونفي إلهاميتها وقداستها .

ولما كان النصارى يؤمنون بالأناجيل الأربعة ، وهي جميعاً تتحدث عن قصة المسيح كان لابد أن تتشابه هذه القصص ، في معانيها ومضامينها أو - على الأقل - أن تتكامل لتكون رواية متكاملة عن المسيح .

لكن عند المقارنة بين المعطيات الإنجيلية في الحدث الواحد نرى تناقضاً يحيل العقل الجمع فيه على وجه من الوجوه ، ويتكرر هذا التعارض والتناقض في كثير من الرواية الإنجيلية .

وأمام هذه التناقضات كان لابد للنصارى أن يختاروا بعض هذه الأناجيل أو بعض رواياتهم فيجعلونها مقدسة ، ويرفضون ما وراء ذلك ، أو أن يعترفوا ببشرية الأناجيل الأربعة كتابة ووضعاً ، فيمكن فهم التناقض حينذاك ، وأما الإصرار على أن هذا المتناقض من الله، فهذا ما نرفضه نحن وهم على سواء , فهل تتناقض الأناجيل فعلاً ؟


أمثلة التناقض في العهد الجديد :

ضرب المحققون عشرات الأمثلة لتناقض الأناجيل الأربعة منها ما يتعلق ببعض الأحداث التي تقصها الأناجيل، ومنها ما يجعل المسيح متناقضاً مع نفسه زمنها على الخصوص تلك التناقضات المتعلقة بروايات حادثة الصلب ، ومنها تلك التي خالف فيها الإنجيليون ما في العهد القديم فبدلوا في رواياته أو أخطؤوا فحصل منهم التناقض :


أولاً: تناقضات الإنجيليين في رواياتهم بعض الأحداث والمعلومات

نسب المسيح :

منها تناقض متى ولوقا في نسب يوسف النجار ، كما تناقض لوقا ومتى مع ما جاء في سفر الأيام الأول وهو يتحدث عن بعض ملوك إسرائيل الذين جعلهم متى من أجداد المسيح . يقول متى: " كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم . إبراهيم ولد إسحق . وإسحق ولد يعقوب . ويعقوب ولد يهوذا وإخوته ، ويهوذا ولد فارص وزارح من ثامار . وفارص ولد حصورن . وحصرون ولد أرام ، وأرام ولد عمينا داب . وعمينا داب ولد نحشون . ونحشون ولد سلمون ، وسلمون ولد بوعز من راحاب . وبوعز ولد عوبيد من راعوث . وعوبيد ولد يسى ، ويس ولد داود الملك .

وداود الملك ولد سليمان من التي لأوريا ، وسليمان ولد رحبعام . ورحبعام ولد أبيا . وأبيا ولد آسا . وآسا ولد يهوشافاط . ويهوشافاط ولد يورام . ويورام ولد عزيا . وعزيا ولد يوثام . ويوثام ولد أحاز . وأحاز ولد حزقيا . وحزقيا ولد منسي . ومنسي ولد آمون . وآمون ولد يوشيا. ويوشيا ولد يكنيا وإخونه عند سبي بابل .

وبعد سبي بابل يكنيا ولد شالتئيل . وشالتئيل ولد زربابل . وزربابل ولد أبيهود . وأبيهود ولد ألياقيم . وألياقيم ولد عازور . وعازور ولد صادوق . وصادوق ولد أخيم . وأخيم ولد أليود. وأليود ولد أليعازر، وأليعازر ولد متان . ومتان ولد يعقوب . ويعقوب ولد يوسف رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يدعى المسيح .

فجميع الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلاً . ومن داود إلى سبي بابل أربعة عشر جيلاً ومن سبي بابل إلى المسيح أربعة عشر جيلاً " ( متى 1/1 - 17 ) .

لكن لوقا يورد نسباً آخر للمسيح يختلف تمام الاختلاف عما جاء في متى يقول لوقا : " ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة وهو - على ما كان يظن - ابن يوسف بن هالي ، بن منثات بن لاوي بن ملكي بن ينا بن يوسف بن متاثيا ابن عاموص بن ناحون بن حسلي بن نجاي ، بن ماث بن متاثيا بن شمعي بن يوسف بن يهوذا ، بن يوحنا بن ريسا بن زربابل بن شالتبئيل بن نيري ، بن ملكي بن أدى بن قصم بن ألمودام بن عير ، بن يوسي بن أليـعازر بن يوريم بن متثات بن لاوي . بن شمعون بن يوذا بن يوسف بن يونان بن ألياقيم بن مليا بن مينان بن متاثا بن ناثان بن داود .بن يسى بن عوبيد بن بوعز بن سلمون بن نحشون بن عميناداب بن أرام بن حصورن بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهمي بن تارح بن ناحور ، بن سروج بن رعو بن فالج بن عابر بن شالح بن فينان بن أرفكشاد بن سام بن نوح بن لامك بن متوشالح بن أخنوخ بن يارد بن مهللئيل بن قينان بن أنوش بن شيت بن آدم ابن الله " ( لوقا 3/23 - 38 ) .

توقف المحققون ملياً عند التناقض في نسب المسيح ، وقد استوقفتهم ملاحظات منها :

- أن متى ولوقا اتفقا فيما بين إبراهيم وداود ، ثم اختلفا بعد ذلك اختلافاً كبيراً ، فقد جعل متى المسيح من ذرية ملوك بني إسرائيل سليمان ثم رحبعام ثم أبيا ثم آسا ثم يهوشافاط .... ، بينما يجعله لوقا من نسل ناثان بن داود وليس في أبنائه من ملك على بني اسرائيل .

- ولا يعقل أن يكون المسيح من ذرية أخوين أي سليمان وناثان ابنا داود عليه السلام .

- وأيضاً بلغ الاختلاف بين القوائم الثلاث مدى يستحيل الجمع فيه على صورة من الصور ، فالاختلاف في أعداد الأجيال كما الأسماء ، وثمة خلل في الأنساب وإسقاط لعدد من الآباء .

- وقد حرص متى على تقسيم سلسلة الأنساب التي ذكرها إلى ثلاثة مجموعات في كل منها أربعة عشر أباً فيقول: " فجميع الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلاً ، ومن داود إلى سبي بابل أربعة عشر جيلاً ، ومن سبي بابل إلى المسيح أربعة عشر جيلاً " ( متى 1/17 ) .

لكن متى لم يوف بالأرقام التي ذكرها إذ لم يذكر بين المسيح والسبي سوى إثني عشر أباً. وقد تصرف متى في المجموعة الثانية فأسقط عدداً من الأسماء ليحافظ على الرقم 14 فأسقط ما بين يورام وعزيا ثلاثة آباء ، هم أخزيا بن يورام وابنه يواشى وابنه أمصيا والد عزيا .

- وأما ما جاء في مقدمة لوقا " وهو على ما كان يظن " فقد يظن فيه النصارى مهرباً من الاعتراف بهذا التناقض لكن هذه العبارة قد وضعت في النسخ الإنجليزية بين قوسين ( ) للدلالة على عدم وجودها في المخطوطات القديمة، أي أنها دخيلة وتفسيرية.

لكن العبارة في سائر اللغات العالمية موجودة من غير أقواس ، أي أصبحت جزءاً من المتن (الوحي ).

ولعل صورة التناقض والتلاعب تتضح إذا تأملنا في الجدول الذي يقارن بين سلسلتي لوقا ومتى، ونضع إلى جوارهما ما جاء في سفر (الأيام الأول 3/10-19)، لنقف على الأسماء التي أسقطها متى، لتنتظم له سلسلته التي أرادها، فقد غير في نسب المسيح، لتتناسب وحساباته الخاصة:????والسؤال كيف يجمع علماء الكتاب المقدس بين تناقضات أنساب المسيح ؟

قال بعضهم: " لا يراد من هذا شجرة نسب كامل ، … أسماء قد سقطت من بعض الإنجيليين ، وهذا للتوضيح الموصل إلى الرغبة بإثبات سلالة مؤسسة على الصحة التاريخية في خطوطها العريضة أو عناصرها الأساسية " .

ولكن بوكاي لا يرى هذا التبرير مقبولاً ، لأن النصوص لا تسمح بمثل هذا الافتراض، إذ أن نص التوراة الذي اعتمد عليه الإنجيليون يقول : فلان في عمر كذا أنجب كذا ، ثم عاش كذا من السنين ، وهكذا فليس ثمة انقطاع .

ويقول صاحب كتاب " شمس البر " معرفتنا بطريقة تأليف جداول النسب في تلك الأيام قاصرة جداً " ، ويعلق بوكاي " لاشك أن نسب المسيح في الأناجيل قد دفع المعلقين المسيحيين إلى بهلوانيات جدلية متميزة صارخة تكافئ الوهم والهوى عند كل من لوقا ومتى " .

لكن النتيجة الخطيرة والمهمة المترتبة على وجود هذا التناقض هي : أن إنجيل متى لم يكن معروفاً للوقا مع أنه قد سبقه بنحو عشرين سنة ، ولو كان لوقا يعرفه ، أو يعتبره إنجيلاً مقدساً لراجعه ولما خالفه ، فدل ذلك على عدم وجود إنجيل متى يومذاك ، أو إسقاط الاعتبار له .

ثم ماذا عن يوحنا ومرقس لم أهملا نسب المسيح ، فلم يذكراه ؟ هل يرجع ذلك لشكهما في صحة متى ولوقا أم خوفاً من سخرية اليهود أم ..... ؟ ثم يتعامل مرقس ويوحنا بوضوح تام مع المسيح على أنه ابن ليوسف النجار.


ملاحظات هامة حول نسب المسيح :

ومن التأمل في سلسلتي نسب المسيح تبين للمحققين بعض الملاحظات .

1 ) ما علاقة يوسف النجار بالمسيح :

عند التأمل في سلسلة نسب المسيح نجد أن النصارى جعلوا نسب يوسف النجار نسباً للمسيح الذي لا أب له ، وليس ثمة علاقة بينه وبين يوسف النجار، ولو كان المذكور نسب مريم لكان له وجه ، أما يوسف النجار فلا .

ثم إن نسبة المسيح ليوسف النجار تؤكد ماكان اليهود يشيعه عن مريم وابنها، إذ هي نسبة غير حقيقية ، ثم إن اشتهار المسيح بأنه ابن يوسف النجار يجرد المسيح من إحدى أعظم المعجزات التي اختص بها صلى الله عليه وسلم ، فلم يصر عليها النصارى ؟

وإن أصر النصارى على قدم هذه النسبة التي أوردتها الأناجيل فإنا حينذاك نراها دالة على عبوديته لله ، وأن معاصريه كانوا يرونه بشراً عادياً جاء من سلالة بشرية، وكانوا يسمونه ابن النجار، وهذا يدل على أن دعوى الألوهية التي أحدثها بولس لم تكن قد سرت حينذاك وإلا لما احتيج إلى نسب للمسيح الإله .

2 ) جدات المسيح المذكرات في نسب متى :

ثم نلحظ أن متى ذكر في نسب المسيح أربع جدات للمسيح هن ثامار ، وزوجة داود التي كانت لأوريا الحثي ، وراحاب ، وراعوث. فما السر في ذكر هؤلاء الجدات دون سائرهن ؟ هل كن نساء فوق العادة حتى خلدهن الإنجيل؟

إن لكل واحدة من الأربع سوءة تذكرها التوراة ، فأما ثامار فهي التي ولدت فارص زنا من والد أزواجها الذين تعاقبوا عليها واحداً بعد واحد تنفيذاً لما جاء في الناموس عن زواج الرجل من أرملة أخيه ، وهكذا ولدت ثامار فارص من والد أزواجها يهوذا ( انظر قصتها مع يهوذا في التكوين 38/2 - 30 ) .

وأما زوجة أوريا الحثي فهي التي تتهم التوراة زوراً داود بأنه فجر بها، وهي زوجة لأحد قادته فحملت ، ثم دفع داود بزوجها إلى الموت ، وتزوجها بعد وفاته ، وكان حملها بالنبي سليمان أحد أجداد المسيح ( انظر القصة في صموئيل (2) 11/1 - 4 ) .

وأما راحاب زوجة سلمون ، وأم بوعز ، وكلاهما من أجداد المسيح - حسب متى -، فراحاب هي التي قال عنها يشوع: "امرأة زانية اسمها راحاب " ( يشوع 2/1 ) وذكر قصة زناها في سفره .

وأما راعوث فهي راعوث المؤابية زوجة بوعز وأم عوبيد ، والتوراة تقول: " لايدخل عموي ولا مؤابي في جماعة الرب، حتى الجيل العاشر " ( التثنية 23 / 3 ) .

ولحسن الحظ هذه المرة فإن المسيح ليس داخلاً في هذا الطرد، إذ هو الجيل الثاني والثلاثون لها.

3 ) أجداد المسيح :

أما أجداد المسيح الذكور الذين ذكر متى منهم اثنان وثلاثون أباً ( إلى دواد ) وذكر لوقا اثنان وأربعون أباً ، فهؤلاء أيضاً لا يتشرف المسيح بأن يكونوا من آبائه لو كان ما تذكره التوارة صحيحاً ، وحاشا أن يكون ذلك صحيحاً فإن أربعة من هؤلاء الآباء تذكر التوراة أنهم فعلوا الزنا ، وبعضهم كان الزنا المنسوب إليه زنا محارم ، وهؤلاء الأربعة هم يهوذا ، وداود ، وسليمان ، ورحبعام .

وأما يهوياقيم أحد أجداد المسيح كما في سفر الأيام الأول " بنو يوشيا: البكر يوحانان، الثاني يهوياقيم، الثالث صدقيا، الرابع شلّوم. وابنا يهوياقيم: يكنيا ابنه، وصدقيا ابنه" (الأيام (1) 3/14-15)، فيهوياقيم اسم أسقطه متى من نسبه للمسيح،بين يوشيا وحفيده يكنيا، ولا يخفى على المحققين سبب إسقاطه لاسمه ، فحسب سفر الأيام فقد ملك يهوذا، فأفسد فقال الله فيه: " لا كون له جالس على كرسي داود ، وتكون جثته مطروحة للحر نهاراً وللبرد ليلاً ، وأعاقبه ونسله وعبيده على إثمهم " ( إرميا 36/30 - 31 )

ثم بعد ذلك يزعم النصارى أن المسيح سيرث كرسي داود يقول لوقا في أعمال الرسل: " من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه " ( أعمال 2/30 ) ويقول: " الرب الإله يعطيه كرسي داود أبيه " ( لوقا 1/32 ) .... فكيف يتفق هذا مع نص إرميا ؟ ولم يصر النصارى على ذكر هؤلاء الآباء والأمهات للمسيح ؟

يقول مفسر الإنجيل وعلماء اللاهوت " هنا تكمن الروعة برمتها ، فإن الله أحب الخطاة إلى درجة أنه لن يستنكف أن يجعل أسلاف ابنه مثل هؤلاء ".


أسماء التلاميذ الإثني عشر :

ومن التناقضات بين الأناجيل أيضاً اختلاف الأناجيل في أسماء التلاميذ الإثني عشر ، إذ يقدم العهد الجديد أربع قوائم للتلاميذ الاثني عشر تختلف كل واحدة عن الأخرى ، وبيانه :

أن أسماء التلاميذ ذكرها متى في إنجيله ( 10/1 - 4 ) ، ومرقس أيضاً ( انظر 3/16 ) ، وذكرها لوقا في إنجيله في ( 6/14 ) ثم في أعمال ( 1/13 )

وتتشابه القوائم الأربعة في تسعة أسماء وهي سمعان بطرس وأخوه اندرواس ويعقوب بن زبدى وأخوه يوحنا وفيلبس وبرثو لماوس وتوما ومتى ويعقوب بن حلفي .

ويتفق متى ومرقس ولوقا على ذكر يهوذا الأسخريوطي، فيما أهمل في أعمال الرسل.

وأما الاسمين الباقين فتختلف القوائم فيهما اختلافاً بيناً ، فيذكر متى ومرقس اسم سمعان القانوي، فيما يذكر لوقا في الإنجيل والأعمال سمعان الغيور .
ويذكر متى ومرقس اسم تداوس فيكملان به الاثني عشر ، فيما يذكر لوقا في إنجيله وأعمال الرسل يهوذا بن حلفي.

وإذا كانت الأناجيل تختلف بأمر بمثل هذه الأهمية والوضوح ، فكيف لنا أن نثق بما وراء ذلك من أخبار ووقائع وتفصيلات تعرضها عن حياة المسيح وغيره .


من الذي طلب الملكوت الأم أم ابناها ؟

ومن تناقضات الأناجيل أيضاً ما تناقض فيه متى مع مرقس ، فقد ذكر متى أنه " تقدمت إليه أم ابني زبدي مع ابنيها وسجدت وطلبت منه شيئاً وقالت له : قل : أن يجلس ابناي هذان، واحد عن يمينك ، والآخر عن اليسار في ملكوتك ، فأجابها يسوع: لستما تعلمان ما تطلبان ... " ( متى 20/20 - 23 ) .

وفي مرقس تذكر القصة نفسها وبنفس حيثياتها ، لكن الذي طلب الملكوت هما الابنان وليس أمهما كما ذكر مرقس: " وتقدم إليه يعقوب ويوحنا ابنا زبدي قائلين: يا معلّم نريد أن تفعل لنا كل ما طلبنا. .. فقالا له: أعطنا أن نجلس واحد عن يمينك، والآخر عن يسارك في مجدك. فقال لهما يسوع: لستما تعلمان ما تطلبان...." ( مرقس 10/35 - 38 ) .


هل أوصى المسيح تلاميذه بأخذ العصا والأحذية أم أوصاهم بتركها ؟

ومن التناقضات أن مرقس يذكر وصية المسيح لتلاميذه بعد أن أعطاهم سلطاناً على الأرواح النجسة فقال : " وأوصاهم أن لا يحملوا شيئاً للطريق غير عصا فقط، لا مزوداً ولا خبزاً ولا نحاساً في المنطقة ، بل يكونوا مشدودين بنعال ، ولا يلبسوا ثوبين " ( مرقس 6/8 - 9 ).

لكن الوصية في متى تتفق مع مرقس في أمور وتختلف في أخرى فقد جاء فيها: " لا تقتنوا ذهباً ولا فضة ولا نحاساً في مناطقكم ، ولا مزوداً لطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا " ( متى 10/9 - 10 ) فقد تناقضا في وصية المسيح بخصوص العصا والأحذية .


هل حضر القائد إلى المسيح ؟

ويذكر متى أن المسيح عندما دخل كفر ناحوم " جاء إليه قائد مائة يطلب إليه ويقول : يا سيدي، غلامي مطروح في البيت مفلوجاً متعذباً جداً " ( متى 8/5 - 7 ) .

ويروي لوقا القصة وذكر بأن القائد لم يأت للمسيح بل " فلما سمع عن يسوع (أي القائد)أرسل إليه شيوخ اليهود يسأله أن يأتي ويشفي عبده ، فلما جاءوا إلى يسوع طلبوا إليه باجتهاد ... " ( لوقا 7/3 - 4 ) فهل حضر القائد أم لم يحضر .


أم المجنونة، كنعانية أم فينيقية ؟

وجاءت المرأة تشكو إلى المسيح مرض ابنتها بالجنون ، وهذه المرأة عند متى " كنعانية " ( متى 15/22 ) غير أنها عند مرقس " فينيقية سورية " ( مرقس 7/26 ) فأيهما الصحيح ؟


متى يبست التينة ؟

وتتحدث الأناجيل عن إتيان المسيح شجرة تين ، فلما وجدها غير مثمرة دعا عليها قائلاً: " لاتخرج منك ثمرة إلى الأبد ، فيبست تلك الشجرة للوقت ، فنظر التلاميذ وتعجبوا " ( متى 21/19 – 20 ) ، إذاً كان يباسها في الحال.

وهذا ما يناقضه مرقس إذ ذكر دعاء المسيح على الشجرة ثم " لما صار المساء خرج إلى خارج المدينة ، وفي الصباح إذ كانوا مجتازين رأوا التينة قد يبست من الأصول فتذكر بطرس ، وقال له : يا سيدي انظر التينة التي لعنتها قد يبست " ( مرقس 11/19 – 20 ) ومعنى هذا أنها لم تيبس في الحال ، كما لم يكتشف التلاميذ يباسها إلا في الغد .

وننبه إلى أنه من غير المعقول أن يدعي المسيح على الشجرة التي قصدها في غير وقت إثمارها " لأنه لم يكن وقت تين " (مرقس 11/13) فذلك يلحق الضرر بأصحابها وهو من التعدي والظلم .


هل يوحنا المعمدان هو إيلياء ؟

ويذكر يوحنا أن الكهنة واللاويين أرسلوا إلى يوحنا المعمدان ليسألوه : من أنت ؟ فسألوه وقالوا : " أأنت إيليا ؟ فقال : لست أنا " (يوحنا 1/20 - 22).

لكن متى يذكر أن المسيح قال عنه بأنه إيليا " الحق أقول لكم: لم يقم بين المولودين من النساء اعظم من يوحنا المعمدان.ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه.. وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي. من له أذنان للسمع فليسمع" ( متى 11/14 ) ، وفي موضع آخر قال المسيح ، وهو يقصد يوحنا : " ولكني أقول لكم : إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه ، بل عملوا به كل ما أرادوا "(مرقس 9/13) حينئذ فلزم من هذا التناقض تكذيب أحد النبيين .


ثانياً: هل يحدث التناقض من المسيح

وتظهر الأناجيل المسيح متناقضاً مع نفسه في أقواله ، ومرد ذلك إلى تناقض الإنجيليين الأربع ، أو تناقض الواحد منهم مع نفسه .

بطرس شيطان أم رسول ؟

يتناقض متى في صفحة واحدة وهو يتحدث عن رأي المسيح في بطرس فقد قال له : " طوبى لك يا سمعان بن يونا . إن لحماً ودماً لم يعلن لك ، لكن أبي الذي في السماوات .. أنت بطرس ... وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات ، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السماوات "

ولكنه ناقض ذلك بعده بسطور حين قال عنه: " قال لبطرس : اذهب عني يا شيطان . أنت معثرة لي ، لأنك لا تهتم بما لله ، لكن بما للناس " ( متى 16/17 - 23 ).

ثم يتحدث متى عن إنكار بطرس للمسيح في ليلة المحاكمة بل وصدور اللعن والسب منه (انظر متى 26/74 ).

ثم يقول عنه في موضع آخر: " متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسياً تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر " ( متى 19/28 ) فأي الأقوال تصدق في حق بطرس، وجميعها منسوبة للمسيح ؟

يقول اكستاين عن بطرس : " إنه كان غير ثابت ، لأنه كان يؤمن أحياناً ويشك أحياناً " .


هل المطلوب بغض الوالدين أم محبتهما ؟

ومن التناقض أيضاً ما وقع فيه لوقا حين زعم أن المسيح قال: " إن كان أحد يأتي إلي ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته حتى نفسه أيضاً ، فلا يقدر أن يكون تلميذاً " ( لوقا 14/26 ) .

ثم في موضع آخر يذكر لوقا أن رجلاً سأل المسيح عن طريق الحياة الأبدية فكان من إجابته " أكرم أباك وأمك " ( لوقا 18/20 ) وفي مرقس أن المسيح قال: " تحب قريبك كنفسك " ( مرقس 12/31 ) .


ماذا يصنع التلاميذ مع أعدائهم ؟

ويعود لوقا للتناقض فيقول على لسان المسيح : " أحبوا أعداءكم وأحسنوا إلى مبغضيكم ، وباركوا لاعنيكم " ( لوقا 6/27 - 38 ) ، ويقول لوقا بتناقض المسيح عندما زعم أنه قال : " أما أعدائي الذين لم يريدوا أن أملك عليهم ، فأتوا بهم إلى هنا ، واذبحوهم قدامي " ( لوقا 19/27 ) فأي هذا الكلام صدر من المسيح ؟


هل المحايد معنا أو ضدنا ؟

ومن التناقض ما زعمه متى أن المسيح قال لتلاميذه : " من ليس معي فهو علي ، ومن لا يجمع معي فهو يفرق " ( متى 12/30 ) ، وهذا يناقض ما ذكره مرقس: " من ليس علينا فهو معنا " ( مرقس 9/40) فبأي الهديين يهتدي التلاميذ .


هل مصير المسيح عليه السلام جهنم ؟

وتتناقض المسيح حين تذكر أن المسيح توعد الذين يشتمون إخوانهم بالنار، ثم تزعم أنه صنعه، فقد قال: " ومن قال: يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم" (متى 5/23).

وقد زعم لوقا أن المسيح قال لتلميذيه اللذين لم يعرفاه: " أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء" (لوقا 24/25)، وأنه قال لبطرس : "اذهب عني يا شيطان " (متى 16/23).

وخاطبه في موطن آخر: "يا قليل الإيمان لماذا شككت " ( متى 14/31 )، فهل يحكم النصارى للمسيح بالنار، أم يحكمون لهذه النصوص بالقصور والتناقض.


ثالثا: تناقضات روايات الصلب في الأناجيل

وتتحدث الأناجيل الأربعة عن تفاصيل كثيرة في رواية الصلب ، والمفروض لو كانت هذه الروايات وحياً كما يدعي النصارى أن تتكامل روايات الإنجيليين الأربعة وتتطابق ، ولكن عند تفحص هذه الروايات نجد كثيراً من التناقضات والاختلافات التي لا يمكن الجمع بينها ، ولا جواب عنها إلا التسليم بكذب بعض هذه الروايات ، أو تكذيب رواية متى في مسألة، وتكذيب مرقس في أخرى ...

من هذه التناقضات :

هل ذهب رؤساء الكهنة للقبض على المسيح ؟

مَن الذي ذهب للقبض على يسوع ؟ يقول متى: " جمع كثير بسيوف وعصي من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب " ( متى 26/52 )، وزاد مرقس بأن ذكر من الجمع الكتبةَ والشيوخ (انظر مرقس 14/43 ) ، وذكر يوحنا أن الآتين هم جند الرومان وخدم من عند رؤساءَ الكهنة (انظر يوحنا 18/3 ) ولم يذكر أي من الثلاثة مجيء رؤساء الكهنة.

ولكن لوقا ذكر أن رؤساء الكهنة جاءوا بأنفسهم للقبض على المسيح إذ يقول: " قال يسوع لرؤساء الكهنة وقواد جند الهيكل والشيوخ المقبلين عليه " ( لوقا 22/52 ) فالتناقض بين لوقا والباقين ظاهر .


متى حوكم المسيح ؟

وتذكر الأناجيل محاكمة المسيح ، ويجعلها لوقا صباح الليلة التي قبض عليه فيها فيقول: " ولما كان النهار اجتمعت مشيخة الشعب رؤساء الكهنة والكتبة ، وأَصعدوه إلى مجمعهم قائلين : إن كنت أنت المسيح فقل لنا؟ " ( لوقا 22/66 - 67 ) .

لكن الثلاثة يجعلون المحاكمة في ليلة القبض عليه فيقول مرقس: " فمضوا بيسوع إلى رئيس الكهنة ، فاجتمع معه جميع رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة ....." ( مرقس 14/53 ) ( وانظر : متى 26/57 ، ويوحنا 18/3 ) .


كم مرة سيصيح الديك ؟

وتبع بطرس المسيح ليرى محاكمته ، وقد أخبره المسيح بأنه سينكره في تلك الليلة ثلاث مرات قبل أن يصيح الديك مرتين حسب مرقس " قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات" (مرقس 14/72 ) ومَرةً حسب الثلاثة، يقول لوقا: " قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات."( لوقا 22/60) ( انظر : متى 26/74 ، يوحنا 18/27 ) وقد ذكر الثلاثة خلال القصة صياحاً واحداً فقط، خلافاً لما زعمه مرقس.


أين تعرفت عليه الجارية أول مرة ؟

وكان سبب إنكار بطرس المتكرر أن بعض الموجودين في المحاكمة تعرفوا على المسيح ، وهنا تتفق الأناجيل في أنه تعرفت عليه في المرة الأولى جارية.

وذكر متى ويوحنا أنه كان حينذاك خارج الدار " وأما بطرس فكان جالساً خارجاً في الدار.فجاءت إليه جارية قائلة: وأنت كنت مع يسوع الجليلي"( متى 26/69 ، 75 ) ، ويؤكده يوحنا " وأما بطرس فكان واقفاً عند الباب خارجاً" (يوحنا 8/16)

وذكر مرقس ولوقا أنه كان داخل الدار يستدفئ من البرد، يقول مرقس: " بينما كان بطرس في الدار أسفل جاءت إحدى جواري رئيس الكهنة. فلما رأت بطرس يستدفئ نظرت إليه وقالت: وأنت كنت مع يسوع الناصري" (مرقس 14/ 66 ) ، وفي لوقا: " ولما أضرموا ناراً في وسط الدار وجلسوا معاً جلس بطرس بينهم. فرأته جارية جالساً عند النار فتفرست فيه وقالت: وهذا كان معه. .". (لوقا 22/55-56 ) .


من الذي تعرف على المسيح في المرة الثانية ؟

وأما المرة الثانية فقد تعرفت عليه حسب متى جارية أخرى " ثم إذ خرج إلى الدهليز رأته أخرى فقالت للذين هناك: وهذا كان مع يسوع الناصري"( متى 26/71 ) ولكن حسب مرقس الذي رأته نفس الجارية، يقول: " فرأته الجارية أيضاً، وابتدأت تقول للحاضرين: إن هذا منهم" (مرقس 14/69 ) وحسب لوقا الذي رآه هذه المرة رجل من الحضور وليس جارية " وبعد قليل رآه آخر وقال: وأنت منهم.فقال بطرس: يا إنسان لست أنا" (لوقا 22/58 ) وذكر يوحنا أن هذا الرجل أحد عبيد رئيس الكهنة " قال واحد من عبيد رئيس الكهنة، وهو نسيب الذي قطع بطرس أذنه أما رأيتك أنا معه في البستان. فأنكر بطرس أيضاً" (يوحنا 18/26 ) .


لماذا حبس بارباس ؟

وتختلف الأناجيل في تحديد السبب الذي من أجله حبس باراباس في سجن بيلاطس ، فيذكر يوحنا بأنه كان لصاً " وكان باراباس لصاً" (يوحنا 18/40 ) واتفق مرقس ولوقا على أنه صاحب فتنة ، وأنه قتل فيها فاستوجب حبسه، يقول لوقا: " أطلق لنا باراباس، وذاك كان قد طرح في السجن لأجل فتنة حدثت في المدينة وقتل".( انظر : مرقس 15/7 ، لوقا 23/19 ) .


من الذي حمل الصليب المسيح أم سمعان ؟

وصدر حكم بيلاطس بصلب المسيح ، وخرج به اليهود لتنفيذ الحكم ، وفيما هم خارجون لقيهم رجل يقال له سمعان، فجعلوه يحمل صليب المسيح يقول مرقس " ثم خرجوا لصلبه، فسخروا رجلا ممتازاً كان آتياً من الحقل ، وهو سمعان القيرواني أبو الكسندروس وروفس ليحمل صليبه " ( مرقس 15/20 – 22 ) و ( انظر : متى 27/32 ، لوقا 23/26).

لكن يوحنا يخالف الثلاثة ، فيجعل المسيح حاملاً لصليبه بدلاً من سمعان يقول يوحنا " فأخذوا يسوع ومضوا به ، فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له الجمجمة " ( يوحنا 19/17 ) ولم يذكر يوحنا شيئاً عن سمعان القيرواني .


نهاية يهوذا :

يتحدث العهد الجديد عن نهايتين مختلفتين للتلميذ الخائن يهوذا الأسخريوطي الذي خان المسيح وسعى في الدلالة عليه مقابل ثلاثين درهماً من الفضة، فيقول متى: " فأوثقوه ومضوا به، ودفعوه إلى بيلاطس البنطي الوالي، حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين ندم وردّ الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ، قائلاً: قد أخطأت، إذ سلمت دماً بريئاً. فقالوا: ماذا علينا.أنت أبصر. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف.ثم مضى وخنق نفسه.

فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا: لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم. فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء. لهذا سمي ذلك الحقل حقل الدم إلى هذا اليوم" . (متى 27/2-5)

ولكن سفر أعمال الرسل يحكي نهاية أخرى ليهوذا وردت في سياق خطبة بطرس، حيث قال: " أيها الرجال الأخوة كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود عن يهوذا الذي صار دليلاً للذين قبضوا على يسوع. إذ كان معدوداً بيننا، وصار له نصيب في هذه الخدمة. فإن هذا اقتنى حقلاً من أجرة الظلم، وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها. وصار ذلك معلوماً عند جميع سكان أورشليم حتى دعي ذلك الحقل في لغتهم حقل دما أي حقل دم". (أعمال 1/16-20).

فقد اختلف النصان في جملة من الأمور:

- كيفية موت يهوذا ، فإما أن يكون قد خنق نفسه ومات" ثم مضى وخنق نفسه"، وإما أن يكون قد مات بسقوطه، حيث انشقت بطنه وانسكبت أحشاؤه فمات " وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها "، ولا يمكن أن يموت يهوذا مرتين، كما لا يمكن أن يكون قد مات بالطريقتين معاً.

- من الذي اشترى الحقل، هل هو يهوذا " فإن هذا اقتنى حقلاً من أجرة الظلم"، أم الكهنة الذين أخذوا منه المال. " فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري ".

- هل مات يهوذا نادما ً" لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين ندم ...قد أخطأت، إذ سلمت دماً بريئاً" أم معاقباً بذنبه كما يظهر من كلام بطرس.

- هل رد يهوذا المال للكهنة " وردّ الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ " أم أخذه واشترى به حقلاً " فإن هذا اقتنى حقلاً من أجرة الظلم ".

- هل كان موت يهوذا قبل صلب المسيح وبعد المحاكمة " ودفعوه إلى بيلاطس البنطي الوالي، حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين ندم ... فطرح الفضة في الهيكل وانصرف.ثم مضى وخنق نفسه " أم أن ذلك كان فيما بعد ، حيث مضى واشترى حقلاً ثم مات في وقت الله أعلم متى كان.


ما موقف المصلوبين من جارهما على الصليب ؟

وتتحدث الأناجيل عن تعليق المسيح على الصليب ، وأنه صلب بين لصين أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره ، ويذكر متى ومرقس أن اللصين استهزءا بالمسيح، يقول متى:" بذلك أيضاً كان اللصّان اللذان صلبا معه يعيّرانه"(متى 27/44 ، ومثله في مرقس 15/32) بينما ذكر لوقا بأن أحدهما استهزء به، بينما انتهر الآخر، يقول لوقا: " وكان واحد من المذنبين المعلقين يجدف عليه قائلاً: إن كنت أنت المسيح فخلّص نفسك وإيانا. فأجاب الآخر وانتهره قائلاً: أولا تخاف الله، .. فقال له يسوع: الحق أقول لك: إنك اليوم تكون معي في الفردوس" ( لوقا 23/39 - 43) .


آخر ما قاله المصلوب قبل موته :

- أما اللحظات الأخيرة في حياة المسيح فتذكرها الأناجيل، وتختلف في وصف المسيح حينذاك، فيصور متى ومرقس حاله حال اليائس القانط يقول ويصرخ : " إلهي إلهي لماذا تركتني " ثم يُسلم الروح ( متى 27/46 - 50 ومرقس 15/34 - 37 ) وأما لوقا فيرى أن هذه النهاية لا تليق بالمسيح، فيصوره بحال القوي الراضي بقضاء الله حيث قال: " يا أبتاه في يديك أستودع روحي " ( لوقا 23/46 ) .

- وتتحدث الأناجيل الأربع عن قيامة المسيح بعد دفنه ، وتمتلىء قصص القيامة في الأناجيل بالمتناقضات التي تجعل من هذه القصة أضعف قصص الأناجيل.


متى أتت الزائرات إلى القبر ؟

تتحدث الأناجيل عن زائرات للقبر في يوم الأحد ويجعله مرقس بعد طلوع الشمس، فيقول : "وباكراً جداً في أول الأسبوع أتين إلى القبر، إذ طلعت الشمس" (مرقس 16/2 ) لكن لوقا ومتَّى يجعلون الزيارة عند الفجر ، وينُص يوحنا على أن الظلام باقٍ، يقول يوحنا: " في أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكراً، والظلام باق، فنظرت الحجر مرفوعاً عن القبر". (يوحنا 20/1 ) ، ( انظر : متى 28/1 ، لوقا 24/1).


من زار القبر ؟

أما الزائرات والزوار، فهم حسب يوحنا مريم المجدلية وحدها كما في النص السابق" جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكراً " (يوحنا 20/1 - 3)
وأضاف متى مريمَ أخرى أبهمها " جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظرا القبر " (متى 28/1 ) ، ويذكر مرقس أن الزائرات هن مريم المجدلية وأم يعقوب وسالومة " اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة حنوطاً ليأتين ويدهنّه. " ( مرقس 16/1 ) ، وأما لوقا فيفهم منه أنهن نساء كثيرات ومعهن أناس، يقول لوقا: "وتبعته نساء كنّ قد أتين معه من الجليل ونظرن القبر وكيف وضع جسده. ثم في أول الأسبوع أول الفجر أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه ومعهنّ اناس. فوجدن الحجر مدحرجاً عن القبر." (لوقا 23/ 55 - 24/1 ) وهذا كله إنما كان في زيارة واحدة .


متى دحرج الحجر؟ ثم هل وجد الزوار الحجر الذي يسد القبر مدحرجاً أم دُحرج وقت الزيارة ؟

يقول متى: " وإذا زلزلة عظيمة حدثت.لأن ملاك الرب نزل من السماء، جاء ودحرج الحجر عن الباب ، وجلس عليه " ( متى 28/2 ) فيفهم منه أن الدحرجة حصلت وقتذاك .

بينما يذكر الثلاثة أن الزائرات وجدن الحجر مدحرجاً، يقول لوقا: " أتين الى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه ومعهنّ أناس. فوجدن الحجر مدحرجاً عن القبر" (لوقا 24/2). ( وانظر : مرقس 16/4 ، يوحنا 20/1 ) .


ماذا رأت الزائرات ؟

وقد شاهدت الزائرات في القبر شاباً جالساً عن اليمين، لابساً حُلة بيضاء حسب مرقس ( انظر : مرقس 16/5 ) ، ومتى جعل الشاب ملاكاً نزل من السماء ( انظر : متى 28/2 ) ، ولوقا جعلهما رجلين بثياب براقة (انظر: لوقا 24/4)، وأما يوحنا فقد جعلهما ملَكين بثياب بيضٍ أحدهما عند الرأس ، والآخر عند الرجلين ( انظر يوحنا 20/12 ).


هل أسرت الزائرات الخبر أم أشاعته ؟

ويتناقض مرقس مع لوقا في مسألة : هل أخبرت النساء أحداً بما رأين أم لا ؟ فمرقس يقول: " ولم يقلن لأحد شيئاً ، لأنهن كن خائفات " ( مرقس 16/8 ) ، ولوقا يقول: " ورجعن من القبر ، وأخبرن الأحد عشر وجميع الباقين بهذا كله " ( لوقا 24/9 ) .


لمن ظهر المسيح أول مرة ؟

وتختلف الأناجيل مرة أخرى في عدد مرات ظهور المسيح لتلاميذه ، وفيمن لقيه المسيح في أول ظهور ؟ فمرقس ويوحنا يجعلان الظهور الأول لمريم المجدلية ( انظر: مرقس 16/9 ، يوحنا 20/14 ) . ويضيف متى: مريم الأخرى ( انظر : متى 28/9 ) ، بينما يعتبر لوقا أن أول من ظهر له المسيح هما التلميذان المنطلقان لعمواس ( انظر : لوقا 24/13 ) .


كم مرة ظهر المسيح ؟ وأين ؟

ويجعل يوحنا ظهور المسيح للتلاميذ مجتمعين ثلاث مرات ( انظر : يوحنا 20/19 ، 26 ) بينما يجعل الثلاثة للمسيح ظهوراً واحداً (انظر : متى 28/16، مرقس 16/14،لوقا 24/36).

ويراه لوقا قد تم في أورشليم، فيقول: " ورجعا إلى أورشليم، ووجدا الأحد عشر مجتمعين هم والذين معهم، وهم يقولون: إن الرب قام بالحقيقة وظهر لسمعان...، وفيما هم يتكلمون بهذا وقف يسوع نفسه في وسطهم وقال لهم سلام لكم"( لوقا 24/33 - 36) ، بينما يقول صاحباه إن ذلك كان في الجليل " أما الأحد عشر تلميذاً فانطلقوا إلى الجليل إلى الجبل حيث أمرهم يسوع. ولما رأوه سجدوا له" ( متى 28/10) ( وانظر مرقس 16/7 ) .


كم بقي المسيح قبل رفعه ؟

ونشير أخيراً إلى تناقض كبير وقعت فيه الأناجيل ، وهي تتحدث عن ظهور المسيح ، ألا وهو مقدار المدة التي قضاها المسيح قبل رفعه .

ويفهم من متى ومرقس أن صعوده كان في يوم القيامة ( انظر : متى 28/8 - 20 ، مرقس 16/9 - 19 ، ولوقا 24/1 - 53 ).

لكن يوحنا في إنجيله جعل صعوده في اليوم التاسع من القيامة ( انظر : يوحنا 20/26 ، 21/4 ) ، بيد أن مؤلف أعمال الرسل - والمفترض أنه لوقا - جعل صعود المسيح للسماء بعد أربعين يوماً من القيامة ( انظر : أعمال 1/13 )


ثالثاً: التناقض بين العهد القديم والعهد الجديد

وكما تناقض الإنجيليون وكتاب الرسائل مع بعضهم تناقضوا مع أسفار العهد القديم، في مختلف القضايا التي شاركوا كتاب العهد القديم في الحديث عنها، اللاهوتية منها والتاريخية.

تناقضات في صفات الله :

يقول يوحنا: " الله لم يره أحد قط " ( يوحنا 1/18 ) وكلامه حق.

لكنه متناقض مع ما جاء في عدة مواضع في التوراة منها قول يعقوب: " نظرت الله وجهاً لوجه " ( التكوين 32/30 ).

ومثله ما جاء في سفر الخروج أن موسى أصر على رؤية الله فقال له الرب: " هو ذا عندي مكان ، فتقف على الصخرة ، ويكون متى اجتاز مجدي أني أضعك في نقرة من الصخرة ، وأسترك بيدي حتى أجتاز ، ثم أرفع يدي فتنظر ورائي ، أما وجهي فلا يرى " ( الخروج 33/21 - 23 ).

ويصف بولس الله عز وجل فيقول : " الله ليس إله تشويش ، بل إله سلام " ( كورنثوس (1) 14/33 ).

ويناقض بذلك ما جاء في سفر التكوين " وقال الرب : هوذا شعب واحد ، ولسان واحد لجميعهم .. هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم ، حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض ، فبددوهم من هناك على وجه كل الأرض" ( التكوين 11/6 9 ) .


هل كل المطعومات مباحة ؟

ومن التناقضات أيضاً أن التوراة تتحدث عما يجوز أكله وما لا يجوز من الأطعمة مما ينجس أكله ( انظر اللاويين 11/1 - 47 ).

لكن مرقس يذكر أن المسيح خالف ذلك فقال كلاما غريباً أباح فيه كل طعام فقال: "اسمعوا منى كلكم وافهموا : ليس شيء من خارج الإنسي إذا دخل فيه يقدر أن ينجسه ، لكن الأشياء التي تخرج منه هي التي تنجس ".

وقد صعب فهم هذا على تلاميذه فأعادوا السؤال فأعاد الجواب وقال: " لأنه لا يدخل إلى قلبه ، بل إلى الجوف ، ثم يخرج إلى الخلاء ، وذلك يطهر كل الأطعمة " ( مرقس 7/14 - 19 ) فهذه أغرب طريقة في تطهير الطعام .


هل انقطع المطر في السنة الثالثة أم بعدها ؟

ويذكر يعقوب في رسالته انقطاع المطر بدعاء إيليا ، وأنه استمر ثلاث سنين وستة أشهر فيقول : " كان إيليا إنساناً تحت الآلام مثلنا ،وصلى صلاة أن لا تمطر ، فلم تمطر على الأرض ثلاث سنين وستة أشهر ". ( يعقوب 5/17 )

والقصة في سفر الملوك وفيه " قال إيليا ..: إنه لا يكون طل ولا مطر في هذه السنين إلا عند قولي " ( ملوك (1) 17/1 ) ثم " بعد أيام كثيرة كان كلام الرب إلى إيليا في السنة الثالثة قائلاً : اذهب وتراءى لأخاب فأعطي مطراً على الأرض " ( ملوك (1) 18/1 ) وفعل فنزل المطر ، وكان ذلك في السنة الثالثة أي لم يكملها كما زعم يعقوب ،بل وزاد عليها ستة أشهر .


من الذي اشترى الأرض من شكيم ؟

ومن التناقضات أيضاً ما بين أعمال الرسل وسفر التكوين فيمن اشترى أرض شكيم من بني حمور، هل هو إبراهيم أم إسحاق ؟

فقد جاء في أعمال الرسل " نزل يعقوب إلى مصر ، ومات هو وآباؤنا ، ونقلوا إلى شكيم ( نابلس ) ووضعوا في القبر الذي اشتراه إبراهيم بثمن فضة من بني حمور أبي شكيم ( أعمال 7/15 - 16 ) .

وفي سفر التكوين أن أرض شكيم قد ابتاعها يعقوب لا إبراهيم حيث يقول : " ثم أتى يعقوب سالماً إلى مدينة شكيم التي في أرض كنعان ... وابتاع قطعة الحقل التي نصب فيها خيمته من يد بني حمور أبي شكيم بمائة قسيطة " (التكوين 33/18 - 19 ) .

والخطأ من كاتب أعمال الرسل لأن الأرض التي ابتاعها إبراهيم فهي في أرض حبرون (الخليل), واشتراها من عفرون ، وفيها دفن سارة ، ثم دفن هو فيها كما في سفر التكوين " ووزن إبراهيم لعفرون الفضة التي ذكرها في مسامع بني حث ، أربعمائة شاقل فضة .. بعد ذلك دفن إبراهيم سارة امرأته في مغارة حقل المكفيلة أمام ممرا التي هي حبرون، في أرض كنعان " (التكوين 23/16 - 19) فمن الذي اشترى أرض شكيم، يعقوب أم إبراهيم ؟


رابعاً: النصارى بين الاعتراف والمكابرة

سخرية الناقد الكبير اسبينوزا من محاولات الجمع بين هذه التناقضات :

وتبذل محاولات يائسة وساذجة للجمع بين هذه المتناقضات وتقديمها بصورة متكاملة، لكن التكلف يكتنف جميع هذه المحاولات التي غالباً ما تظهر باهتة.

لذا فإن الفيلسوف الناقد اليهودي اسبينوزا صدق، وهو يقول عن التوراة، وينطبق حديثه على العهد الجديد: " فإذا ظن أحد أني أتحدث بطريقة عامة جداً دون أساس كاف ، فإني أرجو أن يكلف نفسه العناء ، ويدلنا على ترتيب يقين لهذه الروايات يستطيع المؤرخون اتباعه في كتاباتهم للأخبار دون الوقوع في خطأ جسيم ، وعلى المرء في أثناء محاولته تفسير الروايات والتوفيق أن يراعي العبارات والأساليب ، وطرق الوصل في الكلام ، ويشرحها بحيث نستطيع طبقاً لهذا الشرح أن نقلدها في كتاباتنا ، ولسوف أنحني مقدماً في خشوع لمن يستطيع القيام بهذه المهمة ، وإني على استعداد لأن أشبهه ( بأبوللو ) نفسه.

على أني أعترف بأني لم أستطع أن أجد من يقوم بهذه المحاولة، على الرغم من طول بحثي عنه، ومع أني مشبع منذ طفولتي بالآراء الشائعة عن الكتاب المقدس ، فقد كان من المستحيل ألا أنتهي إلى ما انتهيت إليه . وعلى أية حال فليس هناك ما يدعونا إلى أن نعطل القارئ هنا ، وأن نعرض عليه في صورة تحد أن يقوم بمحاولة ميئوس منها".


اعترافات بتناقضات الأناجيل :

وقليلون هم الذين يعترفون بالحقيقة ، ومنهم محررو مجلة " الحقيقة المجردة ( الناصعة ) " النصرانية والتي يقول عدد يوليو 1975م منها: " هناك ادعاءات كثيرة لتناقضات في الكتاب المقدس لم يستطع العلماء حلها حتى الآن ، وفيها ما يسر كل كافر ملحد ، فهناك بعض الصعوبات النصية التي ما زال العلماء يتصارعون معها إلى يومنا هذا، ولا ينكر هذه الحقيقة إلا من كان جاهلاً بالكتاب المقدس " .

ومثلهم يقول مفسرو الترجمة المسكونية للتوراة عن الأناجيل بأنها " صورة لأدب غير مترابط مفتقر هيكله إلى حسن التتابع ... يبدو أن ما فيه من تضاد غير قابل للتذليل " .

غير معرف يقول...

(((((((((((((((((((((((((((((((إبطال وقوع صلب المسيح بالدليل التاريخي)))))))))))))))

يدعي النصارى أن المسلمين بقولهم بنجاة المسيح من الصلب ينكرون حقيقة تاريخية أجمع عليها اليهود والنصارى الذين عاصروا صلب المسيح ومن بعدهم.

فكيف لنبي الإسلام وأتباعه الذين جاءوا بعد ستة قرون من الحادثة أن ينكروا ذلك؟ !!

قد يبدو الاعتراض النصراني وجيهاً لأول وهلة، لكن عند التأمل في شهادة الشهود تبين لنا تناقضها وتفكك رواياتهم.

ولدى الرجوع إلى التاريخ والتنقيب في رواياته وأخباره عن حقيقة حادثة الصلب، ومَن المصلوب فيها ؟ يتبين حينذاك أمور مهمة: -

- أن قدماء النصارى كثر منهم منكرو صلب المسيح، وقد ذكر المؤرخون النصارى أسماء فرق كثيرة أنكرت الصلب.

وهذه الفرق هي: الباسيليديون والكورنثيون والكاربوكرايتون والساطرينوسية والماركيونية والبارديسيانية والسيرنثييون والبارسكاليونية والبولسية والماينسية، والتايتانيسيون والدوسيتية والمارسيونية والفلنطانيائية والهرمسيون.

وبعض هذه الفرق قريبة العهد بالمسيح، إذ يرجع بعضها للقرن الميلادي الأول ففي كتابه " الأرطقات مع دحضها " ذكر القديس الفونسوس ماريا دي ليكوري أن من بدع القرن الأول قول فلوري: إن المسيح قوة غير هيولية، وكان يتشح ما شاء من الهيئات، ولذا لما أراد اليهود صلبه؛ أخذ صورة سمعان القروي، وأعطاه صورته، فصلب سمعان، بينما كان يسوع يسخر باليهود، ثم عاد غير منظور، وصعد إلى السماء.

ويبدو أن هذا القول استمر في القرن الثاني، حيث يقول فنتون شارح متى: " إن إحدى الطوائف الغنوسطية التي عاشت في القرن الثاني قالت بأن سمعان القيرواني قد صلب بدلاً من يسوع".

وقد استمر إنكار صلب المسيح، فكان من المنكرين الراهب تيودورس (560م) والأسقف يوحنا ابن حاكم قبرص (610م) وغيرهم.

ولعل أهم هذه الفرق النكرة لصلب المسيح الباسيليديون؛ الذين نقل عنهم سيوس في " عقيدة المسلمين في بعض مسائل النصرانية " والمفسر جورج سايل القول بنجاة المسيح، وأن المصلوب هو سمعان القيرواني، وسماه بعضهم سيمون السيرناي، ولعل الاسمين لواحد، وهذه الفرقة كانت تقول أيضاً ببشرية المسيح.

ويقول باسيليوس الباسليدي: " إن نفس حادثة القيامة المدعى بها بعد الصلب الموهوم هي من ضمن البراهين الدالة على عدم حصول الصلب على ذات المسيح".

ولعل هؤلاء هم الذين عناهم جرجي زيدان حين قال: " الخياليون يقولون: إن المسيح لم يصلب، وإنما صلب رجل آخر مكانه ".

ومن هذه الفرق التي قالت بصلب غير المسيح بدلاً عنه: الكورنثيون والكاربوكرايتون والسيرنثيون.

وقالوا بصلب يهوذا الذي يذكر المستشرق المفسر جورج سايل بأنه كان يشبه المسيح في خَلْقه.

ومما يؤيد هؤلاء: الخلاف في كيفية موت يهوذا.

وثمة فِرق نصرانية قالت بأن المسيح نجا من الصلب، وأنه رفع إلى السماء، ومنهم الروسيتية والمرسيونية والفلنطنيائية , وهذه الفرق الثلاث تعتقد ألوهية المسيح، ويرون القول بصلب المسيح وإهانته لا يلائم البنوة والإلهية.

كما تناقل علماء النصارى ومحققوهم إنكار صلب المسيح في كتبهم، وأهم من قال بذلك الحواري برنابا في إنجيله.

ويقول ارنست دي بوش الألماني في كتابه " الإسلام: أي النصرانية الحقة " ما معناه: إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس، ومن شابهه من الذين لم يروا المسيح، لا في أصول النصرانية الأصلية.

ويقول ملمن في كتابه " تاريخ الديانة النصرانية " : " إن تنفيذ الحكم كان وقت الغلس، وإسدال ثوب الظلام، فيستنتج من ذلك إمكان استبدال المسيح بأحد المجرمين الذين كانوا في سجون القدس منتظرين تنفيذ حكم القتل عليهم كما اعتقد بعض الطوائف، وصدقهم القرآن ".

وأخيراً نذكر بما ذكرته دائرة المعارف البريطانية في موضوع روايات الصلب حيث جعلتها أوضح مثال للتزوير في الأناجيل.

ومن المنكرين أيضاً صاحب كتاب " الدم المقدس، وكأس المسيح المقدس " فقد ذكر في كتابه أن السيد المسيح لم يصلب، وأنه غادر فلسطين، وتزوج مريم المجدلية، وأنهما أنجبا أولاداً، وأنه قد عثر على قبره في جنوب فرنسا، وأن أولاده سيرثون أوربا، ويصبحون ملوكاً عليها.

وذكر أيضاً أن المصلوب هو الخائن يهوذا الأسخريوطي، الذي صلب بدلاً من المسيح المرفوع.

وإذا كان هؤلاء جميعاً من النصارى، يتبين أن لا إجماع عند النصارى على صلب المسيح، فتبطل دعواهم بذلك.

ويذكر معرِّب " الإنجيل والصليب " ما يقلل أهمية إجماع النصارى لو صح فيقول بأن أحد المبشرين قال له: كيف يُنكر وقوع الصليب، وعالم المسيحية مطبق على وقوعه ؟

فأجابه: كم مضى على ظهور مذهب السبتيين ؟ فأجاب القس المبشر: نحو أربعين سنة.

فقال المعرِّب: إن العالم المسيحي العظيم الذي أطبق على ترك السبت خطأ 1900 سنة، هو الذي أطبق على الصلب.

وأما إجماع اليهود فهو أيضاً لا يصح القول به، إذ أن المؤرخ اليهودي يوسيفوس المعاصر للمسيح والذي كتب تاريخه سنة 71م أمام طيطوس لم يذكر شيئاً عن قتل المسيح وصلبه.

أما تلك السطور القليلة التي تحدثت عن قتل المسيح وصلبه، فهي إلحاقات نصرانية كما جزم بذلك المحققون وقالوا: بأنها ترجع للقرن السادس عشر، وأنها لم تكن في النسخ القديمة.

ولو صح أنها أصلية فإن الخلاف بيننا وبين النصارى وغيرهم قائم في تحقيق شخصية المصلوب، وليس في وقوع حادثة الصلب [ وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ] (النساء: 157) وهذا حال اليهود والنصارى فيه.

ولكن المؤرخ الوثني تاسيتوس كتب عام 117م كتاباً تحدث فيه عن المسيح المصلوب.

وعند دراسة ما كتبه تاسيتوس، يتبين ضعف الاحتجاج بكلامه، إذ هو ينقل إشاعات ترددت هنا وهناك، ويشبه كلامه أقوال النصارى في محمد في القرون الوسطى.

ومما يدل على ضعف مصادره، ما ذكرته دائرة المعارف البريطانية، من أنه ذكراً أموراً مضحكة، فقد جعل حادثة الصلب حادثة أممية، مع أنها لا تعدو أن تكون شأناً محلياً خاصاً باليهود، ولا علاقة لروما بذلك.

ومن الجهل الفاضح عند هذا المؤرخ، أنه كان يتحدث عن اليهود - ومقصده: النصارى. فذكر أن كلوديوس طردهم من رومية، لأنهم كانوا يحدثون شغباً وقلاقل يحرضهم عليها " السامي " أو " الحسن " ويريد بذلك المسيح.

ومن الأمور المضحكة التي ذكرها تاسيتوس قوله عن اليهود والنصارى بأن لهم إلهاً، رأسه رأس حمار، وهذا هو مدى علمه بالقوم وخبرته.

كما قد شكك المؤرخون بصحة نسبة العبارة إلى تاسيتوس، ومنهم العلامة أندريسن وصاحبا كتابي " ملخص تاريخ الدين " و " شهود تاريخ يسوع ".

وقد تحدث أندريسن أن العبارة التي يحتج بها النصارى على صلب المسيح في كلامه مغايِرة لما في النسخ القديمة التي تحدثت عن CHRESTIANOS بمعنى الطيبين، فأبدلها النصارى، وحوروها إلى: CHRISTIANOS بمعنى المسيحيين.

وقد كانت الكلمة الأولى ( الطيبين ) تطلق على عُبّاد إله المصريين "أوزيريس"، وقد هاجر بعضهم من مصر، وعاشوا في روما، وقد مقتهم أهلها وسموهم: اليهود، لأنهم لم يميزوا بينهم وبين اليهود المهاجرين من الإسكندرية، فلما حصل حريق روما؛ ألصقوه بهم بسبب الكراهية، واضطهدوهم في عهد نيرون.

وقد ظن بعض النصارى أن تاسيتوس يريد مسيحهم الذي صلبوه، فحرف العبارة، وهو يظن أنه يصححها.

ويرى العلامة أندريسن أن هذا التفسير هو الصحيح.

وإلا كان هذا المؤرخ لا يعرف الفرق بين اليهود والنصارى، ويجهل أن ليس ثمة علاقة بين المسيح وروما.

وهكذا فإن التاريخ أيضاً ناطق بالحقيقة، مُثبت لما ذكره القرآن عن نجاة المسيح وصلب غيره.??????? إبطال الصلب بنبوءات التوراة

تحتل النبوءات في الفكر المسيحي مكانة سامقة، جعلت بعض النصارى يشترطون لصحة النبوة أن يسبقها نبوءة.

وحادثة صلب المسيح - كما يعتبرها النصارى - أحد أهم أحداث المعمورة، فكان لابد وأن يتحدث عنها الأنبياء في أسفارهم، وأن يذكرها المسيح لتلاميذه.

فهل أخبرت الأنبياء بصلب المسيح وقيامته ؟ وهل أخبر المسيح تلاميذه بذلك ؟

والإجابة النصرانية عن هذا التساؤل كانت بالإيجاب، وأن ذلك في مواضع كثيرة من الأناجيل والرسائل والأسفار التوراتية.

ولعل من نافلة القول أن نذكر بأن النصارى يعتبرون أسفار التوراة جزءً مقدساً كتابهم المقدس، كيف لا والأناجيل ما فتئت تحيل إلى هذه الأسفار، تستمد منها تنبؤاتها المستقبلية، التي تحققت في شخص المسيح في حياته أو حين صلبه ؟

وللأسفار التوراتية دور عظيم في مسألة صلب المسيح، فقد أكثرت الأناجيل في هذه القصة من الإحالة إلى أسفار التوراة؛ التي يرونها تتنبأ بالمسيح المصلوب، وكانت نصف هذه الإحالات إلى المزامير المنسوبة لداود وغيره وقد ذكر عيسى عليه السلام لتلاميذه ضرورة أن تتحقق فيه النبوءات التوراتية بقوله: " لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير" ( لوقا 26/44 ) ويقول: " فتشوا الكتب …. وهي التي تشهد لي " ( يوحنا 5/39 ).

والنبوءات التي أحالت إليها الأناجيل بخصوص حادثة الصلب أربع عشرة نبوءة، ذكر متى منها ستاً، ومرقس أربعاً، ولوقا اثنتين، بينما ذكر منها يوحنا سبع نبوءات.

ونخلص من هذا إلى أهمية النبوءات التوراتية المتعلقة بصلب المسيح.

ويبالغ النصارى في التركيز على أهمية النبوءات التوراتية المتحدثة والمشيرة للمسيح وكثرتها، فيقول القمص سرجيوس في كتابه " هل تنبأت التوراة عن المسيح " : " فالمسيح ساطع في كل الكتاب المقدس في إشراق دائم، وليس كالشمس التي تغيب عن نصف الأرض ليلاً، إذ ليس في التوراة أو كتب الأنبياء جزء تغرب عنه شمس المسيح، بل يشع اسمه، وشخصه، وصفاته، وأعماله، وظروفه، وأحواله في التوراة، وكتب الأنبياء، وفي ثنايا سطورها نجد المسيح في كل جملة، وفي كل إصحاح، وفي كل سفر من أسفارها. وما حروفها وكلماتها إلا خطوطاً أو ظلالاً لصورة المسيح المجيدة.... فنحن المسيحيين لا نهتم أين نفتح التوراة وكتب الأنبياء لنجد الكلام عن المسيح.... "، ورغم ما في الكلام من مبالغة، فإننا - كما يقول منصور حسين - نستشف منه أهمية النصوص التوارتية في الدلالة على المسيح.

ولسفر المزامير وموضوع الصلب شاُن خاص يصفه سرجيوس فيقول " أما سفر المزامير فكان الهالة، التي أحاطت بكوكب يسوع، فتكلم حتى عن إحساساته العميقة، وآلامه المبرحة ناهيك عن صفاته وألقابه، أكثر من أي نبي آخر، ويمكننا القول، أن سفر المزامير هو سفر "مسيا" الخاص، بدليل أن الاقتباسات التي اقتبسها كتبة العهد القديم من سفر المزامير هذا بلغت نصف الاقتباسات المأخوذة من العهد القديم كله ".

ويؤكد عبد الفادي القاهراني أهمية المزامير في كتابه " رب المجد " بقوله: " لم يوجد كتاب مليء بالإشارات والرموز والنبوءات عن المسيح أكثر من كتاب المزامير هذا، وعليه فأهميته في نظر اللاهوتيين تفوق الوصف ".

لذلك فإن العلماء المسلمين ارتضوا محاكمة النصارى في هذه المسألة إلى أسفار التوراة، ذلك بأنه ليس من المقبول أن يتصور أحد أن اليهود يغيرون كتبهم لتتمشى مع معتقدات النصارى، لذا فهم يرتضون هذه الكتب معياراً للكشف عن الحقيقة.

وقبل أن نشرع، فإنه يحسن التنبيه إلى نقاط الاختلاف والاتفاق بين المسلمين والنصارى في مسألة الصلب.

النصارى يقولون بصلب المسيح، بينما يقول المسلمون بأنه لم يصلب، وأنه قد شُبه غيرُ المسيح به، ولا ينفون وقوع صلب لغيره، كما لا ينفون جملة ما ترويه الأناجيل من أحداث صاحبت الصلب أو سبقته، كحديث الأناجيل عن الدعاء الطويل للمسيح في البستان طالباً من الله أن ينجيه من الموت، وأن الجموع حضرت للقبض عليه، وأن ثمة من أخذ من ساحة البستان، وأن المأخوذ حوكم، وصلب، ثم دفن.

فالخلاف إنما هو في حقيقة المأخوذ والمصلوب، فيرى المسلمون أنه يهوذا، وأن لحظة الخلاص هي تلك التي أراد الجند أن يلقوا القبض فيها على المسيح، فسقطوا على الأرض، وتدافعت الجند ووقعت المشاعل من أيديهم، ثم نهضوا ليجدوا دليلهم يهوذا الأسخريوطي وحيداً في الساحة، فأخذوه وقد ألقى الله عليه شبه المسيح لينال جزاء خيانته لسيده.

وأما المسيح فقد نزلت ملائكة الله وصعدت به إلى السماء، لينجو من المؤامرة بحماية الله العظيم، وأعطي بذلك حياة طويلة تمتد إلى قبيل قيام الساعة حيث ينزل إلى الأرض عليه السلام لعيش عليها ويموت في سلام.. [ والسّلام عليّ يوم ولدتّ ويوم أموت ويوم أبعث حيّاً ] (مريم: 32).

ولسوف نستعرض منها في هذه العجالة ستة مزامير فقط، من نبوءات المزامير، نختصرها من دراسة منصور حسين الرائعة في كتابه الماتع " دعوة الحق بين المسيحية والإسلام"، والتي شملت ستة وثلاثين مزموراً، والمزامير الستة التي اختارها، يجمعها أنها مما يعتبره النصارى نبوءات تحدثت عن المسيح المصلوب.


أولاً: المزمور الثاني :

وفيه: " لماذا ارتجت الأمم، وتفكر الشعوب في الباطل، قام ملوك الأرض، وتآمر الرؤساء معا على الرب، وعلى مسيحه، قائلين: لنقطع قيودها ولنطرح عنا رُبُطهما.

الساكن في السماوات يضحك، الرب يستهزئ بهم، حينئذ يتكلم عليهم بغضبه، ويرجفهم بغيظه " ( المزمور 2/1 - 5 ).

والمزمور: يراه النصارى نبوءة بالمسيح الموعود. يقول د.هاني رزق في كتابه " يسوع المسيح ناسوته وألوهيته "عن هذا المزمور: " وقد تحققت هذه النبوءة في أحداث العهد الجديد، إن هذه النبوءة تشير إلى تآمر وقيام ملوك ورؤساء الشعب على يسوع المسيح لقتله وقطعه من الشعب، وهذا ما تحقق في أحداث العهد الجديد في فترتين، في زمان وجود يسوع المسيح له المجد في العالم " ويقصد تآمر هيرودس في طفولة المسيح، ثم تأمر رؤساء الكهنة لصلب المسيح.

ووافقه " فخري عطية" في كتابه " دراسات في سفر المزامير" و"حبيب سعيد" في "من وحي القيثارة " وويفل ل كوبر في كتابه "مسيا عمله الفدائي" وياسين منصور في "الصليب في جميع الأديان "، فيرى هؤلاء جميعاً أن المزمور نبوءة بالمسيح المصلوب.

وقولهم بأن النص نبوءة بالمسيح ورد في سفر أعمال الرسل: " فلما سمعوا رفعوا بنفس واحدة صوتاً إلى الله وقالوا: أيها السيد، أنت هو الإله صانع السماء والأرض والبحر وكل ما فيها. القائل بفم داود فتاك: لماذا ارتجّت الأمم وتفكر الشعوب بالباطل. قامت ملوك الأرض واجتمع الرؤساء معا على الرب وعلى مسيحه. لأنه بالحقيقة اجتمع على فتاك القدوس الذي مسحته هيرودس وبيلاطس البنطي مع أمم وشعوب إسرائيل، ليفعلوا كل ما سبقت فعيّنت يدك ومشورتك أن يكون‏" (أعمال 4/24-31).

ولا نرى مانعاً في موافقتهم بأن المزمور نبوءة عن المسيح، فالمزمور يتحدث عن مؤامرات اليهود عليه، وهذا لا خلاف عليه بين المسلمين والنصارى، وإنما الخلاف: هل نجحوا أم لا ؟ فبماذا يجيب النص ؟ يجيب بأن الله ضحك منهم واستهزأ بهم، وأنه حينئذ أي في تلك اللحظة أرجف المتآمرين بغيظه وغضبه.

هل يكون ذلك لنجاحهم في صلب المسيح، أم لنجاته من بين أيديهم، ووقوعهم في شر أعمالهم ؟


ثانياً: المزمور السابع :

وفيه: " يا رب، إلهي عليك توكلت، خلصني من كل الذين يطردونني، ونجني لئلا يفترس كأسد نفسي، هاشماً إياها، ولا منقذ.

يا رب، إلهي، إن كنت قد فعلت هذا، إن وجد ظلم في يدي، إن كافأت مسالمي شراً، وسلبت مضايقي بلا سبب، فليطارد عدو نفسي، وليدركها، وليدس إلى الأرض حياتي، وليحط إلى التراب مجدي، سلاه.

قم يا رب بغضبك، ارتفع على سخط مضايقي، وانتبه لي. بالحق أوحيت، ومجمع القبائل يحيط بك، فعد فوقها إلى العلا، الرب يدين الشعوب، اقض لي يا رب كحقي، ومثل كحالي الذي في، لينته شر الأشرار، وثبت الصديق، فإن فاحص القلوب والكلى: الله البار، ترسي عند الله مخلص مستقيمي القلوب.
الله قاض عادل، وإله يسخط كل يوم، إن لم يرجع يحدد سيفه: مد قوسه وهيأها، وسدد نحوه آلة الموت، يجعل سهامه ملتهبة.

هو ذا يمخض بالإثم، حمل تعباً، وولد كذباً، كرى جُبّاً حفره، فسقط في الهوة التي صنع، يرجع تعبه على رأسه، وعلى هامته يهبط ظلمه. أحمد الرب حسب بره، وأرنم لاسم الرب العلي". (مزمور 7/1-17 )

جاء في كتاب " دراسات في المزامير " لفخري عطية: " واضح أنه من مزامير البقية، إذ يشير إلى زمن ضد المسيح، وفيه نسمع صوت البقية، ومرة أخرى نجد روح المسيح ينطق على فم داود بالأقوال التي تعبر عن مشاعر تلك البقية المتألمة، في أيام الضيق العظيمة ".

والربط واضح وبيّن بين دعاء المزمور المستقبلي " يا رب، إلهي، عليك توكلت، خلصني من كل الذين يطردونني ونجني.... " وبين دعاء المسيح ليلة أن جاءوا للقبض عليه.

ثم يطلب الداعي من الله عوناً؛ أن يرفعه إلى فوق، في لحظة ضيقه " فعد فوقها إلى العلا "، ويشير إلى حصول ذلك في لحظة الإحاطة به " ومجمع القبائل - يحيط بك، فعد فوقها إلى العلا ".

ثم يذكر المزمور بأن الله " قاض عادل " فهل من العدل أن يصلب المسيح أم يهوذا ؟

ثم يدعو أن يثبت الصديق، وأن ينتهي شر الأشرار، ويؤكد لجوءه إلى الله، مخلص القلوب المستقيمة.

ثم يتحدث المزمور عن خيانة يهوذا. وقد جاء " مد قوسه وهيأها وسدد نحوه آلة الموت " (القُبلة) " ويجعل سهامه ملتهبة ".

ولكن حصل أمر عظيم، لقد انقلب السحر على الساحر، " هو ذا يمخض بالإثم، حمل تعباً، وولد كذباً، كَرَى جُبّاً، حفره فسقط في الهوة التي صنع، يرجع تعبه على رأسه وعلى هامته يهبط ظلمه " لقد ذاق يهوذا ما كان حفره لسيده المسيح، ونجا المسيح في مجمع القبائل إلى العلا.

ثم ينتهي المزمور بحمد الله على هذه العاقبة " أحمد الرب حسب بره، وأرنم لاسم الرب العلي " وهكذا نرى في هذا المزمور صورة واضحة لما حصل في ذلك اليوم، حيث نجى الله عز وجل نبيه، وأهلك يهوذا.

ولا مخرج للنصارى إزاء هذا النص إلا إنكاره، أو التسليم له، والقول بأن المسيح له ظلم، وله إثم، وأنه ذاق ما كان يستحقه، وأن الله عادل؛ بقضائه قتل المسيح، وأن ذلك أعدل وأفضل من القول بنجاته؛ وصلب يهوذا الظالم الآثم، جزاءً لفعله وخيانته، وإلا فعليهم الرجوع إلى معتقد المسلمين؛ بأن النص نبوءة عن يهوذا الخائن، ولا رابع لهذه الخيارات الثلاثة.


ثالثاً: المزمور العشرون :

وفيه: " ليستجب لك الرب في يوم الضيق. ليرفعك اسم إله يعقوب، ليرسل لك عوناً من قدسه، ومن صهيون ليعضدك، ليذكر كل تقدماتك، وليستسمن محرقاتك، سلاه، ليعطك حسب قلبك، ويتمم كل رأيك، نترنم بخلاصك، وباسم إلهنا نرفع رايتنا، ليكمل الرب كل سؤلك.

الآن عرفت أن الرب مخلص مسيحه، يستجيبه من سماء قدسه، بجبروت خلاص يمينه، هؤلاء بالمركبات وهؤلاء بالخيل، أما نحن: فاسم الرب إلهنا نذكره.

هم جثوا وسقطوا، أما نحن: فقمنا وانتصبنا، يارب: خلص، ليستجيب لنا الملك في يوم دعائنا" ( المزمور 20/1 - 9 ).

يقول هاني رزق في كتابه " يسوع المسيح في ناسوته ولاهوته ": " تنبأ داود النبي (1056 ق. م)، و(حبقوق النبي 726 ق. م)، بأن الرب هو المسيح المخلص، نبوءة داود النبي، مزمور 20/9 " الآن عرفت أن الرب مخلص مسيحه.... "

وفي كتاب " دراسات في سفر المزامير" "يؤكد فخري عطية" هذا، ويقول عن الفقرة التاسعة من هذا المزمور " في هذا العدد تعبير يشير في الكتب النبوية إلى ربنا يسوع المسيح نفسه، تعبير يستخدمه الشعب الأرضي عن المخلص العتيد ".

ولكن القراءة المتأنية لهذا المزمور ترينا أنه ناطق بنجاة المسيح، حيث يبتهل صاحب المزمور طالباً النجاة له في يوم الضيق، وليس من يوم مر على المسيح أضيق من ذلك اليوم الذي دعا فيه طويلاً، طالباً من الله أن يصرف عنه هذا الكأس " وإذ كان في جهاد؛ كان يصلي بأشد لجاجة، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض " ( لوقا 22/44 ).

ويذكر النص إجابة دعائه وإعطاءه ملتمس شفتيه وسؤله وكل مراده " ليعطك حسب قلبك، ويتمم كل رأيك... ليكمل الرب كل سؤلك".

وهذ العون والنجاء لما سبق وتقدم به المسيح من أعمال صالحة. " ليذكر كل تقدماتك، وليستسمن محرقاتك".

وينص المزمور على اسم المسيح وأنه يخلصه من الموت في فقرة ظاهرة لا تخفى حتى على الأعمى" الآن عرفت أن الرب مخلص مسيحه، يستجيبه من سماء قدسه بجبروت خلاص " فالنص يذكر المسيح بالاسم، ويتحدث عن خلاصه، أن الله رفعه، وأنه أرسل له ملائكة يحفظونه " ليرفعك اسم إله يعقوب، ليرسل لك عوناً من قدسه".

ويبتهج المزمور لهذه النهاية السعيدة "نترنم بخلاصك، وباسم إلهنا نرفع رايتنا".

ويتحدث المزمور أيضاً عن تلك اللحظة العظيمة، لحظة الخلاص التي نجا فيها المسيح " هم جثوا وسقطوا، أما نحن فقمنا وانتصبنا " فهو يتحدث عن لحظة وقوع الجند كما في يوحنا " فلما قال لهم: إني أنا هو ؛ رجعوا إلى الوراء، وسقطوا على الأرض " ( يوحنا 18/6 ).

فدلالة هذا المزمور على نجاة المسيح أوضح من الشمس في رابعة النهار.


رابعاً: المزمور الحادي والعشرون :

وفيه: " يا رب، بقوتك يفرح الملك، وبخلاصك، كيف لا يبتهج جدا ً؟ شهوة قلبه أعطيته، وملتمس شفتيه لم تمنعه، سلاه. لأنك تتقدمه ببركات خير، وضعت على رأسه تاجاً من إبريز حياة، سألك فأعطيته، طول الأيام إلى الدهر والأبد عظيم، مجده بخلاصك، جلالاً وبهاء تضع عليه، لأنك جعلته بركات إلى الأبد، تفرحه ابتهاجاً أمامك، لأن الملك يتوكل على الرب، وبنعمة العلي لا يتزعزع.

تصيب يدك جميع أعدائك، يمينك تصيب كل مبغضيك، تجعلهم مثل تنور نار في زمان حضورك، الرب بسخطه يبتلعهم، وتأكلهم النار، تبيد ثمرهم من الأرض، وذريتهم من بين بني آدم، لأنهم نصبوا عليك شراً، تفكروا بمكيدة لم يستطيعوها، لأنك تجعلهم يقولون: تفوق السهم على أوتارك تلقاء وجوههم، ارتفع يا رب بقوتك، نُرنم وتُنغّم بجبروتك " ( المزمور 21/1 - 3 ).

يقول فخري عطية في كتابه "دراسات في سفر المزامير": " إن المسيح هو المقصود بهذا المزمور" ووافقه كتاب " تأملات في المزامير " لآباء الكنيسة الصادر عن كنيسة مار جرجس باسبورتنج.

وقولهم صحيح، فقد حكى المزمور العشرون عن دعاء المسيح وعن استجابة الله له، ويحكي هذا المزمور ( 21 ) عن فرحه بهذه الاستجابة " يا رب بقوتك يفرح الملِك، وبخلاصك كيف لا يبتهج جداً... نُرنم وننغّم بجبروتك ".

وينص المزمور أن الله أعطاه ما سأله وتمناه " شهوة قلبه أعطيته، وملتمس شفتيه لم تمنعه،.. سألك فأعطيته "، وقد كان المسيح يطلب من الله النجاة من المؤامرة " إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس " ( متى 26/39 ).

ويذكر المزمور أن الله أعطاه حياة جديدة طويلة إلى قبيل قيام الساعة " حياةً سألَكَ فأعطيتَه، طول الأيام، إلى الدهر، والأبد"، كما وضع عليه إكليل حياة، وهو غير إكليل الشوك الذي وضع على المصلوب، يقول المزمور: "وضعت على رأسه تاجاً من إبريز حياة".

ويحكي المزمور عن أعداء المسيح الذين تآمروا عليه وفكروا في " مكيدة لم يستطيعوها " فهم لم يلحقوا الأذى به، فقد فشلت المؤامرة، لأنه رُفع " ارتفع يا رب بقوتك ".

وأما هؤلاء الأعداء: فترجع مكيدتهم عليهم " تصيب يدك جميع أعدائك، يمينك تصيب كل مبغضيك.. الرب بسخطه يبتلعهم، وتأكلهم النار، تبيد ثمرهم من الأرض، وذريتهم من بين بني آدم.. تفوق السهام على أوتارك تلقاء وجوههم ".


خامساً: المزمور الثاني والعشرون:

وفيه: " إلهي إلهي لماذا تركتني بعيداً عن خلاصي؟ عن كلام زفيري؟ إلهي في النهار أدعو فلا تستجيب، في الليل أدعو فلا هدوّ لي. وأنتَ القدوس الجالس بين تسبيحات إسرائيل، عليك اتكل آباؤنا. اتكلوا فنجيتهم. إليك صرخوا فنجوا. عليك اتكلوا فلم يَخزَوْا.

أما أنا فدودة لا إنسان. عارُُ عند البشر، ومحتقرُ الشعب. كل الذين يرونني يستهزئون بي. يفغرون الشفاه، ويُنغضون الرأس قائلين: اتكل على الرب فلينجه.

لينقذه، لأنه سُرّ به، لأنك أنت جذبتني من البطن. جعلتني مطمئناً على ثديي أمي. عليك ألقيت من الرحم. من بطن أمي، أنت إلهي. لا تتباعد عني لأن الضيق قريب. لأنه لا معين. أحاطت بي ثيران كثيرة، أقوياء باشان اكتنفتني. فغروا علىّ أفواههم، كأسد مفترس مزمجر. كالماء انسكبتُ.

انفصلتْ كل عظامي. صار قلبي كالشمع. قد ذاب في وسط أمعائي. يبستْ مثل شَقفَة قوتي. ولصق لساني بحنكي، وإلى تراب الموت تضعني. لأنه قد أحاطت بي كلاب. جماعة من الأشرار اكتنفتني. ثقبوا يدي ورجلي. أُحصى كل عظامي. وهم ينظرون ويتفرسون فّي. يقسمون ثيابي بينهم، وعلى لباسي يقترعون". (المزمور 22/1-18).

ويُجمع النصارى على أن هذا المزمور بنوءة عن المسيح، فقد أحالت عليه الأناجيل يقول متى: " ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها، لكي يتم ما قيل بالنبي: اقتسموا ثيابي بينهم، وعلى لباسي ألقوا قرعة " ( متى 27/35 ) ومثله في ( يوحنا 19/24 )، والإحالة إلى هذا المزمور في قوله " يقسمون ثيابي بينهم، وعلى لباسي يقترعون "

كما أن الرواية التي في المزمور توافق رواية الصلب في صراخ المصلوب: " إلهي إلهي لماذا تركتني " ( متى 27/46 ) ( مرقس 15/34 ).

ويوافق نص المزمور ما جاء في الأناجيل في بيان حال المصلوب " كان المجتازون يجدفون عليه، وهم يهزون رؤوسهم قائلين: يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام، خلص نفسك، إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب، قد اتكل على الله فلينقذه الآن إن أراده " ( متى 27/39 - 43 ) فهذا يشبه ما جاء في هذا المزمور " محتقر الشعب، كل الذين يرونني يستهزئون بي .. وينغضون الرأس قائلين: اتكل على الرب، فلينجه".

كما يوافق النص الأناجيل كرة أخرى في قوله " جماعة من الأشرار اكتنفتني، ثقبوا يدي ورجلي، أحصي على عظامي " فهي تدل على أخذ المصلوب يوم سُمرت يداه ورجلاه على الصليب.

لهذا كله كان إجماع النصارى على أن هذا المزمور نبوءة عن حادثة الصلب، خاصة أن داود لم يمت مصلوباً، فهو إذن يتحدث عن غيره.

والحق أن المزمور نبوءة عن المصلوب، لكنه ليس عيسى، بل الخائن يهوذا الأسخريوطي، فنراه وهو جزع، يائس، يصرخ: " إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟"، المزمور نبوءة عن المصلوب اليائس الذي يدعو فلا يستجاب له "إلهي، في النهار أدعو فلا تستجيب، في الليل أدعو فلا هُدوّ لي.. عليَك اتكل آباؤنا فنجيتَهم، عليك صرخوا فنجوا، عليك اتكلوا فلم يخزوا. أما أنا فدودة لا إنسان... "

ويصف المزمور المصلوب بأنه " دودة لا إنسان، عارُُ عند البشر، محتقَرُ الشعب " فمَن هو هذا اليائس الموصوف بأنه دودة، وأنه عار عند البشر، وأنه محتقر، وأنه لا يستجاب له؟

إنه يهوذا، حيث جعلتْه خستهُ وخيانتهُ كالدودة، وأصبح عاراً على البشر، كلَّ البشر، المسلمين واليهود والنصارى، بل وحتى البوذيين وغيرهم، لأنه خائن، والخيانة خسة وعار عند كل أحد، يحتقره الشعب، ولا يستجيب الله دعاءه.

ولا يقبل بحال أن يوصف المسيح بأنه دودة، والعجب من أولئك الذين يدعون ألوهيته كيف يستسيغون تسميته بدودة، بل الدودة هو الخائن يهوذا.

ثم كيف يوصف المسيح بالعار، وهو مجد وفخر للبشر؛ بل العار هو يهوذا، ونلحظ أن النص يصفه بالعار ليس فقط عند جلاديه وأعدائه، بل عند البشر جميعاً، ولا يمكن أن يكون المسيح كذلك، بل تفخر البشرية أن فيها مثل هذا الرجل العظيم الذي اصطفاه الله برسالته ووحيه.

كما نلحظ أن كلمة "عار" تلحق بالشخص نفسه، لا بالصلب الواقع عليه، فهو العار، وهو الدودة.

وكيف يكون المسيح عاراً وهو الذي يفخر به بولس في قوله " وأما من جهتي فحاشا أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع " ( غلاطية 6/14 ) فلم الفخر به إن كان عاراً ؟

وأما وصف المصلوب بأنه " محتقر الشعب" فهو وصف ينطبق على المصلوب وكلمة " الشعب " تشير إلى اليهود وأولئك الذين حضروا الصلب، وكانوا يحتقرون المصلوب.


سادساً: المزمور المائة والتاسع :

وفيه: " يا إله تسبيحي، لا تسكت ؛ لأنه قد انفتح علّى فم الشرير، وفم الغش. تكلموا معي بلسان كذب. بكلام بغض، أحاطوا بي وقاتلوني بلا سبب. بدل محبتي يخاصمونني. أما أنا فصلوة. وضعوا علّى شراً بدل خير، وبُغضاً بدل حبي.

فأقم أنت عليه شريراً، وليقف شيطان عن يمينه. إذا حوكم فليخرج مذنباً، وصلاته فلتكن خطية. لتكن أيامه قليلة، ووظيفته ليأخذها آخر. ليكن بنوه أيتاماً، وامرأته أرملة. لِيَتِهْ بنَوُه تَيَهَاناً ويستعطوا. ويلتمسوا خبزاً من خِربهم. ليصطد المرابي كل ما له، ولينهب الغرباء تعبه. لا يكن له باسط رحمة، ولا يكن مُتَرَأّفُ على يتاماه.

لتنقرض ذريته. في الجيل القادم ليمح اسمهم. ليذكر إثم آبائه لدى الرب ولا تمح خطية أمه. لتكن أمام الرب دائماً. وليقرض من الأرض ذِكرهم. من أجل أنه لم يذكر أن يصنع رحمة، بل طرد إنساناً مسكيناً وفقيراً، والمنسحق القلب ليميته.

وأحب اللعنة، فأتته، ولم يسر بالبركة، فتباعدت عنه. ولبس اللعنة مثل ثوبه فدخلت، كمياه في حشاه، وكزيت في عظامه. لتكن له كثوب يتعطف به، وكمنطقة يتمنطق بها دائماً. هذه أجرة مبغضي من عند الرب، وأجرة المتكلمين شراً على نفسي.

أما أنت يا رب السيد فاصنع معي من أجل اسمك. لأن رحمتك طيبة نجني. فإني فقير، ومسكين أنا، وقلبي مجروح في داخلي. كظل عند ميله ذهبت. انتفضت كجرادة. ركبتاي ارتعشتا من الصوم، ولحمي هزل عن سمن. وأنا صرت عاراً عندهم. ينظرون إليّ وينغضون رؤوسهم.

أعني يا رب، إلهي. خلصني حسب رحمتك. وليعلموا أن هذه هي يدك، أنت يا رب فعلت هذا. أما هم فيلعنون. وأما أنت فتبارك. قاموا وخزوا. أما عبدك فيفرح. ليلبس خصمائي خجلاً وليتعطفوا بخزيهم كالرداء.

أحمد الرب جداً بفمي، وفي وسط كثيرين أسبحه. لأنه يقوم عن يمين المسكين، ليخلصه من القاضين على نفسه. ( مزمور 109/1 - 31 )

وهذا المزمور أيضاً يراه النصارى على علاقة بقصة الصلب، وأن المقصود في بعضه يهوذا، وهو قوله: " ووظيفته ليأخذها آخر، ليكن بنوه أيتاماً، وامرأته أرملة.. ويلتمسوا خبزاً من خربهم " وقد أحال عليه كاتب "أعمال الرسل" وهو يتحدث على لسان بطرس حين قال متحدثاً عن يهوذا:" لأنه مكتوب في سفر المزامير: لتصر داره خراباً، ولا يكن فيها ساكن، وليأخذ وظيفته آخر " ( أعمال 1/15 - 26 ).

وقد انتخب الحواريون بدلاً من يهوذا تنفيذاً لهذا الأمر يوسف ومتياس، وأقرعوا بينهما، فوقت القرعة علي متياس، فحسبوه مكملاً للأحد عشر رسولاً ( انظر أعمال 1/23 - 26 ).

إذن فالنص في هذا المزمور متحدث عن يهوذا ولا ريب، وهذا صحيح، فهو يتحدث عن محاكمته " وإذا حوكم فليخرج مذنباً " فمتى حوكم يهوذا إذا لم يكن هو المصلوب ؟ والنص يتحدث عن محاكمته، وعن نتيجة محاكمته " لتكن أيامه قليلة، ووظيفته ليأخذها آخر "، كما يتحدث المزمور عن وقوفه على الصليب، وعن يمينه شيطان، ذاك الذي كان يستهزأ به، فمتى وقف شيطان عن يمين يهوذا، ومتى حوكم إن لم يكن ذلك في تلك الواقعة التي تجلى فيها غضب الله عليه.

النص كما رأينا يتحدث في شطرين على لسان المسيح.

ففي الشطر الأول : يتحدث عن الأشرار الذين قاتلوه بلا سبب، ووضعوا عليه الشر بدل الخير.

وفي الشطر الثاني : يستمطر القائل نفسه اللعنات على هذا الشرير، ويسأل الله الخلاص حسب رحمته " أعِني يا رب، إلهي، خلصني حسب رحمتك.. " ويفرح المسيح لخلاصه " لأنه يقوم عن يمين المسكين، ليخلصه من القاضين على نفسه".


قراءة سريعة في المزامير :

وخلال ستة وثلاثين مزموراً درسها الأستاذ منصور حسين تكاملت الصورة، وتكررت مراراً من غير أي تناقض أو تخالف، لقد كانت نصوص المزامير الستة والثلاثين تتمحور حول ثلاثة موضوعات :

الأول: الآيات التي تشير إلى دعاء المسيح أن يخلصه الله من الصلب

ومنها: " عند دعائي استجبت لي يا إله بري، في الضيق رحبت لي، تراءفْ علّى واسمع صلاتي " (المزمور 4/1).

"عد يا رب، نج نفسي، خلصني من أجل رحمتك، لأنه ليس في الموت ذكرك " ( المزمور 6/4 - 5).

" إليك يا رب أصرخ، وإلى السيد أتضرع، ما الفائدة من دمي إذا نزلت إلى الحفرة ؛ هل يحمدك التراب ؟ هل يخبر بحقك؟، استمع يا رب، وارحمني يا رب، كن معيناً لي " ( المزمور 30/8 - 10 ).

" عليك يا رب توكلت، لا تدعني أخزى مدى الدهر، بِعَدْلِكَ نجني، أمِلْ إلي أذنك، وسريعاً أنقذني، كن لي صخرة حصن، بيت ملجأ لتخليصي، لأن صخرتي ومعقلي أنت، من أجل اسمك تهديني وتقودني، أخرجني من الشبكة التي خبئوها لي، لأنك أنت حصني ( المزمور 31/1-4 ).

" الرحمن يا الله لأنه بك احتمت نفسي، وبظل جناحيك أحتمي، إلى أن تعبر المصائب، أصرخ إلى الله العلي، الله المحامي عني " ( المزمور 57/1 2 ).


الثاني: الفقرات التي أشارت إلى رفع المسيح، وتخليصه من الصلب

منها: " ابعدوا عني يا جميع فاعلي الإثم، لأن الرب قد سمع صوت بكائي، سمع الرب تضرعي، الرب يقبل صلاتي " ( المزمور 6/8 - 9 ).

" الرب صخرتي وحصني ومنقذي.... خلَّصَني لأنه سُربي " ( المزمور 18/2 - 19 ).

" حي هو الرب، ومبارك صخرتي.... إلى الأبد " ( المزمور 18/46 - 50 ).

" إلهي فاتكل عليه، لأنه ينجيك من فخ الصياد، ومن الوباء الخطر، بخوافيه يظللك، وتحت أجنحته تحتمي، ترس ومجن حقه، لا تخشى من خوف الليل، ولا من سهم يطير... لأنك قلت: يا رب، أنت ملجأي، جعلت العلا مسكنك، لا يلاقيك شر، ولا تدنو ضربة من خيمتك، لأنه يوصي ملائكته بك ليحفظوك في كل طرقك، على الأيدي يحملونك، لئلا تصدم بحجر رجلك، على الأسد والصل تطأ، الشبل والثعبان تدوس، لأنه تعلق بي أنجيه، أرفعه لأنه عرف اسمي، يدعوني فأستجيب له، معه أنا في الضيق، أنقذه وأمجده، من طول الأيام أشبعه، وأريه خلاصي " (المزمور 91/2 - 16).


ثالثاً: الفقرات التي تشير إلى القبض على يهوذا ومحاكمته وصلبه بدلاً من المسيح

منها: " لأنك أقمت حقي ودعواي، جلست على الكرسي قاضياً عادلاً، انتهرت الأمم، أهلكت الشرير،.. تورطت الأمم في الحفرة التي عملوها، في الشبكة التي أخفوها انتشبت أرجلهم، معروف هو الرب قضاءً أمضى: الشرير يعلق بعمل يده " ( المزمور 9/4 - 16)، فهل تحقق قضاء الله الماضي في يهوذا أم تخلف ؟

" الشرير يتفكر ضد الصديق، ويحرّق عليه أسنانه، الرب يضحك به، لأنه رأى أن يومه آت، الأشرار قد سلوا السيوف، ومدوا قوسهم لرمي المسكين والفقير، لقتل المستقيم طريقهم، سَيْفُهُم يدخل في قلبهم وقسيهم تنكسر " ( المزمور 37/12 - 15 )، من ذا الذي ارتدت المؤامرة عليه، فدخل سيفه في قلبه، وانكسرت قسيه بفشل مؤامرته كما في مزمور آخر " يؤخذون بالمؤامرة التي فكروا بها " ( المزمور 10/3 ).

" يا الله أنت عرفت حماقتي وذنوبي عنك لم تخف، غطى الخجل وجهي، صرت أجنبياً عند إخوتي، وغريباً عند بني أمي،.... أنت عرفت عاري وخزيي وخجلي، قدامك جميع مضايقي، العار قد كسر قلبي فمرضت، انتظرت رقة فلم تكن، ومعزين فلم أجد، ويجعلون في طعامي علقماً، وفي عطشي يسقونني خَلاًّ" ( المزمور 69/5 - 21 )، فمن هو صاحب الحماقة والذنوب والعار والخزي والخجل، من هو ذاك الذي كسر العار قلبه، ذاك الذي سقوه الخل وهو على الصليب، هل يعقل أن نقول : إنه المسيح؟ لا، إنه يهوذا الخائن.

" خاصِمْ يا رب مخاصِمي، قاتِلْ مقاتلي،.. ليخر وليخجل الذين يطلبون نفسي، ليرتد إلى الوراء، ويخجل المتفكرون بإساءتي.. لأنهم بلا سبب أخفوا لي هوة شبكتهم، بلا سبب حفروا لنفسي، لتأته التهلكة وهو لا يعلم، ولتنشب به الشبكة التي أخفاها، وفي التهلكة نفسها ليقع " (المزمور 35/1 -8 ).

ويخلص الأستاذ العلامة منصور حسين إلى نتيجة وهي: " مِن جماع ما تقدم لا نخلص إلا بأن المزامير تنبأت بحق بأن الله مخلص مسيحه، يستجيبه من سماء قدسه، يرفعه من أبواب الموت، يرفعه فوق القائمين عليه، يرسل من العُلا فيأخذه.

أما يهوذا الإسخريوطي الذي حفر له هذه الحفرة، وأتى على رأس الجمع من جنود وخدام ليقبضوا عليه، على المسيح سيده، فإنه في الحفرة نفسها يقع، وبعمل يديه يعلق، رجع تعبه على رأسه، وعلى هامته هبط ظُلمه، صار عاراً عند البشر، فقبض عليه هو بدلاً من المسيح، وحوكم هو، وصلب بدلاً منه.

وهكذا تستقيم النبوءة في المزامير، وهكذا تتجلى النبوءة في المزامير، في أسطع وأروع وأسمى ما تكون النبوءة، ليست آية نحرفها، أو كلمة نُحوّر معناها، بل صورة كاملة، عشرات الآيات، عشرات المزامير، كلها تنطق بصورة واحدة متكاملة، تتكرر كثيراً، ولكن أبداً لا تتغير.

هذه الحقيقة هي تلك التي نطق بها القرآن، واعتقدها المسلمون... ولمن يريد أن يزيد يقيناً، فها هي المزامير كلها في الكتاب المقدس، الذي يؤمن به المسيحيون، ويتداولونه، وإليها فليرجع، ولن يزيده هذا إلا يقيناً وتقديراً لهذه الحقيقة التي انتهينا إليها.. ".

والاحتجاج بالمزامير على نجاة المسيح قديم، بل يرجع للمسيح إن صح ما في إنجيل برنابا. فقد جاء فيه أن المسيح قال: " إن واحداً منكم سيسلمني فأباع كالخروف، ولكن ويل له، لأنه سيتم ما قاله داود أبونا عنه، أنه سيسقط في الهوة التي أعدها للآخرين" ( برنابا 213/24 - 26 ).

وإذا قلنا إن المزامير بشرت بنجاته، فللنصارى أن يقولوا: كيف لم يعرف المسيح ذلك من العهد القديم؛ لم قال عن نفسه بأنه سيصلب كما في الأناجيل؟
والإجابة عن هذا التساؤل لا تلزمنا نحن المسلمين الذين لا نعتد بما جاء في هذه الكتب، إلا ما قام عليه دليل من ديننا.

ثم القصة هي امتحان للمسيح عليه السلام، كما كان الأمر بالذبح امتحاناً لإبراهيم وابنه الوحيد، ولو عرف المسيح نتيجة الامتحان مقدماً لما كان له أي معنى، كما لو عرفها إبراهيم، فلذلك خفيت عليه، وليس لقصور فهمه أو إدراكه، حاشاه، ولكن لتتحقق إرادة الله بامتحانه، ونجاته في الامتحان.

ثم لا يمكن القطع بأن المسيح لم يعرف المعنى الصحيح الذي تدل عليه النبوءات، بل قد يكون المسيح عرف ذلك فلجأ إلى الله يتضرع إليه ويسأله صرف هذه الكأس، لأنه عرف أن الله يستجيب دعاءه وتضرعه، بينما لو وافقنا الرواية الإنجيلية بأن المسيح علم أنه سيصلب ثم صلب، فما فائدة تضرعه ودعائه، ولم كان جزعه يأسه وصراخه على الصليب "لماذا تركتني" ؟

كما ثمة أمر آخر وهو أن فهم النبوءات لا يعني يقيناً معرفة الساعة، وتحديد اليوم الذي سيسعى أعداؤه فيه للقبض عليه.

كما ثمة نبوءاتُُ أو نصوص. تمنع أن يكون المسيح قد صلب فداء عن البشرية منها ما جاء في سفر الأمثال: " الأشرار يكونون كفارة لخطايا الأبرار " ( أمثال 21/18 ).

ويورد المحققون نصاً توراتياً آخر يدل على نجاة المسيح وصلب غيره، فقد جاء في سفر الأمثال " بر الكامل يقوم طريقه، أما الشرير فيسقط بشره بر المستقيمين، ينجيهم، وأما الغادرون فيؤخذون بفسادهم، الصديق ينجو من الضيق، ويأتي الشرير مكانه " ( الأمثال 11/5 - 8 ).


هل ما جاء في إشعيا نبوءة عن صلب المسيح ؟

لكن النصارى يرون أن ثمة نبوءة في غير المزامير قد وردت في صلب المسيح، ألا وهي ما جاء في إشعيا 52 و 53 وفيه: " هو ذا عبدي يعقل، ويتعالى، ويرتقي ويتسامى جداً، كما اندهش منه كثيرون، كان منظره كذا مفسدة أكثر من الرجل، وصورته أكثر من بني آدم، هكذا ينضح أمماً كثيرين، من أجله يسد ملوكُُ أفواههم، لأنهم قد أبصروا ما لم يخبروا به، وما لم يسمعوه فهموه.

من صدق خبرنا، ولمن استعلنت ذراع الرب، نبت قدامه كفرخ، وكعرق من أرض يابسة، لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه، محتقر ومخذول من الناس، رجل أوجاع، ومختبر الحزن، وكمستر عنه وجو هنا، محتقر فلم نعتد به.

لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها، ونحن حسبناه مصلوباً، مضروباً من الله ومذلولاً، وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه، وبجبره شفينا، كلنا كغنم ضللنا، مِلْنا كل واحد إلى طريقه، والرب وضع عليه إثم جميعنا، ظلم أما هو فتذلل، ولم يفتح فاه، كشاة تساق إلى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازيها، فلم يفتح فاه.

من الضغطة ومن الدينونة أخذ، وفي جيله من كان يظن أنه قطع من أرض الأحياء، أنه ضرب من أجل ذنب شعبي، وجعل مع الأشرار قبره، ومع غني عند موته على أنه لم يعمل ظلماً، ولم يكن في فمه غش.

أما الرب فسر بأن يسحقه بالحزن، ان جعل نفسه ذبيحة إثم، يرى نسلاً تطول أيامه، ومسرة الرب بيده تنحج، من تعب نفسه يرى ويشبع، وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين، وآثامهم هو يحملها، لذلك أقسم له بين الأعزاء ومع العظماء، يقسم غنيمة من أجل أنه سكب للموت نفسه، وأحصي مع أثمةٍ، وهو حمل خطية كثيرين، وشفع في المذنبين " ( إشعيا 52/13 - 53/12 ).

ويربط النصارى بينه وبين ما جاء في مرقس " فتم الكتاب القائل: وأحصي مع أثمة " ( مرقس 15/28) ومقصوده كما لا يخفى ما جاء في إشعيا " سكب للموت نفسه، وأحصى مع أثمة " ومثله في أعمال الرسل ( أعمال 8/22 - 23 ).

والنص ولا ريب قد تعرض للكثير من التلاعب والتحوير، وتجزم بهذا التلاعب عندما تلحظ غموض عباراته، وحين تقارن نص إشعيا مع ما جاء في أعمال الرسل، وهو ينقل عنه، وفيه " وأما فصل الكتاب الذي كان يقرأه، فكان هذا: مثل شاة سيق إلى الذبح، ومثل خروف صامت أمام الذي يجزه، هكذا لم يفتح فاه، في تواضعه انتزع قضاؤه، وجيله من يخبر به، لأن حياته تنتزع من الأرض " ( أعمال 8/ 32- 33 ).

لذا حق للمحققين أن يروه نصاً حور لينطبق على المسيح، ودليل ذلك أن فيلبس الحواري قرأ النص ولم يفهم منه أنه نبوءة عن المسيح، حتى أطلعه عليه خصي حبشي كان وزيراً لملك كنداكة ملك الحبشة، وبعد هذه القصة تنصر الرجل، وعمّده فيلبس، يقول لوقا: " فبادر إليه فيلبس وسمعه يقرأ النبي إشعياء فقال: ألعلك تفهم ما أنت تقرأ؟ فقال: كيف يمكنني إن لم يرشدني أحد.وطلب إلى فيلبس أن يصعد ويجلس معه.

وأما فصل الكتاب الذي كان يقرأه فكان هذا: مثل شاة سيق إلى الذبح ومثل خروف صامت أمام الذي يجزه هكذا لم يفتح فاه. في تواضعه انتزع قضاؤه، وجيله من يخبر به، لأن حياته تنتزع من الأرض.

فأجاب الخصي فيلبس: وقال أطلب إليك: عن من يقول النبي هذا؟ عن نفسه أم عن واحد آخر؟ ففتح فيلبس فاه وابتدأ من هذا الكتاب فبشره بيسوع...فعمده، ولما صعدا في الماء خطف روح الرب فيلبس، فلم يبصره الخصي أيضاً، وذهب في طريقه فرحاً، وأما فيلبس فوجد في أشدود" ( أعمال 8/26 -40 )، فالخصي هو الذي أوحى إلى فليبس ثم النصارى فكرة تنبؤ نص إشعيا بالمسيح.

والمسلمون لا يرون في هذا النص أي نبوءة عن المسيح، ويستغرب المسلمون ويستنكرون من الربط بين نص إشعيا وقصة الصلب في الأناجيل، فنص إشعيا يتحدث عبد، فيما يقول النصارى بألوهية المسيح، فكيف يجمعون بين عبوديته لله وألوهيته في وقت واحد.

وهذا العبد قبيح في منظره مخذول محتقر لا يعتد به، فهو ليس المسيح على أي حال " هو ذا عبدي... كان منظره كذا مفسدة أكثر من الرجل، وصورته أكثر من بني آدم.. لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه، محتقر ومخذول من الناس، رجل أوجاع، ومختبر الحزن، وكمستر عنه وجو هنا، محتقر فلم نعتد به".

والنص يتحدث عن الذي " لم يفتح فاه، كشاة تساق إلى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازيها، فلم يفتح فاه ".

بينما المسيح تكلم مراراً وتكراراً، فلقد قال لبيلاطس أثناء محاكمته: " أنت تقول: إني ملك، لهذا قد ولدت أنا، ولهذا قد أتيت إلى العالم، لأشهد للحق، كل من هو في الحق يسمع صوتي " (يوحنا 18/37 ) وكان قد قال له قبل: " مملكتي ليست في هذا العالم، لو كانت مملكتي في هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هذا " ( يوحنا 18/36 ).

كما تكلم في المحاكمة لما لطمه أحد الخدم فأجابه المسيح: " إن كنت قد تكلمت ردياً فاشهد على الردي، وإن حسناً فلماذا تضربني ؟ " ( يوحنا 18/22 )

كما تكلم قبلها طويلاً في البستان، وهو يناجي، طالباً من الله أن يعبر عنه هذه الكأس...

فإن أصر النصارى بعد ذلك على أن النبوءة تنطبق على المسيح، فقد قالوا إذن بأن المسيح تكلم وهو مغلق الفم !!!

كما يذكر النص شجاعة وتماسكاً لا تتناسب وصراخ المصلوب، وجزعه، وقنوطه، فالمسيح كشاة أمام جازيها صامتة، " وهكذا لم يفتح فاه " ثم إنه " أخذ من السجن والمحاكمة، ومن الذي يعلن إلى جيله أنه قد بتر في أرض الأحياء، بسبب تعديات شعبي كان مبتلاً ".

ويرى منصور حسين في الترجمة المتداولة لإشعيا ما يؤكد فكرته بأن المصلوب هو يهوذا، ويقارن هذه الترجمة مع النص الإنجليزي، للخروج من غموض النص العربي.

وفيه: " لأنهم قد أبصروا ما لم يخبروا به، وما لم يسمعوه فهموه "، وفي النص الإنجليزي ما ترجمته: "ما لم يسمعوه اعتبروه "، والفرق بين " فهموه " و " اعتبروه " واضح.

فكلمة " فهموه " تفيد علمهم ومعرفتهم وإدراكهم، بينما كلمة " اعتبروه " لا تفيد إلا تقرير الحكم، فكما أخبرت المزامير بنجاة المسيح قبل إشعيا بثلاثمائة سنة يخبر إشعيا بنجاته، لكنهم يرون صلبه كما يتبادر لذهنهم، فيروون ما لم يخبروا به، بل عكسه، ولذلك فهم اعتبروا: أن المصلوب هو المسيح.

وأما قوله " من صدق خبرنا، ولمن استعلنت ذراع الرب "، فهو سؤال يفهم منه أن الخبر المقصود هو نجاة المسيح الذي لم يصدقه أحد، ويجيب النصُ - كما يرى الأستاذ منصور حسين - بأن الذي صدق بنجاة المسيح شخص " محتقر مخذول من الناس، رجل أوجاع، ومختبر الحزن، وكمستر عنه وجوهنا، محتقر فلم نعتد به " إنه الذي تحمل الأوجاع، والذي احتقر، وباء بإثمه وإثم المتآمرين معه، إنه يهوذا الخائن، الذي رأى عناية الله تحيط بالمسيح وهو يصعد وينجو فهو " مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا " فلقد تحمل يهوذا وزر المؤامرة "وضع عليه إثم جميعنا "، لأنه التلميذ الخائن، وكان هؤلاء اليهود كالغنم الضالة " فكلهم كغنم ضلوا ".

وقوله: " من أجل ذنب شعبي " يدل على أنه ليس المراد غفران الخطية، إذ لو أرادها لقال غفران ذنب جميع العالم.

وقد ظن الناس أنه قطع في أرض الأحياء، وأنه ضرب من أجل ذنبي، " وفي جيله من كان يظن أنه قطع من أرض الأحياء، أنه ضرب من أجل ذنبي "، لكن الحقيقة غير ذلك، وفي النص الإنجليزي " من سيعلن لجيله ؟ " أي هذه الحقيقة الخافية ؛ إنه محمد صلى الله عليه وسلم.

ويكمل النص واصفاً يهوذا في لحظة محاكمته " على أنه لم يعمل ظلماً، ولم يكن في فمه غش " ولقد يعجب القارئ أن يقال مثل هذا في حق يهوذا، ولا عجب، فلقد كان يهوذا لحظة المحاكمة صادقاً حين قال: " من الآن فإنهم يرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة "، وهو لم يعمل ظلماً بحق محاكميه الذين لو علموا حقيقة شخصيته لأفرجوا عنه.

لكن الرب جل وعلا سر بما صنع به " وأما الرب فسر بأن يسحجه بالحزن "، وهل يسر لما فعل بالمصلوب لو كان هو المسيح؟ إنما سر بعاقبة مكر يهوذا، فتكامل نص إشعيا مع نبوءات المزامير.

ويرد إشكال في حديث النص عن فادي الخطيئة الغير والشافع فيهم " هو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين "، ولكن أيا كان، فإن دلالة النص وهو في هذا الوضع يورد من الأسئلة والإشكالات على من قال بصلب المسيح أكثر مما يورد على من قال بنجاته وصلب يهوذا.

ويرى الأستاذ محمد الأفندي أن لا علاقة بين هذا الإصحاح في إشعيا، وبين حادثة الصلب، فالإصحاح يتحدث عن قصة بني إسرائيل، وذلهم في بابل بسبب معاصيهم ومعاصي سلفهم، فحاق بهم عقوبة الله التي عمّت صالحيهم وفجارهم، ويوضح ذلك في أن قوله " هو ذا عبدي.. كما اندهش منك كثيرون كان منظره كذا مفسدًا أكثر من الرجل، وصورته أكثر من بني آدم " فالمقصود بالعبد شعب إسرائيل، فقد عُهد في التوراة إطلاق الفرد والمراد الشعب كما في إشعيا: " يقول الرب، خالقك يا يعقوب، وجابلك يا إسرائيل..... وإذا اجتزت في المياه فأنا معك، وفي الأنهار فلا تغمرك، لأني أنا الرب إلهك، قدوس إسرائيل، مخلصك، جعلت مصر فديتك " ( إشعيا 43/1 - 3 ) ومثله في ( إشعيا 41/8 ).

فيصف إشعيا 52 و 53 غربة بني إسرائيل وذلتهم، ثم يتحدث عن عودة أبنائهم من أرض السبي "نبت قدامه كفرخ، وكعرق في أرض يابسة " فقد عادوا للأرض المقدسة، ونبتوا فيها، كما وصفهم إرميا النبي في مراثيه.

ولا يصح حمله على المسيح، لقوله: " لا صورة ولا جمال " بل الحديث عنهم، وقد تغيرت صورتهم بسبب الذل فكان الشعب " محتقر مخذول.. الرب وضع عليه إثم جميعنا " ويفسره قول إرميا وقد شاهد الأسر البابلي: " آباؤنا أخطؤوا، وليسوا بموجودين، ونحن نحمل آثامهم، عبيد حكموا علينا، ليس من يخلص من أيديهم، جلودنا اسودت من جري نيران الجوع " ( مراثي 5/7 - 10 ).

وقوله: " ظلم " كقوله " ثم ظلمه آشور بلا سبب " ( إشعيا 52/4 )، وكقوله: " إن بني إسرائيل وبني يهوذا معاً مظلومون " ( ارميا 50/33 )
وأما قوله: " كشاة تساق إلى الذبح.... " فهو حديث عن ملك بابل، وقد ساق بني إسرائيل، كما تساق الشياه إلى الذبح، كما في ( إرميا 51/40 )" أنزلهم كخراف للذبح، وككباش مع أعتدة " فمات أكثرهم جوعاً.

وقوله: " وجعل مع الأشرار قبره، ومع غني عند موته " أي أن دفنهم في بابل كان مع الوثنيين، ولا يمكن حمله على المسيح المدفون وحده في بستان، في قبر جديد، لم يدفن فيه معه لا شرير ولاغني.

" فسَّر أن يسحقه بالحزن" وفي نسخة كاثوليكية: " رضي أن يسحقه بالعاهات، أن جعل نفسه ذبيحة إثم. " وفي الأصل العبري: " أراد الرب أن يضربه بالحزن، لأنه جعل نفسه آثماً. " ومثله في قول إشعيا لأورشليم: " اثنان هما ملاقياك، من يرثي لك الخراب، والانسحاق، والجوع، والسيف، بمن أعزيك، بنوك قد أعيوا، واضطجعوا في رأس كل زقاق " (إشعيا 51/19)

وقوله:" يرى نسلاً تطول أيامه " فهو إشارة لرجوعهم إلى وطنهم، بينا المسيح ليس له نسل.

وأما قوله: " عبدي البار بمعرفته يبرر كثيرون، وآثامهم هو يحملها " يتحدث كيف شمل البؤس بررة بني إسرائيل وعصاتهم، كما قال الله: [ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ] (الأنفال : 125) وإكراماً للبررة من بني إسرائيل، طهرهم الله من ذنبهم، ورفع عنهم هذه العقوبة، كما في ارميا: " في تلك الأيام يطلب إثم إسرائيل فلا يكون، وخطية يهوذا فلا توجد، لأني أغفر لمن أبقيه " (إرميا 50/20) فأسرهم وقد حملوا خطيئة آبائهم، ثم غفرت ذنوبهم.

وقوله: " هو حمل خطية كثيرين، وشفع في المذنبين "، والترجمة الصحيحة يراها الأفندي: "وللعصاة يدعو " بالتوبة والهداية.

وينوه بتحريفهم في قولهم: " ضرب من أجل ذنب شعبي "، وهي في الأصل العبري " ضربوا " فحرفوها لتنطبق على المسيح.

وقوله " أحصي مع أثمة " يحكى عن وجود بني إسرائيل مع الوثنيين في بابل، ولا يصح أن تصرف للمسيح، وأن الأثمة هما اللصان، إذ قد وعد أحدهما الفردوس، فكيف يوصف بعد ذلك بالآثم ؟!

وأقرب هذه الأقوال وأصحها، ما ذهب إليه الأفندي في أن الإصحاح يتحدث عن شعب إسرائيل، وسبيه، وذلته، ثم نجاته. ويدل عليه أن هذا هو فهم النص عند اليهود وهم أصحاب الكتاب.???إبطال الصلب بنبوءات وأخبار الأناجيل والرسائل

تتحدث الأناجيل الأربعة عن صلب المسيح، كخاتمة لوجوده على الأرض، ولكن: هل تنبأ المسيح بأنه سيصلب ؟ وهل عرف بذلك تلاميذه ؟

لا ريب أن إجابة النصارى تتلخص في أن المسيح عرف أنه سيصلب وسيسلم لأعدائه، وأنه أخبر تلاميذه بذلك. وحجتهم في ذلك قول متى: " تعلمون أنه بعد يومين يكون الفصح، وابن الإنسان يسلم ليصلب " ( متى 26/1 ) لكن الناظر في الأناجيل، يرى أيضاً أن المسيح تنبأ بنجاته، بل أعلنها على ملأ اليهود، وتحداهم، وأخبر بأنه غلبهم، وغلب العالم.

فكما تشهد الأناجيل بصلب المسيح، فإنها تنقل عن المسيح شهادته بنجاته، وقد تجاهل النصارى هذه الروايات، ولم يلتفتوا إليها.

ولكن الحقيقة تكمن في أن خبر تنبؤ المسيح بقتله أو صلبه، قول دخيل على الأناجيل، ملحق بها، ويقيم محمد أبو الغيط الفرت الأدلة على ذلك، ومنها:

• أن العبارة في متى وردت بلا مقدمة، ولا مناسبة، ولا تعليق عليها من قبل الحواريين، حتى وكأنها تتحدث عن حدث عادي، فلئن صحت، دل ذلك على أن ابن الإنسان المصلوب المسلّم لأيدي الخطاة، هو غير المسيح.

• ذكر الإنجيليون الثلاثة الذين ذكروا الخبر بأن المسيح سيقوم في اليوم الثالث ( انظر متى 17/23، مرقس 9/32، لوقا 18/33 )، وهذا لم يحصل، بل مكث ما لا يزيد بحال عن ليلتين ويوم.

• يقترن وصف الأناجيل الثلاثة لردة فعل التلاميذ حيال هذا الخبر بكثير من الغرابة، ففي متى ( 26/1 - 2 ) لم يذكر لهم حساً ولا خبراً، بيد أنه في ( متى 26/23 ) ذكر بأنهم " حزنوا جداً " ويفهم منه أنهم فهموا مراده فحزنوا، لكن مرقس يقول: " وأما هم فلم يفهموا القول، وخافوا أن يسألوه " ( مرقس 9/32 )، ويؤكد لوقا هذا بقوله: " وأما هم فلم يفهموا من ذلك شيئاً، وكان هذا الأمر مخفياً عنهم، ولم يعلموا ما قيل ".

• وإضافة إلى تناقض النصوص، فإن في خوف التلاميذ من المسيح ما يدعو للعجب، فقد عرف بدماثة خلقه، وبتحببه لهم، حتى إنه غسل أرجلهم، وكثيراً ما كانوا يسألوه، فِلمْ لم يسألونه في هذا الأمر الخطير؟

• تتحدث المواضع الأربعة – التي ذكرت تنبؤه بالموت - عن تسليم ابن الإنسان، وقتله أو صلبه، ولا تنص على عيسى، لكن اللفظ – وإن تبادر في الذهن إلى المسيح – فإنه يصح أن يطلق على غيره، بدليل أنهم سألوه عن ابن الإنسان مَن هو بقولهم: " من هو هذا ابن الإنسان؟ " ( يوحنا 12/34 ) ولو كان خاصاً هذا اللقب بالمسيح، لما كان في سؤالهم وجه.

• ومما يدل على عدم صحة التنبؤ بالصلب والقتل: فرار التلاميذ، وفيهم بطرس الذي قال له المسيح: " طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك، وأنت متى رجعت ثبت إخوتك، فقال له: يا رب، إني مستعد أن أمضي معك، حتى إلى السجن، وإلى الموت " ( لوقا 22/32 - 34 )

فدل هذا على معرفتهم بأن المأخوذ غيره، كما قد عرفوا ذلك فهربوا، وقد قال عنهم المسيح: " الذين أعطيتني حفظتهم، ولم يهلك منهم أحد إلا ابن الهلاك " ( يوحنا 17/12 ).

ثم بعد ذلك ولأن أمر المصلوب لا يهمهم وقد عرفوا بنجاة سيدهم لم يهتموا بمتابعة المصلوب وهو على الصليب، أو في أثناء المحاكمة، إلا ما جاء عن بطرس ويوحنا وبعض النسوة.

كما تذكر الأناجيل دليلاً آخر على عدم صحة هذه النبوءات عن صلب المسيح، بل تدلل على أن المسيح تنبأ بنجاته وفهم التلاميذ منه ذلك، وقد أشكل عليهم رؤيتهم للمأخوذ وقد قبض عليه، وظنوه المسيح، فوقعوا فيما حذرهم منه المسيح، وهو ما ذكره مرقس في إنجيله، من أن المسيح قال لتلاميذه: " كلكم تشكون فيَّ في هذه الليلة " ( مرقس 14/27 ).

لا تذكر الأناجيل شيئاً عن شك التلاميذ، سوى ما ذكرته عن بطرس الذي أنكر المأخوذ ثلاث مرات ليلة المحاكمة، وأما الآخرون فصمت مطبق، فكيف شك التلاميذ ؟

يجيب العلامة أحمد عبد الوهاب بأن الشك هو تراجع داخل النفس، ويستشهد لتفسيره بما جاء في غير الترجمة العربية، فالنص في التراجم الأخرى تعريبه هكذا:" كلكم ترتدون عن عقيدتكم وتزلون ".

ويفرق بين الإنكار والشك، فالشك عمل قلبي، والإنكار: قد ينكر الإنسان بلسانه ما يعتقده في قلبه، والذي وقع من التلاميذ شك لا إنكار. فلقد آمن التلاميذ بالمسيح، وصدقوه فيما تنبأ به، فإذا رأوا ما اعتبروه مخالفاً لنبوءاته، فسوف يحصل منهم الشك، والردة عن العقيدة.

ويورد هنا أحمد عبد الوهاب احتمالين :

الأول: أن يكون المسيح قد تنبأ لتلاميذه بأن مؤامرة ستدبر ضده، وستُحدث له ألماً ومعاناة، إلا أنها ستفشل، وسينقذه الله من القتل، كما في قوله: " ستطلبونني ولا تجدونني ". وهذا الذي حصل ولم يشاهدوه، بل شاهدوا ما حسبوه وظنوه نقيضه، فقد رأوا المسيح مأخوذاً مصلوباً، فوقعوا في الشك به لأن كلامه لم يتحقق..

والثاني: أن المسيح تنبأ بأن المؤامرة ستنتهي بقتله.

وهذا ما يدحضه العود إلى لحظة القبض على المسيح حيث نجد أن التلاميذ جميعاً قد هربوا، وتركوا المسيح وحده. ويبدو هنا شكهم واضحاً، لقد حصل ما لم يتوقعوه – فيما يظهر لهم -، وما لم يتنبأ به المسيح.

فلئن كان أخبرهم بأن سيُقبض عليه وسيقتل، فليس ثمة ما يثير الشك، وإن كان الاحتمال الأول بأنه سينجو، وأن المؤامرة ستفشل، ولكنهم يجدونه – فيما يظهر لهم - قد قبض عليه، ولم تتحقق نبوءته، فحينئذ وقعوا في الشك.

فالنصارى أمام خيارين :

الأول: نفي الشك عن التلاميذ وتكذيب المسيح.

الثاني: التسليم بأن الأناجيل تذكر نبوءات غير صحيحة تنسبها للمسيح.

فإن رفضوهما فليس لهم إلا أن يصدقوا بفشل المؤامرة، ونجاة المسيح من الصلب.

إذن فلقد تحقق الشك، حين حسبوا المسيح هو المأخوذ والمصلوب، وقد كان أخبرهم بنجاته، كما قد سمعوا منه مراراً، كما سيأتي تفصيله.

وأما سيء الذكر في الأناجيل - بطرس-، فإنه الوحيد من بين التلاميذ الذي ذكر أصحاب الأناجيل شكه، ويتمثل شكه عند النصارى في تنكره للمسيح، قبل أن يصيح الديك صباح تلك الليلة مرة أو مرتين على خلاف بين متى ومرقس.

لكن أحمد عبد الوهاب يفرق مرة أخرى بين الشك والإنكار، فما حصل من بطرس هو إنكار، وليس بشك، فقد ينكر الإنسان بلسانه ما يعتقده بقلبه.


تنبؤات العهد الجديد بنجاة المسيح :

إن خبر تنبؤ المسيح بقتله وصلبه، معارَض بنصوص كثيرة، أخبر المسيح فيها بنجاته، ومنها قوله حسبما جاء في يوحنا: " فأرسل الفريسيون ورؤساء الكهنة خداماً ليمسكوه، فقال لهم يسوع: أنا معكم زمانا يسيراً بعد ثم أمضي إلى الذي أرسلني، ستطلبونني ولا تجدونني وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا ".

وقد فهم منه اليهود أنه أراد نجاته منهم " فقال اليهود فيما بينهم: إلى أين هذا مزمع أن يذهب حتى لا نجده نحن ؛ ألعله مزمع أن يذهب إلى شتات اليونانيين، ويعلم اليونانيين، ما هذا القول الذي قال: ستطلبونني ولا تجدونني، وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا" ( يوحنا 7/32 – 36 ).

ومرة أخرى، جاهر المسيح بنجاته منهم قائلاً " أعلم من أين أتيت، وإلى أين أذهب، وأما أنتم، فلا تعلمون من أين آتي، ولا إلى أين أذهب …. قال لهم يسوع أيضاً: أنا أمضي، وستطلبونني وتموتون في خطيتكم، حيث أمضى أنا، لا تقدرون أنتم أن تأتوا. فقال اليهود: ألعله يقتل نفسه حتى يقول: حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا. فقال لهم: أنتم من أسفل. أما أنا فمن فوق. أنتم من هذا العالم …

فقال لهم يسوع: متى رفعتم ابن الإنسان، فحينئذ تفهمون إني أنا هو، ولست أفعل شيئاً من نفسي، بل أتكلم بهذا كما علمني أبي، والذي أرسلني هو معي، ولم يتركني الأب وحدي، لأني في كل حين أفعل ما يرضيه " ( يوحنا 8/21 - 29 ).

ثم مرة أخرى، لما أعطى يهوذا اللقمة قال لتلاميذه: " يا أولادي أنا معكم زماناً قليلاً بعد، ستطلبونني، وكما قلت لليهود حيث أذهب أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا، أقول لكم أنتم الآن..... قال له سمعان بطرس: يا سيد، إلى أين تذهب، أجابه يسوع: حيث أذهب لا تقدر الآن أن تتبعني، ولكنك ستتبعني أخيراً " ( يوحنا 13/32 - 36 ).

ومنها أيضا قول المصلوب ( يهوذا ) وهو في المحاكمة: " من الآن يكون ابن الإنسان جالساً عن يمين قوة الله " ( لوقا 22/69 ) فقد رأى يهوذا نجاة المسيح بما رآه أو سمعه من المسيح عن نجاته، وما شاهده من نجاة المسيح لحظة ألقي الشبه عليه، وهو يخبر أنه في تلك اللحظة، المسيح في السماء، وقد رفع بقوة الله.

وقد رأى المحققون في هذه النصوص نبوءة واضحة بنجاة المسيح عليه السلام من يد أعدائه، وأنه سيرفع للسماء، فهو المكان الذي لا يقدرون عليه، ولو كان مقصده الموت، فإن ذلك أمر يطيقه كل أحد، كما أن أحداً لا يتحدى بأنه سيموت وهم لن يستطيعوه. لقد كان المسيح يتحدى أعداءه وهو يقول: " هو ذا بيتكم، يترك لكم خراباً، لأني أقول لكم: إنكم لا ترونني من الآن، حتى تقولوا: مبارك الآتي باسم الرب " ( متى 23/28 - 29 ).

ومن النصوص التي تحدثت أيضاً عن نجاة المسيح قوله: "هو ذا تأتي ساعة وقد أتت الآن، تتفرقون فيها، كل واحد إلى خاصته، وتتركونني وحدي، وأنا لست وحدي، لأن الآب معي، قد كلمتكم بهذا ليكون لكم في سلام، في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم " (يوحنا 16/32 - 33) فأين هذا من القول بصفع المسيح وصلبه وضربه ؟

ومن النصوص الدالة أيضاً على نجاة المسيح قول يوحنا: " من عند الله خرج، وإلى الله يمضي " ( يوحنا 13/3 ) ولو كان المقصود الموت، فكل الناس إلى الله تمضي، والقول بأن مضيه إنما يكون بعد الدفن ثلاثاً، يحتاج لدليل يثبت ذلك.

ومن النصوص الدالة أيضاً على نجاة المسيح ما جاء في متى " فقال لهم يسوع: هل يستطيع بنو العرس أن ينوحوا مادام العريس معهم ؛ ولكن ستأتي أيام، حين يرفع العريس عنهم، فحينئذ يصومون " ( متى 9/15 )، ومقصده رفعه للسماء.

ولئن كان بولس قد تولى كبر القول بصلب المسيح، فإن الحق يراه المتبصر في فلتات لسانه، فيجد ما يدله على نجاة المسيح من الصلب. ومن ذلك قوله في وصف ملكي صادق: " لأن ملكي صادق هذا ملك ساليم، كاهن الله العلي،.. بلا أب، وبلا أم، بلا نسب، لا بداءة أيام له، ولانهاية حياة، بل هو مشبه بابن الله، هذا يبقى إلى الأبد " ( عبرانيين 7/1 -3 ) فيفهم من قوله بولس هذا: أن ليس للمسيح نهاية أرضية سابقة، كما هو الحال في ملكي صادق.

ومن ذلك أيضاً: أن في أقوال بولس ما يجعل حادثة الصلب قضية غير مسلم أنها حصلت للمسيح، ويُرى ذلك بالإمعان في هذه الأقوال، يقول بولس: "أما نحن فنكرز بالمسيح مصلوباً، شكاً لليهود، وجهالة للأمم " ( كورنثوس (1) 1/ 23 )، وقد قال قبلها: " فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المخلصين، فهي قوة الله " ( كورنثوس (1) 1/18 ).

ومن أظهر أدلة نجاة المسيح ما قاله بولس عن المسيح: " في أيام بشريته قَرب تضرعات واستغاثات، وصراخ شديد، ودموع ذوارف للقادر، الذي بوسعه أن يخلصه من الموت، فاستجاب له من أجل تقواه "( عبرانيين 5/7 ).

فهذا النص، شهادة ناطقة، بأن الله استجاب للمسيح تضرعه في تلك الليلة، وصرف عنه ما كان يحذره ويخافه من الصلب.

ولنا أن تساءل عن تضرع المسيح ودعائه وطلبه صرف الصلب عنه، هل كان المسيح بجهل أنه سيصلب، وإذا كان يعلم أنه سيصلب فما فائدة هذا الدعاء والتضرع؟ فقيام المسيح بالدعاء دليل على ثقته بأن الله سيستجيب له.

ثم لا يليق أن يقال بأن الله رد المسيح خائباً بعد هذا التضرع والدعاء، فمثل هذا لا يحصل إلا مع عصاة العباد.

ومما يؤكد استجابة الله للمسيح: ظهور ملاك له ليقويه ( انظر لوقا 22/43 ) فهل كان ذلك الملاك يضحك عليه ؟ أم يعينه فينجيه.

و هذا هو ما يليق بعدل الله ورحمته، وأن الله استجاب للمسيح فأنجاه، وصلب يهوذا الخائن، فهذا أليق بعدل الله وكرمه من القول بعدم استجابته للمسيح، وصلبه.

فاستجابة الله للأنبياء والصالحين حال دعائهم أمر مشهود، فقد وعد رسله بالنجاة ؛ كما وعد دواد " لا أموت، بل أحيا، وأحدث بأعمال الرب.. إلى الموت لم يسلمني "( مزمور 118/17 – 18 )، وفي رسالة يعقوب " صلاة الإيمان تشفي المريض، والرب يقيمه…" طلبة البار تقتدر كثيراً في فعلها، كان إيليا إنسانا تحت الآلام، ومثلنا صلى صلاة أن لا تمطر، فلم تمطر على الأرض ثلاث سنين وستة أشهر، ثم صلى أيضاً فأعطت السماء مطراً، وأخرجت الأرض ثمرها " ( يعقوب 5/15 – 18 )

وقد استجاب الله عز وجل لإبراهيم لما أمره بذبح ابنه، فامتثل لأمر الله، فأنجى الله ابنه واستجاب له طلبه.

ويؤكد العلامة ديدات على قرينة وحدة أفعال الله، لإبطال صلب المسيح والحكم بنجاته، فقد نجى الله ابني دانيال، وإبراهيم، والفتية الثلاثة الذين ألقوا في النار.

أما نجاة إبراهيم، فقد ذكرت في قوله تعالى : [ قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم * فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين ] (الأنبياء: 68 - 70).

وأما دانيال، فقد ألقاه الملك في جُبَّ مع الأُسود، وختم الجب بخاتمه، ثم لما فتحه ناداه " يا دانيال عبد الله الحي. هل إلهك الذي تعبده دائماً قدر على أن ينجيك من الأسود ؟ فتكلم دانيال مع الملك: يا أيها الملك، عش إلى الأبد، إلهي أرسل ملاكه، وسد أفواه الأسود، فلم تضرني، لأني وجدت بريئاً قدامه وقدامك أيضاً.. فأمر الملك، فأحضروا أولئك الرجال الذين اشتكوا على دانيال، وطرحوهم في جب الأسود هم وأولادهم، ولم يصلوا إلى أسفل الجب حتى بطشت بهم الأُسود، وسحقت كل عظامهم " ( دانيال 6/15 - 24 ).

وأما الفتية الثلاثة فقد أُلقوا في النار، ولكن " لم تكن للنار قوة على أجسامهم، وشعرة من رؤوسهم لم تحترق، وسراويلهم لم تتغير، ورائحة النار لم تأت عليهم " ( دانيال 3/27 ).

والعجب لإصرار النصارى على تكذيب المسيح وقد أخبر بنجاته، وقد أمكن الله له سبل النجاة المتنوعة، كما يسرها لكثيرين دونه في الفضل، منهم بطرس الذي دخل ملاك الرب إلى سجنه، وحطم سلاسله وهو نائم، وأمره بالخروج ( أعمال 12/7 ).

وكذلك نجا بولس - في زعمهم - فقد تزلزلت الأرض، وتصدع السجن، وتحطمت القيود. وانفتحت الأبواب، فهرب وصاحبه سِيلا من سجنهما ( انظر أعمال 16/26 ).

فِلمَ أمكن هذا لبطرس وبولس، ولم يمكن للمسيح وهو أولى منهما برعاية الله وحفظه ؟!

وهكذا ومن خلال هذه الأمثلة، نرى أن رعاية الله قد أحاطت بالمسيح، وأنجته من يدي أعدائه، فتحقق ما كان قد تنبأ به بقوله: " والذي أرسلني هو معي، ولم يتركني الأب وحدي، لأني في كل حين أفعل ما يرضيه " ( يوحنا 8/9 ).


تنبوءات الأناجيل المرفوضة عند الكنيسة بنجاة المسيح :

ومما يؤكد ما ذهب إليه علماؤنا من نجاة المسيح وصلب غيره: ما جاء في إنجيل برنابا، وما وجد في مخطوطات نجع حمادي في مصر؛ حيث كشف بعد الحرب العالمية الثانية عن ثلاثة وخمسين نصاً، تقع في ألف ومائة وثلاثة وخمسين صفحة، ومن هذه النصوص ما تحدث عن نجاة المسيح، وأنه لم يصلب.

ولم يرد في هذه المخطوطات أيُّ ذِكْرٍ لمحاكمة المسيح وصلبه، بل جاء في إنجيل بطرس على لسان بطرس: " رأيته يبدو كأنهم يمسكون به، وقلت: ما هذا الذي أراه يا سيد ؟ هل هو أنت حقاً من يأخذون ؟.. أم أنهم يدقون قدميّ ويديّ شخص آخر ؟.. قال لي المخلص.. من يُدخلون المسامير في يديه وقدميه هو البديل، فهم يضعون الذي بقي في شبهة في العار ! انظر إليه، وانظر إليه ".

وفي مخطوطة أخرى من هذه المخطوطات وهي كتاب " سيت الأكبر " جاء على لسان المسيح "كان شخص آخر، هو الذي شرب المرارة والخل، لم أكن أنا... كان آخر الذي حمل الصليب فوق كتفيه، كان آخر هو الذي وضعوا تاج الشوك على رأسه. وكنت أنا مبتهجاً في العُلا.. أضحك لجهلهم ".

وفي مخطوطة " مقالة القيامة ": ما يدل على أن المسيح مات موتاً طبيعياً، وأن روحه المقدسة لا يمكن أن تموت.

أما إنجيل برنابا، فيذكر قصة مقاربة لتلك القصة الموجودة في الأناجيل، ومن التشابه فيها: أن المسيح دعا وتضرع في البستان، وكان معه تلاميذه الأحد عشر، وأن يهوذا جاء مع الجند ليدلهم على مكان المسيح، مقابل ثلاثين من الفضة، وأن التلاميذ كانوا نياماً، وأنهم هربوا لما استيقظوا ورأوا الجند.

وكذا يذكر برنابا أن المأخوذ ( يهوذا ) قد أخذ إلى رئيس الكهنة الذي سأله إن كان هو المسيح، وعرضه على الوالي الذي كان يريد إطلاق سراحه، لقناعته ببراءة المقبوض عليه.

لكن الجموع رفضت ذلك. وقد ذكر برنابا أيضاً تحويل بيلاطس - المقبوض عليه - إلى هيردوس، وسخرية هيردوس منه بعد أن كان يتمنى لقياه، وأنه ألبسه إكليلاً من الشوك، وثوباً من الأرجوان، ثم أخرج فصلب.

وثمة نقاط صغيرة كثيرة تتشابه فيها رواية برنابا والروايات الإنجيلية، لكن رواية برنابا تفترق في نقاط. أهمها:

- أن المقبوض عليه هو يهوذا، الذي ألقي عليه شبه المسيح.

- ويذكر أن المسيح أخرجته الملائكة سالماً، وصعدت به إلى السماء، وأنه عاد بعد ذلك واجتمع بتلاميذه، وأخبرهم بحقيقة ما حصل، وبأنه نجا، وأن الذي دفنوه وصلبوه وسرقوه هو يهوذا الإسخريوطي.

- كما يذكر برنابا أن الجسد المصلوب قد سرقه بعض التلاميذ من القبر، وأشاعوا قيامة المسيح من القبر، ثم يختم بذكر صعوده إلى السماء، بعد وداعه لتلاميذه ولأمه.

ومما ذكره برنابا في قصته: " فاعلم يا برنابا أنه لأجل هذا يجب عليّ التحفظ، وسيبيعني أحد تلاميذي بثلاثين قطعة نقود، وعليه فأنا على يقين من أن من يبيعني يقتل باسمي، لأن الله يصعدني في الأرض، وسيغير منظر الخائن، حتى يظنه كل أحد إياي، ومع ذلك لما يموت شر ميتة؛ أمكث في ذلك العار زمناً طويلاً في العالم، ولكن متى جاء محمد رسول الله المقدس، تزال عني هذه الوصمة، وسيفعل الله هذا لأني اعترفت بحقيقة مسيّا، الذي سيعطيني هذا الجزاء، أي أن أعرف أني حي، وأني بريء من وصمة تلك الميتة.

فأجاب من يكتب: يا معلم. قل لي من هو ذلك التعيس؟ لأني وددت لو أُميته خنقاً. أجابه يسوع: صه، فإن الله هكذا يريد، فهو لا يقدر أن يفعل غير ذلك، ولكني متى حلت هذه النازلة بأمي، فقل لها الحق، لكي تتعزى...

وخرج يسوع من البيت، ومال إلى البستان ليصلي، فجثا على ركبتيه مائة مرة معفراً وجهه كعادته في الصلاة … ولما دنت الجنود مع يهوذا في المحل الذي كان فيه يسوع سُمع دنو جم غفير، فلذلك انسحب إلى البيت خائفاً، وكان الأحد عشر نياماً، فلما رأى الله الخطر على عبده، أمر جبريل وميخائيل ورفائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم، فجاء الملائكة الأطهار، وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب، فحملوه، ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبح الله إلى الأبد"

"ودخل يهوذا إلى الغرفة. دخل يهوذا مندفعاً أمام جميع من كانوا معه إلى الحجرة التي كان فيها عيسى، ثم رفع منها إلى السماء بينما كان التلاميذ نياماً على أن الله العظيم القادر على كل شيء، تصرف تصرفاً عجيباً، فحول يهوذا إلى صورة عيسى وهيئته وصوته وأسلوب حديثه تماماً حتى اعتقدنا أنه عيسى، ولما استيقظنا من النوم كان يدور ليعرف مكان المعلم، أما نحن فعجبنا للأمر، فقلنا له: إنك أنت معلمنا ومولانا، هل نسيتنا ؟

فضحك يهوذا، وقال: إنكم لحمقىْ ألا تعرفونني؟ أنا يهوذا الأسخريوطي، وفي هذه اللحظة دخل الجنود، ووضعوا أيديهم على يهوذا فقد كان صورة طبق الأصل لعيسى.

ولما سمعنا نحن قول يهوذا ورأينا كتائب الجنود هربنا واختفينا، كان يوحنا يلتف بقماش من التيل، فاستيقظ وهرب، ولما أمسك أحد الجنود بقطعة القماش، تركها له، وفر هارباً عاري الجسد، إذ كان الله قد سمع دعوة عيسى، وبالفعل نجا التلاميذ الأحد عشر من كل شر". ( برنابا 214/1 - 216/13 )

ثم لما رجع يسوع من السماء لوداع أمه " وبخ كثيرين من الذين اعتقدوا أنه مات، وقام قائلاً: أتحسبونني أنا والله كاذبين، لأن الله وهبني أن أعيش حتى قبيل انقضاء العالم، كما قد قلت لكم، الحق أقول لكم: إني لم أمت، بل يهوذا الخائن. احذروا، لأن الشيطان سيحاول جهده أن يخدعكم... وبعد أن انطلق يسوع تفرق التلاميذ في أنحاء إسرائيل والعالم المختلفة.

أما الحق المكروه في الشيطان فقد اضطهده الباطل كما هي الحال دائماً فإن فريقاً من الأشرار المدعين أنهم تلاميذ بشّروا بأن يسوع مات ولن يقوم، وآخرون بشروا بأنه مات بالحقيقة ثم قام، وآخرون بشروا ولا يزالون يبشرون بأن يسوع هو ابن الله، وقد خدع في عدادهم بولس.

أما نحن فإنما نبشر - بما كتبت - الذين يخافون الله، ليخلصوا في اليوم الأخير لدينوية الله" ( برنابا 221/15 - 222/6 )

وهكذا نجد الأدلة الإنجيلية تتوالى، وهي تصرح بوضوح تام بنجاة المسيح من كيد أعدائه، فما على النصارى إلا الإذعان لهذه النصوص والقول بنجاة المسيح من الصلب.

وهكذا نرى الحقيقة بادية وضوح الشمس في رابعة النهار، نطقت بها النبوات نبياً بعد نبي في جلاء ووضوح عجيب.

ويتساءل المرء: لِمَ لَمْ يتوصل النصارى إلى هذه الحقيقة الجلية ؟

وفي الإجابة عن هذا السؤال يرى منصور حسين أن الطريقة الخاطئة والمغلوطة التي يفكر بها النصارى، هي التي حجبت شمس الحقيقة عنهم.

وكمثال لطريقتهم في التفكير، ينقل عن الدكتور ر.أ. ترى في كتابه " كيف تدرس الكتاب المقدس ".

فقد وضع الدكتور النصراني شروطاً ينبغي أن يتحلى بها قارئ الكتاب المقدس، ليحصل على أكبر قدر من الفائدة فمن هذه الشروط: أن يكون القارئ مولوداً ولادة ثانية ( مسيحياً )، وأن يكون محباً للكتاب المقدس، وعنده استعداد للكد والجد في دراسته....

ويتوقف منصور حسين مع شرطين مهمين:

أولهما: أن يكون عند الدارس " إرادة مسلَّمة تسليماً كاملاً.... "

وثانيهما: " أن ندرسه باعتباره كلمة الله "

فيرى الأستاذ منصور حسين أن هذين الشرطين يفرضان على قارئ الكتاب المقدس التسليم والإيمان بأن ما يقرأه هو وحي الله، الذي لاشك فيه ولا لبس، مهما ظهر فيه من التناقض، والخطأ، والتعارض مع المعتقدات النصرانية.

فمثلاً: عندما يقرأ النصراني في المزمور قوله " أما أنا فدودة لا إنسان، عار عند البشر " (المزمور 22/6) يجد أنه من غير المنطقي أن يكون هذا عن المسيح، لكنه يسلم لمشيئة مؤلفي العهد الجديد، فيقول بأنه نبوءة عن المسيح رغم استحالتها بحقه.

ويفعل الشيء نفسه، وهو يقرأ " الرب مخلص مسيحه " ( المزمور 20/6 ) وهكذا فهم يضعون النتائج أولاً، ثم يقرؤون الكتاب المقدس.

وهكذا، فإن المتأمل لهذين الشرطين " ليكاد يقطع بأن واضعهما يعرف بيقين أن لو أطلقت للباحث حرية البحث عن الحقيقة وحدها، فإنه سينتهي من العهد القديم إلى ما يخالف ما جاء به العهد الجديد ( من حديث عن صلب المسيح ) فيصل إلى أن الله مخلص مسيحه، ورافعه إليه، وأن الذي سيقبض عليه ويحاكم ويصلب هو يهوذا ".


الشك في شخص المصلوب :

ذكرنا أن القرآن الكريم لم يكذب حصول حادثة الصلب، والذي ذكره القرآن يفهم منه حصول حادثة الصلب، لكن لغير المسيح عليه السلام، ولم يحدد القرآن شخص المصلوب، لكنه أفاد بوقوع شبه المسيح عليه، فصلب بدلاً عن المسيح عليه السلام.

وقد أخبر القرآن الكريم أن الذين يدعون صلب المسيح ليس لهم به علم يقيني، بل هم يشكون في شخص المصلوب على رغم شبهه بالمسيح، لكنه يقيناً ليس بالمسيح عليه السلام. قال الله تعالى: [ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً ] (النساء: 157).

وهذا الذي ذكره القرآن تصدقه النصوص الإنجيلية التي ذكرت شك الجنود واليهود في شخص المصلوب، وقد وقعت يومذاك عدة صور للشك:

أولها: أن من جاءوا للقبض عليه أنكروا وجهه وصوته، ولم يعرفوه حيث خرج إليهم وقال: من تطلبون ؟ فأجابوه: يسوع الناصري، فأخبرهم بأنه هو، بيد أنهم لم يسارعوا للقبض عليه فأعاد عليهم السؤال، فأعادوا الجواب ( انظر يوحنا 18/3 - 8 )

فهذا يدل على شكهم في شخصه، والسؤال المثير للاستغراب: كيف وقعوا بهذا الشك والمسيح قد عاش بين أظهرهم وهو أشهر من علم ؟

ثانيها: شك رئيس الكهنة في شخصية المأخوذ، وهو أمر جِد مستغرب، إذ المسيح كان يجلس في الهيكل، ويتحدث مع الكهنة ورؤسائهم، ورأوه وهو يقلب موائد الصيارفة في الهيكل ( انظر متى 21/12 - 15، 23 - 46 ).

وقد قال لهم حين جاءوا لأخذه: " كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصيٍ لتأخذوني، كل يوم كنت أجلس معكم أعلم في الهيكل، ولم تمسكوني " ( متى 26/55 ).

ويظهر الشك جلياً في قول رئيس الكهنة له أثناء المحاكمة: " أستحلفك بالله الحي، أن تقول لنا: هل أنت المسيح ابن الله ؟ " ( متى 26/62 – 64 ).

ويجلي لوقا ذلك فيقول " ولما كان النهار، اجتمعت مشيخة الشعب، ورؤساء الكهنة والكتبة، وأصعدوه إلى مجمعهم قائلين: إن كنت المسيح فقل لنا فقال لهم: إن قلت لا تصدقون، وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني، منذ الآن يكون ابن الإنسان جالساً عن يمين قوة الله، فقال الجميع: أفأنت ابن الله ؟فقال لهم: أنتم تقولون إني أنا هو " ( لوقا 22/66 - 70 ).

فنلاحظ أن الجميع كان منشغلاً بتحقيق شخص المأخوذ، حتى في محاكمته.

ونلحظ أيضاً أن إجابة المأخوذ كانت:" أنت قلت " وقال لبيلاطس: " أنت تقول "، بمعنى أنه لم يصدق كلامهم ولم يكذبه، لكنه قال لهم: هذا ما تقولونه أنتم.

ثم ما هي الإجابة التي لن يصدقها رؤساء الكهنة ؟ ولو صدقوها لأطلقوه ؟ هي بلا شك: أنه ليس المسيح، بل يهوذا، وأما عيسى فقد أخبرهم يهوذا عن مكانه " جالساً عن يمين قوة الله " أو كما قال متى: " جالساً عن يمين القوة، وآتياً على سحاب السماء " ( متى 26/64 ).

وقد يسأل سائل: كيف عرف يهوذا مكان المسيح ؟ والجواب بسيط، لقد رأى يهوذا المسيح وهو ينجو ويصعد به إلى السماء، يوم أن اُلقي القبض عليه، بعد وقوع الجند.

وهنا قد يتساءل البعض لماذا شك الجند ورئيس الكهنة والكهنة في شخصية المأخوذ ؟

وفي الإجابة نقول: لقد كانوا يعهدون في المسيح معالم معنوية، في كلامه، وذكائه وشجاعته، وعلمه، بل وصوته، وهم اليوم لا يرون شيئاً من ذلك، وهو ما حصل مع هيردوس: " وأما هيردوس فلما رأي يسوع فرح جداً، لأنه كان يريد من زمان طويل أن يراه لسماعه عنه أشياء كثيرة، وترجى أن يرى آية تصنع منه، وسأله بكلام كثير، فلم يجبه بشيء … فاحتقره هيرودس مع عسكره، واستهزأ به " ( لوقا 23/8 - 11 )، لقد رآه دون الرجل العظيم الذي كان يسمع عنه، بل لم يجد لديه أياً من معالم العظمة التي كان يسمع عنها.

وهذا الشك في المصلوب، هو ما تؤكده وثيقة إبراء اليهود من دم المسيح والصادرة عن الفاتيكان 1965 م فقد جاء فيها إن صحت النسبة إليها: " اليهود لم يصلبوا السيد المسيح إطلاقاً، وإنما صلبوا شخصاً لم يعرفوه، ولو عرفوا أنه المسيح: لم يفعلوا ذلك... أقرب الناس إلى المسيح لم يعرفه، فكيف يعرفه اليهود؟ ".

و في ذلك كله تصديق لما أخبر عنه القرآن الكريم، قبل قرون طويلة من الشك في شخصية المصلوب.

فقد قال الله تعالى موضحاً حالهم مع المصلوب وحيرتهم في شخصه: [ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً ] (النساء: 157).


إمكانية نجاة المسيح :

كما تتحدث النصوص الإنجيلية عن بعض ما أوتيه المسيح عليه السلام من تأييد الله له، وهذه الأعاجيب التي أوتيها تجعل نجاته - في تلك الليلة في بستان جثماني - ممكنة، وذلك لما منحه الله من قدرات مكنته مراراً من الإفلات من كيد اليهود، وهي ما تجعل نجاته يوم جاءوا للقبض عليه أمراً متوقعاً غير مستنكر ولا مستغرب، بل الزعم بتمكن اليهود وجند الرومان منه يثير سؤالاً كبيراً: أين اختفت هذه القدرات وهذه المعونة الإلهية له؟ هل أسلمه الله بعد طول حمايته وتأييده له، فتخلى عنه في أصعب الأيام وأضيقها.

فالمسيح - حسب ما ذكرت الأناجيل - قد أعطاه الله عز وجل قدرة على النجاة، والهروب من بين يدي أعدائه، فقد اختفى منهم أكثر من مرة لماّ أرادوا به شراً، فمن الطبيعي والمنطقي أن يهرب منهم يوم جاءوا للقبض عليه، وأمثلة هذه القدرة الباهرة كثيرة منها: قول لوقا: " فامتلأ غضباً جميع الذين في المجمع حين سمعوا هذا، فقاموا وأخرجوه خارج المدينة، وجاءوا به إلى حافة الجبل الذي كان مدينتهم مبنية عليه، حتى يطرحوه إلى أسفل، أما هو فجاز في وسطهم، وانحدر إلى كفر ناحوم" ( لوقا 4/28 - 31 ).

ولما كان في الهيكل، وكثر الجدال بينه وبين اليهود، هموا بقتله " فرفعوا حجارة ليرجموه. أما يسوع فاختفى، وخرج من الهيكل مجتازاً في وسطهم ومضى " ( يوحنا 8/59 ).

وفي مرة أخرى جادلهم " فطلبوا أن يمسكوه، ولم يلق أحدٌ يداً عليه، لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد، فآمن به كثيرون في الجمع، وقالوا: ألعل المسيح متى جاء يعمل أكثر من هذه التي عملها هذا " ( يوحنا 7/30 - 31 ) وقولُ إنجيل يوحنا:" لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد " قولٌ لا يلزمنا فإنه يؤمن بصلب المسيح، ويحاول أن يبرر اختفاء هذه الخاصية عند القبض على المسيح.

وفي يوم العيد حصل مثله " فحدث انشقاق في الجمع لسببه، وكان قوم منهم يريدون أن يمسكوه، ولكن لم يُلق أحد عليه الأيادي " ( يوحنا 7/43 - 44 ).

ولما تمشّى في رواق سليمان، وأسمعهم دعوته " فطلبوا أن يمسكوه فخرج من أيديهم، ومضى أيضاً إلى عبر الأردن " ( يوحنا 10/39 - 40 ).

ولما كان في الخزانة في الهيكل، حاولوا إمساكه " ولم يمسكه أحد، لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد " ( يوحنا 8/20 ).

ويبقى السؤال أين اختفت هذه الخاصية للمسيح يوم المؤامرة العظمى؟ فلئن استعملها في الهرب من عامة اليهود، فاستعمالها في الهرب من الجند أَوُلَى.

في هذه النصوص تصديق لما أخبر الله عز وجل عنه في شأن المسيح، حيث قال وهو يعدد نعمه على المسيح: [ وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ] (المائدة: 110) لقد رأوا ساحراً يسبب ما أمده الله من المعجزات الباهرة التي أعيتهم.

ومما تذكره الأناجيل من قدرات المسيح التي أمده الله بها قدرته على اختراق الحجب، يقول يوحنا: " ولما كان عشية ذلك اليوم وهو أول الأسبوع وكانت الأبواب مغلقة حيث كان التلاميذ مجتمعين لسبب الخوف من اليهود، جاء يسوع، ووقف في الوسط، وقال لهم: سلام لكم " ( يوحنا 20/19 )، وفي لوقا لم يذكر إغلاق الأبواب، وإن ذكر ما يشعر بوجود أعجوبة " وفيما هم يتكلمون بهذا، وقف يسوع نفسه في وسطهم، وقال لهم: سلام لكم، فجزعوا وخافوا، وظنوا أنهم نظروا روحاً " ( لوقا 24/36 - 37 ).

كما ثمة أعجوبة أخرى، تجعل نجاة المسيح وخلاصه من أيدي كائديه ممكناً، ألا وهي ما تذكره الأناجيل من قدرة المسيح على تغيير هيئته وشكله، حتى يعجز المقربون منه عن معرفته، وقد صنع ذلك مراراً.

فقد خفي بعد القيامة على تلاميذه مرات عديدة، فخفي على مريم المجدلية التي هي من أقرب الناس إليه، وظنته البستاني، ولم تعرفه إلا بعد برهة ( انظر يوحنا 20/14 - 15 ).

وكذلك خفي على التلميذين المنطلقين لعمواس، ولم يعرفاه إلا بعد أن بارك لهما طعامهما (انظر لوقا 24/13 - 19 ).

وخفي أيضاً على التلاميذ مجتمعين، وهم يصيدون في بحيرة طبريا، وكان أول من عرفه بعد وقت طويل يوحنا ( انظر يوحنا 21/1 - 7 ).

كما تقرر الأناجيل تغير شكله في أحداث قبل الصلب، ومن ذلك: ما ذكره لوقا " وفيما هو يصلي صارت هيئة وجهه متغيرة، ولباسه مبيضاً لامعاً، وإذا رجلان يتكلمان معه، وهما موسى وإيلياء " ( لوقا 9/29 ).

ويذكر متى أنه أخذ بطرس ويعقوب ويوحنا " وصعد بهم إلى جبل عالٍ منفردين، وتغيرت هيئته قدامهم " ( متى 17/1 - 2 ).

فلئن صح أن المسيح يقدر على تغيير شكله حتى يخفى أمره على الخلص من تلاميذه، فهو دليل على قدرته على الخلاص والنجاة من أيدي أعدائه، وهذا لا ريب يلجأ إليه في الشدائد، والمؤامرة الأخيرة عليه من أشدها.

وقد رأينا مما سبق اتفاق القرآن مع النصوص التوراتية والإنجيلية، التي تقول وتتنبأ بنجاة المسيح، ورفعة إلى السماء، ورأينا كيف أن هذا الأمر ممكن، وليس غريباً على قدرة الله العظيم.

كما أن توراة القوم وإنجيلهم، يتحدث عن معونة الله لعدد من القديسين رفعوا إلى السماء، منهم: أخنوخ " وسار أخنوخ مع الله، ولم يوجد لأن الله أخذه " ( التكوين 5/24 ) ومثله إيليا " وفيما هما يسيران ويتكلمان إذا مركبة من نار، وخيل من نار ففصلت بينهما، فصعد إيليا من العاصفة إلى السماء " ( ملوك (2) 2/11 ).


بولس واختلاق قصة صلب المسيح :

ويبقى السؤال موجهاً للمسلمين المنكرين لصلب المسيح من أين وردت على النصارى مقالة صلب المسيح؛ وهل خفي عليهم حقيقة المصلوب؟ أم خفي عليهم وقت الصلب، ثم كُشف لهم بعد ذلك لكنهم استمرؤوا الباطل ؟

وفي الإجابة عن هذا التساؤل نقول: إن الأناجيل الأربعة مخطوطات قديمة، كتبها أشخاص في أوقات مختلفة، حسب ما تناهى إلى مسامعهم من الروايات الشفهية المتناقلة، وهم لم يَّدعوا لها الإلهام ولا القدسية، فكتب كلُُّ حسب ما سمع، مناقضاً الآخرين، أو موافقاً لهم.

ونجاة المسيح ورفعه أمر خفِي على الكثيرين من معاصري المسيح، فظنوا أن المصلوب هو المسيح، إذ لم يشاهد معجزة رفع المسيح إلا يهوذا الخائن، عندما أخذوه في لحظة التسليم، وقد شبه عليهم وهم في شك منه كما تبين لنا قبلُ.

ويرى المحققون أن فكرة صلب المسيح هي بعض مبتدعات بولس، الذي وجد في قصة الصلب القلب النابض للمسيحية الجديدة التي أنشأها، والتي يؤكد عليها بولس في رسائله ومنها قوله: " لأني لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوباً " ( كورنثوس (1) 2/2 ).

وقد امتلأت رسائله بالتأكيد على صلب المسيح، مما حدا بأرنست دي بوش الألماني للقول في كتابه: " الإسلام: أي المسيحية الحقة ": " إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس ومَن شابهه، من الذين لم يروا المسيح، وليست من أصول النصرانية الحقة".

وقد استغل بولس الاضطراب الذي حصل في حقيقة ما جرى للمسيح، بين قائل بأنه صلب، أو أن المصلوب غيره، أو سوى ذلك مما أشيع في تلك الأيام.. ووظفه، وجعله قاعدة لضلالته المسماة "الفداء".

ونعود لبولس لنتساءل عن موقف النصارى الأوائل من دعواه صلب المسيح، التي كتبها الإنجيليون بعد وفاته.

وبالتأمل في رسائل بولس التي أكدت صلب المسيح وأهمية هذا الحدث كمعتقد، نجد في طياتها موقف الحواريين والأتباع الأوائل الرافض لبدع بولس ومن ضمنها ولا ريب عقيدة الصلب.

فيرى أحمد عبد الوهاب هذا الموقف في قول بولس وشكواه في رسالته لتيموثاوس " أنت تعلم هذا، أن جميع الذين في آسيا ارتدوا عني " ( تيموثاوس (2) 1/15 ).

وفي رسالته لأهل غلاطية يشكو من أولئك الذين كذبوه " إني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعاً عن الذي دعاكم بنعمة المسيح، إلى إنجيل آخر، ليس هو آخر، غير أنه يوجد قوم يزعجونكم، ويريدون أن يحولوا إنجيل المسيح، ولكن إنْ بشَّرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشّرناكم فليكن أناثيما " ( غلاطية 1/6 - 8).

ويقول بولس: " ولكن إن كان المسيح يكرز به أنه قام من الأموات فكيف يقول قوم بينكم أن ليس قيامة أموات ؟ فإن لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام، وإن لم يكن المسيح قد قام فباطل كرازتنا، وباطل أيضاً إيمانكم " ( كورنثوس (1) 15/13 )، فالنص يتحدث عن إنكار بعض التلاميذ لصلب المسيح أو على الأقل لقيامته من الأموات.

ويرى المحققون أن الحواريين ما كانوا يعرفون شيئاً عن صلب المسيح، بدليل خلو رسائلهم الموجودة في العهد الجديد من الحديث عن المسيح المصلوب.

يقول المؤرخ فوتيوس: إنه قرأ كتاباً يسمى "رحلة الرسل" في أخبار بطرس ويوحنا واندراوس وتوما وبولس، ومما قرأ فيه " إن المسيح لم يصلب، ولكن صلب غيره، وقد ضحك بذلك من صالبيه".

وتظهر المعارضة الصريحة لدعوى بولس صلب المسيح من الحواري "برنابا" في إنجيله الذي تتنكر له الكنيسة، وقد ذكر في مقدمته سبب تأليفه لهذا الإنجيل فيقول: " الذين ضل في عدادهم أيضاً بولس، الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق، الذي رأيتهُ وسمعتهُ أثناء معاشرتي ليسوع لكي تخلصوا، ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله، وعليه، فاحذروا كل أحد يبشركم بتعليم جديد مضاد لما أكتبه، لتخلُصوا خلاصاً أبدياً " ( مقدمة برنابا /7 - 9 ).

وكانت الفرق المسيحية المنكرة للصلب صدى لإنكار الحواريين على بولس كما قد سبق تفصيله.

كما تكشف لنا الكشوف الأثرية عن إنجيل اكتُشف حديثاً في نجع حمادي منسوباً للحواري المقرب بطرس، ينكر فيه صلب المسيح، ويقول برفعه قبل إجراء الصلب.

ويعترف النصارى من مفسري الأناجيل بحدة الخلاف لبولس وتلاميذه، في مسألة صلب المسيح، وأن هذا الخلاف دعا الإنجيليين إلى التأكيد على أن المسيح قد صلب كما قال بولس الذي سبقت رسائله الأناجيل الأربعة في تاريخ كتابته.

فنقل أصحاب الأناجيل فيما بين سطور الأناجيل الإنكار على بولس وتكذيب صلب المسيح، يقول مرقس: " ثم خرجوا به ليصلبوه، فسخروا رجلاً مجتازاً كان آتياً من الحقل، هو سمعان القيرواني أبو الكسندروس وروفس ليحمل صليبه " ( مرقس 15/20 - 23 ).

يقول المفسر نينهام في تفسيره لمرقس: " يبدو أن الغرض من هذه الفقرة هو ضمان صحة القصة؛ التي تقول بأن سمعان قد حمل الصليب، وما من شك في أن أحد الأسباب في الحفاظ على هذه التفاصيل الشخصية في الإنجيل؛ كان الغرض منه تذكير القراء بأن لديهم مصدراً للمعلومات عن الصلب، جديرًا بالثقة.. ولعل السبب في حذف هذه الرواية والخاصة بحمل سمعان القيرواني للصليب - من إنجيل يوحنا، هو الادعاء: بأن سمعان قد حل محل يسوع، وصُلب بدلاً منه، ولا يزال سارياً في الدوائر الغنوسطية، التي كانت لها الشهرة فيما بعد ".

وهكذا نفهم سبب مخالفة يوحنا للأناجيل الثلاثة في مسألة " من حمل الصليب " فيقرر أنه المسيح، حمل صليبه بنفسه فيقول: " فأخذوا يسوع، ومضوا به فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له موضع الجمجمة.. حيث صلبوه " ( يوحنا 19/16 - 18 ).

وينبه فنتون شارح إنجيل متى إلى مثل هذا الفعل من متى، عندما عدَّل ألفاظ مرقس وهو ينقل عنه في أحداث اللحظة التي بعد اقتسام الثياب والاقتراع عليها، حيث يقول مرقس: " وكانت الساعة الثالثة فصلبوه " ( مرقس 15/25 ) لكن متى يغير، فيقول بعدها: " ثم جلسوا يحرسونه هناك " ( متى 27/36 )، فتكلم متى عن حراسة يسوع أثناء الصلب وبعده. ويرى فنتون أن ذلك " إنما يرجع إلى وجود أناس قالوا بأن يسوع قد أنزل من على الصليب، قبل أن يموت. كذلك فإن إحدى الطوائف الغنوسطية التي عاشت في القرن الثاني قالت بأن سمعان القيرواني قد صُلب بدلاً من يسوع. فلعل متّى كان يرد على هذه الأقوال ".


قصة الصلب عند الأمم الوثنية :

وبولس عندما ادعى صلب المسيح فداء للخطيئة لم يكن يتحدث من تأليفه وإبداعه، فإنه إنما يكرر عقيدة قديمة، تناقلتها الوثنيات قبل المسيح بزمن طويل، وقد نسج الإنجيليون أحداث صلب المسيح، على نحو ما قرره بولس، وعلى صورة ما ورد عن الأمم الوثنية القديمة، حتى أضحت قصة الصلب في الأناجيل قصة منحولة من عقائد الأمم الوثنية، ولعل أوضحها شبهاً بقصة المسيح أسطورة إله بابل " بعل " فقد كشفت لوحتان أثريتان تعودان للقرن التاسع قبل الميلاد عن قصة تشابه تماماً ما قاله النصارى في صلب المسيح ومحاكمته، ونقل "فندلاي" وغيرِه المقارنة بين ما قيل عن بعل قبل المسيحية وما قيل عن المسيح في المسيحية.ويوضح ذلك الجدول التالي :
محاكمة بعل محاكمة عيسى عليه السلام
1 – أخذ بعل أسيراً 1 - أخذ عيسى أسيراً
2 – حوكم بعل علناً 2 - وكذلك حوكم عيسى
3 – جرح بعل بعد المحاكمة 3 - اعتُدي على عيسى بعد المحاكمة
4 – اقتيد بعل لتنفيذ الحكم على الجبل 4 - اقتيد عيسى لصلبه على الجبل
5 – كان مع بعل مذنب حكم عليه بالإعدام وجرت العادة أن يعفى كل عام عن شخص حكم عليه بالموت . وقد طلب الشعب إعدام بعل ، والعفو عن المذنب الآخر 5 - وكان مع عيسى قاتل اسمه : "باراباس" محكوم عليه بالإعدام، ورَشح بيلاطس عيسى ليعفو عنه كالعادة كل عام . ولكن اليهود طلبوا العفو عن "باراباس" وإعدام عيسى
6 – بعد تنفيذ الحكم على بعل عم الظلام وانطلق الرعد ، واضطرب الناس 6 - عقب تنفيذ الحكم على عيسى زلزلت الأرض وغامت السماء
7 – حُرس بعل في قبره حتى لا يسرق أتباعه جثمانه 7 - وحرس الجنود مقبرة عيسى حتى لا يسرق حواريوه جثمانه
8 – الأمهات جلست حول مقبرة بعل يبكينه 8 - مريم المجدلية ، ومريم أخرى جلستا عند مقبرة عيسى تنتحبان عليه
9 – قام بعل من الموت وعاد للحياة مع مطلع الربيع وصعد إلى السماء 9 - قام عيسى من مقبرته في يوم أحد ، وفي مطلع الربيع أيضاً، وصعد إلى السماء

ووقد انتقلت هذه الأسطورة البابلية، عن طريق الأسرى اليهود الذين عادوا من بابل.

وتتشابه كثير من تفاصيل قصة الصلب مع تفاصيل واردة في قصص وثينة مشابهة. فقد ذكر متى أحداثاً غريبة عدة، صاحبت موت المسيح حيث يقول: " وفي الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض، إلى الساعة التاسعة... وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت... " ( متى 27/45 - 53 ).

وهذا نقله النصارى من الوثنيات القديمة، فقد نقل العلامة التنير عن عدد من المؤرخين إجماعهم على انتشار هذه الغرائب حال موت المخلصين لهذه الأمم. من ذلك: أن الهنود يقولون: " لما مات "كرشنا" مخلصهم على الصليب، حدثت في الكون مصائب جمة، وعلامات متنوعة، وأحاطت بالقمر دائرة سوداء، وأظلمت الشمس عند منتصف النهار، وأمطرت السماء ناراً ورماداً..... "

ويقول عباد بروسيوس " إنه لما صلب على جبل قوقاس، اهتزت الكائنات، وزلزلت الأرض ".

" والاعتقاد بحدوث أحداث سماوية عظيمة عند موت أحد العظماء أو ولادته، معروف عند الرومان واليونان.

كما ينقل المؤرخ " كنون فرار" في كتابه "حياة المسيح" وينقل جيبون في تاريخه أن عدداً من الشعراء والمؤرخين الوثنيين كان يقول :" لما قتل المخلص اسكولا بيوس، أظلمت الشمس، واختبأت الطيور في أوكارها... لأن شافي أمراضهم وأوجاعهم فارق هذه الدنيا ".

والقول بظلمة الشمس عند موت أحد المخلصين قيل عند مقتل هيركلوس وبيوس وكوتز لكوتل وكيبير ينوس إله الرومان، وعليه، فهو أسطورة قديمة تداولتها الأمم، ونقلها أصحاب الأناجيل من تلك الوثنيات.

وقد كان عباد الشمس يقدمون الضحايا لها، خاصة عند حلول الكسوف، فإذا زال الكسوف اعتقدوا أنه بسبب فداء أحد زعمائهم، حيث خلصهم وحمل عنهم العذاب، ومنه أخذ متى قوله: " ومن الساعة السادسة، كانت ظلمة على الأرض إلى الساعة التاسعة " ( متى 27/45 ).

ومن أوجه الشبه بين الوثنيات القديمة والنصرانية القول بقيامة الآلهة من الأموات، فقد أجمعت الأناجيل على قيامة عيسى من الموت، ولكن هذا قد سبقهم إليه الهنود، حيث قالوا في كرشنا: "هوذا كرشنا صاعد إلى وطنه في السماوات".

وكذا يقول عُبّاد بوذا بأنه حزن عليه بعد موته أهل السماوات والأرض "حتى إن مهاويو (الإله العظيم ) حزن ونادى: قم أيها المحب المقدس، فقام كام ( أي بوذا ) حياً، وبُدلت الأحزان والأتراح بالأفراح، وهاجت السماء، ونادت فرِحة: عاد الإله الذي ظُن أنه مات وفُقد... "، ومثله يعتقده الصينيون في إلههم (لأوكيون)، والمجوس في (زورستر).

ويقول عابدو (سكولا بيوس) في القصيدة التي حكت عن حياته: " أيها الطفل القادر على شفاء الأمم في السنين القادمة حينما يهب مَن في القبور.... وأنت من المسكن المظلم ستقوم ظافراً وتصير إلهاً ".

وعن تموز يقول البابليون: " ثقوا أيها القديسون برجوع إلهكم، واتكلوا على ربكم الذي قام من الأموات ".

ومثل هذا الاعتقاد، سرى في كثير من الوثنيات قبل المسيحية فقد قيل بقيام أوزوريس، وحورس، "ومتراس" وباخوس، وهرقل، وكوتز لكوتل، ويلدور، وغيرهم، فكل هؤلاء قال عُبّادهم بقيامتهم من الموت.

ولعل أهم هؤلاء أوزوريس معبود المصريين القريب من مهد المسيحية، وقد انتشرت أسطورته في القرن الثالث قبل الميلاد. ويقول المؤرخ مهامي: " إن محور التعليم الديني عند الوثنيين في مصر في القرون الخالية هو الإيمان بقيام الإله ".

صدق فيهم قول الله عز وجل : [ ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ] (التوبة: 30).


كيفية نجاة المسيح من المؤامرة :

وإذا كانت الأدلة قد شهدت للمسيح بالنجاة، وأن مؤامرة الأشرار لن تلحق به الأذى، فنجا المسيح من الموت على الصليب الذي أراده له أعداؤه.

فإن هناك سؤالاً يطرح نفسه: كيف نجا المسيح ؟

وكما أسلفنا فإن القرآن والسنة لا يذكران كيفية نجاة المسيح، وكل ما ذكره القرآن أن الله شبه عليهم غير المسيح، فأخذوه وهم ليس لهم به علم يقيني.

لذا نعود إلى قصة الأناجيل وهي تتحدث عن الصلب المزعوم، لنرى كيف نجا المسيح ؛ ولابد لنا هنا من قراءة ما بين السطور الإنجيلية، لتلمس الحقيقة التي يصرح الإنجيليون بخلافها.

وبداية نذكر أنه لا يرى المسلمون أي ضير في القول بالكثير من التفصيلات التي أوردتها الأناجيل، وإن كنا نشك في حصول بعضها، لكن نقبلها تنزلاً مع محاورينا من النصارى، ومنها:

1) أن المسيح خرج إلى البستان برفقة تلاميذه، وأنه أخبرهم بأنه سيتعرض لمؤامرة من أحد التلاميذ مع اليهود الذين يريدون صلبه.

2) أن المسيح دعا في تلك الليلة طويلاً، وبإلحاح كبير طالباً من الله أن يصرف عنه كأس الموت.

3) أن المسيح استسلم لقضاء الله وقدره، فقال: " ليس كما أريد أنه بل كما تريد أنت " (متى 26/39 ) وقال: " فلتكن مشيئتك ( متى 26/41 ).

4) المسيح يصلي، والتلاميذ نيام، ويحاول إيقاظهم مرة بعد مرة.

5) وصل يهوذا الأسخريوطي الخائن، ومعه الجند، يحملون مشاعل وسيوفاً وعصياً، للقبض على المسيح، وقد جعل يهوذا علامة للجند أن يقبل المسيح.

6) وصلت الجموع؛ فخرج إليهم المسيح، وقال: من تطلبون ؟ فأجابوه: يسوع الناصري. فقال المسيح " أنا هو " فلما قال لهم: إني أنا هو، رجعوا إلى الوراء، وسقطوا على الأرض " (يوحنا 18/6 ).

7) حاول بطرس الدفاع، لكنه كان أعجز من ذلك، فهرب وجميع التلاميذ.

8) اقتيد المأخوذ ( وهو غير المسيح) للمحاكمة عند رئيس الكهنة، ثم بيلاطس، وبطرس يتابعه في بعض ذلك، وقد أنكره تلك الليلة ثلاث مرات.

9) في المحاكمة سأل رئيس الكهنة، واستحلف المأخوذ إن كان هو المسيح، فأجابه: " أنت قلت، وأيضاً أقول لكم: من الآن، تبصرون ابن الإنسان جالساً يمين القوة، وآتياً على سحاب السماء " ( متى 26/64 ).

10) حكمت المحكمة على المأخوذ بالقتل، واقتيد إلى بلاط بيلاطس الذي سأله: إن كان هو ملك اليهود، فأجابه: " أنت تقول " ثم لم يجبه بكلمة واحدة، حتى تعجب بيلاطس منه.

11) لم يجد الوالي للمأخوذ علة يستحق عليها القتل، فأراد أن يطلقه، لكن الجموع أصرت على صلبه، وإطلاق باراباس، فأعلن براءته من دم هذا البار، وأسلمه لهم.

12) اقتيد المأخوذ إلى موضع الصلب، وصلب بجوار لصين.

13) صرخ على الصليب، فسقوه خلاً، ثم أسلم الروح.

ويفترق المسلمون عن الأناجيل في مسألة مهمة، وهي من هو المأخوذ من ساحة القبض على المسيح ؟ فيراه المسلمون يهوذا الأسخريوطي، التلميذ الخائن، ويلزمنا إقامة الدليل على ذلك، إذ هي موضع النزاع، وقد كنا قد أقمنا الأدلة على ذلك من سفر المزامير.

ولتصور القول بأن يهوذا هو المأخوذ، وأنه حصل التباس عند آخذيه، فإنا نتصور الجموع الكثيرة والتي تقارب الألف وهي تسير، تحمل المشاعل والسيوف والعصي، وتتكون من جنود وغوغاء يتقدمهم يهوذا.

ولما وصل الجمع إلى المسيح كان التلاميذ نياماً، وقد حاول المسيح إيقاظهم مراراً فلم يستطع، برغم أن الموقف كان صعباً، فقد كانت عيونهم ثقيلة، واقتربت الجموع من المسيح يتقدمهم يهوذا، والتلاميذ نيام " فلما قال لهم: إني أنا هو، رجعوا إلى الوراء، وسقطوا على الأرض " (يوحنا 18/6).

وهنا نتوقف ملياً، لنقرأ ما غفلت عن ذكره السطور.

فما فائدة سقوطهم على الأرض ؟ وما الذي أسقطهم ؟ وماذا أفاد المسيحَ سقوطهم، إذا كانوا سيقبضون عليه بعدها ؛ وَلم لَمْ يتكرر السقوط عندما أرادوا أخذه بعدها ؟

ولنحاول أكثر أن نتصور ما حدث في تلك اللحظة، فقد اقترب يهوذا لتقبيل المسيح كعلامة للجند على أنه المطلوب، وفي تلك اللحظة اقترب الجند. حملة المشاعل والسيوف. للقبض على المسيح، فتدخلت قدرة الله العظيم - كما ذكر يوحنا - ، فسقطوا على الأرض، بعد أن رجعوا للوراء. ولك أن تتخيل ما حصل، من هرج، وتدافع، من جراء سقوط مقدمة هذه الجموع التي تحمل المشاعل، والتي هي فقط تنير لها ظلمة الليل البهيم.

بعد ذلك الاضطراب والفوضى قام الساقطون من الأرض وأفاقوا من ذهولهم لما حصل لهم، ورأوا يهوذا وحده مبهوتاً أصابه الذهول، وقد رأى المسيح يرفع للسماء، وقد ألقى الله عليه الكثير من شبه المسيح، ولكن من سيتوقع أن هذا المذهول هو يهوذا، ومن الذي يعرفه وقتذاك ؟

فكانت لحظةُ وقوع الجند: لحظة الخلاص كما وصفتها المزامير " الآن عرفت أن الرب مخلص مسيحه …. هم جثوا وسقطوا، أما نحن فقمنا وانتصبنا " ( مزمور 20/8 ).

وفي مزمور آخر: " أما أنت فتبارك، قاموا وخزوا ( مزمور 109/28 ).

وفي مزمور آخر تسجل تلك اللحظة الخالدة: " حينئذ ترتد أعدائي إلى الوراء " ( مزمور 56/9 ) و " ليرتد إلى خلف، ويخجل المشتهون لي شراً " ( مزمور 70/2 ) " عندما اقترب إلي الأشرار ليأكلوا لحمي، ومضايقي وأعدائي عثروا وسقطواً" ( مزمور 27/2 ) وغيرها.

بعدها حُمل يهوذا إلى المحاكمة وإلى ديوان بيلاطس، والشك في حقيقة شخصه يلاحقه في كل هذه الخطوات، فقد شك فيه رئيس الكهنة، وكانت إجاباته لبيلاطس وهيرودس تنبئ عن الذهول الذي أصابه، وعن عجزه عن بيان الحقيقة، التي لن يقنع أحداً إن ذكرها، فكان يجيبهم: " أنت تقول" ( متى 27/11 ).

ولما اجتمع في النهار مشيخة الشعب، ورؤساء الكهنة، " وأصعدوه إلى مجمعهم قائلين: إن كنت أنت المسيح، فقل لنا. فقال لهم: إن قلت لكم لا تصدقون، وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني. منذ الآن يكون ابن الإنسان جالساً عن يمين قوة الله. فقال الجميع: أفأنت ابن الله ؟ فقال لهم: أنتم تقولون: إني أنا هو ". ( يوحنا 22/66 - 70 ).

ولا يفسر هذه الإجابات الغريبة، بل وتلك الأسئلة الغريبة من أناس كانوا يرون المسيح في كل يوم، لا يفسره إلا أن نقول بأن المأخوذ هو غير المسيح، وإن أشبهه، وهذا الشبه حير رؤساء الكهنة في حقيقة المأخوذ فحاولوا استجلاء الحقيقة بسؤال المأخوذ، فلم ينكر ولم يثبت.

وأما يهوذا فقد عرف أن لا فائدة من إنكاره، إذ لن يصدقه أحد، ولربما ولفرط ندمه قد استسلم لرداه، ورضي بعقوبة الله له، أن يصلب عن المسيح، لعله بذلك أن يفديه، لذلك تكرر سكوته.

وهذا الموقف ليس بعيداً عمن ذكرت الأناجيل أنه لفرط ندمه خنق نفسه، وانتحر.

لقد تحققت فيه نبوءات المزامير " وإذا حوكم فليخرج مذنباً... ووظيفته ليأخذها آخر " (المزمور 109/6 - 8 )، لقد أتى ليخطف المسيح، فلم يستطع.. "حينئذ رددت الذي لم أخطفه " ( المزمور 69/4 ).

وقد يشكل هنا أن متى ذكر أن يهوذا مات مخنوقاً ( انظر متى 27/2 - 5 )، ويكفي في دفعه أن نتذكر ما ذكره سفر أعمال الرسل عن موته حين سقوطه وخروج أحشائه (انظر أعمال 1/16 - 20 )، وسبب وقوع الإنجيليين في هذا التناقض اختفاء يهوذا، فاخترع كل من متى ولوقا نهاية ليهوذا تليق بجريمته، فهذا التناقض بين الروايتين الإنجيليتين، مشعر بوجود نهاية حقيقية، خفيت على الكاتبين ودفعتهما لاختلاق روايتيهما.

والقول بصلب يهوذا بدلاً عن المسيح قول قديم: فكما ذكره برنابا في إنجيله، ذكرته فرق مسيحية قديمة قبل الإسلام، منها: السيرنثيون والكربوكرانيون.

وقد يعترض معترض بذكر بعض الأحداث التي حصلت بعد وقوع الجموع، فقد ذكر الإنجيليون أن بطرس حمل السيف، وضرب أذن العبد فأمره المسيح برد السيف، لأن من ضرب بالسيف يؤخذ به، فهرب بطرس والتلاميذ (انظر يوحنا 18/10 - 19 ) وهذه القصة يجعلها يوحنا بعد حادثة تراجع الجند، ووقوعهم على الأرض.

ومثله ذكر يوحنا أيضاً بعد سقطتهم، أن المسيح سألهم: " من تريدون ؟ فقالوا: يسوع الناصري. أجاب يسوع: قد قلت لكم إني أنا هو … ثم إن الجند والقائد وخدام اليهود قبضوا على يسوع، وأوثقوه " ( يوحنا 18/7 - 12 ).

كما قد يعترض معترض بذكر ما انفرد به يوحنا، وهو حضور أم المسيح إلى ساحة الصلب، فيقول: لا يصح أن يخفى عليها حقيقة المصلوب، وأن ليس ابنها.

لكن أمثال هذه النصوص التي لن يستطيع أحد أن يثبت عصمتها لتناقضها الذي بيناه، ولا تنهض في الرد على نبوءات المزامير والأناجيل، وإلحاقها بتناقضات الأناجيل وأخطائها أَوْلَى.

ولعلنا نتذكر أن القبض على يهوذا كان ليلاً، فيكتنفه ما يكتنف الظلام من ستر، وخفاؤه فيما بعد ذلك، بسبب ظروف محاكمته وصلبه، وقد رأينا منهم شكاً في شخصية المأخوذ، فدل ذلك كله على أن في شخصية المأخوذ ما أشكل عليهم، وهو ولا ريب يشكل على من رآه مصلوباً عرياناً. ثم يراه قد ألبس في محاكمة بيلاطس وهيرودس ملابس غريبة فتغير شكله، ثم لما صلب كان عرياناً، وصلب في بستان معزول، ولم يمكث على الصليب فترة طويلة....
يقول برنابا، وقد كشف له المسيح عن الحقيقة بعد هلاك يهوذا: " يا معلم: إذا كان الله رحيماً، فلماذا عذبنا بهذا المقدار بما جعلنا نعتقد أنك كنت ميتاً؟ ولقد بكتك أمك حتى أشرفت على الموت.. أجاب يسوع: … فلمّا كان الناس قد دعوني الله وابن الله على أني كنت بريئاً في العالم، أراد الله أن يهزأ الناس بي في هذا العالم بموت يهوذا، معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب، لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله، الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله " ( برنابا 220/ 14-20 ).

وقد كان، فأخبر محمد صلى الله عليه وسلم بالحقيقة التي غابت عن النصارى طويلاً، وصدق الله وهو يقول: [ وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول اللّه وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم وإنّ الّذين إختلفوا فيه لفي شكّ مّنه ما لهم به من علمٍ إلاّ إتّباع الظّنّ وما قتلوه يقيناً * بل رّفعه اللّه إليه وكان اللّه عزيزاً حكيماً ] (النساء: 157-158).


وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح :

في مؤتمر الفاتيكان الثاني المنعقد عام 1963م: انعقد المجمع لبحث موضوعات عديدة، تدور حول تقوية الوحدة المسيحية.

وفي الدورة الثانية منه: قدّم الألماني (الكاردينال بيا) وثيقة تعتبر الصورة التمهيدية للوثيقة التي صدرت فيما بعد، وتبرئ اليهود من دم المسيح.

وتنادي الوثيقة التمهيدية: باعتبار الشعب اليهودي جزءًا من الأمل المسيحي، وأنه لا يجوز أن ننسب إلى يهودِ عصرِنا ما ارتُكب من أعمال أيام المسيح، واحتج الكاردينال لكلامه بأن كثيرين من الشعب لم يكونوا يعرفون شيئاً عما حدث، ولم يوافق بعض قادة الشعب على فعل سائر الكهنة.

وقد عورضت الوثيقة داخل المجمع، لما فيها من اعتبارات سياسية، وطلب المطران الهندي (كوتنهو) حذفَها، وإضافة فصول عن الديانة الهندية والإسلامية، وكذلك عارض الوثيقةَ بعضُ كرادلة الشرق، كما عارضها الشبابُ الكاثوليك بالقدس، وأوضحوا أن ذلك ليس حقاً للمجمع ولاغيره، وطالبوا بتطبيق ما جاء في سِفر الخروج: " أنا الرب إلهك، إله غيور، أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء " ( الخروج 20/15 ).

واستشهد القس إبراهيم سعيد - رئيس طائفة الأقباط الإنجيليين - بنصوص الإنجيل، التي تقرر أن اليهود طلبوا صلبه، ورفضوا إطلاق المسيح، وطلبوا إطلاق باراباس، وتولى رئيس الكهنة ( قيافا ) بعض الوِزر في ذلك. ثم إنهم قالوا: " دمه علينا وعلى أولادنا " ( متى 27/25 ).

وقد قال بطرس لثلاثة آلاف من اليهود: " يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم " (أعمال 2/36).

وتم تشكيل لجنة لتعديل الوثيقة، وعّدلت، وصدرت في أكتوبر 1965م وثيقة تبرئة اليهود. ومما تضمنته هذه الوثيقة " فإن ما ارتكب أثناء آلامه: لا يمكن أن يعزى إلى جميع اليهود الذين كانوا عائشين إذ ذاك، ولا إلى يهود أيامنا ".

ويقول الكاردينال " بيا " عن هذه الوثيقة: " ليست هذه الوثيقة ثمرة يوم أو ليلة، إنها خلاصة دراسة "، وقد وقع البابا يوحنا الثالث والعشرون عليها قبل وفاته بخمسة أشهر، لتصبح وثيقة دينية معتبرة، ومعتمدة من أهم المراجع النصرانية.

وقد أراد " بيا " من وثيقته التمهيدية تبرئة العنصر اليهودي من صلب المسيح.

ولكن الوثيقة النهائية الرسمية أقرت بدور اليهود وبراءة الرومان وبرأت الأجيال اليهودية اللاحقة من تولي وزر هذه الجريمة، كما أنها حاولت حصر الجريمة في أقل عدد ممكن من الكهنة ورؤساء الشعب اليهودي، " فإن ما ارتكب أثناء آلامه، لا يمكن أن يعزى إلى جميع اليهود الذين كانوا عائشين إذ ذاك، ولا إلى يهود أيامنا ".

وتعود الوثيقة للحديث عن آلام المسيح المصلوب، فتقول: "ما حصل للمسيح من عذابه لا يمكن أن يعزى لجميع الشعب اليهودي.. فإن الكنيسة كانت ولا تزال تعتقد بأن المسيح قد مر بعذابه وقتله بحربة بسبب ذنوب جميع البشر، ونتيجة حُبٍ لا حدَّ له ".

ونلحظ في هذه الوثيقة تعارضاً صريحاً مع النصوص الإنجيلية، المصرحة بدور اليهود بقتل المسيح على الصليب، ومنها قول بولس: " اليهود الذين قتلوا الرب يسوع، وأنبياءهم، واضطهدونا نحن" ( تسالونيكي (1) 2/15 ).

وقد ذكرت الأناجيل دورهم، فهم الذين تآمر رؤساء كهنتهم، وهم الذين قدموا الرشوة ليهوذا، وأصروا وأصرت الجموع على صلب المسيح رغم براءته التي ظهرت لبيلاطس ؛ الذي قبل نصيحة زوجته، فتبرأ من دم هذا البار.

كيف يبرأ اليهود من دمه؛ ويوحنا يقول على لسان قيافا رئيس الكهنة: " أنتم لستم تعرفون شيئاً، ولا تنكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب، ولا تهلك الأمة كلها.. فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه " ( يوحنا 11/47 - 53 ).

واليهود هم الذين أتوا بشهود الزور. ولما وجد بيلاطس أن لا جرم عليه، قال: " إني بريء من دم هذا البار. أبصروا أنتم " فأجاب جميع الشعب وقالوا: دمه علينا وعلى أولادنا " ( متى 27/24 - 25 ).

ثم كيف للكنيسة أن تبرئ اليهود وذراريهم من دم المسيح، وهم قد قالوا لبيلاطس: " دمه علينا وعلى أولادنا ؟" ( متى 27/25 ) والمفروض أن النصارى يؤمنون بوراثة الذنب الذي أعلن أصحابه مسئوليتهم وأبناءهم عنه، ومن الممكن تصور وراثة ذنب اليهود دون ذنب آدم، أما العكس فلا، وألف لا.

ونتساءل عما يغسل خطيئة اليهود وقد صلبوا الرب - كما زعموا - ، إذا علمنا أن خطيئة آدم لم يغسلها إلا دم المسيح ؟

وعندما نسجل هذا الاعتراض على النصرانية، فإنا نعلم براءة اليهود من دم المسيح، فقد أنجاه الله منهم، ولكن ذلك لا يبرئهم من الجريمة، ألا وهي سعيهم لقتل المسيح، فقد خططوا لصلبه، وتآمروا عليه، ومضوا في التنفيذ، فأخذوا مَن ظنوه المسيح، وصلبوه، وقتلوه، وهي في كل القوانين جريمة، والخطأ في شخص المجني عليه لا يغير من بشاعة جريمتهم كثيراً، من حيث نيتهم وما أرادوا فعله.

غير معرف يقول...

((((((((((((((((((((((((((((((((((((هل كان بولس رسولاً ؟))))))))))))))))))))))))))

بولس أشهر كتبة العهد الجديد، وأهم الإنجيليين على الإطلاق، فقد كتب 14 رسالة تشكل ما يقارب النصف من العهد الجديد، وفيها فقط تجد العديد من العقائد النصرانية، إنه مؤسس النصرانية وواضع عقائدها؟ وهو الوحيد الذي ادعى النبوة دون سائر الإنجيليين.
فمن هو وكيف أصبح رسولاً؟


أهمية بولس في الفكر النصراني :

تقوم النصرانية المحرفة وعمادها الرئيس رسائل بولس ،فقد كانت رسائله أول ما خط من سطور العهد الجديد والذي جاء متناسقاً إلى حد ما مع رسائل بولس لا سيما إنجيل يوحنا، فيما رفضت الكنيسة النصرانية تلك الرسائل التي تتعارض مع نصرانية بولس التي طغت على النصرانية الأصلية التي نادى بها المسيح وتلاميذه من بعده.

و هذا الأثر الذي تركه بولس في النصرانية لا يغفل ولا ينكر، مما حد بالكاتب مايكل هارت في كتابه"الخالدون المائة" أن يجعل بولس أحد أهم رجال التاريخ أثراً إذ وضعه في المرتبة السادسة بينما كان المسيح في المرتبة الثالثة.

و قد برر هارت وجود النبي صلى الله عليه وسلم في المرتبة الأولى، وتقدمه على المسيح الذي يعد المنتسبون لدينه الأكثر على وجه الأرض، فقال:

"فالمسيحية لم يؤسسها شخص واحد، وإنما أقامها اثنان: المسيح عليه السلام والقديس بولس، ولذلك يجب أن يتقاسم شرف إنشائها هذان الرجلان.

فالمسيح عليه السلام قد أرسى المبادئ الأخلاقية للمسيحية، وكذلك نظراتها الروحية وكل ما يتعلق بالسلوك الإنساني.

وأما مبادئ اللاهوت فهي من صنع القديس بولس"، ويقول هارت: "المسيح لم يبشر بشيء من هذا الذي قاله بولس الذي يعتبر المسئول الأول عن تأليه المسيح".

وقد خلت قائمة مايكل هارت من تلاميذ المسيح الذين غلبتهم دعوة بولس مؤسس المسيحية الحقيقي، بينما كان الامبرطور قسطنطين صاحب مجمع نيقية (325م) في المرتبة الثامنة والعشرين.


1- بولس وسيرته وأهميته كما في الكتاب المقدس والمصادر المسيحية

ولد بولس لأبوين يهوديين في مدينة طرسوس في آسيا الصغرى ، ونشأ فيها وتعلم حرفة صنع الخيام، ثم ذهب إلى أورشليم، فأكمل تعليمه عند رجل يدعى غمالائيل أحد أشهر معلمي الناموس في أورشليم (انظر أعمال 22/39، 18/3،23/3).

وقد أسماه والده "شاول "و معناه:"مطلوب" ، ثم سمى نفسه بعد تنصره "بولس" ومعناه "الصغير" (أعمال 13/9).

و لا تذكر المصادر النصرانية لقيا بولس المسيح، وأول ذكر لبولس فيما يتصل بالنصرانية شهوده محاكمة وقتل استفانوس أحد تلاميذ المسيح، ويذكر بولس أنه كان راضياً عن قتله (انظر أعمال 8/1) فقد كان يهودياً معادياً للمسيحيين الأوائل.

و يحكي سفر الأعمال عن اضطهاد بولس للكنيسة وأنه " كان يسطو على الكنيسة وهو يدخل البيوت، ويجر رجالاً ونساءً ، ويسلمهم إلى السجن"(أعمال 8/3).

و يذكر سفر الأعمال تنصر بولس بعد زعمه بأنه رأى المسيح (بعد رفع المسيح) فبينما هو ذاهب إلى دمشق في مهمة لرؤساء الكهنة رآه في الفضاء، ويزعم أنه أعطاه حينئذ منصب النبوة، فكان مما قاله المسيح له كما زعم: " ظهرت لك لأنتخبك خادماً وشاهداً بما رأيت، وبما سأظهر لك به، منقذاً إياك من الشعب، ومن الأمم الذين أنا أرسلك إليهم، لتفتح عيونهم كي يرجعوا من ظلماتٍ إلى نور، ومن سلطان الشيطان إلى الله ، حتى ينالوا بالإيمان بي غفران الخطايا ونصيباً مع المقدسين" (أعمال 16/16-18).

و مكث بولس ثلاثة أيام في دمشق ، ثم غادرها إلى العربية ( يطلق اسم العربية في الكتاب المقدس ويراد منه جزيرة العرب كما قد يراد به بعض المواقع شمال الجزيرة كسيناء وجنوب الشام.انظر قاموس الكتاب المقدس،ص615).

ثم عاد إليها " ثم بعد ثلاثة سنين صعدت إلى أورشليم لأتعرف ببطرس، فمكثت عنده خمسة عشر يوماً" (غلاطية 1/18).

ثم بدأ دعوته في دمشق فحاول اليهود قتله، فهرب إلى أورشليم فرحب به برنابا، وقدمه للتلاميذ الذين يصفه أعمال الرسل بأنهم " يخافونه غير مصدقين أنه تلميذ" (أعمال9/26).

ثم ذهب للدعوة في قيصرية( جنوب حيفا ) ،ثم سافر مع برنابا إلى آسيا الصغرى، ثم حضر مجمع أورشليم مع التلاميذ، ثم رجع إلى أنطاكيا، واختلف فيها مع برنابا بسبب ( زعمته الأناجيل ) وهو إصراره على اصطحاب مرقس معهما في رحلتهما التبشرية، وعندها افترقا.

و استمر بولس يدعو إلى المسيحية في أماكن عدة من أوربا سجن خلالها مرتين إحداهما في روما سنة 64م ، ثم ثانيةً عام 67 ، وقتل عام 68م.
وتذكر بعض المصادر أنه أسر مرة واحدة عام 64م وفيها مات.


2- بعض الملامح في شخصية بولس كما وردت في رسائله

و لا بد من سبر هذه الشخصية الهامة في تاريخ المسيحية بقراءة الرسائل المنسوبة إليه أو ما جاء عنه في سفر أعمال الرسل.

وعند السبر سنجد ملاحظات هامة.

تناقضات قصة الرؤية والنبوة المزعومة :

زعم بولس أنه لقي المسيح بعد ثلاث سنوات من رفعه، حين كان متجهاً إلى دمشق ، لكن عند التحقيق في قصة رؤية بولس للمسيح يتبين أنها إحدى كذبات بولس وأوهامه، ودليل لذلك يتضح بالمقارنة بين روايات القصة في العهد الجديد حيث وردت القصة ثلاث مرات: أولاها في أعمال الرسل9/3-22، من رواية لوقا أو كاتب سفر الأعمال، والثانية من كلام بولس في خطبته أمام الشعب (انظر أعمال 22/6-11)، والثالثة أيضاً من رواية بولس أمام الملك أغريباس (انظر أعمال26/12-18)، كما أشار بولس للقصة في مواضع متعددة في رسائله.

و لدى دراسة القصة في مواضعها الثلاث يتبين تناقضها في مواضع :

1- جاء في الرواية الأولى (أعمال/9) "و أما الرجال المسافرون معه، فوقفوا صامتين يسمعون الصوت، ولا ينظرون أحداً"(أعمال9/7)، بينما جاء في الرواية الثانية (أعمال22): "المسافرون لم يسمعوا الصوت" (أعمال 22/9)، فهل سمع المسافرون الصوت ؟ أم لم يسمعوه؟

2- جاء في الرواية الأولى والثانية أن المسيح طلب إلى بولس أن يذهب إلى دمشق حيث سيخبر بالتعليمات هناك: " قال له الرب: قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل" ( أعمال9/6)،" قلت ماذا افعل يا رب؟.فقال لي الرب قم واذهب إلى دمشق وهناك يقال لك عن جميع ما ترتب لك أن تفعل" (أعمال22/10)، بينما يذكر بولس في الرواية الثالثة (أعمال26) أن المسيح أخبره بتعليماته بنفسه، فقد قال له: " قم وقف على رجليك، لأني لهذا ظهرت لك، لأنتخبك خادماً وشاهداً بما رأيت وبما سأظهر لك به، منقذاً إياك من الشعب ومن الأمم الذين أن الآن أرسلك إليهم…"(أعمال 26/16-18).

3- جاء في الرواية الثانية أن المسافرين مع بولس " نظروا النور وارتعبوا" (أعمال22/9)، لكنه في الرواية الأولى يقول: " و لا ينظرون أحدا ً". (أعمال9/7).

4- جاء في الرواية الأولى والثانية أن بولس "وحده سقط على الأرض" (أعمال9/4)، بينما المسافرون وقفوا، وفي الرواية الثالثة أن الجميع سقطوا، فقد جاء فيها "سقطنا جميعاً على الأرض" (أعمال26/14).

5- جاء في الرواية الأولى " أن نوراً أبرق حوله من السماء" (أعمال 9/3)، ومثله في الرواية الثانية (انظر أعمال22/6)، غير أن الرواية الثالثة تقول: "أبرق حولي وحول الذاهبين معي" (أعمال 26/13).

فحدث بهذه الأهمية في تاريخ بولس ثم النصرانية لا يجوز أن تقع فيه مثل هذه الاختلافات، يقول العلامة أحمد عبد الوهاب:"إن تقديم شهادتين مثل هاتين (الرواية الأولى والثالثة) أمام محكمة ابتدائية في أي قضية، ولتكن حادثة بسيطة من حوادث السير على الطرق لكفيل برفضهما معاً، فما بالنا إذا كانت القضية تتعلق بعقيدة يتوقف عليها المصير الأبدي للملايين من البشر" إذ بعد هذه الحادثة أصبح شاول الرسول بولس مؤسس المسيحية الحقيقي.

لكن إذا أردنا تحليل الهدف الذي جعل بولس يختلق هذه القصة فإنا نقول: يبدو أن بولس اندفع للنصرانية بسبب يأسه من هزيمة أتباع المسيح، فقد رآهم يثبتون على الحق رغم فنون العذاب الذي صبه عليهم، وهذا الشعور واضح في قول بولس أن المسيح قال له: "صعب عليك أن ترفس مناخس" (أعمال 26/14).

و يستغرب هنا كيف ينقل شخص من الكفر والعداوة إلى القديسية والرسالة من غير أن يمر حتى بمرحلة الإيمان .فمن الممكن تصديق التحول من فرط العداوة إلى الإيمان ،أما إلى النبوة والرسالة من غير إعداد وتهيئة فلا،ومن المعلوم أن أحداً من الأنبياء لم ينشأ على الكفر،فهم معصومون من ذلك .

و لنا أن نتساءل كيف لبولس أن يجزم بأن من رآه في السماء وكلمه كان المسيح، إذ هو لم يلق المسيح طوال حياته.


نفاقه وكذبه :

و من الأمور التي وقف عليها المحققون في شخصية بولس تلونه ونفاقه واحترافه للكذب في سبيل الوصول لغايته.

فهو يهودي فريسي ابن فريسي (انظر أعمال 23/6)، لكنه عندما خاف من الجلد قال: "أيجوز لكم أن تجلدوا إنساناً رومانياً" (أعمال22/25).

وبولس يستبيح الكذب والتلون للوصول إلى غايته فيقول:"صرت لليهود كيهودي…وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس…و للذين بلا ناموس كأني بلا ناموس…صرت للكل كل شيء" (كورنثوس(1)9/20-21).

ويستبح بولس الكذب فيقول:"إن كان صدق الله قد ازداد بكذبي لمجده، فلماذا أدان بعد كخاطئ" (رومية 3/7).


غروره :

و تمتلئ رسائل بولس بثنائه على نفسه ومن ذلك قوله:" بولس رسول لا من الناس ولا بإنسان، بل بيسوع المسيح والله الآب الذي أقامه من الأموات"(غلاطية 1/1)، وفي رسالة أخرى يقول : " بولس عبد الله ورسول يسوع المسيح…و إنما أظهر كلمته الخاصة بالكرازة التي أؤتمنت أنا عليها بحسب أمر مخلصنا الله". (تيطس 1/1-3).

و يظن بولس أن عنده روح الله فيقول :"أظن أني أنا أيضاً عندي روح الله" (كورنثوس(1)7/40).

و يرتفع بنفسه إلى درجة القديسين الذين - كما يرى - سيدينون العالم بما فيهم الملائكة فيقول:"ألستم تعلمون أن القديسين سيدينون العالم؟…ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة" (كورنثوس(1)6/2-3) فهو سيدين الملائكة الذين كان قد ذكر بأن المسيح دونهم بقليل (انظر عبرانيين 2/9)، ويقول أيضاً مفاخراً بنفسه:"اختارنا الله قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة" (أفسس1/4).


عدم تلقيه الدين والهدي من تلاميذ المسيح :

و رغم أنه لم يلق المسيح فإن بولس يعتبر نفسه في مرتبة التلاميذ، لا بل يفوقهم "الإنجيل الذي بشرت به، إنه ليس بحسب إنسان، لأني لم أقبله من عند إنسان ولا علمته، بل بإعلان يسوع المسيح…لم استشر لحماً ولا دماً ولا صعدت إلى أورشليم إلى الرسل الذين قبلي، بل انطلقت إلى العربية ( شمال جزيرة العرب ) ثم بعد ثلاث سنين صعدت إلى أورشليم لأتعرف ببطرس" (غلاطية1/11-18).

ويؤكد بولس على تميزه عن سائر التلاميذ وانفراده عنهم ،و يصفهم بالإخوة " الكذبة المدخلين خفية، الذين دخلوا اختلاساً…الذين لم نذعن لهم بالخضوع ولا ساعة، فإن هؤلاء المعتبرين لم يشيروا علي بشيء، بل على العكس إذ رأوا أني أؤتمنت على إنجيل الغرلة كما بطرس على إنجيل الختان" (غلاطية 2/4-7).

و هكذا يؤكد بولس بأن ما يحمله في تبشيره لم يتلقاه عن تلاميذ المسيح، بل هو من الله مباشرة.


اعترافات بابتداع بولس لما قدمه :

و يتساءل المحققون لماذا لم يذهب بولس بعد تنصره مباشرة إلى التلاميذ ليتلقى عنهم دين المسيح؟ بل ذهب إلى العربية ومكث بعيداً عن التلاميذ ثلاث سنين، ثم لقي اثنين منهم فقط لمدة خمسة عشر يوماً (انظر غلاطية 1/18-19).

تقول دائرة المعارف البريطانية في الإجابة عن هذا السؤال: "إن ارتحاله إليها كان لحاجته إلى جو هادئ صامت يتمكن فيه من تفكير في موقفه الجديد، وأن القضية الأساس عنده هي تفسير الشريعة حسب تجاربه الحديثة".

و يقول المؤرخ جامس كينون في كتابه "من المسيح إلى قسطنطين":" إنه ارتحل بعد تحوله الفكري إلى العربية، وكان الغرض المنشود من وراء ذلك-كما يبدو من التبشير-أن يدرس مضمونات عقيدته الجديدة، ثم ذهب بعد ذلك بثلاثة أعوام إلى أورشليم حتى يجتمع ببطرس ويعقوب".

و يبرر جاكسون موقف بولس فيقول: "كان بولس يؤمن أن الله قد وهبه ميداناً محدداً للعمل، ولا يجوز لرجل أن يتدخل في شئونه مادام روح الله بدورها هادية له".


3- بولس الرسول

كما يرفض المحققون وسم النصارى لبولس بالرسول، فقد رفضوا كما أسلفنا قصة تجلي المسيح له، كما وجدوا في أقواله ما لا يصدر من نبي ورسول.
فمن ذلك إساءته الأدب مع الله في قوله: " لأن جهالة الله أحكم من الناس، وضعف الله أقوى من الناس" (كورنثوس(1)1/25)

فلا يقبل أن يقال بأن لله ضعفاً أو جهالة من أحد، سواء كان رسولاً أو غير رسول، وصدور مثله عن الرسل محال ،إذ هم أعرف الناس بربهم العليم القوي المتعال.

ومثله يقول بولس: " لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله" (كورنثوس(1) 2/10).

ويقول مستحلاً المحرمات: " كل الأشياء تحل لي" (كورنثوس(1)6/12).

و هذا يتطابق مع ما جاء به من إلغائه الناموس واحتقاره ووصفه بالعتق والشيخوخة ، و مثل هذا الموقف لا يكون من الأنبياء والرسل الذي تأتي دعوتهم لتؤكد على طاعة الله وتدعو إلى السير وفق شريعته، يقول: " فإنه يصير إبطال الوصية السابقة ( التوراة وشرائعها) من أجل ضعفها وعدم نفعها ، إذ الناموس لم يكمل شيئاً ، ولكن يصير إدخال رجاء أفضل به نقترب إلى الله " ( عبرانيين 7/18 - 19 ).

ويقول عن الناموس أيضاً : " وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال " ( عبرانيين 8/13 ) ويقول: " فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب لما طلبت موضع لثانٍ " ( عبرانيين 8/7 )

و يحكي بولس عن نفسه وضعفه أمام الشهوات بما لا يليق بأحوال الأنبياء، فيقول:" لست أعرف ما أنا أفعله، إذ لست أفعل مل أريد، بل ما أبغضه فإياه أفعل.. لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي لست أريده فإياه أفعل.. أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني، ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي، ويحي أنا الإنسان الشقي" (رومية 7/15-24).

و أما المعجزات المذكورة له في الرسائل (أعمال 14/3) (انظر شفاؤه للمقعد في أعمال 14/8-1) وإحياؤه أفتيخوس في ( أعمال 20/9-12) فلا تصلح دليلاً على نبوته لقول المسيح محذراً : "انظروا لا يضلكم أحد، فإن كثيرين سيأتون باسمي قائلين: أنا هو المسيح، ويضلون كثيرين… و يقوم أنبياء كذبة كثيرون ويضلون كثيرين…سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة، ويعطون آيات عظيمة وعجائب، يضلون لو أمكن المختارين أيضاً" (متى24/4-25).

و قد حذر المسيح من خداع هؤلاء الكذبة للعوام بما يزعمونه من معجزات، وبين المسيح كيفية معرفة هؤلاء الكذبة حين قال:" ليس كل من يقول لي :يا رب، يا رب يدخل ملكوت السماوات،بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات.

كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب، يا رب ، أليس باسمك تنبأنا ؟ وباسمك أخرجنا شياطين؟ وباسمك صنعنا قوات كثيرة ؟فحينئذ أصرح لهم: إني لم أعرفكم قط .اذهبوا عني يا فاعلي الإثم. احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتون بثياب الحملان…من ثمارهم تعرفونهم". (متى7/5-23).

كما أن الأعاجيب - وكما سبق - لا تصلح أكثر من دليل على الإيمان فحسب ، إذ كل مؤمن – حسب الإنجيل- يستطيع أن يأتي بإحياء الموتى وشفاء المرضى، فقد نقل متى عن المسيح قوله: " فالحق الحق أقول لكم : لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل ولا يكون شيء غير ممكن لديكم"(متى17/20) وقال: "الحق أقول لكم: من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضاً ويعمل أعظم منها" (يوحنا 14/12).

ويقول يوحنا محذراً من الأنبياء الكذبة: " قد صار الآن أضداد المسيح، منا خرجوا، لكنهم لم يكونوا منا، لأنهم لو كانوا منا لبقوا معنا… من هو الكذاب إلا الذي ينكر أن يسوع هو المسيح، هذا هو ضد المسيح…احذروا الذين يضلونكم". (يوحنا(1)2/22).

و قد حذر بطرس أيضاً فقال: " كان أيضاً في الشعب أنبياء كذبة، كما سيكون فيكم أيضاً معلمون كذبة، الذين يدسون بدع هلاك…" (بطرس(2)2/1-3).

و هكذا كما قال المسيح عن هؤلاء المبطلين : "من ثمارهم تعرفونهم" (متى7/5-23) فقد كانت ثمار بولس بدع الهلاك التي أدخلها في المسيحية : ألوهية المسيح، الصلب والفداء، عالمية النصرانية، إلغاء الشريعة .


نبوءة المسيح عن بولس :

لقد كان بولس ( معناها كما ذكرنا: "الصغير") هو الذي أخبر عنه المسيح في قوله: " الحق أقول لكم : إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد من الناموس حتى يكون الكل، فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا يدعى: أصغر في ملكوت السماوات" (متى 5/17-19)، و قد دعي بولس في الدنيا بالصغير، ولسوف يدعى في الآخرة أصغر جزاء تبديله للناموس والوصايا.


4- موقف التلاميذ من بولس

و إذا كان بولس قد أنشأ البدع في النصرانية، وبدل دين المسيح كيفما شاء، فما هو موقف التلاميذ منه، وهل شاركوه التغير والتبديل؟

بداية نذكر بأن بولس لم يتلق شيئاً عن النصرانية من المسيح أو تلاميذه فهو لم يصحبهم بل لم ير منهم سوى بطرس ويعقوب ولمدة خمسة عشر يوماً ،و ذلك بعد ثلاث سنين من تنصره، ثم عاد مرة أخرى أورشليم، وعرض عليهم ما كان يدعو به بعيداً عنهم يقول بولس:" ثم بعد أربع عشر سنة صعدت أيضاً إلى أورشليم مع برنابا…و إنما صعدت بموجب إعلان وعرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم" (غلاطية 2/1-2) فماذا كان ردة فعل التلاميذ؟

يقول بولس وهو ينقل لنا ردود أفعال التلاميذ: " فإن هؤلاء المعتبرين لم يشيروا علي بشيء بالعكس، إذ رأوا أني اؤتمنت على إنجيل الغرلة كما بطرس على إنجيل الختان..أعطوني برنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم، وأما هم للختان.. و هذا عينه ما كنت اعتنيت أن أفعله" (غلاطية 2/7-10).

إذا كان ما يقوله بولس صحيحاً فإن التلاميذ أبعدوا بولس بعيداً عن اليهود الذين بعث إليهم المسيح وأوصى تلاميذه مرة بعد مرة أن يقوموا بدعوتهم، وأما إرسال برنابا معه فيبدوا أنه للتوجيه والإصلاح لبولس وهو يقوم بدعوة الوثنيين الغلف في الغرب.

ثم يسجل بولس في رسائله آراء تلاميذ المسيح والمسيحيين في مبادئه الجديدة ودعوته فيقول: "جميع الذين في آسيا ارتدوا عني" (تيموثاوس (2)1/15)، وقد انفض عنه الجميع ،لذا يستنجد بتيموثاوس فيقول:"بادر أن تجيء إلي سريعاً، لأن ديماس قد تركني، إذ أحب العالم الحاضر، وذهب إلى تسالونيكي…لوقا وحده معي، اسكندر النحاس أظهر لي شروراً كثيرة، ليجازه الرب حسب أعماله، فاحتفظ منه أنت أيضاً، لأنه قاوم أقوالنا جداً، في اجتماعي الأول لم يحضر أحد معي، بل الجميع تركوني" (تيموثاوس(2) 4/9-16)، " لما خرجت من مكدونية لم تشاركني كنيسة واحدة في حساب العطاء والأخذ" (فيلبي 4/15).

ويحذر بولس أنصاره من التلاميذ فيقول:" كونوا متمثلين بي،…لأن كثيرين يسيرون ممن كنت أذكرهم لكم مراراً، والآن أذكرهم أيضاً باكياً وهم أعداء صلب المسيح، الذين نهايتهم الهلاك، الذين إلههم بطونهم، ومجدهم في خزيهم…" (فيلبي3/17-19).

و في أنحاء متفرقة من رسائله يتحدث عن أولئك الرافضين لدعوته من غير أن يسميهم، فيقول في بعض ما تمتلئ به رسائله موصياً تيموثاوس:

"طلبت إليك أن تمكث في أفسس، إذ كنت أنا ذاهباً إلى مكدونية، لكي توصي قوماً أن لا يعلموا تعليماً آخر، ولا يصغوا إلى خرافات وأنساب لا حد لها، تسبب مباحث دون بنيان الله في الإيمان" (تيموثاوس(1) 1/3-5)، ويقول:"إن أحد يعلم تعليماً آخر، لا يوافق كلمات ربنا يسوع المسيح الصحيحة، والتعليم الذي هو حسب التقوى فقد تصلف، وهو لا يفهم شيئاً، بل هو متعلل بمباحثات وممحاكات الكلام التي منها يحصل الحسد والخصام والافتراء والظنون المروجة، ومنازعات أناس فاسدي الذهن عادمي الحق، يظنون أن التقوى تجارة تجذب مثل هؤلاء" (تيموثاوس(1) 6/3-5)، " انظروا الكلاب…انظروا فعلة الشر…"(فيلبي3/12).

وعلى هذا المنوال تمتلئ رسائله بالهجوم على معارضيه من النصارى، فيتهمهم بسائر أنواع التهم من كفر ونفاق و… (انظر كولوسي 4/10-11، فيلبي2/19-31، تيطس 1/9-11، تيموثاوس (1) 1/3-7، 6/20-34، 2/23، ..).

و يقول عن التلاميذ: " لكن بسبب الإخوة الكذبة، المدخلين خفية، الذين دخلوا اختلاساً ليتجسسوا حريتنا التي لنا في المسيح كي يستعبدونا، الذين لم نذعن لهم بالخضوع ولا ساعة.." (غلاطية 2/4-5) ومما يؤكد أن قصده التلاميذ قوله: " الذين لم نذعن لهم بالخضوع ولا ساعة".

وينال بولس من بعض تلاميذ المسيح الذين يقول عنهم المسيح: " ليس أنتم اخترتموني، بل أنا اخترتكم وأقمتكم، لتذهبوا وتأتوا بثمر، ويدوم ثمركم". (يوحنا 15/16)، لكن بولس ومدرسته لم تبق لهم ثمراً ولم تخلد لهم فكرا ولا كتباً فيما سوى بعض الصفحات القليلة.

لكن بولس يتهم بطرس بالرياء فيقول: " لما أتى بطرس إلى أنطاكية قاومته مواجهة، لأنه كان ملوماً…،راءى معه باقي اليهود أيضا، حتى إن برنابا انقاد إلى ريائهم، لكن لما رأيت أنهم لا يسلكون باستقامة حسب حق الإنجيل قلت لبطرس قدام الجميع: إن كنت وأنت يهودي تعيش أممياً لا يهودياً ! فلماذا تلزم الأمم أن يتهوّدوا …" (غلاطية 2/11-14).

و يقول مندداً ومحذراً من أولئك الذين تركوا دعوته: "وأما الأقوال الباطلة الدنسة فاجتنبها، الذين ينصرفون إلى أكثر فجور…الذين منهم هيمينايس وفيليتس الذين زاغا عن الحق" (تيموثاوس(2)2/16).


موقف برنابا من بولس :

وأما موقف برنابا من بولس فهو في غاية الأهمية، إذ لبرنابا علاقة متميزة ببولس، إذ هو الذي قدمه للتلاميذ المتشككين في توبة شاول الذي اضطهد الكنيسة ثم ادعى النصرانية (انظر أعمال 9/ 26)، ثم صحبه ست سنوات في رحلته التبشيرية في قبرص وأنطاكية، ثم اختلفا بعد ذلك، وانفصل كل منهما عن الآخر فما سبب الاختلاف؟

يقول سفر أعمال الرسل:" قال بولس لبرنابا: لنرجع ولنفتقد إخوتنا في كل مدينة نادينا فيها بكلمة الرب كيف هم!، فأشار برنابا أن يأخذ معهما أيضاً يوحنا الذي يدعى مرقس، وأما بولس فكان يستحسن أن الذي فارقهما (مرقس)…لا يأخذانه معهما، فحصل بينهما مشاجرة حتى فارق أحدهما الآخر، وبرنابا أخذ مرقس وسافر في بحر قبرس"(أعمال 15/ 36-39).

ولكن هل يعقل أن يكون هذا هو السبب في مشاجرة برنابا وبولس ؟

يرفض المحققون هذا التبرير، ويرون أن الأمر أكبر من ذلك ، فهو كما يقول برنابا يعود إلى ضلالات بولس التي ينشرها في تبشيره فقد جاء في مقدمة إنجيله: " كانوا عديمي التقوى والإيمان الذين قلوا بدعوى التبشير بتعاليم المسيح ببث تعاليم أخرى شديدة الكفر، داعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر به الله، مجوزين كل لحم نجس، الذين ضل في عدادهم بولس" (برنابا، المقدمة/2-7).

و يرفض المحققون ما جاء في أعمال الرسل في تحرير سبب الخصام بين برنابا وبولس، ويرونه محاولة لإخفاء السبب الحقيقي، وهو الذي ذكره برنابا في إنجيله.

ويستدلون لرأيهم بأنه لا يعقل أن ينفصل الصديقان ويتشاجران بسبب اختلافهما فيمن يرافقهما.

ثم إن بولس رضي فيما بعد برفقة يوحنا فقد أرسل إلى تيموثاوس يقول له: "خذ مرقس، وأحضره معك، لأنه نافع لي للخدمة" (تيموثاوس(2) 3/10).

وهو يوصي أخيراً فيقول :" يسلم عليكم استرخس المأسور معي، ومرقس ابن أخت برنابا الذي أخذتم لأجله وصايا، وإن أتى إليكم فاقبلوه"(كولوسي 3/10).

ورغم تراجع بولس عن عدم اصطحاب مرقس إلا أننا لم نسمع بتاتاً عن تحسن العلاقة بين بولس وبرنابا.

وقد اعترف القس بترسن سمث بأن الخلاف بين الرجلين كان خلافاً فكرياً.

إذن نستطيع القول بأن تلاميذ المسيح قد عارضوا دعوة بولس وقفوا في وجهها، ودليل ذلك اختفاء ذكرهم عن عالم المسيحية بعد ظهور بولس، فقد اختفت كتاباتهم وحوربت، ولم ينج منها إلا إنجيل برنابا ورسالة يعقوب المضمنة في رسائل العهد الجديد والتي تمتلئ بمخالفة بولس وخاصة في مسألة الفداء.

كما اختفى ذكر الحواريين والتلاميذ من أعمال الرسل إلا قليلاً، فلا نكاد نعرف شيئاً عن هؤلاء الذين أرسلهم المسيح وعن دعوتهم سوى ما نقل إلينا لوقا عن مقاومة أهل أنطاكية لتبشير بطرس المخالف لبولس، وعن رحلة برنابا مع بولس، ثم اختفاء ذكرهما من رسائل العهد الجديد بعد مشاجرتهما مع بولس.

وهكذا فالعهد الجديد وضعه بولس وتلاميذه، وأبعدوا عنه كل ما يعترض نهجه وأفكاره، وطال ذلك تلاميذ المسيح ورسله وحملة دينه إلى أمته.

غير معرف يقول...

((((((((((((((((((((((((((((((((الأثر التشريعي والأخلاقي للعهد الجديد)))))))))))))))))

جاء في كلام المسيح " احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ، ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة ، من ثمارهم تعرفونهم ، هل يجتنون من الشوك عنباً أو من الحسك تيناً ، هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثماراً جيدة ، وأما الشجرة الردية فتصنع أثماراً ردية لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع ثماراً ردية ، ولا شجرة ردية أن تصنع أثماراً جيدة ، كل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار ، فإذاً من ثمارهم تعرفونهم " ( متى 7/15 - 20 ) .

يسوق المسلمون هذا النص الإنجيلي ويطلبون من النصارى التحاكم إليه، ومن ثم تكون الثمار دالة على حسن الغرس أو سوئه .


واقع المجتمعات النصرانية :

وعند النظر إلى المجتمع النصراني بشكل عام يسجل المحققون على المجتمع النصراني عدة ملاحظات :

1 ) انتشار الزنا والفواحش .
2 ) كثرة الانتحار والجرائم .
3 ) التمييز العنصري البغيض .
4 ) التفكك الأسري ، والعلاقات الإجتماعية السيئة .
5 ) انتشار الخمور .
6 ) الانسلاخ من الدين .
7 ) الوحشية مع الأمم الأخرى .

ويتبين من هذا كله من خلال بعض الأرقام التي أوردها المحققون نقلاً عن إحصائيات صادرة في الغرب إضافة إلى قراءتهم الصحيحة للمجتمع النصراني .

فقد نشرت مجلة بونتي الألمانية إحصاءً حول معتقدات الألمان ، ونتيجة الإحصاء أن 65% من الألمان يؤمنون بالله و 50% يؤمنون بالحياة بعد الموت والجزاء فيه .

وفي جنوب أفريقيا حيث نسبة النصارى 98% ينتشر زنا المحارم بين البيض بنسبة 8% ، بينما يبلغ عدد مدمني الخمر في أمريكا كما يقول القس جيمي سويجارت أربعة وأربعين مليون إضافة إلى أحد عشر مليون سكير.

ويذكر جون ستون بحثاً ميدانياً أجري عام 1978م وكان من نتيجته أن 4% من المجتمع الأمريكي يمارسون السحاق أو الشذوذ طوال حياتهم ، و 10% يمارسونه لمدة ثلاث سنوات ، وتشير أرقام اتحاد تنظيم الأسرة في بريطانيا إلى أن نصف الفتيات المراهقات تحت 16 سنة يمارسن الزنا .

كيف يواجه العهد الجديد هذا الواقع ؟

وماذا لدى الإنجيل من مقومات الإصلاح لهذا الفساد وتلك الأرقام الوبائية؟ وهل للإنجيل علاقة بهذه الأرقام ؟

الإجابة تتلخص في قصور التشريعات الإنجيلية عن معالجة الأوضاع الفاسدة في المجتمعات النصرانية ، بل ليس من التجني في شيء إذا قلنا بأن الكتاب المقدس هو أحد أسباب الفساد في تلك المجتمعات سواء كان ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة .


العهد الجديد ومنافاته للفطرة الإنسانية :

وقف المحققون على نصوص كثيرة تجلى فيها مصادمة الإنجيل الموجود بين أيدينا للفطرة الإنسانية التي خلق الله عليها عباده مما يترك أثراً سلبياً أخلاقياً أو اجتماعياً على قارئيها ، ومثلوا بأمثلة كثيرة منها:

- أنه ثمة نصوص تصطدم مع طبيعة الإنسان وفطرته التي فطره الله عليها ، ومنه ما جاء في العهد الجديد من حث على التبتل وترك الزواج يقول بولس " أقول لغير المتزوجين وللأرامل: إنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا " ( كورنثوس (1) 7/8 ).

وفي نص آخر يقول: " لأن اهتمام الجسد هو عداوة لله " ( رومية 8/7 ) وعليه فالأكل والشرب والنوم والزواج ... وغيرها من حاجات الإنسان الفطرية إنما يمارسها الإنسان وهو يعادي ربه ، وهذه حرب على الفطرة الإنسانية .

- وفي مرة أخرى ينسب متى للمسيح أنه قال " يوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات، من استطاع أن يقبل فليقبل " ( متى 19/12 ) .

- ويذكر متى دعوة المسيح إلى التخلي عن الدنيا بما فيها الحاجات الأساسية والضرورية للحياة الإنسانية السوية، فقد جاءه رجل فقال للمسيح بأنه حفظ الوصايا كلها " فماذا يعوزني بعد؟ قال له يسوع : إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء ، فيكون لك كنز في السماء، وتعال واتبعني، (لكن الشاب الصالح) مضى حزيناً، لأنه كان ذا أموال كثيرةً .

فقال يسوع لتلاميذه : الحق أقول لكم : إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من دخول غني إلى ملكوت الله ، فلما سمع تلاميذه بهتوا جداً قائلين : إذاً من يستطيع أن يخلص " ( متى 19/20 - 25 ) .

فهذا النص وأمثاله محارب لدفعة الحياة التي بها يقوم العمران والحضارات ، ومثله تلك الدعوة التي يرى فيها دعوة للتكاسل والقعود، تبأس البشرية إن فعلتها ، وهي ما جاء في لوقا: " لاتهتموا لحياتكم بما تأكلون ، ولا للجسد بما تلبسون ، الحياة أفضل من الطعام ، والجسد أفضل من اللباس، تأملوا الغربان إنها لا تزرع ولا تحصد ، وليس لها مخدع ولا مخزن ، والله يقوتها ... تأملوا الزنابق كيف تنمو لا تتعب ولا تغزل ... فلا تطلبوا أنتم ما تأكلون وما تشربون ، ولا تقلقوا ... بل اطلبوا ملكوت الله ، وهذه كلها تزاد لكم " ( لوقا 12/22 - 31 ) .

- ومثله يذكر متى أن المسيح أمر تلاميذه " لاتقتنوا ذهباً ولا فضة ولا نحاساً في مناطقكم، ولا مزوداً للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصاً " ( متى 10/9 - 10 )، فكيف تعمر الأرض لو امتثل الناس جميعاً بهذا الأمر المحال .


العجز التشريعي للعهد الجديد :

ورأى المحققون أيضاً أن تشريعات الأناجيل عاجزة عن إقامة الحياة المستقيمة المتكاملة بما تحمل هذه الأناجيل من مثالية يستحيل أن تصلح الحياة معها ، ومن ذلك قول المسيح كما ذكر متى " من لطمك على خدك ، فحول له الآخر أيضاً " ( متى 5/39 ) ، وقد ورد النص في مقابل القصاص ، ولذلك فهو إلغاء لشريعة القصاص ، أو إضافة أخلاقية تفتقر إلى المعقولية ، وكأني به يحث على الرضا بالضيم والظلم .

- ومثله قول لوقا " من ضربك على خدك الأيمن فاعرض له الآخر ، ومن أخذ رداءك فلا تمنعه ثوبك .... ومن أخذ الذي لك فلا تطالبه به " ( لوقا 6/28 - 29 ).

وهنا نتساءل : لو كان هذا النص من كلام المسيح ، فلم خالفه عندما ضربه خدم رؤساء الكهنة فلم يعرض له الخد الآخر ، بل قال له: " إن كنت قد تكلمت ردياً فاشهد على الردي ، وإن حسناً فلماذا تضربني " (يوحنا 18/23 ) .

وهنا تساؤل يبحث عن إجابة: هل طبقت الكنيسة هذا الخلق في جولة من جولاتها أم أن واقع الحال يؤذن بأن هذا المقال من المحال . وإذا عجزت الكنيسة والمسيح عن ذلك، فغيرها أعجز.

- ويحرم العهد الجديد الطلاق إلا بعلة الزنا فيقول: " فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان .. أقول لكم إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزني ، والذي يتزوج بمطلقة يزني " ( متى 19/6 - 9 ) .

وهذا التشريع سبب من أسباب انتشار البغاء، إذ هو المخرج والسبيل الذي يلجأ إليه أولئك الذين حالت مشاكل الحياة واختلافات البشر دون إكمال مسيرتهم الزوجية، وحرم عليهم العهد الجديد أن يبنوا حياتهم على الطهر من جديد.

وهذا التشريع لا يمكن أن تستقيم معه الحياة ، إذ ثمة أمور كثيرة تجعل الحياة بين الزوجين ضرباً من المحال ، ولا مخرج إلا بالطلاق الذي بمنعه تترتب الكثير من المضار ، وهو ما دفع الكنيسة البروتستانتية لإباحة الطلاق ، وهو ما تحاول الكنائس الأخرى إقراره بغية الخروج من هذا التشريع الغريب .

وأما ما ذكره متى من علة تحريم الطلاق وهو قوله " فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان " ( متى 19/6 ) فليس بصحيح ، لأن الزواج ليس جمعاً إلهياً بين اثنين، بل هو اتفاق بين اثنين على الزواج وفق شريعة الله وسّنته ، فمثله في ذلك مثل سائر الشعائر التي أمر بها الله .

- وثمة عجز تشريعي آخر تواجهه أسفار العهد الجديد في مواجهة متطلبات الحياة الإنسانية ، وهو منع الزواج بأكثر من واحدة كما يفهم من (كورنثوس (1) 7/1 - 5 ) ، وهو ما تجمع عليه الكنائس النصرانية المختلفة، بينما تشير الإحصائيات إلى زيادة مطردة في أعداد النساء ، ففي انجلترا تزيد النساء على الرجال أربعة ملايين امرأة ، وفي ألمانيا خمسة ملايين ، وفي أمريكا ثمانية ملايين ، فكيف يحل العهد الجديد هذه المشكلة التي ستتفاقم آثارها إذا تابع النصارى قول بولس في الحث على التبتل وترك الزواج " أقول لغير المتزوجين وللأرامل : إنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا ، ولكن إذا لم يضبطوا أنفسهم فليتزوجوا " ( كورنثوس (1) 7/8 - 9 )، إن نتيجة هذا التعليم هي الفضائح التي تهز جنبات الكنيسة وتقرعها كل يوم لتثبث أن الفطرة لا تغلب، وأن هذا التوجيه ليس من كلمة الله .


دور نسخ الشريعة في إنتشار التحلل والفساد :

ولكن كل ما ذكرناه ليس إلا أسباباً جانبية للبلاء، وأما أسّ البلاء الذي تعاني منه المجتمعات النصرانية فيكمن في عقيدة الخلاص والفداء، والتي تجعل الإيمان بصلب المسيح كافياً للخلاص ومحرراً من لعنة الناموس والشريعة التي نسخها أقوال بولس، نسختها وكل ما حرمته من زنا وشرب للخمور بل وقتل وفساد، إذ الإيمان بالمسيح المصلوب نيابة عنا يكفر خطايانا مهما عظمت، وهكذا يمضي المؤمن بهذه النصوص إلى ضروب الرذيلة وفنونها غير خائف من عقاب الله ودينونته.

ويسمى بولس شريعة الله التي تهذب السلوك البشري لعنة، فيقول " المسيح افتدانا من لعنة الناموس" (غلاطية 3/13) .

ويعلن عن عدم الحاجة إليها بعد صلب المسيح فيقول: " قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان ، ولكن بعد ما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب " ( غلاطية 3/24 - 25 ).

ويؤكد إبطال الناموس فيقول: "سلامنا الذي جعل الاثنين واحد ... مبطلاً بجسده ناموس الوصايا " ( أفسس 2/14-5 )، ويقول : " الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس ، بل بإيمان يسوع ، لأنه بأعمال الناموس لايتبرر جسد ما " ( غلاطية 2/16 )

وهؤلاء الذين يصرون على العمل بالناموس يرى بولس أنهم يسيئون للمسيح: " قد تبطلتم عن المسيح أيها الذين تتبررون بالناموس " ( غلاطية 5/4 ) .

ويمضي مؤكداً عدم الحاجة إلى الأعمال الصالحة، فيقول: " إن كان بالناموس بر، فالمسيح إذا مات بلا سبب " ( غلاطية 2/21 ).

ويقول: " أبناموس الأعمال؟ كلا بل بناموس الإيمان إذا نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس " ( رومية 3/27-28 ).

وجعل بولس الإيمان بالمسيح سبيلاً للبر والنجاة كافياً عن الناموس والأعمال : " الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة، لا بمقتضى أعمالنا ، بل بمقتضى القصد والنعمة التي أعطيت لنا في المسيح يسوع الذي أبطل الموت، وأنار الحياة والخلود " ( تيموثاوس (2) 1/9 - 10 ).

ويؤكده في نص آخر، فيقول: " ظهر لطف فخلصنا الله وإحسانه ، لا بأعمال في بر عملناها نحن ، بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس " ( تيطس 3/4 - 5 ).

ولذلك فإن بولس يعلن إباحته لكل المحرمات من الأطعمة مخالفاً التوراة وأحكامها (انظر التثنية 14/1-24) ، ويقول: " أنا عالم ومتيقن في الرب يسوع أن لاشيء نجس في حد ذاته ، ولكنه يكون نجساً لمن يعتبره نجساً" ( رومية 14/14 ).

ويقول - وهو يعرض نموذجاً من إباحة المحرمات يقاس عليه كل محرم -: " كل شيء طاهر للأطهار ،وما من شيء طاهر للأنجاس" ( تيطس 1/ 15 )، " لأن كل خليقة الله جيدة ، ولا يرفض شيء إذا أخذ مع الشكر" ( تيموثاوس (1) 4/4 ).

ويقول بولس معرفا البار حسب دينه الجديد: " المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه ، لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله ، لإظهار بره في الزمن الحاضر، ليكون باراً ، ويبرر من هو من الإيمان بيسوع " ( رومية 3/24-25) ويقول: " إن اعترفت بفمك بالرب يسوع ، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات، خلصت " ( رومية 10/9 ) ومثله ما جاء في مرقس: " من آمن واعتمد خلص ، ومن لم يؤمن يدن " ( مرقس 16/16 )

وفي موضع آخر تتسع دائرة الخلاص لتشمل كل البشرية وتغريها بالمسيحية التي لا تحرم حراماً ، فيقول بولس عن المسيح: " بذله لأجلنا أجمعين " ( رومية 8/32 ) ويوضحه قول يوحنا: " يسوع المسيح البار ، وهو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضاً " ( يوحنا (1) 2/2 ) ويؤكده قوله: " نشهد أن الآب قد أرسل الابن مخلصاً للعالم " ( يوحنا 4/14 ) فجعل الخلاص عاماً لكل الخطايا ولكل البشر.

وقد كان لهذه النصوص صدى كبير في النصرانية ونظرتها للشريعة، فقد فهم رواد النصرانية قبل غيرهم من هذه النصوص أن كل الموبقات قد أضحت حلالاً، فيقول لوثر أحد مؤسسي المذهب البروتستانتي: " إن الإنجيل لا يطلب منا الأعمال لأجل تبريرنا ، بل بعكس ذلك ، إنه يرفض أعمالنا .... إنه لكي تظهر فينا قوة التبرير يلزم أن تعظم آثامنا جداً ، وأن تكثر عددها".

ويقول ميلا نكتون في كتابه الأماكن اللاهوتية : " إن كنت سارقاً أو زانياً أو فاسقاً لا تهتم بذلك ، عليك فقط أن لا تنسى أن الله هو شيخ كثير الطيبة ، وأنه قد سبق وغفر لك خطاياك قبل أن تخطئ بزمن مديد".

وهكذا تبين لنا أن البلاء والفساد الذي آلت إليه أوربا والغرب النصراني عامة، إنما كان بسبب هذا الكتاب الذي يصر النصارى على أنه يمثل - رغم سلبياته الهائلة - كلمة الله الهادية إلى البر والجنة والملكوت.


أخلاق ردية تنسب للمسيح :

وينسب العهد الجديد إلى المسيح أخلاقاً لا يليق أن تصدر من كرام البشر وعقلائهم، فضلاً عن أن يقع فيها نبي كريم جعله الله قدوة صالحة للعالمين.
وثمة صور كثير أهمها :

- أن متى يتهم المسيح بعدم الحرص على وصول ضعاف الإيمان إلى المغفرة والهداية، بل قام بحجبها عنهم " ولما كان وحده سأله الذين حوله مع الاثني عشر عن المثل، قال لهم: قد أعطي لكم أن تعرفوا سرّ ملكوت الله. وأما الذين هم من خارج فبالأمثال يكون لهم كل شيء. لكي يبصروا مبصرين ولا ينظروا ، ويسمعوا سامعين ولا يفهموا، لئلا يرجعوا فتغفر لهم خطاياهم.

ثم قال لهم: أما تعلمون هذا المثل.فكيف تعرفون جميع الأمثال... وبأمثال كثيرة مثل هذه كان يكلمهم حسبما كانوا يستطيعون أن يسمعوا.... وبدون مثل لم يكن يكلمهم. وأما على انفراد فكان يفسر لتلاميذه كل شيء" (مرقس 4/10-33)، فقد كان يخص التلاميذ بالبيان، ويحرمه آخرين " لئلا يرجعوا فتغفر لهم خطاياهم ".

- أن الأناجيل ذكرت وصية المسيح بالأم والأب ، ثم لما كان المسيح في عرس بقانا تذكر انه أساء لوالدته ، ففي يوحنا أنها طلبت منه تحويل الماء الذي في الجرار إلى خمر يشربه أهل العرس فقال لها : " مالي ولك يا امرأة ، لم تأت ساعتي بعد " ( يوحنا 12/4 ) ، وهي ذات الكلمة التي قالها للزانية التي أتي بها لترجم " قال لها: يا امرأة " (يوحنا 8/10).

ثم في موطن آخر تتهمه الأناجيل بشرب الخمر، فتقول: "جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب. فيقولون هوذا إنسان أكول وشريب خمر. محب للعشارين والخطاة" (متى 11/9).

هذا ما تذكره الأناجيل ، تسيء به للمسيح وأمه ، فيما نرى القرآن يقول عنهما عن المرأة التي ينسب لها يوحنا أمر صنع الخمر فيصفها ويقول:{ يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين }. (آل عمران، آية 33).

والابن الذي يذكر الإنجيليون إساءاته لوالدته يكذبهم القرآن في خبره، إذ يقول على لسانه: { وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً } . (سورة مريم ، آية : 32).

وأكمل بولس المأساة حين دعا لشرب الخمر فقال: " لا تكن فيما بعد شراب ماء، بل استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة". (ثيموثاوس (1) 23/5).

لكن المجتمعات النصرانية لم تلتزم بالقليل الذي طالب به بولس، فتحولت إلى مجتمعات مدمنة بها عشرات الملايين من المدمنين ، إنه أثر آخر من آثار الكتاب المقدس.

- وجاء واحد ليخبر عيسى أن أمه وإخوته ينتظرونه ليكلموه ،فقال: "من هي أمي ؟ ومن هم إخوتي ؟!"( متى 12/48 ).

- وينقل لوقا عن المسيح أمراً غريباً قاله للجموع التي تتبعه: " إن كان أحد يأتي إلي ، ولا يبغض أباه وأمه وأولاده وإخوانه حتى نفسه أيضاً فلا يقدر أن يكون تلميذاً " ( لوقا 14/26 - 27 ) فعلاوة على كون هذا الشرط للتلمذة مستحيلاً، بل غير ملائم للفطرة ، فإنه أمر غير مقبول من الناحية الأخلاقية .

- ومثله قوله " لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض ، ما جئت لألقي سلاماً ، بل سيفاً ، فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أمها، والكنة ضد حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته " (متى 10/34 - 36).

ويشبهه قول لوقا: "جئت لألقي ناراً على الأرض. فماذا أريد لو اضطرمت. . أتظنون أني جئت لأعطي سلاماً على الأرض.كلا، أقول لكم. بل انقساماً. لأنه يكون من الآن خمسة في بيت واحد منقسمين، ثلاثة على اثنين، واثنان على ثلاثة. ينقسم الأب على الابن، والابن على الأب. والأم على البنت، والبنت على الأم.والحماة على كنتها، والكنة على حماتها" (لوقا 12/49- 53)

- وتبعه رجل ثم جاءه يستأذنه ليدفن أباه ، فيذكر متى أن المسيح نهاه وقال : " اتبعني . ودع الموتى يدفنون موتاهم " ( متى 8/22 ) .

ولاريب أن هذه النصوص وأمثالها سبب لكثير مما تعانيه أوربا والغرب من تفكك أسري وتقاطع بين الأرحام بل وفي الأنساب.

- ومن الجفاء الذي يتنره عنه المسيح، بل وكرام البشر، ما جاء في متى: " تقدم إليه رجل جاثياً له، وقائلاً: يا سيد ارحم ابني، فإنه يصرع ويتألم شديداً .ويقع كثيراً في النار، وكثيراً في الماء. وأحضرته إلى تلاميذك فلم يقدروا أن يشفوه. فأجاب يسوع وقال: أيها الجيل غير المؤمن الملتوي. إلى متى أكون معكم. إلى متى احتملكم. قدموه إليّ ههنا. فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان ، فشفي الغلام" (متى 17/14-16)، إذ ليس من مبرر لهذا التبرم من قضاء حوائج الناس.

- ومرة أخرى تبالغ الأناجيل في الإساءة للمسيح في قصة المرأة الكنعانية أو الفينيقية التي جاءت إلى المسيح تطلب منه شفاء ابنتها المجنونة، وهي تبكي ، وتقول : " ارحمني يا سيد، يا ابن داود، ابنتي مجنونة جداً ، فلم يجبها بكلمة ، فتقدم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين : اصرفها ، لأنها تصيح وراءنا ، فأجاب وقال : لم أرسل إلا إلى خراف بيت اسرائيل الضالة . فأتت وسجدت له قائلة : يا سيد أعني . فأجاب وقال : ليس حسناً أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب . فقالت : نعم يا سيد، والكلاب تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها . حينئذ أجاب يسوع وقال لها : يا امرأة عظيم إيمانك ، ليكن لك كما تريدين " ( متى 15 /22 - 28 )

فمثل هذه الغلظة وهذا الجفاء مع قدرته على شفاء ابنتها لا مبرر له ، كيف لا يشفق ولا يرحم تلك المسكينة، وكيف يشبهها، بل وجميع الأمميين من غير اليهود بالكلاب؟! وفي مرة أخرى شبههم بالخنازير، حين أوصى فقال: " لا تعطوا القدس للكلاب. ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير" (متى 7/6).

ولا يقبل أن يوصم المسيح الذي يزعمون أنه نزل لخلاص العالم - بمثل هذه التفرقة العنصرية.

وإذا قيل ذلك بحق المسيح وهو الرسول القدوة، فلا عجب بعد ذلك في انتشار التفرقة العنصرية التي يؤكدها الإنجيل بقوله: " لكن ماذا يقول الكتاب ؟ اطرد الجارية وابنها ، لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة إذاً أيها الإخوة لسنا أولاد جارية بل أولاد حرة ". ( غلاطية 4/31 ).

كم هو الفرق بين هذه النظرة العنصرية وما جاء في القرآن الكريم [ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ] (سورة الحجرات ، آية : 13).

ثم هذه الأخلاق العنصرية والقاسية تتعارض مع أخلاق أخرى لا تقل غرابة عنها ذكرها متى حين قال بأن المسيح يقول :" أحبوا أعداءكم ، وباركوا لاعنيكم ، وأحسنوا إلى مبغضيكم ، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم " ( متى 5/44 ) .

يقول ولديورانت : " إن الإنسان ليجد في الأناجيل فقرات قاسية مريرة لا توائم قط ما يقال لنا عن المسيح في مواضع أخرى ... إن بعضها يبدو لأول وهلة مجانباً العدالة ، وإن منها ما يشتمل على السخرية اللاذعة والحقد المرير " .

- وينسب يوحنا للمسيح عليه السلام الكذب - وحاشاه - فيذكر يوحنا أن التلاميذ طلبوا من المسيح أن يذهب لليهودية ( أورشليم ) ويظهر معجزاته في عيد المظال ، فقال لهم: " اصعدوا أنتم إلى هذا العيد ، أنا لست أصعد بعد إلى هذا العيد ، لأن وقتي لم يكمل بعد ، قال لهم هذا ، ومكث في الجليل .

ولما كان إخوته قد صعدوا، صعد هو أيضاً إلى العيد لا ظاهراً، بل كأنه في الخفاء... " (يوحنا 7/8 - 10 )، وإذا كانت الأسفار قد نسبت الكذب للرب المتجسد فماذا عساه يصنع البشر!.

- فهذا كذب صريح لا يليق بأن ينسب للمسيح ، فإن نسبه النصارى للمسيح – وحاشاه - فلا عجب بعد ذلك أن يكذب جميع الناس .

- ويعجب المرء لكثرة التعري في الغرب النصراني، ولكن لا عجب عند من تأمل سوءة أخرى تنسبها الأسفار للمسيح عليه السلام، ألا وهي التعري أمام التلاميذ، فقد جاء في قصة غسل المسيح أرجل التلاميذ، يقول يوحنا: " قام عن العشاء وخلع ثيابه وأخذ منشفة واتّزر بها، ثم صبّ ماء في مغسل، وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان متزراً بها... فلما كان قد غسل أرجلهم وأخذ ثيابه واتكأ أيضاً، قال لهم: أتفهمون ما قد صنعت بكم". (يوحنا 13/4-12).

- وتذكر الأناجيل على لسان المسيح الكثير من السباب والشتائم لليهود ، وهم مستحقون لذلك ، غير أن مثل هذا لا يصدر من نبي أرسله ربه ليعلم قومه حميد الأخلاق ، كما لا يصدر ممن يقول: " باركوا أعداءكم ، وأحسنوا إلى مبغضيكم " ( متى 5/44 ).

فكيف يقول بعد ذلك لقومه: قال المسيح وهو يخاطب جموعهم : " ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون …. ويل لكم أيها القادة العميان … أيها الجهال والعميان … أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم؟ " ( متى 23/13 - 37 ).

وهل يعقل أن يقول ذاك الذي أمر بمباركة أعدائه ومحبتهم والإحسان إليهم، هل يمكن أن يقول لهم: " يا أغبياء " (لوقا 11/37)، أو أن يصفهم بأنهم كلاب وخنازير: " لا تعطوا القدس للكلاب. ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير، لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزقكم"(متى 7/6).

وقد طال السباب المنسوب للمسيح حتى تلاميذه وخاصته، فقد قال لتلميذيه اللذين لم يعرفاه " أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء" (لوقا 24/25)، وقال لبطرس : " اذهب عني يا شيطان " ( متى 16/23 ).

وقال مخاطبا إياه في موطن آخر: "يا قليل الإيمان لماذا شككت " ( متى 14/31 ).

لكن الداهية الدهياء حين ينسب العهد الجديد إلى المسيح سباب إخوانه من الأنبياء وتشبيههم باللصوص والسراق، واتهامهم بعدم الحرص على هداية أقوامهم، فيقول يوحنا: " قال لهم يسوع أيضاً: الحق الحق أقول لكم: إني أنا باب الخراف. جميع الذين أتوا قبلي هم سراق ولصوص. ولكن الخراف لم تسمع لهم. أنا هو الباب. إن دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى. السارق لا يأتي إلا ليسرق ويذبح ويهلك.

وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل. أنا هو الراعي الصالح. والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف. وأما الذي هو أجير وليس راعياً الذي ليست الخراف له فيرى الذئب مقبلاً ويترك الخراف ويهرب. فيخطف الذئب الخراف ويبددها." (يوحنا 10/7-12).

ثم وفي موطن آخر يتوعد بجهنم من قال لأخيه أقل من ذلك، فيقول: " ومن قال: يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم" (متى 5/23).

وقريباً من هذا السباب ما يقوله بولس في مواطن كثيرة من رسائله، منها: " انظروا الكلاب، انظروا فعلة الشر" (فيلبي 3/2)، ومثله كثير... ولا عجب بعد ذلك ما فعل البشر من السباب والقبح والرذيلة

وبعد ذلك كله نختم فنقول بأننا نؤمن بالإنجيل الذي أنزله الله على المسيح هدى ونوراً للبشرية، ومبشراً برسالة نبينا صلى الله عليه وسلم وقد أضاعه النصارى { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به }. (سورة المائدة ، آية : 14) .

وأما ما تسطره رسائل العهد الجديد زاعمة أنه وحي الله من غير دليل ولا حجة ، فقد تبين لنا بطلانه وتحريفه ، وعليه سقط الاستدلال به على ما تزعمه النصارى من عقائد فاسدة لسقوط الدليل .

وصدق الله إذ يقول { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } . (سورة النساء ، آية : 79 ).

غير معرف يقول...

((((((((((((((((((((((((((((((((((((مصادر القول بألوهية المسيح))))))))))))))))

[ إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب* ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ] ، (سورة المائدة، آية:116-117).

و إذا لم يكن المسيح قد قال بألوهية نفسه، ولم يقل بها معاصروه، فمن أين وفدت هذه العقائد على النصرانية ؟

و في الجواب نقول: إنه بولس عدو النصرانية، اليهودي الذي ادعى رؤية المسيح في السماء بعد رفعه، وقد نحل ذلك من الوثنيات المختلفة التي كانت تقدس بعض البشر وتعتبرهم أبناء الله [ ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون به قول الذين كفروا قاتلهم الله أنى يؤفكون ] (سورة التوبة، من آية:30).


أهمية بولس في الفكر النصراني :

بولس أشهر كتبة العهد الجديد، وأهم الإنجيليين على الإطلاق، فقد كتب أربع عشرة رسالة، تشكل ما يقارب النصف من العهد الجديد، وفيها فقط تجد العديد من العقائد النصرانية، إنه مؤسس النصرانية وواضع عقائدها؟ وهو الوحيد الذي ادعى النبوة، دون سائر الإنجيليين.

فالنصرانية المحرفة عمادها الرئيس رسائل بولس، التي كانت رسائله أول ما خط من سطور العهد الجديد الذي جاء متناسقاً إلى حد ما مع رسائل بولس، لا سيما إنجيل يوحنا، فيما رفضت الكنيسة النصرانية تلك الرسائل التي تتعارض مع نصرانية بولس التي طغت على النصرانية الأصلية التي نادى بها المسيح وتلاميذه من بعده.

وهذا الأثر الذي تركه بولس في النصرانية لا يغفل ولا ينكر، مما حد بالكاتب مايكل هارت في كتابه"الخالدون المائة" أن يجعل بولس أحد أهم رجال التاريخ أثراً إذ وضعه في المرتبة السادسة بينما كان المسيح في المرتبة الثالثة.

وقد برر هارت وجود النبي صلى الله عليه وسلم في المرتبة الأولى من قائمته، وتقدمه على المسيح الذي يعد المنتسبون لدينه الأكثر على وجه الأرض، فقال: "فالمسيحية لم يؤسسها شخص واحد، وإنما أقامها اثنان: المسيح عليه السلام والقديس بولس، ولذلك يجب أن يتقاسم شرف إنشائها هذان الرجلان.

فالمسيح عليه السلام قد أرسى المبادئ الأخلاقية للمسيحية، وكذلك نظراتها الروحية وكل ما يتعلق بالسلوك الإنساني.

وأما مبادئ اللاهوت فهي من صنع القديس بولس"، ويقول هارت: "المسيح لم يبشر بشيء من هذا الذي قاله بولس الذي يعتبر المسئول الأول عن تأليه المسيح". وينبه هارت إلى أن بولس لم يستخدم لقب "ابن الإنسان" الذي كان كثيراً ما يطلقه المسيح على نفسه.

وقد خلت قائمة مايكل هارت من تلاميذ المسيح الذين غلبتهم دعوة بولس مؤسس المسيحية الحقيقي، فيما كان الامبرطور قسطنطين صاحب مجمع نيقية (325م) في المرتبة الثامنة والعشرين.

وقد تعرض المحققون بالذكر للعديد من البدع التي أحدثها بولس في عقائد النصرانية وشرائعها، وبينوا اعتماداً على كتب العهد الجديد براءة المسيح من هذه البدع.


بولس وألوهية المسيح

وإذا خلت الأناجيل- سوى ما قد يقال عن إنجيل يوحنا- من تقرير عقيدة ألوهية المسيح فإن رسائل بولس تمتلئ بالغلو في المسيح، والنصوص التي تعتبر المسيح كائناً فريداً عن البشر.

فماذا في أقوال بولس عن المسيح؟ وهل يعتبره رسولاً أم إلهاً متجسداً أم…

عند التأمل في رسائل بولس نجد إجابة متناقضة بين رسالة وأخرى، إذ ثمة نصوص تصرح ببشرية المسيح، وثمة أخرى تقول بألوهيته، فهل هذا التناقض يرجع إلى تلون بولس حسب حالة مدعويه أم أنه متوافق مع تطوير بولس لمعتقده في المسيح؟ أم يرجع التناقض إلى ما تعرضت له الرسائل من تغير وتبديل…هذا كله يبقى محتملاً من غير ترجيح.

فمن النصوص التي تحدثت عن المسيح كعبد من البشر يتميز عنهم بمحبة الله له واصطفائه قول بولس: "يوجد إله واحد، ووسيط واحد بين الله والناس: الإنسان يسوع المسيح" (تيموثاوس (1)2/5).

ومثله يقول معترفاً بوحدانية رب الأرباب "أن تحفظ الوصية بلا دنس ولا لوم إلى ظهور ربنا يسوع المسيح، الذي سيبينه في أوقاته المبارك العزيز الوحيد، ملك الملوك، ورب الأرباب، الذي وحده له عدم الموت…" (تيموثاوس (1)6/14-16)، فالمسيح رب، لكن الله وحده رب الأرباب.

والمسيح بشر متميز بتقديم الله له يقول عنه بولس: "مدعو من الله رئيس كهنة على رتبة ملكي صادق" (عبرانيين 5/10)، وهو أي المسيح "الذي في أيام جسده إذ قدم بصراخ شديد ودموع طلبات، وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت، وسمع له من أجل تقواه" (عبرانيين 5/7).

ويقارن بولس بين منـزلته ومنـزلة مخلوقات مثله يفضلها عليه تارة، ويفضله عليها أخرى فيقول: " لكن الذي وضع قليلاً عن الملائكة : يسوع، نراه مكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت" (عبرانيين 2/9).

وفي مواضع آخر يقارن بينه وبين موسى فيقول: "لاحظوا رسول اعترافنا ورئيس كهنته المسيح يسوع حال كونه أميناً للذي أقامه كما كان موسى… موسى كان في كل بيته كخادم…، وأما المسيح فكابن على بيته، وبيته نحن إن تمسكنا بثقة الرجاء…" (عبرانيين 3/1-6).

فهذه النصوص وغيرها تحدث بها بولس عن المسيح كبشر متميز بمحبة الله له واختياره ليكون وسيلة في إبلاغ وحيه.

لكن لبولس نصوص أخرى تبالغ في وصف المسيح حتى تكاد تجعله ابناً حقيقياً لله لكثرة ما فيها من الغلو والتأكيد على خصوصية المسيح، مما يفهم منه أن البنوة هنا تختلف عن سائر ما ورد في الكتاب المقدس، ويتضح ذلك من مواضع أخرى يعتبره فيها صورة لله، أو الجسد الذي تجسد فيه الإله.

يقول بولس: " فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطيئة" (رومية 8/3).

ويقول: " الذي لم يشفق على ابنه، بل بذله…" (رومية 8/32).

ويقول: " أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة (غلاطية 4/4)، ويفهم من النص بنوة حقيقية يراها بولس للمسيح، وإلا فجميع المؤمنين أبناء الله (على المجاز) مولودون من جنس النساء.

ويقول: " الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرقٍ كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه" (عبرانيين 1/1-4) فهو كما يرى بولس نوع مختلف عما سبق من الأنبياء السابقين، والذين هم جميعاً أبناء الله بالمعنى الكتابي المجازي للكلمة.

ويقول بولس عن المسيح: " هو صورة الله الغير المنظور، بكر كل خليقة" (كولوسي 1/15).

ويقول: " إذ كان في صورة الله لن يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبده، صائراً في شبه الناس" (فيلبي2/6-7).

ويقول جاعلاً المسيح هو الله – كما في الترجمة المتداولة -: "عظيم هو سر التقوى، الله ظهر في الجسد" (تيموثاوس (1) 3/16).

ويقول: " أظهر كلمته في أوقاتها الخاصة بالكرازة التي أؤتمنت أنا عليها بحسب أمر مخلصنا: الله" (تيطس 1/3).

وتحدث المحققون أيضاً عن البيئة التي جعلت بولس يندفع للقول بألوهية المسيح، وتحدثوا عن المصادر التي استقى منها بولس هذه العقيدة.

أما البيئة التي بشر بها بولس فقد كانت بيئةً مليئة بالخرافات التي تنتشر بين البسطاء والسذج الذين هم غالب أفراد مجتمع ذلك الزمان، يضاف إليه أن تلك المجتمعات وثنية تؤمن بتعدد الآلهة وتجسدها وموتها، ففي رحلة بولس وبرنابا إلى لستر، صنعا بعض الأعاجيب " فالجموع لما رأوا ما فعل بولس رفعوا أصواتهم بلغة ليكاونية قائلين: إن الآلهة تشبهوا بالناس، ونزلوا إلينا، فكانوا يدعون برنابا: زفس، وبولس: هرمس" (أعمال 14/11-12)، وزفس وهرمس كما أوضح محررو قاموس الكتاب المقدس :اسمان لإلهين من آلهة الرومان: أولهما: كبير الآلهة. والثاني: إله الفصاحة.

وهكذا رأى هؤلاء البسطاء الوثنيون في بولس وبرنابا إلهين بمجرد أن فعلا بعض الأعاجيب، بل ويحكي سفر الأعمال أيضاً أن الكهنة قربوا إليهما الذبائح، وهموا بذبحها، لولا إنكار بولس وبرنابا عليهم (انظر أعمال 14/13-18).

فماذا يكون قول هؤلاء في الذي كان يحيي الموتى، وأشيع أنه قام من الموتى وأتى بالأعاجيب والمعجزات.

وفكرة تجسد الآلهة مقبولة عند الوثنين الذين حددوا مواسم وأعياد معروفة لولادة الآلهة المتجسدة وموتها، وبعثتها، لذلك فإن بولس أنزل الإله للأرض ليراه الرومان ويكون قريباً منهم.

ويرى الأستاذ حسني الأطير في كتابه القيم " عقائد النصارى الموحدين بين الإسلام والمسيحية " أن الذي دفع بولس لإظهار ألوهية المسيح هو الامبرطور الروماني طيباروس قيصر (37م).

ويستدل لذلك بما أورده المؤرخ أوسابيوس القيصري (340م)، عن طيباروس حيث بلغته أخبار المسيح، فأراد إضافته إلى الآلهة، ولكن وحسب المتبع لا بد أن يحال الأمر إلى مجلس الأعيان للمصادقة عليه، إذ لا يجوز للامبرطور أن يضيف إلهاً إلا بواسطتهم، لكن المجلس رفض ذلك، وبقي طيباروس متمسكاً برأيه.

ويوافق أوسابيوس بذلك ما جاء عن المؤرخ ترتليانوس (ق3م) إذ يقول : "وطيباروس نفسه لو أمكن أن يكون قيصراً ومسيحياً معاً لكان آمن به".
ويفترض الأطير أن بولس ربما كان أحد أهم أدوات اتخذها الامبرطور لنشر فكرته الجديدة عن المسيح كإله، وبقي هذا الوضع قائماً بعد طيباروس حتى تولى القيصرية نيرون، فكان -كما يقول أوسابيوس- "أول امبرطور أعلن العداء للديانة الإلهية".

وأما استخدام مصطلح "ابن الله" من قبل بولس فيراه شارل جنيبر غير كاف للحكم بأنه أراد الإلهية منه، فقد "بدا تصور بولس له مشوباً بالكثير من التردد والنقص بحيث لم يقدر له مقاومة الزمن، واتجهت تقوى المؤمنين في قوة- دونما إدراك للعقبات –إلى تنشيط الإيمان بالوحدة بين السيد والله".
وفسر شارل جنيبر ذلك بأن لفظ البنوة معروف في الفكر اليهودي، وقد أطلق على كثيرين أنهم أبناء الله، لكن ظهر للكلمة مفهوم البنوة الحقيقية في مرابع الفكر اليوناني في طرسوس التي كانت مركزاً للثقافات المختلفة، ومنها نقل بولس كثيراً مما أدخله في النصرانية.

ويحاول النصارى تأصيل فكرة ألوهية المسيح وردها إلى المسيح وتلاميذه، وتبرئة بولس منها، مستدلين بما جاء في (متى 16/16)، والذي يقضي بأن بطرس أول من قال بتأليه المسيح، ولم ينكر عليه المسيح إذ لما سألهم المسيح: " أنتم من تقولون إني أنا؟ فأجاب سمعان بطرس وقال :أنت هو المسيح ابن الله الحي. فأجاب يسوع: طوبى لك يا سمعان بن يونا…" (متى 16/15-16).

لكن الأطير يعتبر ما جاء في متى محرفاً بدلالة ما جاء في وصف الحدث نفسه عند غيره من الإنجيليين، ففي مرقس " فأجاب بطرس، وقال له: أنت المسيح" (مرقس 8/29)، ولم يذكر البنوة، وفي لوقا: " فأجاب بطرس، وقال: مسيح الله" (لوقا 9/20).

وبذلك يكون متى قد خالف مرقس وهو ينقل عنه.

كما لا يمكن قبول ما جاء في متى لفقد أصله العبراني، فلا نعلم مدى الدقة التي التزمها المترجم في ترجمة العبارة.


بولس والتثليث

دأب الكثير من المحققين على اتهام بولس بوضع التثليث في النصرانية من غير أن يقدموا على ذلك بدليل من أقوال بولس، مكتفين بما عرف عن دور بولس في صياغة سائر المعتقدات النصرانية، وهذا الاتهام لا أراه محقاً، إذ خلت رسائل بولس من تأليه الروح القدس، كما خلت من ذكر عناصر التثليث مجتمعة إلا في نص واحد لا يفهم منه خالي الذهن ما يعتقده النصارى من التثليث، وقد جاء ذلك في قوله" نعمة ربنا يسوع ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم" (كورنثوس(2) 13/14)، فليس في النص ما يفيد ألوهية الروح القدس.

ومما يؤكد غفلة بولس عن التثليث التأمل في ترتيب عناصر التثليث المذكورين في النص، إذ يقدم المسيح على الأب، وهو ما تعتبره الفرق النصرانية هرطقة.

ويضاف إلى ذلك أنه سمى الأقنوم الأول :الله. فيما تسميه صيغة التثليث: الآب، كما سمى الأقنوم الثاني : المسيح، فيما هو عندهم : الابن.

والصحيح أن التثليث لا علاقة له ببولس، فقد كان ظهوره في مرحلة متأخرة جداً عن بولس، وأول من ذكره هو ترتليان (200م)، وأصبح عقيدة رسمية عام 381م في مجمع القسطنطينية، ولم يرد له ذكر حتى في قرارات مجمع نيقية (325م).


ألوهية المسيح والتثليث عقيدتان منحولتان من الوثنيات القديمة :

تكاملت عقائد النصارى في القرن الرابع الميلادي بتأليه المسيح ثم روح القدس وإقرار الكتاب المقدس، ونشأت مسيحية جديدة صنعها بولس ومن بعده، فمن أين استقى بولس ثم المجامع الكنسية المتأخرة هذه المعتقدات الجديدة ؟

في الإجابة عن هذا السؤال نستعرض بعضاً من آثار الديانات السابقة للمسيحية، ونقف فيها على تشابه كبير بين هذه الوثنيات والوثنية المسيحية، وهذا التشابه طال الأصول والفروع، ومنه نعرف الأصل والمصدر الذي نقلت عنه المسيحية.

تجسد الإله في الوثنيات القديمة

القول بإله متجسد يمثل الأقنوم الثاني، وأنه تجسد من أجل خطايا العالمين قول قديم ومعروف في كافة الوثنيات البدائية، ومنها وثنيات الهنود حيث يقول المؤرخ ألن في كتابه "الهند": "أما كرشنا فهو أعظم من كافة الآلهة التي تجسدت، ويمتاز عنها كثيراً، لأنه لم يكن في أولئك إلا جزء قليل من الألوهية، أما هو (كرشنا) فإنه الإله فشنوَ ظهر بالناسوت".

وجاء في كتاب "بهاكافات بورون" الهندي أن كرشنا قال: "سأتجسد في متوار بيت يادوا، وأخرج من رحم ديفاكي، أولد وأموت، قد حان الوقت لإظهار قوتي، وتخليص الأرض من حملها".

وكذلك فإن الهندوس اعتبروا أوتار تجسداً إلهياً يجعله أهلاً للعبادة.

وهكذا نستطيع القول بأن القول بإله متجسد أمر تكاثرت على الإيمان به الوثنيات القديمة السابقة للمسيح

أما بوذا فيقول عنه المؤرخ دوان: "الإله بوذا المولود من العذراء مايا الذي يعبده بوذيو الهند وغيرهم ويقولون عنه: إنه ترك الفردوس، ونزل وظهر بالناسوت رحمة بالناس كي ينقذهم من الآثام، ويرشدهم صراطاً مستقيماً".

ويذكر المؤرخ دوان أن الأوربيين اندهشوا عندما ذهبوا إلى رأس كومورين جنوب الهند من رؤية السكان يعبدون إلهاً مخلصاً يدعونه سليفاهانا المولود من عذراء.

ومن البشر الذين قيل بتجسدهم فوهي في الصين، وكذا وستين نونك وهوانكتي وغيرهم، وأما الإله برومسيوس فقد قيل عنه:كان إنساناً حقيقياً وإلهاً حقيقياً.


التجسد من أجل الخلاص والغفران

وكذا يذكر النصارى في الهدف والغرض من التجسد ما تذكره الوثنيات القديمة، فالنصارى يقولون: إن التجسد كان ليموت المسيح ويفدي خطايا البشرية.

ومثله ينقل العلامة هوك فيقول: "يعتقد الهنود بتجسد أحد الآلهة وتقديم نفسه ذبيحة فداء عن الناس من الخطيئة".

وينقل قريباً منه عن بوذا الذي يقول عنه المؤرخ وليمس في كتابه "ديانة الهنود": "و من رحمته (أي بوذا) تركه للفردوس ومجيئه إلى الدنيا من أجل خطايا بني الإنسان وشقائهم كي يبرئهم من ذنوبهم، ويزيل عنهم القصاص الذي يستحقونه".

وينقل دوان تسمية الهنود لبوخص ابن المشتري بفادي الأمم.

ومثله قيل في هيركلوس، ومترا فادي الفرس، وباكوب إله المكسيكيين المصلوب، وسواهم من البشر الذين اعتقد أتباعهم أنهم آلهة تجسدت لمغفرة الخطايا.


الإله المتجسد والخالقية

وكما اعتقد النصارى بأن المسيح الابن هو الخالق كانت الوثنيات قد اعتقدت من قبل في آلهتها المتجسدة فقد جاء في كتب الهنود "كرشنا ابن الإله من العذراء ديفاكي، وهو الأقنوم الثاني من الثالوث المقدس، خلق السماوات والأرض بما فيها، وهو عندهم الأول والآخر".

وفي كتاب "بهكوات جيتا" المقدس أن كرشنا قال لتلميذه أرجون: "أنا رب كل المخلوقات ومبدعها، خلقت الإنسان…فاعرفني، أنا المصور والخالق للإنسان".

ويعتقد الصينيون أن الأب لم يخلق شيئاً، وأن الابن لاتوثو المولود من عذراء خلق كل شيء.

وفي صلوات الفرس لادرمزد يقولون: "إلى أدرمزد أقدم صلواتي، فهو خالق كل شيء مما هو كان وما سيكون إلى الأبد، وهو الحكيم القوي خالق السماء والشمس والقمر والنجوم…".

ومثله يعتقد الآشوريون في الابن البكر"نرودك"، وكذا مؤلهو"أدوني"و "لاؤكيون" وغيرهما.

ومثله في التراث المصري القديم أن الإله "أتوم" خلق كل شيء حي بواسطة الكلمة التي خلقت كل قوى الحياة، وكلما يؤكل، وكل ما يحبه أو يكرهه الإنسان.


الأزلية والأبدية للآلهة المتجسدة

ووصف يوحنا في رؤياه المسيح بأنه الأول والآخر والألف والياء. وهذا وصف يتطابق تماماً مع وصف الوثنيين آلهتهم المتجسدة التي يعتقدون أزليتها وأبديتها، ففي كتاب "كيتا" الهندي أن كرشنا قال: "لم يأت زمان لم أكن فيه موجوداً، أنا صنعت كل شيء، أنا الباقي والأبدي، والمبدئ والكائن قبل كل شيء أنا الحاكم القوي على الكون، أنا الأزل ووسط وآخر كل شيء".

ومن توسلات أرجون لكرشنا: "أنت الباقي العظيم، الواجبة معرفتك، أنت القابض على الكائنات… أنت الإله الكائن قبل الآلهة".

ويصفه كتاب "فشنو بوراني": "إنه بغير ابتداء ووسط وانتهاء".

وجاء في كتابات الهنود عن بوذا: " هو الألف والياء، ليس لوجوده ابتداء ولا انتهاء، وهو الرب المالك القادر الأبدي".

ومثله قيل في لاؤكين ولاوتز وارمزد وزوس المدعو"الألف والياء" وغيرهم كثير.


تاريخ ميلاد الآلهة والعبادات والطقوس

وكما تشابهت عقائد النصارى الوثنية هنا وهناك، تشابهت عباداتها وتواريخها، إذ يعتقد الوثنيون على اختلاف في آلهتهم أن آلهتهم المتجسدة ولدت في 25 ديسمبر، منهم الإله الفارسي مثرا وغيره.

وهو ما يقوله النصارى الأرثوذكس في تورايخهم أيضاً، وقد جرى تحديده بهذا اليوم الموافق لأعياد الوثنين عام 530م على يد الراهب ديونيسيوس اكسيجوس، وأراد منه إبعاد المتنصرين عن احتفالات الوثنيين، وشغلهم باحتفال مسيحي، وهو ما تكرر فعله في عدة أعياد وثنية أخرى استعار النصارى منها التواريخ والطقوس…".

وينقل الراهب بيد في كتابه "تاريخ الكنيسة الإنجيلية" خطاباً للبابا جريجوري الأول (601م) يستشهد فيه بنصيحة المستشار البابوي مليتس الذي كان ينهى عن هدم المعابد الوثنية، ويرى تحويلها من عبادة الشيطان إلى عبادة الإله الحق، كي يهجر الشعب خطايا قلبه، ويسهل عليه غشيان المعاهد التي تعود ارتيادها".

وهكذا لا يجد المتنصر كبير فرق في المكان والمضمون بين النصرانية وبين ما كان يعتقده من قبل، ويكون ذلك ادعى في انتشار النصرانية.


التثليث في الوثنيات القديمة

وكما نقل النصارى عن الوثنيات ما يقولونه عن ألوهية المسيح وتجسد الإله فإنهم نقلوا معتقدهم في التثليث.

ولإثباته نقلب صفحات الأمم الوثنية قبل المسيحية لنجد أن الكثيرين من الوثنيين قد سبقوا المسيحيين إلى القول بالتثليث، وما قول النصارى بالتثليث إلا قول منحول عن هذه الأمم مع تعديل بسيط في صيغ الثالوث الوثنية، وذلك بإبدال أسماء الثالوث الوثني بالثالوث النصراني.

فالقول بإله مثلث يعود إلى أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، فقد قال به البابليون حين قسموا الآلهة إلى ثلاثة مجموعات (إله السماء، إله الأرض، إله البحر).

ثم تبلور التثليث على نحو ما اتخذته النصرانية في القرن العاشر قبل الميلاد حين قال الهنود بثالوثهم (براهما- فشنو- سيفا)، وهؤلاء الثلاثة هم إله واحد.

جاء في ابتهالات التقي أتنيس: "أيها الأرباب الثلاثة. اعلموا أني اعترف بوجود إله واحد، فأخبروني أيكم الإله الحقيقي لأقرب له نذري وصلاتي؟

فظهرت الآلهة الثلاثة وقالوا له: اعلم يا أيها العابد أنه لا يوجد فرق حقيقي بيننا، وأما ما تراه من ثلاثة فما هو إلا بالشبه أو الشكل، والكائن الواحد الظاهر بالأقانيم الثلاثة هو واحد بالذات".

وقد وجد في آثار الهنود صنم له ثلاثة رؤوس على جسد واحد تعبيراً منهم عن الثالوث.

وسرت عقيدة التثليث في الوثنيات القديمة كالمصرية المتمثلة في الثالوث (أوزيريس، ايزيس، حورس)، وكذا عند الفرس (أورمزد، متراس، أهرمان)، والاسكندنافيين (أووين، تورا، فري) والمكسييكيين (تزكتلبيوكا، اهوتزليبوشتكي، تلاكوكا)، ثم فلاسفة الإغريق الذين كانت وثنية النصارى أشبه بهم من سائر الوثنيات الأخرى، فقالوا بثالوثهم المكون من (الوجود، العلم، الحياة).

عدا ذلك يوجد كثيرون يطول المقام بذكرهم.

وحتى صيغة الأمانة التي انبثق عنها مجمع نيقية هي صيغة منحولة عن الوثنيات السابقة، فقد نقل المؤرخ مالفير عن كتب الهنود أنهم يقولون: " نؤمن بسافستري (الشمس) إله ضابط الكل، خالق السماوات والأرض، وبابنه الوحيد آني (النار)، نور من نور، مولود غير مخلوق، مساوٍ للأب في الجوهر، تجسد من فايو (الروح) في بطن مايا العذراء، ونؤمن بفايو الروح المنبثق من الأب والابن الذي هو الأب، والابن يسجد له ويمجد".

وتذهب دائرة المعارف البريطانية إلى أن "القالب الفكري لعقيدة التثليث هو يوناني الأصل، وصيغت فيه تعليمات يهودية، فهي من ناحية التركيب مركب عجيب للمسيحيين، لأن التصورات الدينية فيها مأخوذة من الكتاب المقدس، ولكنها مغموسة في فلسفات أجنبية.

واصطلاحات (الأب والابن والروح القدس) تسربت من اليهود، والاصطلاح الأخير (الروح القدس) لم يستعمله المسيح إلا نادراً".

ويقول ليون جوتيه: "إن المسيحية تشربت كثيراً من الآراء والأفكار في الفلسفة اليونانية، فاللاهوت المسيحي مقتبس من نفس المعين الذي صبت فيه نظرية أفلاطون الحديثة، ولذا نجد بينهما متشابهات كثيرة".

وقد انتقلت فلسفة اليونان عن طريق الاسكندرية حيث ظهر أفلوطين الإسكندري (ت 207م) وكان يقول بالثالوث (الله، العقل، الروح)، ولذا كان أساقفتها (الإسكندرية) من أوائل المؤمنين بالتثليث والمدافعين عنه.

ويقال أيضاً أن الوثنيات قد تسربت إلى النصرانية عبر روما، وممن يقوله ولديورانت حيث يقول: "لما فتحت المسيحية روما انتقل إلى الدين الجديد دماء الدين الوثني القديم: لقب الحبر الأعظم، عبادة الأم العظمى…".

ويؤيد هذا الأستاذ روبرتسون في كتابه "وثنية المسيحيين" ويرى أن هذه المعتقدات وصلت إلى روما من الفرس عام 70ق.م.

ويرى آخرون أن هذه المعتقدات انتقلت عن طريق الفكر الفرعوني القديم والذي انتقل إلى النصرانية بسبب ظروف الجوار.

فيما يرى الأستاذ حسني الأطير بأن التسرب لهذه الأفكار كان عن طريق طرسوس والتي كانت مدرسة كبرى للأدب الإغريقي، ونشأ فيها بولس، وانعكست تعاليمها فيه.

ولما كان تسرب المعتقدات الوثنية إلى النصرانية حقيقة ساطعة كالشمس كان لا بد أن تعترف بها بعض الأقلام الجريئة المنصفة.

فمن هؤلاء المهتدية إلى الإسلام مريم جميلة التي تقول: "لقد تتبعت أصول المسيحية القائمة فوجدتها مطابقة لمعظم الديانات الوثنية القديمة، ولا يكاد يوجد فرق بين هذه الديانات وبين المسيحية سوى فروق شكلية بسيطة في الاسم أو الصورة ".

ويقول أستاذ الحفريات جارسلاف كريني في كتابه "ديانة قدماء المصريين": "إن التثليث دخيل على النصرانية الحقة، وإنه مستورد من الوثنية الفرعونية".

ويقول العلامة روبرتسون في كتابه"وثنية المسيحيين"، الذي تحدث فيه ملياً عن اقتباس عقائد النصرانية من الوثنيات فيقول: "يسرني أن أسجل أن من بين المسيحيين الذين تعرضوا لكتابي هذا بالنقد والمناقشة لا يوجد واحد عارض الحقائق التي ذكرتها به، تلك التي قادتني إلى أن أقرر أن أكثر تعاليم المسيحية الحالية مستعار من الوثنية".

ويقول كُتّاب "أسطورة تجسد الإله" بمثل ذلك فيقولون: "إن الاعتقاد بأن المسيح هو الله أو هو ابن الله أو تجسد فيه الله ليست سوى خرافة من خرافات الوثنيين وأساطيرهم الأولى".

وكعادة النصارى وولعهم بغريب النتائج يقول صابر جبرة وهو يقر بوجود التشابه بين تثليث النصرانية وتثليث قدامى المصريين، فيقول: "إن فكرة التثليث عند قدماء المصريين كانت نبوءة فطرية للتثليث في المسيحية"، المسيحية التي لم يذكر فيها التثليث إلا مرة واحدة وعلى استحياء في آخر إنجيل متى.

من ذلك كله لا يسعنا إلفا القول أن التثليث عقيدة منحولة من تلك الديانات الوثنية التي ضلت عن الفطرة، وابتعدت عن هدي النبوات وعبدت غير الله العظيم.

وصدق الله العظيم وهو يخبرنا عن مصدر الكفر الذي وقع به النصارى فيقول: [ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ] (التوبة: 30).


العبادت الوثنية الكاثوليكية :

لم تكن عبادة المسيح الصورة الوحيدة للشرك والوثنية في النصرانية، فقد عبد إلى جانب المسيح والروح القدس الصليب ومريم العذراء والصور التي نصبت في الكنائس للقديسين.

تأليه مريم عند الكاثوليك

يعتبر الكاثوليك مريم إلهاً مستحقاَ للعبادة، وإن لم يعتبروها أحد أطراف الثالوث الأقدس، وقد تمثلت عبادتهم لمريم في عدد من الصلوات التي تؤدى لها، ومنها "صلاة مريم" وفيها يقولون: "يا خطيبة مختارة من الله، يا أيتها المستحقة الاحترام من الجميع…. يا باب السماء… يا ملكة السماء التي جميع الملائكة يسجدون لها، وكل شيء يسبحها ويكرمها… فاستمعينا يا أم الله، يا ابنة، يا خطيبة الله، يا سيدتنا ارحمينا وأعطينا السلام الدائم…لك نسجد ولك نرتل".

ويقول القس توما اللاهوتي: "أما العذراء الطاهرة المجيدة، وهي الممتلئة من الاستحقاقات فلها أن تخلص جميع البشر.

ويقول القديس لويس ماريدي: " التكريم أن نهب ذواتنا بكليتها إليها، كأسرى لمريم وليسوع بواسطتها على أن تقوم جميع أعمالنا مع مريم، وبواسطة مريم، وفي مريم، ولأجل مريم".

وفي مجمع أفسس 431م سميت مريم" والدة الإله" وزيد في أمانة نيقية فقرة تخصها، فيها "نعظمك يا أم النور الحقيقي، ونمجدك أيتها العذراء القديسة، والدة الإله…".

وفي هذا القرن أيضاً ظهرت جماعة وثنية-تعبد الزهرة- اعتنقت النصرانية، واعتقدوا أن مريم ملكة السماء أو آلهة السماء بدلاً عن الزهرة، وأصبح تثليثهم (الله، مريم، المسيح)، وقد حاربت الكنيسة هذه البدعة، فاندثرت في القرن السابع الميلادي.

يقول الأنبا غريغوريوس الأرثوذكسي عن مريم: " إننا لن نرفعها إلى مقام الألوهية كما فعل الكاثوليك… وكما أخطأ الكاثوليك فرفعوها إلى مقام الألوهية والعصمة، كذلك ضل البروتستانت ضلالاً شنيعاً حين احتقروها، وجهلوا وتجاهلوا نعمة الله عليها وفيها، ولكن الكنيسة الأرثوذكسية قد علمت العذراء تعليماً مستقيماً، فلا نؤلهها ولا نحتقرها".

وهذا الذي ذكرناه مصدق لما جاء في القرآن عن اتخاذ النصارى مريم إلهاً، ومكذب لجحد بعض النصارى له، وصدق الله إذ يقول [ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ] (المائدة: 116).


عبادة الصليب والصور والتماثيل

كما سرت في القرن الرابع الميلادي عبادة الصليب، وكان أول من أوجدها الملك قسطنطين حين زعم أنه رأى في المنام صليباً في السماء مكتوباً عليه أو حوله: "بهذا تغلب"، فجعل الصليب شعاراً لجيشه في معركة ملتيوس التي انتصر فيها على خصمه مكنتيوس، ثم بدأت والدته هيلانة في البحث عن صليب المسيح، وادعت أنها وجدته، ومن ثم بدأ تعظيم الصليب، وعظموا جنس الصليب، وعللوا ذلك بأنه كان وسيلة خلاصهم.

وتعظم الكنائس النصرانية- عدا البروتستانت- الصليب، وتعتبر منكر عبادته مرتداً، وتصنع لذلك الصلبان الذهبية والمعدنية والخشبية، ويسجدون لها، ومن صلواتهم قولهم في ترنيمة السبت (بعد جمعة الآلام): "للثالوث الأقدس، ولصليب ناسوت ربنا يسوع المسيح، وللعذراء المباركة الدايمة البتولية، ولجميع القديسين ليكن الحمد الدائم والكرامة والثناء والمجد في كل الخليقة، ولنا مغفرة جميع خطايانا إلى أبد الآبدين".

وينقل كرنيلوس فانديك في كتابه "كشف أباطيل عن عبادة الصور والتماثيل" ينقل ترنيمة أخرى تقال في السبت الذي يلي جمعة الآلام "السلام لك أيها الصليب والرجاء الوحيد، زد نعمة الأتقياء، وهب للمذنبين مغفرة الخطايا".

يقول فانديك: "لكن كهنة الرومانيين يقولون هذا باللاتينية الميتة، وعامة الشعب لا يفهمون ما يبربرون به"، ويقول: "إن ثلثي النصارى في عصرنا هذا هم عبدة أصنام".

وفي القرن الرابع أيضاً كان الشرارة التي عنها نشأت عبادة الصور والتماثيل، فقد أمرت أم الإمبراطور -هيلانة- بإحضار جثة النبي دانيال، وبعدها أحضرت جثث لوقا واندرواس وتيموثاوس في عهد الامبرطور قسطنس.

وفي عهد أركاديوس أحضروا جثة صموئيل، ثم إشعيا في عهد ثيودوسيوس، وأحضرت جثة مريم المجدلية ولعاذر في عهد لادن السادس، ثم نعلي المسيح ورداء إيليا و…

وقد وضعت هذه كلها في الكنائس، وتسابق الناس إليها طلباً للشفاء والبركة، واختص بعض هذه الأضرحة بعلاج بعض الآفات، فالقديس أوتيميوس اختص ضريحه بالرجال الذين لديهم مشكلات جنسية، فيما يذهب النساء إلى قبر القديسة ميزونيا، وسادت الإمبراطورية قصص الخرافات والتنبؤ بالغيب، وغير ذلك مما يظهر في مثل تلك الأجواء الوثنية.

وفي مجمع قسطنطينية 754م حضرت وفود شرقية وغربية تفاوضت لمدة ستة أشهر، ثم قررت أن استعمال الصور والتماثيل في العبادة مطلقاً رجوع للوثنية ومناقض للنصرانية.

وفي مجمع نيقية الثاني 787م وبأمر من الملكة إيرينا انعقد المجمع، وقرر 350 أسقفاً غربياً وجوب استعمال الصور والتماثيل في الكنائس، ثم قرر البابا جريجوري الثاني والثالث حرمان ومروق الجماعات التي تناهض وجود التماثيل والصور في الكنائس، وهو ما أكده مجمع القسطنطينية عام 842م.

وهكذا تلاعبت الأهواء بالمجامع النصرانية في هذه المسألة، فأحدها يوجب، والآخر يكفر، ولا ندري كيف يستقيم هذا مع قول النصارى بعصمة المجامع، لاعتقادهم بحلول الروح القدس على أصحابها.

كما لم تبال الكنيسة بمخالفة قرارها لما جاء في الناموس ففي التوراة: " لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً، ولا صورة ما، مّما في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض" (الخروج 20/4).

وتوعدت التوراة باللعن أولئك الذين يصنعون التماثيل " فيصرح اللاويون، ويقولون لجميع قوم إسرائيل بصوت عال: ملعون الإنسان الذي يصنع تمثالاً منحوتاً أو مسبوكاً رجساً لدى الرب عمل يدي نحات، ويضعه في الخفاء. ويجيب جميع الشعب ويقولون: آمين" (التثنية 27/14-15)، (وانظر 4/15-24).

وهو أيضاً ما نقل عن المسيحيين الأوائل، فقد مر أسقف قبرص ايفانيوس بمكان في فلسطين، ورأى سترة عليها صورة للمسيح فمزقه قائلاً : "إن مثل هذا عيب على الشعب المسيحي".

ويذكر المعلم ميخائيل مشاقه صوراً مزرية لهذه الوثنية في كتابه"أجوبة الإنجيليين على أباطيل التقليدين" فيقول: "وربما صوروا بعض قديسين على صورة لم يخلق الله مثلها، كتصويرهم رأس كلب على جسم إنسان يسمونه القديس خريسطفورس، ويقدمون له أنواع العبادة، ويطلقون البخور، ويتلمسون شفاعته.

فهل يليق بالمسيحيين الاعتقاد بوجود العقل المنطقي والقداسة في أدمغة الكلاب؟ أين هي عصمة كنائسهم من الغلط"

كما ذكر المعلم ميخائيل تصويرهم الآب والابن والروح القدس في صور وتماثيل يقومون بعبادتها.

ويتساءل العلامة رحمة الله الهندي: لم لا يعبد النصارى جنس الحمير، فقد ركب المسيح على حمار وهو يدخل أورشليم، وليس الخشب ( في حادثة الصلب) بأولى بالعبادة والتقديس من الحمار، إذ هو حيوان، بينما الخشب جماد لا حياة فيه.

فإن كان عبادتهم للصليب لأنه كان سبيل نجاتهم، فكذلك كان يهوذا، فلولا تسليمه المسيح لما أمكن صلبه وحصول الفداء، ثم هو مساوٍ للمسيح في الإنسانية، وممتلئ من روح القدس قبل خيانته. فلم كانت هذه الواسطة (يهوذا) ملعونة وتلكم مباركة؟!.

وإن قيل سال دمه على الصليب فكذلك الشوك الموضوع على رأسه فلم لا يعبد ?

ويعجب رحمة الله الهندي من تصوير النصارى الله في كنائسهم! فكيف عرفوا صورته؟ ومن رآه منهم، وكيف يسجد البابا لمثل هذه الصورة ثم يمد رجله لإنسان يقبل حذاءه وهو أيضاً صورة الله؟.


العشاء الرباني

وعاب العلماء المسلمون على الكاثوليك أيضاً ما يصنعونه في شريعة العشاء الرباني حيث يأكلون الخبز ويشربون الخمر ويعتقدون استحالة الخبز إلى جسد المسيح، والخمر إلى دمه، لأن المسيح حينما تعشى مع تلاميذه قال لهم وهو يناولهم الخبز: "هذا هو جسدي"، ولما ناولهم الخمر قال: "هذا هو دمي" (مرقس 14/22-24).

وقال يوحنا: " من يأكل هذا الخبز النازل من السماء لا يموت، أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء: والخبز الذي أعطيه هو جسدي: الحق الحق أقول لكم : إن كنتم لا تأكلون جسد ابن الإنسان ولا تشربون دم، ه فلن تكون فيكم الحياة، ولكن من أكل جسدي وشرب دمي فله الحياة الأبدية…" (يوحنا 6/50-54)

وزعموا أن المسيح أمر بتجديده وفعله فقال: " هذا هو جسدي الذي يبذل من أجلكم، اعملوا هذا لذكري " ( لوقا 22/20).

وقصة تجديد العشاء المزعوم على أهميتها لم يذكرها يوحنا التلميذ في إنجيله، وما جاء في لوقا من أمر التجديد مدسوس على الإنجيل كما نبه أحمد عبد الوهاب، وقد حذفته النسخة القياسية المراجعة النص من نسختها واعتبرته نصاً دخيلاً، ويقول المفسر كيرد: إن الفقرة أدخلت في زمن مبكر، وقد اقتبسها أحد الكتبة من مرقس ( 14/24) و (كورنثوس(1) 11/24-25).

وقد شنع العلماء المسلمون طويلاً على فكرة الاستحالة التي يمجها العقل ولا يستسيغها، إذ لم تسمع الدنيا عن إله يؤكل بالبقدونس والخبز والخمر.
وقد كانت عقيدة العشاء الرباني أحد أهم ما اعترض عليه البروتستانت حين انفصالهم عن الكنيسة الكاثوليكية.

وهذه الفكرة وثنية المنشأ، حيث كانت تصنعها العديد من الأمم الوثنية، ومنهم الفرس الذين اعتقدوا أن متراس يمنح البركة للخبز والخمر في العشاء.
وكما كان عباد يونيشس وأتيس يجتمعون في عيد الحب في مساء أحد السبوت صنع النصارى أيضاً، حيث كان العشاء ينتهي بقراءة فقرات الكتاب المقدس، وفي آخر الطقوس قبلة الحب بين الرجال والنساء، وقد ندد ترتليان بهذه العادة القبيحة، واعتبرها موصلة للإباحة الجنسية .


استدلال النصارى بآيات من القرآن على ألوهية المسيح :

يورد النصارى ويثيرون في وجه المسلمين شبهات زعموا فيها أن القرآن يصدق عقيدتهم وقولهم في المسيح، وأنه ابن الله .

واستندوا في ذلك إلى متشابه الآيات التي فهموها وفق مرادهم، وإلى ما في الآيات الكريمة من ثناء على المسيح وأمه والحواريين والمؤمنين من النصارى.

فقد زعم بعضهم أن القرآن ذكر ألوهية المسيح باعتباره كلمة الله وروحه كما في قوله [ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ] ( سورة النساء :171) .

وفي مواجهة شبهات النصارى واستدلالهم نذكر أنه ثمة آيات كثيرة تكفر النصارى، وتبين فساد عقيدتهم، منها : [ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ] (المائدة: 17)، وقوله: [ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصارٍ * لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثةٍ وما من إلهٍ إلا إلهٌ واحدٌ وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذابٌ أليمٌ ] (المائدة :72-73)، ومثله قوله: [ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ] ( التوبة: 29).

وقد أنكر القرآن أشد النكير على أهل الكتاب من النصارى ادعاءهم أنه ولد الله [ وقالوا اتخذ الرحمن ولداً  لقد جئتم شيئاً إداً * تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً * أن دعوا للرحمن ولداً * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً * إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً ] (مريم: 88-93) وقال: [ ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون * ما كان لله أن يتخذ من ولدٍ سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ] (مريم: 35-36).

وذكر القرآن عبودية المسيح في آيات كثيرة ، منها [ إن هو إلا عبدٌ أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل ] (الزخرف: 59)، ولما نطق في مهده عليه السلام صرح بهذه الحقيقة، فقال: [ قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً ] (مريم: 20)، [ ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون * إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراطٌ مستقيمٌ ] (الزخرف: 63-64).

وقال القرآن مصرحاً برسالته [ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ] ( المائدة: 75). وقال: [ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثةٌ انتهوا خيراً لكم إنما الله إلهٌ واحدٌ سبحانه أن يكون له ولدٌ له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً * لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً ] (النساء : 171-172).

وأما بخصوص تعلق النصارى بالآية السابقة، فإنما هو تعلق غريق أعياه أن يجد في كتابه دليلاً يصرح بألوهية المسيح، فعمد إلى كتب غيره يحرف المعاني ويتنكب الحقائق.

كان أهم ما تمسك النصارى وتعلقوا به قول الله تعالى: [ فنفخنا فيه من روحنا ] (التحريم : 12) وقوله : [ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ] (النساء : 171)

فلقد فهموا من هذين النصين أن عيسى هو روح الله القائمة به، وهو كلمته أي كلامه جل وعلا.

والآية بتمامها تظهر بطلان استدلالهم [ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً  لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً ] (النساء: 171-172)، فتلحظ أن أول الآية وآخرها يكذب النصارى في استدلالهم، ويصرح بعبودية المسيح لله تبارك وتعالى.

والمسيح كلمة الله لأنه خلق بكلمة الله، فهو كلمة الله المخلوقة، وليس كلمة الله الخالقة، والتي هي أمر التكوين كن، وهذا ما ذكره وبينه القرآن الكريم [ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ترابٍ ثم قال له كن فيكون ] (آل عمران: 59)، وفي آية أخرى: [ قالت رب أنى يكون لي ولدٌ ولم يمسسني بشرٌ قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ] (آل عمران:47 ) فصرحت الآية أنه مخلوق بكلمة الله.

وسبب اختصاص المسيح بهذا الاسم الكريم أنه ليس للمسيح سبب بشري قريب من جهة أبيه ينسب إليه كما الناس، لذا نسب إلى سببه القريب، وهو تخليقه بكلمة الله، التي تخلق وفق أمرها.

وأما قوله [ فنفخنا فيه من روحنا ] فالمراد بالروح منه جبريل عليه السلام، كما سماه الله عز وجل في آية أخرى: [ وأيدناه بروح القدس ] (البقرة: 87).

والمسيح إنما خلق بنفحة منه [ فنفحنا فيها من روحنا ] (الأنبياء: 91).

وهذا المعنى هو ما ورد في حق آدم أيضاً [ ونفخت فيه من روحي ] (الحجر: 29) فهي إضافة تشريف وتكريم، ولو أوجبت هذه الإضافة معنىً خارجاً عن الإنسانية لكان آدم أولى بذلك.

وهذا معهود في لغة العرب كقول القائل: (خذ طرفك) يريد طرف الخشبة أو الحذاء، فجعله طرفاً للحامل، وكذلك فينسب كل روح لله، لأنه جل وعلا سببها وخالقها.

ويدل أيضاً على هذا الاستعمال للفظ الروح بمعنى الملائكة قوله تعالى: [ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ] (الشورى: 52)، ومثله قول موسى: " قال له موسى: هل تغار أنت لي، يا ليت كل شعب الرب كانوا أنبياء، إذا جعل الرب روحه عليهم" (العدد 11/29)، ويقول : " يقول الله: ويكون في الأيام الأخيرة إني أسكب من روحي على كل بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويرى شبابكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلاماً" (أعمال 2/17).

وهكذا فإن القرآن كما العهد الجديد متفقان على أن المسيح عبد الله ورسوله المجتبى إلى بني إسرائيل

غير معرف يقول...

((((((((((((((((((((((((((((((((((الروح القدس في الكتاب المقدس))))))))))))))))))))))))

الروح القدس هو ثالث أطراف الثالوث الأقدس عند النصارى، فمن هو الروح القدس؟ وما أدلة النصارى على تأليهه؟

في عام 381م وبأمر الإمبراطور تاؤديوس انعقد مجمع القسطنطينية للنظر في قول الأسقف مكدونيوس أسقف القسطنطينية الأريوسي، والذي كان ينكر ألوهية الروح القدس ويقول بما تقوله الأسفار عن الروح القدس : "إن الروح القدس عمل إلهي منتشر في الكون، وليس أقنوماً متميزاً عن الأب و الابن"، وكان يقول عنه: إنه كسائر المخلوقات، ويراه خـادماً للابن كأحد الملائكة.

وقد حضر المجمع مائة وخمسون أسقفاً، وقرروا حرمان مكدونيوس وتجريده من وظائفه الكنسية، واتخذوا أحد أهم قرارات المجامع الكنسية، وهو تأليه الروح القدس ، واعتبروه مكملاً للثالوث الأقدس، وقالوا: "ليس روح القدس عندنا بمعنى غير روح الله، و ليس الله شيئاً غير حياته، فإذا قلنا أن روح القدس مخلوق فقد قلنا: إن الله مخلوق".

يتعلق النصارى في تأليه الروح القدس بما جاء في إنجيل يوحنا: "إن الله روح" (يوحنا 4/24)، كما يرونه الروح الموجودة منذ بدء الخليقة " في البدء خلق الله السماوات والأرض… و روح الله يرف على وجه الماء" (التكوين 1/1-2) وكذا كثير من النصوص يتحدث عن الروح أو روح الله أو الروح القدس.

يقول القس ياسين منصور : " إن الروح القدس هو الله الأزلي ، فهو الكائن منذ البدء قبل الخليقة، وهو الخالق لكل شيء، والقادر على كل شـيء، والحاضر في كل مكان، وهو السرمدي غير المحدود ".

ويقـول في موضع آخـر : "إن الروح القدس هو الأقنوم الثالث في اللاهوت، وهو ليس مجرد تأثير أو صفة أو قوة، بل هو ذات حقيقي، وشخص حي، وأقنوم متميز ولكنه غير منفصل، وهو وحدة أقنومية غير أقنوم الآب وغـير أقنوم الابن ، ومسـاوٍ لهما في السـلطان والمقـام، ومشترك وإياهما في جوهر واحد ولاهوت واحد".


نقض أدلة ألوهية الروح القدس :

ومن المهم أن نقرر أن روح القدس في الكتاب المقدس من أغمض المصطلحات الكتابية، وهو على أية حال لا يتفق مع المعنى الذي قدمه مجمع القسطنطينية، فقد ورد هذا الإطلاق في الكتاب المقدس على معان متعددة:

1- الروح التي هي مادة الحياة، ومنه ما جاء في سفر التكوين " فقال الرب: لا تحل روحي على إنسان أبداً، لأنه جسد" (التكوين6/3)، وقال عن آدم: "ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفساً حياً" (التكوين 2/7).

2- الوحي الذي تأتي به الملائكة إلى الأنبياء ومنه: "داود قال بالروح القدس" (مرقس 12/36)، ومثله "وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس" (لوقا 1/67)، بطرس: " أيها الرجال الإخوة، كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود " (أعمال 1/16)، وقد سمى الله الأنبياء وما يأتون به من الوحي روح القدس فقال موبخاً لبني إسرائيل: " يا قساة الرقاب وغير المختونين بالقلوب والآذان، أنتم دائماً تقاومون الروح القدس، كما كان آباؤكم كذلك أنتم، أيُّ الأنبياء لم يضطهده آباؤكم؟!" (أعمال 7/51).

3- كما يطلق على ما يعطيه الله من تأييد وفهم وحكمة لغير الأنبياء، وقد يكون بواسطة الملائكة وسواهم، ومنه قول فرعون لعبيده، وهو يبحث عن رجل حكيم: "هل نجد مثل هذا رجلاً فيه روح الله" (التكوين 41/38) وكذا " كان الرجل في أورشليم اسمه سمعان، وهذا الرجل كان باراً تقياً ينتظر تعزية إسرائيل، والروح القدس كان عليه" (لوقا 2/25)، وكذلك أيد روح القدس التلاميذ في اليوم الخمسين " فامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدؤوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا" (أعمال 2/4)، ومثله قول حجي: "روحي قائم في وسطكم. لا تخافوا" (حجي 2/5).

4- الرياح الشديدة، ومنه قول التوراة وهي تصف الريح المدمرة: "يبس العشب، ذبل الزهر، لأن روح الرب هب عليه" (إشعيا 40/7) ، وهو ينطبق على ما جاء في مقدمة سفر التكوين "وروح الله يرف على وجه الماء" (التكوين 1/1-2)، فإن في ترجمته لبساً أوهم هذا الخلط، فالنص كما ينقل الناقد الكبير اسبينوزا عن مفسري اليهود، يقصد منه رياح عظيمة أتت من عند الله فبددت ظلمات الغمر.

ونسبة الروح لله في هذين النصين نسبة تعظيم، لا تأليه كقوله "جبال الله" (المزمور 36/6)، وهي ليست أقانيم بالاتفاق.

لكن جميع المعاني التي ذكرناها قبلُ للروح القدس غير مرادة عند مؤلهي روح القدس، الذين لا يوافقون على كونه مجرد قوة أو تأثير أو ملاك من الله، فيقول ياسين منصور: "هو الأقنوم الثالوث في اللاهوت، وليس مجرد تأثير أو صفة أو قوة، بل هو ذات حقيقي، وشخص حي، وأقنوم متميز، ولكنه غير منفصل، وهو وحدة أقنومية غير أقنوم الأب وغير أقنوم الابن، وهو مساو لهما في السلطان والمقام، ومشترك وإياهما في جوهر واحد ولاهوت واحد"، وبالطبع هذه الذات التي يتحدثون عنها ليست ملاكاً من الملائكة، بل هي أحد أقانيم الإله.

وتتحدث الأسفار عن تجسدات الروح القدس، منها نزوله على شكل حمامة على المسيح وهو يصلي " نزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة" (لوقا 3/22)، فهل كانت تلك الحمامة إلهاً؟

وفي مرة أخرى أتى على شكل ألسنة نارية، وذلك حين حل على التلاميذ يوم الخمسين "وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة، وملأ البيت حيث كانوا جالسين، وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت في كل واحد منهم، وامتلأ الجميع من الروح القدس" (أعمال 2/1-4).

ويغمض النصارى الطرف عن النصوص التي صرحت بأن الروح القدس هو جبريل عليه السلام أو سواه من الملائكة ، فقد جاء الروح إلى كرنيليوس وبطرس، وهو ملاك " قال له الروح: هوذا ثلاثة رجال يطلبونك. لكن قم وانزل واذهب معهم غير مرتاب في شيء، لأني أنا قد أرسلتهم. فنزل بطرس إلى الرجال الذين أرسلوا إليه من قبل كرنيليوس .. فقالوا: إن كرنيليوس.. أوحي إليه بملاك مقدس أن يستدعيك إلى بيته، ويسمع منك كلاماً" (أعمال10/20-22)، فالملاك المقدس هو الروح الذي كلم بطرس، وهو الذي طلب من كرنيليوس أن يرسل رجاله إلى بطرس.

وعدو بني إسرائيل من الملائكة جبريل عليه السلام، فهو الروح القدس الذي خلص بني إسرائيل مراراً، ثم لما أصروا على كفرهم عذبهم وغضب عليهم، وتحول إلى عدو لهم، يقول إشعيا: " وملاك حضرته خلصهم. بمحبته ورأفته هو فكهم، ورفعهم وحملهم كل الأيام القديمة، ولكنهم تمردوا وأحزنوا روح قدسه، فتحول لهم عدواً، وهو حاربهم" (إشعيا 63/8-10).

وروح الله ليس اسماً خاصاً بجبريل، بل يطلق على غيره من الملائكة "ورأيت فإذا في وسط العرش والحيوانات الأربعة، وفي وسط الشيوخ خروف قائم كأنه مذبوح، له سبعة قرون وسبع أعين هي سبعة أرواح الله، المرسلة إلى كل الأرض" (الرؤيا 5/6)، فالأرواح التي رآها يوحنا ليست آلهة، وإلا تحول الثالوث النصراني إلى عاشور!!

وقد تكرر الحديث عن أرواح الله السبعة في سفر الرؤيا في موضعين آخرين، حيث قال: "ومن العرش يخرج بروق ورعود وأصوات، وأمام العرش سبعة مصابيح نار متّقدة هي سبعة أرواح الله " (الرؤيا 4/5)، ويقول: "واكتب إلى ملاك الكنيسة التي في ساردس. هذا يقوله الذي له سبعة أرواح الله، والسبعة الكواكب.. " (الرؤيا 3/1).

إن الروح القدس ليس بإله، ولو كان إلهاً لاستقل بالفعل بنفسه، لكنه لم يكن كذلك، يقول بطرس: "الروح القدس دفع بعض الناس أن يتكلموا بكلام من عند الله" (بطرس (2) 1/21) فلو كان الروح القدس إلهاً أزلياً مساوياً للآب في كل شيء لدفع الناس أن يتكلموا بكلام من عنده هو.

ومما يدفع ألوهيته أن النصوص تجعله هبة من الله يعطيها لأوليائه، كما قال المسيح: " فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة، فكم بالحري الآب الذي من السماء، يعطي الروح القدس للذين يسألونه " (لوقا 11/13).

ولو كان الروح القدس إلهاً لوجب القول بألوهية أولئك الذين يحل عليهم، فقد حل على كثيرين، منهم داود حيث "استوت روح الرب على داود" (ملوك (1)6/13)، وأيضاً "سمعان عليه روح القدس" (لوقا 2/25)، وحل الروح القدس على مريم " وقال لها: الروح القدس: يحل عليكِ، وقوة العلي تظللك" (لوقا 1/35) وأحبلها عيسى، فقد " وجدت حبلى من الروح القدس" (متى 1/18).

وكذا حل على التلاميذ " لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهوداً" (أعمال 1/8)، فصاروا يتكلمون بالروح القدس " فمتى ساقوكم ليسلموكم فلا تعتنوا من قبل بما تتكلمون ولا تهتموا، بل مهما أعطيتم في تلك الساعة فبذلك تكلموا، لأن لستم أنتم المتكلمين، بل الروح القدس " (مرقس 13/11) فهؤلاء جميعاً يستحقون العبادة لو كان الإله قد حل فيهم، وامتلأوا منه.

وأما ما يتعلق به النصارى على ألوهية روح القدس في قوله: "إن الله روح" (يوحنا 4/24)، إذ مقصود يوحنا أن الله روح، أي لا يرى، إذ ليس هو جسداً مادياً مكوناً من لحم وعظم، وقد قال لوقا ما يؤكد هذا الفهم: "والروح ليس له لحم أو عظام" (لوقا 24/39).

وهكذا يرى المحققون أن الروح القدس هو الآخر ليس بإله، وأن التثليث صياغة بشرية قامت بها المجامع بأهواء البابوات والأباطرة من غير أن تستند إلى دليل يؤكد أصالة هذا المعتقد الذي لم يعرفه الأنبياء ولم يذكره المسيح ولم يدركه الحواريون.

وقد صدقت الموسوعة الكاثوليكية الحديثة حين قالت: "إن صياغة الإله الواحد في ثلاثة أشخاص لم تنشأ موطدة وممكنة في حياة المسيحيين وعقيدة إيمانهم قبل نهاية القرن الرابع".???????أدلة النصارى النصية على عقيدة التثليث

من الطبيعي والمتوقع ونحن نتحدث عن أهم عقائد النصرانية، أي التثليث أن نجد ما يؤصله في عشرات النصوص الواردة على لسان الأنبياء ثم المسيح ثم تلاميذه من بعده.

لكن عند التصفح الدقيق لما بين دفتي الكتاب المقدس فإنا لا نجد الدليل الصريح الذي نبحث عنه، لا في العهد القديم، ولا في الجديد، ولم العجلة في إصدار الأحكام، هلم نتأمل ما جاء في الكتاب المقدس من تأصيل لهذا المعتقد الهام.


1- النصوص التوراتية وعقيدة التثليث

تعلق النصارى ببعض النصوص التوراتية وزعموا أنها إشارات إلى التثليث منها استخدام بعض النصوص صيغة الجمع العبري (ألوهيم) عند الحديث عن الله كما في مقدمة سفر التكوين" في البدء خلق الله السماء والأرض" (التكوين1/1)، وفي النص العبري"ألوهيم" أي: (الآلهة) ومثله في استخدام ما يدل على الجمع في أفعال منسوبة لله كقول التوراة أن الله قال: "هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم" (التكوين11/7).

و من الإشارات التوراتية أيضاً لتثليث الأقانيم قول الملائكة " قدوس، قدوس، قدوس، رب الجنود" (إشعيا6/3)، فقد كرر ذكر كلمة قدوس ثلاث مرات، ومثله قالت الحيوانات التي رآها يوحنا في رؤياه: " قدوس، قدوس، قدوس، الرب الإله القادر على كل شيء" (الرؤيا 4/8).


- نقد النصوص التوراتية

وبداية يعترف النصارى بأن ليس في هذه النصوص ما نستطيع أن نعتبره دليلاً صريحاً على التثليث الذي تنقضه النصوص التوحيدية الصريحة، كما لم يفهم سائر قراء العهد القديم - من لدن الأنبياء الأوائل لبني إسرائيل - شيئاً عن تلك التي يعتبرها النصارى إشارات على التثليث.

ويعترف بذلك القس بوطر، فيقول: "بعدما خلق الله العالم، وتوج خليقته بالإنسان لبث حيناً من الدهر لا يعلن له سوى ما يختص بالوحدانية كما تبين ذلك من التوراة على أنه لا يزال المدقق يرى بين سطورها إشارات وراء الوحدانية، لأنك إذ قرأت فيها بإمعان تجد هذه العبارات "كلمة الله" أو "حكمة الله" أو "روح الله" ولم يعلم من نزلت إليهم التوراة في ضوء الإنجيل يقف على المعنى المراد، إذ يجدها تشير إلى أقانيم اللاهوت…فما لمحت إليه التوراة صرح به الإنجيل"، وهنا يتساءل المرء لم ألغز الله تثليث أقانيمه عن موسى وبني إسرائيل، ولم كان سبب ضلالهم بما أورده لهم من نصوص موحدة، جعلتهم يحاربون عقيدة التثليث ويرفضونها، وهل سيغفر لهم ولغيرهم أنهم لم يهتدوا إلى حقيقة المراد من هذه الألغاز.

ونظر المحققون فيما أسمته النصارى إشارات التوراة، فوجدوا من النصارى لها تمحلاً لا تقبله الأذواق السليمة، ولا ترتضيه دلالات الكلام وتناسق السياق.

إن غاية ما يمكن أن تدل عليه هذه النصوص تعدد الآلهة، من غير تحديد لها بالتثليث أو التربيع أو غيره.

والجمع الوارد في مثل قوله: (ألوهيم، هلم ننزل ونبلبل) هو جمع تعظيم لا يفيد الكثرة، وقد اعتادت الأمم التعبير عن عظمائها باستخدام جمع التعظيم، فيقول الواحد: نحن، ورأينا، وأمرنا، ومقصده نفسه، ولا يقهم منه مستمع أنه يتحدث عن ذاته وأقانيمه الأخرى.

واستخدام صيغة الجمع للتعظيم لا العدد معروف حتى في الكتاب المقدس، وله صور منها قصة المرأة التي رأت روح صموئيل بعد وفاته، فعبرت عنه باستخدام صيغة الجمع، تقول التوراة: " فلما رأت المرأة صموئيل صرخت بصوت عظيم..فقالت المرأة لشاول: رأيت آلهة يصعدون من الأرض، فقال لها: ما هي صورته؟ فقالت: رجل شيخ صاعد، وهو مغطي بجبّة. فعلم شاول أنه صموئيل" (صموئيل (1) 28/12-14)، فقد كانت تتحدث عن صموئيل، لقد رأته على هيئة رجل شيخ، وتستخدم مع ذلك صيغة الجمع (آلهة)، فالجمع لا يفيد العدد بالضرورة.

وعندما عبد بنو إسرائيل العجل، وهو واحد سمته التوراة آلهة مستخدمة صيغة الجمع في ثلاثة مواضع، تقول: " فأخذ ذلك من أيديهم وصوّره بالإزميل، وصنعه عجلاً مسبوكاً، فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر....صنعوا لهم عجلاً مسبوكاً، وسجدوا له، وذبحوا له، وقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر" (الخروج 32/4-8)، ويمضي السفر ليؤكد ثالثة أصالة استعمال الجمع الذي يراد منه الواحد، فيقول: "رجع موسى إلى الرب، وقال: آه قد أخطأ هذا الشعب خطية عظيمة وصنعوا لأنفسهم آلهة من ذهب" (الخروج 32/31).

ومثله تجد هذا الاستخدام عند المسلمين كما في قول الله: [ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ] (الحِجر: 9)، فالمقصود هو الله الواحد العظيم.

وأما التكرار ثلاث مرات في قول الملائكة أو حيوانات رؤيا يوحنا وأمثال ذلك، فلا يصلح في الدلالة في شيء. فلو اطرد الاستدلال على هذه الكيفية فلسوف نرى تربيعاً وتخميساً وغير ذلك من التعداد للآلهة، فلئن وردت كلمة "قدوس" مثلثة مرتين في الكتاب المقدس، فإنها وردت مفردة نحو أربعين مرة، وإنما يراد من التكرار التأكيد كما في نصوص إنجيلية وتوراتية كثيرة، منها قول اليهود: " فصرخوا قائلين: اصلبه، اصلبه" (لوقا 23/21)، ونحوه في سؤال المسيح لبطرس، فقد كرره ثلاث مرات " فبعدما تغدوا قال يسوع لسمعان بطرس: يا سمعان بن يونا أتحبني أكثر من هؤلاء؟ قال له: نعم يا رب، أنت تعلم أني أحبك... قال له أيضاً ثانية: يا سمعان بن يونا أتحبني؟... قال له ثالثة: يا سمعان بن يونا أتحبني؟ فحزن بطرس لأنه قال له ثالثة: أتحبني" (يوحنا21/15-17).


2- النصوص الإنجيلية وعقيدة التثليث

ويرى النصارى أن ثمة أدلة على التثليث في أسفار العهد الجديد أصرح وأوضح من تلك التي وردت في التوراة منها أنه" لما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السماوات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة، وآتياً عليه، وصوت من السماء قائلاً: هذا هو ابني الحبيب والروح الذي سررت به" (متى 3/16-17).

فقد جمع النص الآب والابن الحبيب والروح النازل مثل الحمامة. ومثله يقول بولس: "بنعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس مع جميعكم. آمين" (كورنثوس (2)13/14).

لكن المتأمل في نص متى يرى ثلاث ذوات تمايزت بالأسماء والأعمال فكيف بعد ذلك يقال عنها بأنها وحدة واحدة.

ثم أن النصارى يقولون بحلول الابن في عيسى، وهنا يتحدث النص عن حلول الروح عليه، وفي مواضع أخرى أكد ذلك (انظر لوقا 3/22، متى 12/18)، فيما جاءت مواضع أخرى تتحدث عن حلول الله الأب فيه (انظر يوحنا 17/21، 14/9-10)، فأي الأقانيم إذاً الحال في المسيح.

و ليس في الكتاب المقدس سوى نصين فقط ذكر فيهما عناصر التثليث الثلاث جنباً إلى جنب، وهما نص الشهود الثلاثة في رسالة يوحنا الأولى وخاتمة إنجيل متى .


- الاستدلال بنص الشهود الثلاثة على التثليث

وهو أول النصين وأصرحهما، وهو ما جاء في رسالة يوحنا الأولى في قول يوحنا: " فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب والكلمة والروح القدس. وهؤلاء الثلاثة هم الواحد" (يوحنا(1) 5/7).

فهذا النص صريح في جعل الثلاثة إلهاً واحداً، غير أنه غير موجود في سائر المخطوطات القديمة للكتاب المقدس، بل وغير موجود حتى في أول نص مطبوع، فقد أضيف لاحقاً، وقد اعترف بإضافته علماء النصرانية ومحققوها ومنهم هورن، وجامعو تفسير هنري واسكات، وآدم كلارك، وفندر، وخلت ردود القديس أكستاين (ق4) من هذا النص على الرغم من مناظرته لفرقة ايرين المنكرة للتثليث، كما قد كتب عشر رسائل في شرح رسالة يوحنا لم يذكر في أيها هذا النص.

وقد حذفته النسخة القياسية المنقحة ( R S V ) من نسختها الإنجليزية، كما حذفته بعض التراجم العالمية، وما يزال موجوداً في غالب التراجم، ومنها العربية، يقول بنيامين ولسن مترجم المخطوطات اليونانية: "إن هذه الآية التي تشمل على الشهادة بالألوهية غير موجودة في أي مخطوط إغريقي مكتوب قبل القرن الخامس عشر، إنها لم تذكر بواسطة أي كاتب إكليركي (إغريقي) أو أي من الآباء اللاتينيين الأولين حينما يكون الموضوع الذي يتناولونه يتطلب بطبيعته الرجوع إليها، لذلك فهي بصراحة مختلقة".


- نقد الاستدلال بخاتمة متى على التثليث

وأما النص الثاني فهو ما جاء في خاتمة متى من أن المسيح قبيل صعوده إلى السماء " كلمهم قائلاً: دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن وروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر. آمين" (متى 28/ 18-20).

وأول نقد يتوجه لهذه الفقرة أنها رغم أهميتها لم ترد في الأناجيل الثلاثة الأخرى التي اتفقت على إيراد قصة دخول المسيح أورشليم راكباً على جحش. فهل كان ركوبه على جحش أهم من ذكر التثليث فلم يذكره سوى متى.

هذه الفقرة دخيلة بدليل قول علماء الغرب أيضاً، يقول ويلز: ليس دليلاً على أن حواريي المسيح اعتنقوا التثليث".

ويقول أدولف هرنك: "صيغة التثليث هذه التي تتكلم عن الآب والابن والروح القدس، غريب ذكرها على لسان المسيح، ولم يكن لها وجود في عصر الرسل، …كذلك لم يرد إلا في الأطوار المتأخرة في من التعاليم النصرانية ما يتكلم به المسيح وهو يلقي مواعظ ويعطي تعليمات بعد أن أقيم من الأموات، إن بولس لا يعلم شيئاً عن هذا ". إذ هو لم يستشهد بقول ينسبه للمسيح يحض على نشر النصرانية بين الأمم.

ويؤكد تاريخ التلاميذ عدم معرفتهم بهذا النص، إذ لم يخرجوا لدعوة الناس كما أمر المسيح، ثم لم يخرجوا من فلسطين إلا حين أجبرتهم الظروف على الخروج "وأما الذين تشتتوا من جراء الضيق الذي حصل بسبب استفانوس فاجتازوا إلى فينيقية وقبرص وأنطاكيا وهم لا يكلمون أحداً بالكلمة إلا اليهود فقط" (أعمال 11/19).

ولما حدث أن بطرس استدعي من قبل كرنيليوس الوثني ليعرف منه دين النصرانية، ثم تنصر على يديه. لما حصل ذلك لامه التلاميذ فقال لهم: " أنتم تعلمون كيف هو محرم على رجل يهودي أن يلتصق بأحد أجنبي أو يأتي إليه، وأما أنا فقد أراني الله أن لا أقول عن إنسان ما أنه دنس أو نجس" (أعمال 10/28)، لكنه لم يذكر أن المسيح أمرهم بذلك بل قال: " نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الأموات، وأوصانا أن نكرز للشعب" (أعمال10/42)، أي لليهود فقط.

وعليه فبطرس لا يعلم شيئاً عن نص متى الذي يأمر بتعميد الأمم باسم الأب والابن والروح القدس. ولذلك اتفق التلاميذ مع بولس على أن يدعو الأمميين، وهم يدعون الختان أي اليهود يقول بولس: "رأوا أني أؤتمنت على إنجيل الغرلة (الأمم) كما بطرس على إنجيل الختان…أعطوني وبرنابا يمين الشركة لنكون نحن للأممš